الإنصاف في مسائل الخلاف ج2
........................................................
267
الفصل السابع
ما ذكروه بشأنْ الإطلاع على المغيبات
والكلام بالنسبة للإطلاع على المغيبات يقع في جهتين :
الجهة الأولى
في بيان عقيدتهم بشأنْ إطلاع الأولياء على المغيبات
من جملة ما ذكروه في كرامات الأولياء هو إخبارهم
بالمغيبات ، وكلماتهم بذلك كثيرة جداً ، ومنها :
يقول ابن خلدون أثناء حديثه عن الصوفية : وأما الكلام
في كرامات القوم وإخبارهم بالمغيبات وتصرفهم في
الكـائنات فـأمر صحيح غير منـكر . (1)
وقال أبو سعد السمعاني في ترجمة شيخه أبي القاسم
الجرموكي : شيخ مقرئ فاضل صالح زاهد كثير العبادة ،
صاحب كرامات وآيات ، ما كان يفارق مجلسه إلا في روينا
الوضوء ، وكان الشيخ معروفا بين أهل بلده بالكرامات
والكلام على المغيبات . (2)
(1) مقدمة ابن خلدون ص 471 ط. دار الفكر / بيروت سنة
1419هـ - 1998م .
(2) التحبير في المعجم الكبير ج1 ص 501 رقم 538 .
268
...........................................
اتصال الأولياء بالملائكة وعالم الغيب
عند أهل السنة
وقال الفقيه الحنفي ابن عابدين أثناء رده على المعتزلة
المنكرين لكرامات الأولياء وإطلاعهم على المغيبات في
حاشيته المعروفة : قلت : بل ذكروا في كتب العقائد أن
جملة كرامات الأولياء الاطلاع على بعض المغيبات ،
وردوا على المعتزلة المستدلين بهذه الآية على نفيها
بأن المراد الإظهار بلا واسطة والمراد من الرسول الملك
أي لا يظهر على غيبه بلا واسطة إلا الملك أما النبي
والأولياء فيظهرهم عليه بواسطة الملك أو غيره وقد
بسطنا الكلام على هذه المسألة في رسالتنا المسماة سل
الحسام الهندي لنصرة سيدنا خالد النقشبندي فراجعها فإن
فيها فوائد نفيسة والله تعالى أعلم . (1)
وقال الشيخ أبو الفضل بن عطاء حسب نقل ابن حجر
العسقلاني عنه في شرح حديث > من عادى لي ولياً الخ < :
وفيه دلالة على جواز إطلاع الولي على المغيبات بإطلاع
الله ... (2)
(1) حاشية ابن عابدين ج3 ص 27 ط. دار الفكر / بيروت
سنة 1386هـ .
(2) فتح الباري في شرح صحيح البخاري ج11 ص 341 شرح
حديث 6173 ط. دار المعرفة / بيروت سنة 1379هـ وج3 ص
394 شرح حديث 6502 ط. دار الكتب العلمية / بيروت سنة
1424هـ 2003م .
الإنصاف في مسائل الخلاف ج2
........................................................
269
ونقل ابن حجر العسقلاني عن مجد الدين الشيرازي في شرح
معنى الصلاة على النبي (ص) وآله (ع) نقلاً عن بعض أهل
الكشف حيث قال: والمراد بقوله > وعلى آل محمد < اجعل
من أتباعه أناساً محدَثين بالفتح ويخبرون بالمغيبات
كما صليت على إبراهيم بأنْ جعلت فيهم أنبياء يخبرون
بالمغيبات ، والمطلوب حصول صفات الأنبياء لآل محمد كما
كانت حاصلة بسؤال إبراهيم .
قال ابن حجر : وهذا جيد إنْ سلم أنّ المراد بالصلاة
هنا ما ادعاه والله أعلم . (1)
ويقول ابن كثير : وقد ذكرنا في سيرة عمر بن الخطاب رضي
الله عنه أشياء كثيرة من مكاشفاته وما كان يخبر به من
المغيبات كقصة سارية بن زنيم وما شاكلها ولله الحمد
والمنة . (2)
ويقول السبكي في طبقات الشافعية الكبرى بشأنْ كرامات
الأولياء : وأما جمهور أئمتنا فعمموا التجويز ،
وأطلقوا القول إطلاقا ، وأخذ بعض المتأخرين يعدد أنواع
الواقعات من الكرامات فجعلها عشرة ،
(1) فتح الباري في شرح صحيح البخاري ج11 ص 162 شرح
حديث 5996 ط. دار المعرفة / بيروت سنة 1379هـ وج3 ص
394 شرح حديث 6358 ط. دار الكتب العلمية / بيروت سنة
1424هـ 2003م .
(2) البداية والنهاية ج6 ص 201 .
270
...........................................
اتصال الأولياء بالملائكة وعالم الغيب
عند أهل السنة
وهي أكثر من ذلك
وأنا أذكر ما عندي فيها .
إلى أنْ قال : الرابع عشر الإخبار ببعض المغيبات
والكشف وهو درجات تخرج عن حد الحصر . (1)
وقال السبكي في ترجمة أبي بكر بن قوام بن علي بن قوام
البالسي : وقد ألف في مناقبه حفيده الشيخ أبو عبد الله
محمد بن الشيخ عمر بن الشيخ أبي بكر مصنفا حسنا وأنا
أذكر بعض ما فيه :
إلى أنْ قال نقلاً عن حفيده : سمعته يوما وقد دخل إلى
البيت وهو يقول لزوجته : ولدك قد أخذه قطاع الطريق في
هذه الساعة ، وهم يريدون قتله وقتل رفاقه فراعها قول
الشيخ رضي الله عنه فسمعته يقول لها : لا بأس عليك ،
وإني قد حجبتهم عن أذاه وأذى رفاقه ، غير أن مالهم
يذهب وغدا إن شاء الله يصل هو ورفاقه، فلما كان من
الغد وصلوا كما ذكر الشيخ وكنت فيمن تلقاهم وأنا يومئذ
ابن ست سنين وذلك سنة ست وخمسين وستمائة . (2)
(1) طبقات الشافعية الكبرى ج2 ص 340 ط. هجر للطباعة
والنشر والتوزيع والإعلان / الجيزة سنة 1992م .
(2) طبقات الشافعية الكبرى ج8 ص 403 .
الإنصاف في مسائل الخلاف ج2
........................................................
271
ومن غريب ما ذكروه بشأنْ الإطلاع على المغيبات دعوى
أنّ بعض الأولياء يعلمون بوقت وفاة الناس وقبض أرواحهم
، ومن ذلك ما ذكره السبكي في طبقات الشافعية الكبرى في
ترجمة أبي العباس الملثم ناقلاً عن أحد أقرب خواصه حيث
قال : قال عبد الغافر : وكنت عزمت على الحجاز وحصل
عندي قلق زائد فأنا أمشي في الليل في زقاق مظلم وإذا
يد على صدري فزاد ما عندي من القلق ، فنظرت فوجدته
الشيخ أبا العباس فقال : يا مبارك القافلة التي أردت
الرواح فيها تؤخذ والمركب الذي يسافر فيه الحجاج يغرق
، فكان الأمر كذلك ، قال وكان الشيخ أبو العباس لا
يخلو عن عبادة يتلو القرآن نهارا ويصلي ليلاً ، قال
وكان أبوه ملكاً بالمشرق . قال : وقلت له يوما : يا
سيدي أنت تقول فلان يموت اليوم الفلاني ، وهذه المراكب
تغرق وأمثال ذلك والأنبياء عليهم السلام لا يقولون ولا
يظهرون إلا ما أمروا به مع كمالهم وقوتهم ، ونور
الأولياء إنما هو رشح من نور النبوة ، فلم تقول أنت
هذه الأقوال ؟ فاستلقى على ظهـره وجعـل يضحـك ويقـول
وحياتي وحياتك يا فتى ما هـو باختياري . (1)
(1) طبقات الشافعية الكبرى ج8 ص 37 رقم 1058 .
272
...........................................
اتصال الأولياء بالملائكة وعالم الغيب
عند أهل السنة
ما ذكروه بشأنْ إخبار أبي بكر بالمغيبات
مما ذكروه من إخبار أبي بكر بالمغيبات ما أخرجه الإمام
مالك في الموطأ عن ابن شهاب ، عن عروة بن الزبير ، عن
عائشة زوج النبي صلى الله عليه(وآله) وسلم أنها قالت :
أنّ أبا بكر الصديق كان نحلها جاد عشرين وسقاً من ماله
بالغابة ، فلما حضرته الوفاة قال : والله يا بنية ما
من الناس أحد أحب إلي غنى بعدي منك ولا أعز علي فقراً
بعدي منك ، وإني كنت نحلتك جاد عشرين وسقاً ، فلو كنت
جددتيه واحتزتيه كان لك ، وإنما هو اليوم مال وارث ،
وإنما هما أخواك وأختاك ، فاقتسموه على كتاب الله قالت
عائشة : فقلت يا أبت والله لو كان كذا وكذا لتركته ،
إنما هي أسماء فمن الأخرى ، فقال أبو بكر : ذو بطن بنت
خارجة أراها جارية . (1)
وأخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار واللالكائي الطبري
في كرامات الأولياء
(1) موطأ مالك برواية يحي بن يحي الليثي ج2 ص 752 ح
1438 تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي ط. دار إحياء التراث
العربي / القاهرة .
الإنصاف في مسائل الخلاف ج2
........................................................
273
وابن عساكر في تاريخه بالإسناد عن
مالك والبيهقي بالإسناد عن مالك وغيره . (1)
يقول السبكي بعد إيراد هذا الخبر : قلت : فيه كرامتان
لأبي بكر :
إحداهما : إخباره بأنه يموت في ذلك المرض ، حيث قال :
> وإنما هو اليوم مال وارث < .
والثانية : إخباره بمولود يولد له ، وهو جارية . (2)
ما ذكروه بشأنْ إخبار عثمان بن عفان بالمغيبات
يقول السبكي في طبقات الشافعية الكبرى أثناء حديثه عن
عثمان بن عفان : دخل إليه رجل كان قد لقي امرأة في
الطريق فتأملها ، فقال له عثمان رضي الله عنه : يدخل
أحدكم وفي عينيه أثر الزنا ! فقال الرجل : أوحي بعد
رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم ؟ قال : لا ،
(1) شرح معاني الآثار ج4 ص 88 ط. دار الكتب العلمية /
بيروت سنة 1399هـ ، كرامات الأولياء
للالكائي الطبري ص
117 ص 63 ط. دار طيبة / الرياض سنة 1412هـ ، السنن
الكبرى للبيهقي ج6 ص 169 وص 257 ط. مكتبة دار الباز /
مكة المكرّمة سنة 1414هـ - 1994م ،
تاريخ مدينة دمشق
لابن عساكر ج30 ص 425 ، الاستذكار لابن عبد البر
الأندلسي ج7 ص 226 رقم 1440 ط. دار الكتب العلمية /
بيروت سنة 1421هـ - 2000م.
(2) طبقات الشافعية الكبرى ج2 ص 322 .
274
...........................................
اتصال الأولياء بالملائكة وعالم الغيب
عند أهل السنة
ولكنها فراسة . (1)
وقال ابن قيم الجوزية في مدارج السالكين : وكذلك عثمان
بن عفان رضي الله عنه صادق الفراسة ، وقال أنس ابن
مالك رضي الله عنه : دخلت على عثمان بن عفان رضي الله
عنه ، وكنت رأيت امرأة في الطريق تأملت محاسنها ، فقال
عثمان رضي الله عنه : يدخل عليّ أحدكم وأثر الزنا ظاهر
في عينيه . فقلت : أوحي بعد رسول الله ؟! فقال : ولكن
تبصرة وبرهان وفراسة صادقة وفراسة الصحابة رضي الله
عنهم أصدق الفراسة . (2)
دعوى أتباع ابن تيمية
بشأنْ إطلاعه على المغيبات
يقول ابن قيم الجوزية في كتابه مدارج السالكين : ولقد
شاهدت من فراسة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله
أموراً عجيبة ، وما لم أشاهده منها أعظم وأعظم ،
(1) طبقات الشافعية الكبرى ج2 ص 327 .
(2) مدارج السالكين ج2 ص 486 ط. دار الكتاب العربي /
بيروت سنة 1393هـ - 1973م ، وراجع أيضاً :
الطرق
الحكمية لابن قيم الجوزية ص 43 ط. مطبعة المدني /
القاهرة ، فيض القدير للمناوي ج1 ص 142 ط. المكتبة
التجارية الكبرى / القاهرة .
الإنصاف في مسائل الخلاف ج2
........................................................
275
ووقائع فراسته تستدعي سفراً ضخما ، أخبر أصحابه بدخول
التتار الشام سنة تسع وتسعين وستمائة ، وأنّ جيوش
المسلمين تكسر ، وأنّ دمشق لا يكون بها قتل عام ولا
سبي عام ، وأنّ كلب الجيش وحدته في الأموال : وهذا قبل
أن يهم التتار بالحركة ، ثم أخبر الناس والأمراء سنة
اثنتين وسبعمائة لما تحرك التتار وقصدوا الشام : أنّ
الدائرة والهزيمة عليهم وأنّ الظفر والنصر للمسلمين
وأقسم على ذلك أكثر من سبعين يميناً فيقال له : قل إن
شاء الله فيقول : إن شاء الله تحقيقا لا تعليقا .
وسمعته يقول ذلك قال : فلما أكثروا عليّ قلت : لا
تكثروا ، كتب الله تعالى في اللوح المحفوظ : أنهم
مهزومون في هذه الكرة وأن النصر لجيوش الإسلام قال :
وأطعمت بعض الأمراء والعسكر حلاوة النصر قبل خروجهم
إلى لقاء العدو وكانت فراسته الجزئية في خلال هاتين
الواقعتين مثل المطر .
ولما طلب إلى الديار المصرية وأريد قتله بعد ما أنضجت
له القدور وقلبت له الأمور : اجتمع أصحابه لوداعه
وقالوا : قد تواترت الكتب بأنّ القوم عاملون على قتلك
فقال : والله لا يصلون إلى ذلك أبدا قالوا : أفتحبس
قال : نعم ، ويطول حبسي ثم أخرج وأتكلم بالسنة على
رؤوس الناس سمعته يقول ذلك .
276
...........................................
اتصال الأولياء بالملائكة وعالم الغيب
عند أهل السنة
ولما تولى عدوه الملقب بالجاشنكير الملك أخبروه بذلك
وقالوا : الآن بلغ مراده منك فسجد لله شكرا وأطال فقيل
له : ما سبب هذه السجدة فقال : هذا بداية ذله ومفارقة
عزه من الآن وقرب زوال أمره فقيل له : متى هذا فقال :
لا تربط خيول الجند على القرط حتى تغلب دولته فوقع
الأمر مثل ما أخبر به سمعت ذلك منه . (1)
وقال أيضاً متحدثاً عن أستاذه ابن تيمية : وقال مرة :
يدخل علي أصحابي وغيرهم فأرى في وجوههم وأعينهم أموراً
لا أذكرها لهم ، فقلت له أو غيري لو أخبرتهم ؟! فقال :
أتريدون أن أكون معرفاً كمعرف الولاة ، وقلت له يوماً
: لو عاملتنا بذلك لكان أدعى إلى الاستقامة والصلاح !
فقال : لا تصبرون معي على ذلك جمعة أو قال : شهراً ! .
قال ابن قيم الجوزية بعد ذلك : وأخبرني غير مرة بأمور
باطنة تختص بي مما عزمت عليه ، ولم ينطق به لساني ،
وأخبرني ببعض حوادث كبار تجري في المستقبل ، ولم يعين
أوقاتها وقد رأيت بعضها ، وأنا أنتظر بقيتها وما شاهده
كبار أصحابه من ذلك أضعاف أضعاف ما شاهدتـه والله
أعلم . (2)
(1) مدارج السالكين ج2 ص 489 ، 490 .
(2) مدارج السالكين ج2 ص 490 .
الإنصاف في مسائل الخلاف ج2
........................................................
277
أقول : هذا كلام ابن قيم الجوزية واضح في دعوى أنّ ابن
تيمية لديه علم بجملة من الأمور المستقبلية قبل وقوعها
، وأنها كان على علم تام بها حتى أنه حسب زعمه كان
يدعي ببعض الحوادث أنها مكتوبة في اللوح المحفوظ ،
وأنه يعلم بما في ضمائر أتباعه ، وأنه لم يكن يخبرهم
بما في نفوسهم لكونهم لا يطيقون ذلك .
بينما نجد جماعة من أتباعه وأتباع محمد بن عبد الوهاب
يكفرون من يعتقد ذلك فيمن لا يُقاس بهم ابن تيمية وهم
أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة ومن أذهب الله عز وجل
عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً ، وأنظر إلى الغلو أين يقع
وفي أي طرف من الأطراف ، ولا ندعي عدم وجود غلاة
ينسبون غلوهم إلى التشيع ، ولكن صرح فقهاء الشيعة بعدم
قبول الغلو ، بل وبالحكم بنجاسة الغلاة في الجملة
وكفرهم ، ولكن إذا كان عقيدة الشيعة بأنّ الله عز وجل
يطلعهم على غيبه ما ارتضاه كفراً ، كما نجده في كلمات
الكثير من الوهابية فلا بد من التزامهم بتكفير إمامهم
ابن تيمية وتلميذه ابن قيم الجوزية .
278
...........................................
اتصال الأولياء بالملائكة وعالم الغيب
عند أهل السنة
الجهة الثانية
في بيان عقيدتهم بأنّ الإطلاع على المغيبات قد
يقع لغير الأولياء بل حتى غير المؤمنين
من الأمور التي صرّح بها عدة من علماء السنة أنّ غير
المؤمنين وغير الصالحين قد يطلعون على المغيبات
ويخبرون بها ، ومن بين من صرّح بذلك :
1- ابن تيمية
يقول ابن تيمية : ... وكذلك الإخبار ببعض الأمور
الغائبة مع الكذب في بعض الإخبار , فهذا تفعله الجن
كثيرا مع الكهان وهو معتاد لهم مقدور بخلاف أخبارهم
بما يأكلون .... والرب قد أخبر في القرآن أن الشياطين
تنزل على بعض الناس فتخبره ببعض الأمور الغائبة ... (1)
ويقول أيضاً : ... وهو انه قد ادعى جماعة من الكذابين
النبوة وأتوا بخوارق من جنس خوارق الكهان والسحرة :
... وهذا الأسود العنسي الذي ادعى النبوة باليمن في
حياة النبي (ص) واستولى على
(1) كتاب النبوات ص 10 ط. دار
القلم / بيروت .
الإنصاف في مسائل الخلاف ج2
........................................................
279
اليمن وكان معه شيطان سحيق ومحيق , وكان يخبره بأشياء غائبة .
إلى أن قال : وكذلك الحارث الدمشقي ومكحول الحلبي
وبابا الرومي لعنـة الله عليهم , وغير هـؤلاء كانت
معهـم شياطين كما هي مع السحرة
والكهان . (1)
ويقول أيضاً : ... وأما إخبار الكهان ببعض الأمور
الغائبة لإخبار الشياطين لهم بذلك وسحر السحرة بحيث
يموت الإنسان من السحر , أو يمرض أو يمنع النكاح ,
ونحو ذلك مما هو بإعانة الشياطين , فهذا أمر موجود في
العالم كثير معتاد يعرفه الناس , وليس هذا خرق للعادة
, بل هو من العجائب الغريبة التي يختص بها بعض الناس
... (2)
وقال أيضاً : والذي علمناه في زماننا ممن تحمله الجن
وتطير به في الهواء وتسرق له أنواع الأطعمة من الحلاوة
وغيرها وتأتيه بها وتخبره عن بعض الأمور الغائبة عنه
بأمور كثيرة يطول وصفها في هذا الباب...(3)
وقال أيضاً : ومن المشهور المتواتر عند الترك ما تفعله
سحرتهم وكهانهم من البخشية والطوينية وشيخهم الذي يقال
له البوا ،
(1) كتاب النبوات ص 155 ، 156 .
(2) كتاب النبوات ص 309
.
(3) الصفدية ص 168 تحقيق د. محمد رشاد سالم ط. سنة
1406هـ .
280
...........................................
اتصال الأولياء بالملائكة وعالم الغيب
عند أهل السنة
ومن شرطه عندهم أن يكون مخنثا مأبونا ينكح
ينصب له خركاة في ظلمة ، فيذبحون ذبيحة للشيطان ويغنون
له فتأتي الشياطين وتخاطبهم ببعض الأمور الغائبة
كأحوال غائبيهم وسرقاتهم وغير ذلك ، ويحمل البوا فيوقف
به في الهواء وهم يرونه ولا يكون بينهم إذ ذاك مسلم
ولا كتاب فيه قرآن ، هذا مشهور عندهم إلى هذا الوقت
أخبرنا به غير واحد ، وآخرون كانت الشياطين تأتيهم
بأطعمة يسرقونها من حوانيت الناس ، وجرى هذا لغير واحد
في زماننا وغير زماننا وأتى قوم بحلاوة من الهواء ،
وعرفت تلك الحلاوة المسروقة وفقدها صاحبها ووصفت
الآنية التي كانت فيها ، فرد ثمنها إليه وهذه الأمور
وأمثالها معلوم لنا بالضرورة والتواتر ، فإذا كانت
الجن تحمل الإنسان من مكان إلى مكان بعيد في الهواء
وتحمل الأموال إليه من مكان بعيد وتخبره بأمور غائبة
عن الحاضرين علم أن هذه الخوارق ليست من قوى النفوس ،
بل بفعل الجن ، وإذا كانت الجن تفعل مثل هذا فالملائكة
أعلى منهم وأقدر وأكمل وأفضل . (1)
وقال أيضاً : وهؤلاء المشركون قد تتمثل لهم الشياطين
وقد تخاطبهم بكلام ، وقد
(1) الصفدية ص 191 ، 192.
الإنصاف في مسائل الخلاف ج2
........................................................
281
تحمل أحدهم في الهواء وقد
تخبره ببعض الأمور الغائبة وقد تأتيه بنفقة أو طعام أو
كسوة أو غير ذلك ، كما جرى مثل ذلك لعباد الأصنام من
العرب وغير العرب ، وهذا كثير موجود في هذا الزمان
وغير هذا الزمان للضالين المبتدعين المخالفين للكتاب
والسنة إما بعبادة غير الله وإما بعبادة لم يشرعها
الله ... (1)
وقال أيضاً : وكذلك مسيلمة الكذاب وكان معه من
الشياطين من يخبره بالمغيبات ، ويعينه على بعض الأمور
، وأمثال هؤلاء كثيرون مثل الحارث الدمشقي الذي خرج
بالشام زمن عبد الملك بن مروان وادعى النبوة ، وكانت
الشياطين يخرجون رجليه من القيد وتمنع السلاح أن ينفذ
فيه ، وتسبح الرخامة إذا مسحها بيده ، وكان يرى الناس
رجالا وركبانا على خيل في الهواء ويقول : هي الملائكة
،وإنما كانوا جنا ولما أمسكـه المسلمـون ليقتلـوه طعنه
الطاعن بالرمح ، فلم ينفذ فيه فقـال له
عبد الملك : انك لم تسم الله فسمى الله فطعنه فقتله .
(2)
(1) مجموع فتاوى ابن تيمية ج1 ص 82 .
(2) مجموع فتاوى ابن تيمية ج11 ص 285 .
282
...........................................
اتصال الأولياء بالملائكة وعالم الغيب
عند أهل السنة
2- ابن قيم الجوزية
يقول ابن قيم الجوزية أثناء حديثه عن الذين يعبدون
أصناماً على صور الكواكب : ومن أسباب عبادتها أنّ
الشياطين تدخل فيها (1) وتخاطبهم منها وتخبرهم ببعض
المغيبات ، وتدلهم على بعض ما يخفى عليهم وهم لا
يُشاهدون الشياطين ، فجهلتهم وسقطهم يظنون أنّ الصنم
نفسه هو المتكلم ... (2)
وبعد أنْ ذكر قوله تعالى :
( وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ
جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدْ اسْتَكْثَرْتُمْ
مِنْ الإِنسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنْ الإِنسِ
رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا
أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ
مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلاَّ مَا شَاءَ
اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ)(3) قال : قال
ابن عباس ومجاهد والحسن وغيرهم أضللتم منهم كثيرا
فيجيبه سبحانه أولياؤهم من الإنس بقولهم ربنا استمتع
بعضنا ببعض يعنون استمتاع كله نوع بالنوع الآخر
فاستمتاع الجن بالإنس طاعتهم لهم فيما يأمرونهم به من
الكفر والفسوق والعصيان فإن هذا أكثر أغراض الجن من
الإنس ،
(1) أي في تلك الأصنام .
(2) إغاثة اللهفان ج2 ص 224 ط. دار المعرفة / بيروت
سنة 1395هـ- 1975م.
(3) سورة الأنعام : 128 .
الإنصاف في مسائل الخلاف ج2
........................................................
283
فإذا أطاعوهم فيه فقد أعطوهم مناهم ، واستمتاع
الإنس بالجن أنهم أعانوهم على معصية الله تعالى والشرك به بكل ما يقدرون عليه من التحسين والتزيين والدعاء
وقضاء كثير من حوائجهم واستخدامهم بالسحر والعزائم
وغيرها فأطاعهم الإنس فيما يرضيهم من الشرك والفواحش
والفجور وأطاعتهم الجن فيما يرضيهم من التأثيرات
والإخبار ببعض المغيبات ، فتمتع كل من الفريقين بالآخر
وهذه الآية منطبقة على أصحاب الأحوال الشيطانية الذين
لهم كشوف شيطانية وتأثير شيطاني فيحسبهم الجاهل أولياء
الرحمن ، وإنما هم من أولياء الشيطان أطاعوه في
الإشراك ومعصية الله والخروج عما بعث به رسله وأنزل به
كتبه فأطاعهم في أن خدمهم بإخبارهم بكثير من المغيبات
والتأثيرات واغتر بهم من قل حظه من العلم والإيمان
فوالى أعداء الله وعادى أولياءه وحسن الظن بمن خرج عن
سبيله وسنته وأساء الظن بمـن اتبـع سنة الرسـول (ص) وما
جاء بـه ولم يدعها لأقوال المختلفين
وآراء المتحيرين وشطحات المارقين وترهات المتصوفين . (1)
وقال أيضاً : وعلى حسب قوة البصيرة وضعفها تكون
الفراسة وهي نوعان :
(1) إغاثة اللهفان ج2 ص 237 .
284
............................................
اتصال الأولياء بالملائكة وعالم الغيب
عند أهل السنة
فراسة علوية شريفة مختصة بأهل
الإيمان ، وفراسة سفلية دنيئة مشتركة بين المؤمن
والكافر ، وهي فراسة أهل الرياضة والجوع والسهر
والخلوة وتجريد البواطن من أنواع الشواغل فهؤلاء لهم
فراسة كشف الصور والإخبار ببعض المغيبات السفلية التي
لا يتضمن كشفها والإخبار بها كمالاً للنفس ولا زكاة
ولا إيمانا ولا معرفة ، وهؤلاء لا تتعدى فراستهم هذه
السفليات لأنهم محجوبون عن الحق تعالى ، فلا تصعد
فراستهم إلى التمييز بين أوليائه وأعدائه وطريق هؤلاء
وهؤلاء . (1)
3- ابن خلدون
يقول ابن خلدون في مقدمته المعروفة : ... ونفوس الكهنة
لها خاصية الإطلاع على المغيبات بقوى شيطانية ... (2)
4- ابن حجر العسقلاني
يقول ابن حجر في الدرر الكامنة : ... الحسين الموله
التركماني ، كان يحلق ذقنه ويمشي حافيا ويكثر الحلف
بالله وينطق أحيانا بالمغيبات فيقع كما قال ، فارتبط
عليه الناس وأكثرهم يعتقد صلاحه ومنهم من لا يلتفت إلى
ذلك ويعدها أحوالا شيطانية لما يرى
(1) مدارج السالكين ج1 ص 131ط. دار الكتاب العربي /
بيروت سنة 1393هـ - 1973م.
(2) مقدمة ابن خلدون ص 497 .
الإنصاف في مسائل الخلاف ج2
........................................................
285
منه من دناسة
الثياب وملابسة النجاسات وكان يحدث نفسه ويحرك رأسه
ومات بـدمشق في شوال سنة 724 . (1)
أقول : اتضح أنهم يتسالمون على أنْ يطلع الأولياء على
المغيبات بإذنْ الله عز وجل ، بل اتضح أنهم يقولون
بعدم اختصاص ذلك بالصالحين ، ولكن عندما يُنسب مثل ذلك
للأئمة المعصومين (ع) تجد الكثيرين تضيق نفوسهم وتجدهم
يبحثون عن مختلف المبررات سعياً لتكفير القائل أو تفسيقه ، وإنْ كان من ذلك من سبب فليس إلا عبارة عن
نصب العداء لأهل بيت الوحي عليهم الصلاة والسلام .