343
.................................................
المعجزات والكرامات
لبعض أهل السنة
المبحث الخامس
في ما نسبوه من المعجزات والكرامات
التي وقعت للأنبياء (ع) لبعض الشخصيات
والكلام في ذلك يقع في عدة فصول :
الفصل الأول
ما ذكروه بأنْ النار صارت للبعض برداً وسلاماً
وهو ما جرى للنبي إبراهيم الخليل عليه وعلى آله وعلى
نبينا وآله أفضل الصلاة والسلام ، وقد ذكروا لذلك
موارد أهمها :
الإنصاف في مسائل الخلاف ج2
........................................................
344
1- ما نقلوه بشأنْ أبي مسلم الخولاني
قال ابن تيمية : وكان
العنسي قد استولى على أرض اليمن في حياة النبي صلى
الله عليه (وآله) وسلم ثم قتله الله على أيدي عباده
المؤمنين ، وكان قد طلب من أبي مسلم الخولاني أنْ
يتابعه فامتنع ، فألقاه في النار فجعلها الله عليه
برداً وسلاماً كما جرى لإبراهيم الخليل
صلوات الله عليه ، وذلك مع صلاته وذكره ودعائه لله مع
سكينة ووقار . (1)
وقال أيضاً : فأنّ أبا مسلم الخولاني وغيره صارت
النـار عليهم بـردا وسلاما .(2)
وقال ابن كثير في تاريخه نقلاً عن أبي المعالي
الزملكاني : ... قال شيخنا
مع أنه قد ألقى بعض هذه الأمة في النار فلم تؤثر فيه
ببركة نبينا منهم أبو مسلم الخولاني قال : بينما
الأسود بن قيس العنسي باليمن فأرسل إلى أبي مسلم
الخولاني فقال أتشهد أن محمدا رسول الله ؟ قال : نعم .
قال : أتشهد أني رسول الله ؟ قال : ما أسمع ؟! فأعاد
إليه ، قال : ما أسمع !! فأمر بنار عظيمة فأججت
(1) مجموع فتاوى ابن تيمية ج11 ص 666 ، 667 .
(2) كتاب النبوات ص 296 .
345
.................................................
المعجزات
والكرامات لبعض أهل السنة
فطرح
فيها أبو مسلم فلم تضره ، فقيل له : لئن تركت هذا في
بلادك أفسدها عليك فأمره بالرحيل ، فقدم المدينة وقد
قبض رسول الله (ص) واستخلف أبو بكر فقام إلى سارية من
سواري المسجد يصلي فبصر به عمر فقال من أين الرجل ؟
قال : من اليمن قال: ما فعل الله بصاحبنا الذي حرق
بالنار فلم تضره ؟ قال : ذاك عبد الله بن أيوب . قال :
نشدتك بالله أنت هو ؟! قال : اللهم نعم ، قال : فقبل
ما بين عينيه ثم جاء به حتى أجلسه بينه وبين أبي بكر
الصديق وقال : الحمد لله الذي لم يمتني حتى أراني في
أمة محمد (ص) من فعل به كما فعل بإبراهيم خليل الرحمن
عليه السلام .
قال ابن كثير : وهذا السياق الذي أورده شيخنا بهذه
الصفة ، وقد رواه الحافظ الكبير أبو القاسم بن عساكر
رحمه الله في ترجمة أبي مسلم عبد الله بن أيوب في
تاريخه من غير وجه عن عبد الوهاب بن محمد ، عن إسماعيل
بن عياش الحطيمي ، حدثني شراحيل ابن مسلم الخولاني :
أن الأسود بن قيس بن ذي الحمار العنسي تنبأ باليمن
فأرسل إلى أبي مسلم الخولاني فأتي به ، فلما جاء به
قال : أتشهد أني رسول الله قال : ما أسمع ! قال أتشهد
أن محمدا رسول الله ؟ قال : نعم . قال : أتشهد أني
رسول الله ؟ قال : ما أسمع !
الإنصاف في مسائل الخلاف ج2
........................................................
346
قال : أتشهد أن محمدا
رسول الله ؟ قال : نعم . قال : فردّد عليه ذلك مرارا ،
ثم أمر بنار عظيمة فأججت فألقي فيها فلم تضره . فقيل
للأسود : انفه عنك وإلا أفسد عليك من اتبعك فأمره
فارتحل ، فأتى المدينة وقد قبض رسول الله (ص) واستخلف
أبو بكر فأناخ أبو مسلم راحلته بباب المسجد ، ثم دخل
المسجد وقام يصلي إلى سارية فبصر به عمر بن الخطاب
فأتاه فقال : ممن الرجل ؟ فقال : من أهل اليمن . قال :
ما فعل الرجل الذي حرقة الكذاب بالنار ؟ قال : ذاك عبد
الله بن أيوب . قال : فأنشدك بالله أنت هو ؟! قال :
اللهم نعم ، قال: فاعتنقه ثم ذهب به حتى أجلسه بينه
وبين أبي بكر الصديق فقال : الحمد لله الذي لم يمتني
حتى أراني من أمة محمد (ص) من فعل به كما فعل بإبراهيم
خليل الرحمن . قال إسماعيل بن عياش فأنا أدركت رجالا
من الامداد الذين يمدون إلينا من اليمن من خولان ربما
تمازحوا فيقول الخـولانيون للعنسيين : صاحبكم الكـذّاب
حرق صاحبنا بالنـار ولم تضره .
قال ابن كثير : وروى الحافظ ابن عساكر أيضا من غير وجه
عن إبراهيم بن دحيم ،
347
.................................................
المعجزات
والكرامات لبعض أهل السنة
حدثنا هشام بن عمار ، حدثنا
الوليد ، أخبرني سعيد بن بشير عن أبي بشر جعفر بن أبي
وحشية : أن رجلا أسلم فأراده قومه على الكفر ، فألقوه
في نار فلم يحترق منه إلا أنملة لم يكن فيما مضى
يصيبها الوضوء ، فقدم على أبي بكر فقال : استغفر لي .
قال : أنت أحق . قال أبو بكر : أنت ألقيت في النار فلم
تحترق فاستغفر له ، ثم خرج إلى الشام وكانوا يسمونه
بإبراهيم عليه السلام ، وهذا الرجل هو أبو مسلم الخولاني .
قال ابن كثير : وهذه الرواية بهذه الزيادة تحقق أنه
إنما نال ذلك ببركة متابعته الشريعة المحمدية المطهرة
المقدسة كما جاء في حديث الشفاعة وحرم الله على النار
أن تأكل مواضع السجود . (1)
أقول : وأخرج ما نقلوه من إلقاء أبي مسلم الخولاني في
النار فلم تحرقه الحافظ ابن حبان في صحيحه والحافظ ابن
عبد البر في الاستيعاب وأبو نعيم الأصبهاني في حلية
الأولياء وأبو القاسم اللالكائي الطبري في كرامات
الأولياء والحافظ ابن عساكر في تاريخه . (2)
(1) البداية والنهاية ج6 ص 267 ، وراجع أيضاً :
تاريخ
مدينة دمشق لابن عساكر ج27 ص 200 ، 201 ط. دار الفكر /
دمشق ، الاستيعاب في معرفة الأصحاب ج1 ص 556
صفة
الصفوة لابن الجوزي ج4 ص 208 ط. دار المعرفة / بيروت
سنة 1399هـ - 1979م.
(2) صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان ج 2 ص 338 ح 577
ط. مؤسسة الرسالة / بيروت سنة 1414هـ- 1993م ،
حلية
الأولياء ج2 ص 129 ط. دار الكتاب العربي / بيروت سنة
1405هـ ، كرامات الأولياء ص 181 رقم 138 ،
تاريخ مدينة
دمشق ج27 ص 201 ، وراجع :
تهذيب التهذيب ج12 ص 256 .
الإنصاف في مسائل الخلاف ج2
........................................................
348
2- ما نقلوه بشأنْ أبي سليمان الدارني
قال ابن كثير في البداية والنهاية : وروى ابن عساكر
أنه كان قد عاهد أبا سليمان الدارني ألا يغضبه ولا
يخالفه ، فجاءه يوما وهو يحدث الناس فقال : يا سيدي ،
هذا قد سجروا التنور ، فماذا تأمر فلم يرد عليه أبو
سليمان لشغله بالناس ، ثم أعادها أحمد ثانية ، وقال له
في الثالثة : اذهب فاقعد فيه ثم اشتغل أبو سليمان في
حديث الناس ثم استفاق ، فقال لمن حضره : إني قلت لأحمد
: اذهب فاقعد في التنور وإني أحسب أن يكون قد فعل ذلك
، فقوموا بنا إليه فذهبوا ، فوجدوه جالساً في التنور ،
ولم يحترق منه شيء ولا شعرة واحدة . (1)
(1) البداية والنهاية ج10 ص 363 حوادث سنة (246هـ) ط.
دار الريان للتراث / القاهرة سنة 1408هـ - 1988م .
349
.................................................
المعجزات
والكرامات لبعض أهل السنة
3- ما ذكره ابن تيمية بأنه يمكنه أنْ تكون
له النار برداً وسلاماً
قال ابن تيمية ناقلاً قصة عن نفسه بشأنْ تحديه لبعض من
يـدعي الكرامة : قلت للأمير : أنا ما امتحنت هؤلاء لكن
هم يزعمون أن لهم أحوالاً يدخلون بها النار ، وأن أهل
الشريعة لا يقدرون على ذلك ويقولون لنا : هذه الأحوال
التي يعجز عنها أهل الشرع ، ليس لهم أن يعترضوا علينا
، بل يسلم إلينا ما نحن عليه سواء وافق الشرع أو خالفه
، وأنا قد استخرت الله سبحانه أنهم أن دخلوا النار
ادخل أنا وهم ومن احترق منا ومنهم فعليه لعنة الله
وكان مغلوبا ، وذلك بعد أن تغسل جسومنا بالخل والماء
الحار . فقال الأمير : ولم ذاك ؟ قلت : لأنهم يطلون
جسومهم بأدوية يصنعونها من دهن الضفادع وباطن قشر
النارنج وحجر الطلق وغير ذلك بالخل والماء الحار بطلت
الحيلة وظهر الحق ، فاستعظم الأمير هجومي على النار
وقال : أتفعل ذلك؟ فقلت له : نعم ، قد استخرت الله في
ذلك ، وألقي في قلبي أن افعله ونحن لا نرى هذا وأمثاله
ابتداء فان خـوارق العادات إنما تكـون لأمة محمد (ص)
المتبعين له باطنا وظاهرا لحجة أو حاجة ، فالحجة
لإقامة دين الله ، والحاجة لما لا بد منه من النصر
والرزق الذي به يقوم دين الله وهؤلاء إذا اظهروا ما
يسمونه إشاراتهم وبراهينهم التي يزعمون أنها تبطل دين
الله وشرعه وجب علينا أن ننصر الله ورسوله صلى الله
تعالى عليه (وآله) وسلم ،
الإنصاف في مسائل الخلاف ج2
........................................................
350
ونقوم في نصر دين الله
وشريعته بما نقدر عليه من أرواحنا وجسومنا وأموالنا ،
فلنا حينئذ أن نعارض ما يظهرونه من هذه المخاريق بما
يؤيدنا الله به من الآيات . (1)
وقال أيضاً أثناء مواجهته لبعض من يدعون أنهم من
الأولياء بزعمه : ... فقال ورفع صوته نحن لنا الأحوال
وكذا وكذا ، وادعى الأحوال الخارقة كالنار وغيرها
واختصاصهم بها وأنهم يستحقون تسليم الحال إليهم لأجلها
، فقلت ورفعت صوتي وغضبت : أنا أخاطب كل أحمدي من مشرق
الأرض إلى مغاربها أي شيء فعلوه في النار فانا اصنع
مثل ما تصنعون ومن احترق فهو مغلوب ، وربما قلت :
فعليه لعنة الله ، ولكن بعد أن نغسل جسومنا بالخل
والماء الحار ، فسألني الأمراء والناس عن ذلك فقلت :
لأن لهم حيلا في الاتصال بالنار يصنعونها من أشياء من
دهن الضفادع وقشر النارنج وحجر الطلق ، فضج الناس بذلك
فأخذ يظهر القدرة على ذلك فقال : أنا وأنت نلف في
بارية بعد أن تطلى جسومنا بالكبريت فقلت : فقم ، وأخذت
أكرر عليه في القيام إلى ذلك ، فمد يده يظهر خلع
القميص فقلت : لا ، حتى تغتسل في الماء الحار والخل ،
فاظهر الوهم على
(1) مجموع فتاوى ابن تيمية ج11 ص 459 ، 460 .
351
.................................................
المعجزات
والكرامات لبعض أهل السنة
عادتهم فقال : من كان يحب الأمير
فليحضر خشبا ، أو قال حزمة حطب فقلت : هذا تطويل
وتفريق للجمع ولا يحصل به مقصود بل قنديل يوقد وادخل
إصبعي وإصبعك فيه بعد الغسل ومن احترقت إصبعه فعليه
لعنه الله ، أو قلت فهو مغلوب فلما قلت ذلك تغير وذل
وذكر لي أن وجهه اصفر ، ثم قلت لهم : ومع هذا فلو
دخلتم النار وخرجتم منها سالمين حقيقة ، ولو طرتم في
الهواء ومشيتم على الماء ، ولو فعلتم ما فعلتم لم يكن
في ذلك ما يدل على صحة ما تدعونه من مخالفة الشرع ولا
على إبطال الشرع فإن الدجال الأكبر يقول للسماء :
أمطري فتمطر ، وللأرض : انبتي فتنبت وللخربة : أخرجي
كنوزك ، فتخرج كنوزها تتبعه ، ويقتل رجلا ثم يمشي بين
شقيه ثم يقول له : قم فيقوم ، ومع هذا فهو دجال كذاب
ملعون لعنه الله ، ورفعت صوتي بذلك فكان لذلك وقع عظيم
في القلوب . (1)
(1) مجموع فتاوى ابن تيمية ج11 ص 465 ، 466 .
الإنصاف في مسائل الخلاف ج2
........................................................
352
4- الشيخ الذي ظهرت له عدة كرامات
يقول السبكي في طبقات الشافعية الكبرى أثناء كلامه عن
أنواع كرامات الأولياء : الخامس والعشرون عدم تأثير
السمومات وأنواع المتلفات فيهم كما اتفق ذلك للشيخ
الذي قال له بعض الملوك : إما أن تظهر لي آية وإلا
قتلت الفقراء وكان بقربه بعر جمال فقال : انظر فإذا هي
ذهب وعنده كوز ليس فيه ماء ، فأخذه ورمى به في الهواء
فأخذه ورده ممتلئا ماء وهو منكس لم يخرج منه قطرة ،
فقال الملك : هذا سحر وأوقد ناراً عظيمة ثم أمرهم
بالسماع ، فلما دار فيهم الوجد دخل الشيخ والفقراء في
النار ، ثم خرج فخطف ابنا صغيرا للملك فدخل به وغاب
ساعة بحيث كاد الملك يحترق على ولده ، ثم خرج به وفى
إحدى يدي الصبي تفاحة وفى الأخرى رمانة فقال له أبوه :
أين كنت ؟ قال : في بستان . فقال جلساء الملك : هذا
صنعة لا حقيقة له . فقال له الملك : إن شربت هذا القدح
من السم صدقتك فشربه وتمزقت ثيابه عليه ، ثم ألقوا
عليه غيرها فتمزقت ثم هكذا مراراً إلى أن ثبتت عليه
الثياب ، وانقطع عنه عرق كان أصابه ولم يؤثر فيه . (1)