الإنصاف في
مسائل الخلاف ج2
........................................................
45
الفصل الخامس
الأدلة النقلية لإثبات جواز الرؤية ووقوعها
استدل المثبتون للرؤية في يوم القيامة بدعوى دلالة
الكتاب والسنة والإجماع على ذلك ، أما بالنسبة للسنة
فعمدة ما ذكروه هو الروايات المتقدمة التي هي صحيحة
على مبانيهم ، وأما ما استدلوا به من القرآن الكريم
فعدة آيات كريمة منها :
1- قوله تعالى : ( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ
ـ
إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ
) (1) وحاصل ما ذكره أبو
الحسن الأشعري في كتاب الإبانة التي طالما مدحه جماعة
من علماء الحنابلة منهم ابن تيمية أنّ النظر لا يخلو
المقصود منه من أحد أمور ، وهي :
(1) سورة القيامة : 22 ، 23 .
46
.....................................................
خلاف المسلمين في رؤية الله عز وجل
أ- نظـر الاعتبار ، كما في قـوله تعالى :
( أَفَلاَ
يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ ). (1)
ب- نظر الانتظار ، كما في قـولـه تعالى : (
مَا
يَنظُـرُونَ إِلاَّ صَيْحَـةً وَاحِـدَةً ) (2)
ج- نظر التعطف ، كما في قوله تعالى : ( وَلاَ يَنْظُرُ
إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ
وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) (3)
د- نظر الرؤية .
أما المعنى الأول وهو نظر الاعتبار فلا يجوز أنْ يكون
مقصوداً في الآية الكريمة ، لأنّ الآخرة ليست دار
اعتبار ، كما أنه لا يجوز أنْ يكون المقصود منه نظر
الانتظار ، لأنّ النظر إذا ذكر مع ذكر الوجه فمعناه
نظر العينين اللتين في الوجه ، كما أنّ أهل اللغة إذا
ذكروا النظر مع ذكر القلب كما لو قيل : >أنظر بقلبك<
فلا يكون المقصود به نظر العينيين ، ولا يجوز أنْ يكون
المقصود نظر التعطف ، لأنّ الخلق لا يجوز أنْ يتعطفوا
على خالقهم ، وإذا بطلت المعاني
(1) سورة الغاشية : 17 .
(2) سورة يس : 49 .
(3) سورة آل عمران : 77 .
الإنصاف في
مسائل الخلاف ج2
........................................................
47
الثلاثة المتقدمة ،
تعين الرابع ، وهو أنْ يكون المقصود بالنظر نظر العين
. (1)
هذا ما ذكره أبو الحسن الأشعري في كتاب الإبانة ،
ويمكن مناقشته :
أولاً : ما ذكره لا يصلح للمنع من حمل النظر في الآية
الكريمة على الاعتبار وذلك لأنه لا مانع من أنْ يكون
يوم القيامة يوم اعتبار ، والاعتبار من الناحية
العقلائية له أغراض متعددة ، منها الارتداع عن الجريمة
، وقد تكون لأسباب أخرى ، وغرض الارتداع عن الجريمة
يوم القيامة وإنْ لم يكن ممكناً ، لأنها ليست دار
اختبار بل دار جزاء ، لكن لا مانع من غير ذلك من
الأغراض ، فقد يكون الاعتبار حينئذ ليترسخ في نفوس
المؤمنين دركهم للحق وليزدادوا يقيناً وبصيرة ، وما
ذكره من المنع على حمل النظر على الإنتظار في غير محله
أيضاً ، إذْ لا ما نع من أنْ يكون النظر مع ذكر الوجه
يراد منه الإنتظار ، وما ذكره بأنّ النظر إذا ذكر مع
الوجه لا يراد منه إلا نظر العينيين مجرد دعوى بلا
برهان ، وقد تقرر في محله أنّ المجاز يصح مع المناسبـة
، وكمـا تصح نسبـة الكراهـة إلى الوجـوه كما في قوله
تعالى : ( وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ
) (2)
(1) الإبانة ص 35 –إلى- 37 ط. دار الأنصار / القاهرة
سنة 1397هـ .
(2) سورة القيامة : 24 .
48
.....................................................
خلاف المسلمين في رؤية الله عز وجل
فكذلك
يصح نسبة الإنتظار لها ، فيكون المعنى أنّ تلك الوجوه
الناضرة تنظر كرامة ربها ، وذلك قبل أنْ يؤمر بها إلى
الجنة .
ثانيا : المتقون بعد أنْ عرفوا يوم القيامة أنهم من
أهل الجنة ، فلا يوجد ما يمنع من أنْ تكون وجوههم
حينئذ نضرة ، وتعيش شوق الانتظار إلى الجنة في جوار
أنبياء الله وأوليائه ، بل هذا الأمر من البديهيات
الواضحة ، فإنّ من زحزح عن النار وكان من أهل النعيم
وظفر بالنجاة من الطبيعي أنْ يكون وجهه نضراً ، ومن
الطبيعي أنه يعيش حالة الشوق إلى النعيم الأبدي ، ولو
تنزلنا ومنعنا من نظر الاعتبار ، على أنه لا مانع منه
كما تبين مما تقدم ، فنظر الانتظار لا يوجد أي مانع
منه .
والقول بأنّ معنى النظر هنا هو انتظار الثواب قال به
مجاهد بن جبر المكي الذي هو من أعاظم أهل التفسير عند
السنة ، وقد رووا عنه ذلك بأسانيد متعددة ، منها ما
أخرجه الطبري في تفسيره حيث قال :
حدثنا أبو كريب ، قال حدثنا عمر بن عبيد ، عن منصور ،
عن مجاهد : ( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ
- إِلَى
رَبِّهَا نَاظِرَةٌ )
الإنصاف في مسائل الخلاف ج2 ........................................................
49
قال : تنتظر منه الثواب . وقال
أيضاً : حدثنا وكيع ، عن سفيان ، عن منصور ، عن مجاهد
: ( إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ
) قال : تنتظر الثواب من
ربها . (1)
وقال أيضاً حدثنا ابن بشار ، قال حدثنا عبد الرحمن ،
قال حدثنا سفيان ، عن منصور ، عن مجاهد : (
إِلَى
رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ) قال : تنتظر الثواب . (2) وقال
أيضاً : حدثنا ابن حميد ، قال حدثنا مهران ، عن سفيان
، عن منصور ، عن مجاهد : ( إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ
)
قال : تنتظر الثواب من ربها لا يراه من خلقه شيء . (3)
وقال أيضاً : حدثني يحيى بن إبراهيم المسعودي ، قال
حدثنا أبي ، عن أبيه ، عن جده ، عن الأعمش ، عن مجاهد
: ( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ
) قال : نضرة من
النعيم ( إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ
) قال : تنتظر رزقه
وفضله . (4)
وقال أيضاً :حدثنا ابن حميد قال حدثنا
جرير ، عن منصور ، عن مجاهد قال : كان أناس يقولون في
حديث فيرون ربهم ، فقلت لمجاهد :
(1) تفسير الطبري ج29 ص 192.
(2) تفسير الطبري ج29 ص 192.
(3) تفسير الطبري ج29 ص 192.
(4) تفسير الطبري ج29 ص 193.
50
.....................................................
خلاف المسلمين في رؤية الله عز وجل
إنّ ناساً يقولون :
إنه يرى ! قال : يرى ولا يراه شيء . (1)
وقال أيضاً : حدثنا جرير ، عن منصور ، عن مجاهد : في
قوله : ( إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ
) قال : تنتظر من
ربها ما أمر لها . (2)
وروي عن غير مجاهد أيضاً :
يقول الطبري في تفسيره : حدثني أبو الخطاب الحساني ،
قال حدثنا مالك ، عن سفيان ، قال حدثنا إسماعيل بن أبي
خالد ، عن أبي صالح في قوله : ( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ
نَاضِرَةٌ - إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ
) قال : تنتظر
الثواب . (3)
وتفسير الطبري الذي ينقل ما تقدم عن مجاهد يقول فيه
ابن تيمية :
وأما التفاسير التي في أيدي الناس ، فأصحها تفسير محمد
بن جرير الطبري فانه يذكر مقالات السلف بالأسانيد
الثابتة وليس فيه بدعة ولا ينقل عن المتهمين كمقاتل بن
بكير والكلبي . (4)
ثالثاً : القرائن التي تكون دليلاً على مقصود المتكلم
تارة تكون حالية ، وأخرى تكون لفظية ، وهذه المسألة
بعد
(1) تفسير الطبري ج29 ص 193.
(2) تفسير الطبري ج29 ص 193.
(3) تفسير الطبري ج29 ص 193.
(4) مجموع فتاوى ابن تيمية ج13 ص 385 ، الفتاوى الكبرى
ج2 ص 228.
الإنصاف في مسائل الخلاف ج2 ........................................................
51
أنْ كانت في صدر الإسلام وفي عهد الرسول الأكرم
(ص)
من المسلمات ، فحينئذ يمكن القول بأنّ نفس تسالم
المسلمين عند نزول الآية الكريمة على أنّ الله عز وجل
لا تدركه الأبصار كما نطق به التنزيل قرينة أنّ النظر
هنا لا يراد به النظر بالبصر ، كما هو واضح ، بل نفس
قوله تعالى : ( لاَ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ
) قرينة
على ذلك في حد ذاته ، حتى لو لم نفترض أنّ المسلمين قد
تسالموا على ذلك ، والقرآن بعضه يفسر بعضاً .
مع المنكرين للمجاز في القرآن الكريم
ماتقدم من النقاش إنما هو بناءاً على ما هو معروف بين
المحققين من ثبوت المجاز في لغة العرب وفي القرآن
الكريم أيضاً ، وقد تقدم أنه أنكر المجاز أبو إسحاق
الإسفرائيني وكذلك ابن تيمية ، وقد تقدمت مناقشاتهم
وبيان ما يستلزمه قولهم من اللوازم الباطلة إذْ مثلاً
يلزم قولهم أنّ عبارة : ( كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ
وَجْهَهُ ) (1) معناه هلاك ماعدا الوجه كاليد والرجل
وغير ذلك بناء على قولهم الفاسد بإثبات تلك الأمور
وتعالى الله عز وجل عما يقولون علواً كبيراً ، وما
تقدم من مناقشاتهم فيه الكفاية .