26
.....................................................
خلاف المسلمين في رؤية الله عز وجل
الفصل الرابع
أدلة القول بجواز الرؤية عقلاً ومناقشتها
اختلف القائلون بجواز ووقوع الرؤية يوم القيامة في
كيفية الإستدلال لإثبات ذلك ، لعدم اتفاقهم على مبان
علمية مشتركة ، ومن هنا كانت الأدلة التي عرضتها مدرسة
أبي الحسن الأشعري تختلف كثيراً عما طرحه كثير من
الحنابلة كابن تيمية وتلميذه ابن القيم وعثمان بن سعيد
الدارمي وأحمد بن حنبل وغيرهم ، ولذا فإنّ المناسب أنْ
نعرض كلا القسمين من الأدلة :
أولاً : أدلة الأشاعرة على جواز الرؤية :
الإنصاف في مسائل الخلاف ج2 ........................................................
27
استدل الأشاعرة لإثبات جواز الرؤية بعدة أمور أهمها :
الدليل الأول
أنه لا دليل على امتناع الرؤية إلا ما يدعى من استلزام
ذلك للجهة ، واستلزام الجهة والمقابلة وإنْ جرت به
العادة في عالم الدنيا ، ولكن لا يلزم في الآخرة من
الرؤية ثبوت هذه اللوازم .
وتفسير عدم استلزام الرؤية للمقابلة والجهة في الآخرة
اختلفوا فيه على نحوين :
أحدهما : إنكار توقف الرؤية على ثبوت الجهة والمقابلة
مطلقاً حتى في عالم الدنيا ، وأنْ هذا التوقف هو مجرد
اتفاق ، لا من جهة الملازمة ، يقـول النووي : ثم مذهب
أهل الحق أنّ الرؤية قوة يجعلها الله تعالى في خلقه ،
ولا يشترط فيها اتصال الأشعة ، ولا مقابلة المرئي ،
ولا غير ذلك، لكن جرت العادة في رؤية بعضنا بوجود ذلك
على جهة الاتفاق لا على سبيل الاشتراط ، وقد قرر
أئمتنا المتكلمون ذلك بدلائله الجلية ، ولا يلزم من
رؤية الله تعالى إثبات جهة ، تعالى عن ذلك ،
28
.....................................................
خلاف المسلمين في رؤية الله عز وجل
بل يراه
المؤمنون لا في جهة كما يعلمونه لا في جهة ، والله
أعلم . (1)
ثانيهما : التسليم بتوقف الرؤية عقلاً في عالم الدنيا
على المقابلة والجهة بدعوى أنّ التوقف على ذلك إنما
يختص بالأجسام والباري عز وجل ليس بجسم . (2)
وذكر أبو بكر الباقلاني وهو أحد مؤسسي المدرسة
الأشعرية الأوائل بأنّ الرؤية في دار الدنيا إنما
تتوقف على الجهة والمقابلة لوجود ما يمنع من إدراك غير
المقابل الذي يكون في جهة في أبصارنا ، ولو رفع الله
عز وجل ما يمنع من رؤيتها غير المقابل وغير ذي الجهة
لم يتوقف على الجهة أو المقابلة، وهو ما سيكون في
الآخرة . (3)
(1) شرح صحيح مسلم للنووي ج3 ص 15 ، 16 ، شرح الزرقاني
ج1 ص 479 ط. دار الكتب العلمية / بيروت سنة 1411هـ ،
فتح الباري ج1 ص 514 ط. دار المعرفة / بيروت سنة
1379هـ ، الموافقات في أصول الفقه للشاطبي ج3 ص 20 ط.
دار المعرفة / بيروت.
(2) كتاب المواقف ج3 ص 196.
(3) تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل للباقلاني ص 316 ط.
مؤسسة الكتب الثقافية / بيروت سنة 1987م .
الإنصاف في
مسائل الخلاف ج2
.......................................................
29
ونقل القاضي عياض عن الإمام مالك وجهاً آخر للتفريق
بين الرؤية في الدنيا والآخرة ، وهو أنّ الدنيا فانية
، والآخرة باقية ، والله عز وجل باق ، والباقي لا يرى
إلا في الباقي . (1)
ولعل أقوى الوجوه المذكورة لإثبات جواز الرؤية في
الآخرة بعد التسليم بامتناعها في الدنيا ما ذكره الفخر
الرازي بأنّ المقابلة إنما تشترط بالنسبة للماهيات
الممكنة ، وذات الباري عز وجل ليس لها ماهية ، فما
يقال من الإمتناع وإنْ صح بالنسبة للماهيات لكنه لا
يصح بالقياس إلى الباري عز وجل . (2)
وقال في تفسيره : ألم تعلموا أنّ ذاته تعالى مخالفة
لسائر الذوات ، ولا يلزم من ثبوت حكم في شيء ثبوت مثل
ذلك الحكم فيما يخالفه ، والعجب أنّ القائلين
بالامتناع يدعون الفطنة والكياسة ، ولم ينتبه أحد لهذا
السؤال ، ولم يخطر بباله ركاكة هذا الكلام . (3)
(1) فتح الباري ج8 ص 608 ط. دار المعرفة / بيروت سنة
1379هـ .
(2) الأربعين في أصول الدين للفخر الرازي ص 190 ، 191
.
(3) التفسير الكبير للفخر الرازي ج13 ص 130 .
30
.....................................................
خلاف المسلمين في رؤية الله عز وجل
مناقشة الدليل المتقدم الذي ذكره الأشاعرة
ما تقدم هو عمدة ما ذكره علماء الأشاعرة لإثبات جواز
الرؤية عقلاً في الدنيا أو الآخرة أو كليهما ، وقـد
اتضح أنهم بالنسبة لجـواز الرؤية عقـلاً
انقسموا إلى قسمين :
الأول : من ذهب إلى عدم توقف الرؤية على المقابلة أو
الجهة ، وإنما يقع في الدنيا من باب الإتفاق ، وأنْ
العقل لا يمنع من حصول الرؤية مع إنعدام الجهة
والمقابلة مطلقاً .
الثاني : من ذهب إلى توقف الرؤيـة في عالم الـدنيا على
الجهة والمقابلة ، بدعوى أنّ الله عز وجل أودع في
أبصارنا ما يمنع الرؤية من دون ذلك ، وأنه يوم القيامة
لا يجعل هذا المانع فتقع الرؤية بدون وجود الجهة وبدون
توقف ذلك على المقابلة ، وذكر بعضهم وجوها أخرى تقدمت
.
وإنما فسروا الرؤية بما تقدم ليتخلصوا من محذور الحد
والجسمية الذي يستلزم إنكار واجب الوجود كما تقرر في
محله .
وما ذكره علماء الأشاعرة غاية في إنكار البديهيات ،
فلو قال أحد أنّ الإنسان يمكن أنْ يرى يوم القيامة
الأشياء مع انعدام النور فلا نتصور عاقلاً يمكن أنْ
يقبل ذلك ، لأنّ الرؤية مع الظلمة التامة محال عقلاً
بالضرورة ، ومن الأوليات التي لا تحتاج إلى برهان ، بل
و لا يقام عليها البرهان ، ولذا قالوا : > توضيح
الواضحات من أشكل المشكلات < ، وكذا الحال بالنسبة
لتوقف رؤية الشيء
الإنصاف في
مسائل الخلاف ج2
........................................................
31
على المقابلة وعلى وجود جهة له حتى
يتم مقابلته بتلك الجهة هو من أو ضح واضحات العقل
وبديهياته والبحث فيـه كالبحث في امتناع ارتفـاع
النقيضين وارتفاعهما ، والمكابرة الأشد عند القول بأنّ
الرؤية حتى في الدنيا لا تتوقف على المقابلة والجهة ،
وإنما يقع ذلك اتفاقاً ، والعجب بعد أنْ التفت إلى
الملازمة بين الرؤية والمقابلة حاول التخلص من الإشكال
بالتفريق بين ذات الباري عز وجل والممكنات ، ويمكن
الجواب على ما ذكره بما أفاده بعض المحققين بأنّ الفخر
الرازي لم ينتبه إلى أنّ الرؤية من المقولات الإضافية
القائمة بين الرائي والمرئي ، وأنّ التقابل من لوازم
الرؤية بما هي هي ، كما هو الحال بالنسبة للعلاقة بين
الزوجية والإثنين فالزوجية لازم للاثنين ، وذات
الاثنين تقتضي الزوجية بلا حاجة إلى ضم شيء آخر ، وليس
التقابل أمراً له علاقة بنوع المرئي ، بل الرؤية بعد
كونها أمراً إضافياً بين الطرفين لا يعقل تحققها إلا
بالمقابلة بغض النظر عن نوع المرئي . (1)
وعليه فما لم
تتحقق المقابلة والجهة فلا مجال عقلاً لتحقق الرؤية .
(1) رؤية الله في ضوء الكتاب والسنة والعقل ص 36 .
32
.....................................................
خلاف المسلمين في رؤية الله عز وجل
والأعجب مما تقدم ما ذكره الفخر الرازي بأنه لو كانت
الضرورة حاكمة بامتناع الرؤية مع عدم المقابلة والجهة
للزم اتفاق العقلاء على ذلك ، واللازم باطل ، فالعقلاء
مختلفون في ذلك ، فمنهم من يجوز الرؤية مع المقابلة ،
ومنهم من يمنعها ، فوجب أنْ لا يكون ذلك من البديهيات
. (1)
ويمكن الجواب عليـه بأنه لم يخالف في ذلك إلا علماء
الأشاعرة ، ولـو
كان مثل هذه المخالفات تقتضي إنكار الضرورة فذلك يلزم
منه أنّ يكون مذهب السفسطة وإنكار الحقائق من المذاهب
التي تقبل النظر ، وأنْ ثبوت الحقائق ليس من البديهيات
، لأنّ العلماء اختلفوا في أصل ثبوت الحقيقة ، فقال
أهل السفسطة :
كل ما في الكون وهم أو خيال أو عكوس في المرايا أو
ضلال
وكم من حقائق بديهية أنكرت في مقابل الشبهات ، وإلا
فلولا هذه الشبهة فإنّ العقلاء يرون توقف الرؤية على
الجهة وعلى المقابلة بالضرورة ، من دون توقف ثبوت ذلك
بالنسبة لهم على البرهان .
(1) الأربعين في أصول الدين للفخر الرازي ص 190 .
الإنصاف في
مسائل الخلاف ج2
........................................................
33
ولقد أجاد العلامة الحلي
(قدس سره) حيث قال : وجوب الوجود
يقتضي نفي الرؤية أيضاً ، واعلم أنّ أكثر العقلاء
ذهبوا إلى امتناع رؤيته تعالى ، والمجسمة جوزوا رؤيته
لاعتقادهم أنه تعالى جسم ، ولو اعتقدوا تجرده لم
يجوزوا رؤيته عندهم ، والأشاعرة خالفوا العقلاء كافة
هنا ، وزعموا أنه تعالى مع تجرده يصح رؤيته ، والدليل
على امتناع الرؤية أنّ وجوب الوجود يقتضي تجرده ونفي
الجهة والحيز عنه ، فينتفي الرؤية عنه بالضرورة ، لأنّ
كل مرئي فهو من جهة يُشار إليه أنه هنا أو هناك ،
ويكون مقابلاً أو في حكم المقـابل ، ولما انتفى هـذا
المعنى انتفت الرؤية .(1)
الدليل الثاني
مؤدى هذا الدليل الذي ذكره جماعة من الأشاعرة الذي
يعرف بدليل الوجود : أنّ كل موجود فلابد وأنْ تكون
رؤيته ممكنة ، وأنّ ما لا يمكن رؤيته فلا يمكن أنْ
يكون موجوداً (2) ، قال الإيجي في المواقف :
(1) شرح التجريد ص 411 ط. مؤسسة النشر الإسلامي / قم
سنة 1417هـ .
(2) هذه النظرية وهي أنّ ما لا يمكن رؤيته لا يمكن أنْ
يكون موجوداً سبق الأشاعرة فيها أحمد بن حنبل كما
سيأتي ذلك عند التعرض لأدلة الحنابلة إنشاء الله تعالى
.
34
.....................................................
خلاف المسلمين في رؤية الله عز وجل
وهو طريقة
الشيخ (1) والقاضي (2) وأكثر أئمتنا . (3)
حاصل هذا الدليل حسب تقرير الإيجي في المواقف وشرح
الشريف الجرجاني ينحل إلى أربعة نقاط وهي :
1- أنّ جواز الرؤية أمر يشترك فيه العرض والجوهر
بالضرورة حيث أننا كما نبصر الأجسام فإننا نبصر أيضاً
الألوان والأضواء وغيرها .
2- أنّ الرؤية لكي تكون ممكنة فلابد من وجود علة تكون
هي منشأ إمكانها ، بلا فرق في ذلك بين العرض والجوهر ،
وهذه العلة هي عبارة عن الوجود ، والدليل على ذلك هو
تحقق الرؤية عند الوجود وانتفاء الرؤية عند العدم ،
ولولا تحقق أمر عند الوجود يكون هو المقتضي لذلك وبه
تنتفي الرؤية عند عدمه ، لكان جواز الرؤية عند الوجود
ترجيحاً بلا مرجح ، وعليه فالوجود يتحقق ما تمكن به
الرؤية ، وينتفى ذلك في حالة العدم .
(1) المقصود بالشيخ هو أبو الحسن الأشعري إمام الأشاعرة .
(2) وهو أبو بكر الباقلاني .
(3) المواقف ص 302 ط. عالم الكتب / بيروت ،
شرح
المواقف ج8 ص 137 ط. دار الكتب العلمية / بيروت
سنة 1419هـ - 1998م
الإنصاف في
مسائل الخلاف ج2
........................................................
35
3- علة إمكان الرؤية لا يخلو فيها الحال من أحد أمرين
:
الأول : الوجود .
الثاني : الحدوث .
والحدوث لا يصلح لأنْ يكون علة لجواز الرؤية ، لأنّ
الحدوث ليس إلا عبارة عن الوجود مع اعتبار مسبوقيته
بالعدم ، وإذْ سقط العدم عن الاعتبار لم يبق إلا
الوجود ، فهو العلة لإمكان الرؤية .
4- تقرر في محله أنْ الوجود مشترك معنوي بين الواجب
والممكن ، فإذا كان المنشأ هو الوجود ، فلا فرق حينئذ
في جواز الرؤية بين تعلقها بالممكن أو الواجب ، فيلزم
من ذلك إمكان رؤية الباري عز وجل .(1)
قال الإيجي بعد أنْ قرر الإستدلال المتقدم : واعلم أنّ
هذا يوجب أنْ يصح رؤية كل موجود كالأصوات والروائح
والملموسات والطعوم ، و الشيخ (2) يلتزمه ويقول : لا
يلزم من صحة الرؤية تحقق الرؤية له ، وإنما لا نرى
لجريان العادة من الله بذلك ، ولا يمتنع أنْ يخـلق
فينا رؤيتها ، والخصم يشدد عليـه النكير ، وما هـو إلا
استبـعاد ، والحقائق لا
(1) شرح المواقف ج8 ص 139 .
(2) المقصود به الشيخ أبو الحسن الأشعري .
36
.....................................................
خلاف المسلمين في رؤية الله عز وجل
تؤخذ من العادات . (1)
هذا حاصل الدليل المتقدم ، والذي ذكر غير واحد من
الأشاعرة أنه الدليل الأساسي والعمدة لإثبات إمكان
الرؤية . (2)
مناقشة الدليل المتقدم
يمكن أنْ نسجل على الدليل المتقدم عدة اعتراضات :
الأول : أنّ هذا الدليل لو تم فإنه يدل على ضـرورة
الرؤيـة وليس إمكانها ، لأنه ينفي أي علة للرؤية ما
عدا الوجود ، فليس منشأ حصول الرؤية حسب دعوى هؤلاء
سوى وجود الشيء ولا يوجد عامل آخر كالكثافة وعدم كونه
في غاية اللطافة كما ذكر البعض أو غير ذلك من العوامل
، بل صرحوا بأنّ العادة جرت بأنْ لا يرى الأمر إلا إذا
كان كثيفاً مثلاً ، ولكن عندهم ليس من جهة اقتضاء ذلك
للرؤية ، وإذا كان نفس الوجود هو العلة التامة للرؤية،
فلا بد حينئذ من أنْ تكون الرؤية ضرورية لا ممكنة ،
وذلك :
أولاً : لامتناع تخلف المعلول عن العلة ، كما هو ضروري
، وعلى الأقل هذا الأمر ليس محل خلاف بين الأشاعرة ،
نعم بعض الحنابلة
(1) المواقف ص 302 ، 303 .
(2) شرح المواقف ج8 ص 137 .
الإنصاف في
مسائل الخلاف ج2
........................................................
37
كما جرت العادة قـد يناقشوا في
البـديهيات ، وحينئذ يكون توضيح الواضحات من
أشكل المشكلات .
ثانياً : إذا كان الوجود هو منشأ إمكان الرؤية لا
وقوعها ، فلا بد من وجود علة للوقوع ، فالإمكان ليس
معناه إلا صحة تحقق الرؤية وصحة تحقق عدمها أيضاً ،
وبعبارة أخرى : الممكن تتساوى نسبته إلى الوجود والعدم
، ولكن لا يمكن أنْ يتحقق إلا بالعلة ، فهو في مقام
الوجود ضروري التحقق ولكن بغيره لا بذاته ، وهذه العلة
إما أنْ تكون هي الوجود أو شيء آخر ، والمفروض حسب
كلام هؤلاء أنْ لا سبب لتحقق الرؤيـة سـوى الوجـود ،
فيلـزم من وقوع الرؤية حينئذ أحـد أمرين لا محـالة :
أحدهما : حصول المعلول بلا علة ، لأنّ المفروض أنّ
الوجود منشأ الإمكان لا الوقوع ، وليس للوقوع علة ،
وليس في المقام إلا الإمكان والمفروض أنه علة الإمكان
وليس علة الوقوع .
ثانيهما : الإلتزام بعدم إمكان تحقق الرؤية في الخارج
، وهو ما يستلزم الوقوع في إنكار الضرورة واختيار مذهب
السفسطة .
38
.....................................................
خلاف المسلمين في رؤية الله عز وجل
الثاني : الاستدلال الذي ذكروه لإثبات إمكان الرؤية هو
وقوع الرؤية وتحققها عند الوجود وعدم تحققها عند العدم
، فقد اعتبروا الوجود هو علة حصول الرؤية ومن ثم وقعوا
في إشكال أنّ كثيراً من الموجودات غير مرئية ، بل لا
يمكننا رؤيتها ، فقالوا بأنّ الوجود علة الإمكان وليس
علة الوقوع ، وهنا يمكن القول بأنّ الوقوع لابد وأنْ
يتوقف على العلة ، ولا يمكن أنْ يكون محض الإمكان
سبباً لتحقق الرؤية ، وهو متوقف على الأمور المتقدمة
المذكورة كالجهة والمقابلة وغيرهما ، ولا يوجد غير ذ
لك ، وإلا لتحققت الرؤية مع عدم المقابلة والجهة
والكثافة وغير ذلك من الأمور المذكورة .
وبعبارة أخرى ، مع عدم تحقق الأمور المذكورة يكون وقوع
الرؤية في الخارج ممتنعاً ، وهذا الأمر تقتضيه الضرورة
ويحكم به الوجدان ، وحيث أنّ الجهة والمقابلة وغيرهما
ممتنع على الباري عز وجل فلا يمكن تحقق رؤيته تعالى .
الثالث : العدم بطلان محض ولا تحقق له ولا شيئية ، ولا
يمكن أنْ يحصل أي أمر إلا بالوجود ، ولابد أنْ ينتفي
عند العدم ، وهذا الأمر من الضروريات التي لا تقبل
الجدل ، وعلى هذا الأساس فإذا كان دليل
الإنصاف في
مسائل الخلاف ج2
........................................................
39
إمكان الرؤية
هو التحقق عند الوجود والانتفاء عند العدم ، فيلزم أنْ
يكون حينئذ كل ما يتحقق في الممكنات تشترك فيه جميع
الموجودات ، ويشترك فيه الممكن مع الواجب مطلقاً بلا
فرق بين الرؤية وغيرها ، لأنّ جميع الأمور لا يمكن أنْ
تحصل إلا بالوجود ، ولا بد أنْ تنتفي عند العدم ، وهو
مما لا يمكن الالتزام به ، ولا يقول به أحد من
الأشاعرة قطعاً ، فالحركة والانتقال مثلاً من الأمور
التي لا يمكن أنْ تحصل إلا عند الوجود ، ولا يمكن أنْ
تحصل عند العدم ، بل عند العدم تنتفي هذه الأمور
بالضرورة ، وحينئذ لابد من وصف الباري عز وجل بإمكان
عروض الحركة عليه والتحيز ، لأنّ هذه الأمور لا تكون
إلا مع الوجود ، والوجود مشترك معنوي بين الواجب
والممكن ، وهذه النتيجة لا يقول بها أحد من الأشاعرة
قطعاً ، إذْ قبولها يستلزم رد جميع ما ذكروه من بطلان
التحيز والجسمية والحركه ، وغير ذلك مما هـو مختص
بالممكنات ، وعليهم حينئذ أنْ يقفوا في صف الحنابلة
ويقولوا ببطلان المذهب الأشعري .
الرابع : نسبة هذا الاستدلال بهذه الكيفية التي قررها
الإيجي وجماعة من الأشاعرة إلى أبي الحسن الأشعري هي
نسبة باطلة جزماً ، وتتناقض مع ما تناقلوه عنه ، لأنّ
هذا الاستدلال على وهنه متوقف على
40
.....................................................
خلاف المسلمين في رؤية الله عز وجل
القول بالاشتراك
المعنوي ، وأبو الحسن الأشعري يقول بالإشترك اللفظي (1) ، وإنما ذهب إلى الإشترك اللفظي الحكماء وبعض
المعـتزلة كما نقـل عنهم (2) ، ومن ثم وافقهم من
وافقهم من الأشاعرة ، بل إنّ أبا الحسن الأشعري قائل
بالاشتراك اللفظي بين الأشياء ، لأنه يقول بعدم زيادة
الوجود عن الماهية وأنّ الوجود هو نفس الماهية (3) ، والماهيات متعددة
ومتكثرة بما لا حصر له بالضرورة .
الخامس : مما لا يكاد ينقضي منه العجب ما توصلوا إليه
من إمكانية رؤية الطعم والرائحة والأصوات واللمس مما
ليس لها قابلية الرؤية ، مع أنّ عدم إمكانية رؤية نفس
الطعم والرائحة من الضروريات الأولية الواضحة ، ولعمري
فإنّ الأشاعرة باستدلالهم هذا لابد لهم أنْ يلتزموا
بعدم الفرق بين الباري تعالى عما يقولون علواً كبيراً
وبين مخلوقاته في إمكان حصول ما يحصل لهم بالنسبة إليه
، لأنّ كل ما يحدث لهم لا يمكن أنْ يتحقق إلا عند
الوجود ولا يمكن تحققه عند العدم ، لأنّ العدم كما
ذكرنا فيما تقدم بطلان
(1) شرح المقاصد للتفتازاني ج1 ص 307 ط. عالم الكتب /
بيروت سنة 1419هـ - 1998م .
(2) المواقف 46.
(3) المواقف 48 ، شرح المقاصد ج1 ص 322 .
الإنصاف في
مسائل الخلاف ج2
.......................................................
41
محض لا حقيقة له أصلاً ، فلا
يعرض عليه شيء ولا يحصل معه أي شيء ، وحينئذ لابد من
القول بإمكان الصحة والمرض والحركة والسكون وغير ذلك
مما التزموا ببطلانه وأنكروه على الحنابلة بأشد النكير
، فيعود الباري عندهم موجوداً كسائر الموجودات الممكنة
وتعالى الله عز وجل عما يقولوه علواً كبيراً .
ثانياً : أدلة الحنابلة لإثبات جواز الرؤية
عقلاً :
اتضح فيما تقدم أنّ عدداً كبيراً من علماء الحنابلة لم
يمانعوا من اللوازم الباطلة للرؤية من استلزام الجهة
أو المقابلة ، بل بعضهم لم يمنع من التركيب في الذات
الإلهية وتعالى الله عما يقولون علواً كبيراً ، وقد
صرح بعضهم بأنَ الرؤية تكون مع المقابلة ومع ثبوت
الجهة ، ولذا قال ابن تيمية: وأما إثبات رؤية الله
تعالى بالأبصار في الآخرة فهو قول سلف الأمة وأئمتها
وجماهير المسلمين من أهل المذاهب الأربعة وغيرها ، وقد
تواترت فيه الأحاديث عن النبي (ص) عند علماء الحديث
وجمهور القائلين بالرؤية يقولون يُرى عيانا مواجهة كما
هو المعروف بالعقل . (1)
(2) منهاج السنة النبوية ج3 ص 341 ط. مؤسسة قرطبة /
تحقيق د. محمد رشاد سالم .
42
.....................................................
خلاف المسلمين في رؤية الله عز وجل
وبعبارة أخرى الباري عز وجل عند الكثير من الحنابلة له
وجه ويد وقدمان وشعر وغير ذلك مما تقدم بيانه ، وهو
عندهم فوق العرش يضع إحدى رجليه على الأخرى ، تحمل
عرشه ثمانية أوعال >= تيوس الجبال< ضخمة أو أربعة من
الملائكة بعدة أشكال ، ويجلس على العرش ، ويجلس إلى
جانبه حسب إدعائهم الرسول الأكرم (ص) ، وقد تقدم ذلك كله
بالتفصيل ، وقد صرح جماعة منهم بالحد ، وصرح جماعة
منهم بالجهة ، وأنه فوق السماء السابعة ، وعلى هذا
فالرؤية عند الحنابلة أمرٌ سهل جداً ، بل صرح إمام
الحنابلة أحمد بن حنبل أنه لا يقصد من قوله عز وجل (
لَيْسَ كَمِثْلِـهِ شَيْءٌ
) (1) بأنه ليس له لون أو
جسم أو نحو ذلك ، يقول أحمد بن حنبل : إنّ الشيء الذي
لا كالأشياء قد عرف أهل العقل أنه لا شيء . (2)
وقد تقدم كلامه مفصلاً فليراجع . (3)
ويقول ابن قيم الجوزية : ولو فرضنا في الأمة من يقول
إنه متحيز على عرشه تحيط به الحدود والجهات لكان أقرب
إلى الصواب
(1) سورة الشورى : 11 .
(2) الرد على الجهمية لأحمد بن حنبل ص 17 ، 18 ط. دار
قتيبة / بيروت سنة 1411 هـ - 1990م .
(3) راجع الجزء الأول من هذا الكتاب ص 484 وما بعدها .
الإنصاف في
مسائل الخلاف ج2
........................................................
43
من قول من يقول ليس فوق العرش إله يعبد ولا
رب يُصلى له ويُسجد ولا ترفع له الأيدي ، ولا ينزل
عنده شيء ، ولا يصعد إليه شيء ، ولا هو فوق خلقه ولا محايثهم ولا مباينهم ....الخ . (1)
وبالجملة فقد تبين مما تقدم أنّ الحنابلة غالبيتهم
يختلفون اختلافاً شديداً مع الأشاعرة بالنسبة للتنزيه
، ومسألة الرؤية بالنسبة لهم هي أهون الأشياء ، وما
تقتضيه الرؤية من لوازم باطلة لا يمنعوا منه ، بل
بعضها قد يكفر بعضهم من ينكره ، كالقول بالعلو ، وقد
تقدم .
ثم إنّ مما استدل به ابن تيمية لإثبات الرؤية أنّ
القلوب تجد بالضرورة أنّ ما لا يمكن رؤيته لا يكون إلا
معدوماً . (2)
وابن تيمية بعبارته هذه تفوق حتى على أكبر الماديين
والدهريين تشدداً في إنكار ما وراء الطبيعة ، ففي
العالم أمور كثيرة لا يمكن أنْ ترى ووجودها من
المسلمات القطعية عند العقلاء ، كاالروح وكالطاقة
الكهربائية مثلاً ، فهذه الأمور إنما نصل إليها من
خلال آثارها ، ولم يستطع أحد أنْ يرى الروح البشرية
(1) الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة لابن القيم
ج1 ص 263 ، 264 .
(2) بيان تلبيس الجهمية ج2 ص 246 ط. مطبعة الحكومة /
مكة المكرمة سنة 1392هـ .
44
.....................................................
خلاف المسلمين في رؤية الله عز وجل
أو
نفس الكهرباء ، وبناءاً على كلام ابن تيمية لابد وأنْ
نعتبر هذه الأمور ضرباً من ضروب الأوهام ، بل على ضوء
كلامه يلزم نفي وجود الباري عز وجل لأنه لا يمكن رؤيته
في الدنيا ، ولا يمكن لأحد أنْ يرى الله عز وجل في هذا
العالم ولابد حينئذ من تحكيم منطق بني إسرائيل الفاسد
الذين يخاطبهم الباري عز وجل بقوله :
( وَإِذْ
قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى
اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمْ الصَّاعِقَةُ
وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ ) (1) ، وما تقدم في مناقشة كلام الأشاعرة يفي بالغرض في الرد على ما ذكروه .