52 ..................................................... خلاف المسلمين في رؤية الله عز وجل

الفصل السادس
عقيدتهم في تشكل الباري عز وجل بأشكال متعددة

من غريب ما ذهبوا إليه هو أنّ الباري تعالى عما يقولون علواً كبيراً يتشكل بأشكال متعددة ويظهر بها ، فيظهر بذاته تارة بصورة معينة ، وأخرى يظهر لهم بصورة أخرى ، وهو إذا ظهر ببعض صوره لا يظهر بالشكل اللائق به الذي يعرفونه أنه إله كل شيء فيحتاج إلى أنْ يظهر لهم بصورة أكثر تناسباً حتى يعرفوا أنه إله كل شيء وخالق السماوات والأرض ، ففي ما أخرجه البخاري ومسلم وعدد كبير من الحفاظ > وتبقى هذه الأمة فيها منافقـوها ، فيأتيـهم الله في غير الصورة التي يعرفون ، فيقول : أنا ربكم ، فيقولون : نعوذ بالله منك ، هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا ، فإذا أتانا ربنا عرفناه ، فيأتيهم الله في الصورة التي يعرفون ، فيقول : أنا ربكم ، فيقولون : أنت ربنا ، فيعرفونه ...< ، وفيما أخرجه مسلم والبخاري وعدد كبير من الحفاظ أيضاً : > حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله من بر أو فاجر أتاهم رب العالمين في أدنى صورة من التي رأوه فيها . فيقال : ماذا تنتظرون تتبع كل أمة ما كانت تعبد . قالوا : فارقنا الناس في الدنيا على أفقر ما كنا إليهم ولم نصاحبهم ونحن ننتظر ربنا الذي كنا نعبد . فيقول : أنا ربكم . فيقولون : لا نشرك بالله شيئا مرتين أو ثلاثا < .
وفي العبارتين المتقدمتين عدة أمور :

الإنصاف في مسائل الخلاف ج2 ........................................................ 53

الأول : أنّ الباري تعالى عما يقولون علواً كبيراً قد ظهر لهم ورأوه بنفسه في صورة معينة ، ثم ظهر لهم بعد ذلك في صورة أخرى ، وعليه فليست هذه هي المرة الأولى التي يرونه فيها ، بل يرونه قبل ذلك أيضاً ، ولم تحدد الروايتان مكان وزمان تلك الرؤية .

الثاني : انه بذاته يظهر ويتشكل بصور متعددة ومختلفة ، وهو السبب الذي يجعلهم أحياناً لا يعرفونه .

الثالث : أنهم قد يظهر لهم ويرونه ولا يرون فيه ما يدركون معه أنه الله عز وجل وأنه جبار السماوات والأرض ، بل بما يعتقدون أنه ليس خالق الخلق تبارك وتعالى ، فيقولون له : > نعوذ بالله منك ، هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا < .

الرابع : أنّ لظهوره عدة مراتب ، فتارة يأتي في أدنى صورة ، وأخرى يظهر في صورة أفضل .

الخامس : النص الأول يدل على أنه يظهر أولاً في صورة معينة فيعرفونه أنه ربهم ، ثم يظهر في صورة أخرى فينكرونه ، ثم يظهر في الصورة الأولى فيعرفونه ثانياً ، بينما النص الآخر يدل على أنه يظهر في صورة معينة ، ثم يظهر في صورة أدنى فينكرونه ، ويعرفونه بنفس الصورة الأدنى بمجرد أنْ يقول لهم : > أنا ربكم < ، وهذا تعارض واضح بين الخبرين .

54 ..................................................... خلاف المسلمين في رؤية الله عز وجل

ويلزم حينئذ الاعتقاد ووفقاً لما أوردوه :
أولاً : بالقول بتشكل ذات الباري بعدة صور وأشكال .

ثانياً : بالقول بأنه عز وجل قد يظهر في صورة لا يعرف معها أنه الباري تبارك وتعالى ، بل يُعتقد معها أنه مخلوق كسائر المخلوقات .

ولعمري ما الفرق بين هذه العقيدة وبين القول بالتجسيم ، وأي اعتقاد أسوأ من أنْ يقال بأنْ الباري قد يرى ومع أنه يرى بالعين المجردة لا يظهر من رؤيته من العظمة والجلال ما يقطع معه الرائي بأنه رب السماوات والأرض وأنه حتى يدرك ذلك لابد له من تغيير صورته أو إخبارهم بأنه الخالق تعالى حتى يعتقدوا بذلك ، ولابد أنّ منشأ التصديق بعد بقائه على نفس الصورة التي أنكروا كما يدل عليه الخبر الآخر ليس من جهة أنّ ذاته ظهر فيها من العظمة ما يدل على ذلك ، وإلا لما أنكروه لما رأوه بتلك الصورة ، بل لأنه أخبرهم وأنه في ذلك اليوم الفصل الذي لا يمكن أنّ يصدر كلام في غير محله معه أو للإمارات والقرائن المحفوفة بكلامه حينئذ حسب زعمهم ، وحينئذ فلم يؤد قولهم إلى المحاذير المتقدمة فقط ، بل إلى تشبيه الله عز وجل بخلقه ، نعوذ من الله تبارك وتعالى من تلك الأقوال .
 

 
 
 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب