417 ................................................. المعجزات والكرامات لبعض أهل السنة

الفصل الثالث والعشرون
ما ذكروه بشأن عمر بن الخطّاب أنه كان
يصيب أحيانا في الأمور أكثر من النبي (ص)
وأنّ الوحي يوافقه ويخالف الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله

من أغرب الأمور التي عدوها من الكرامات عقيدتهم بأنّ عمر بن الخطاب قد يكون رأيه أحياناً أفضـل وأصـوب من رأي الرسـول الأعظم (ص) ، وأنّ النبي (ص) قد يختار ما هو مخالف للصواب ومن ثم ينزل الوحي ليبين أنّ الصواب مع عمر ويخالف ما كان النبي (ص) يتبناه وهذه مما عدوها في المناقب والكرامات على حساب رسول الله (ص) وأشرف خلقه ، بل يبتني على الطعن في شخصيته العظيمة ، ومما رووه بهذا الشأنْ ما أخرجه البخاري في صحيحه بسنده عن عائشة : أن أزواج النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم كن يخرجن بالليل إذا تبرزن إلى المناصع وهو صعيد أفلح فكان

الإنصاف في مسائل الخلاف ج2 ........................................................ 418

عمر يقول للنبي صلى الله عليه (وآله) وسلم احجب نساءك ، فلم يكن رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم يفعل فخرجت سودة بنت زمعة زوج النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم ليلة من الليالي عشاء وكانت امرأة طويلة ، فناداها عمر ألا قد عرفناك يا سودة ، حرصاً على أن ينزل الحجاب ، فأنزل الله آية الحجاب . (1)

وأخرج بسنده عن عمر بن الخطّاب قال : قلت يا رسول الله يدخل عليك البر والفاجر فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب ، فأنزل الله آية الحجاب . (2)

وقال السيوطي في الدر المنثور : وأخرج سعيد بن منصور وأحمد والعدني والدارمي والبخاري والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن أبي داود في المصاحف وابن المنذر وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية والطحاوي وابن حبان والدارقطني في الأفراد والبيهقي في سننه عن أنس بن مالك قال : قال عمر بن الخطاب : وافقت ربي في ثلاث أو واقفني ربي في ثلاث ، قلت : يا رسول الله لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى ؟ فنزلت

 

(1) صحيح البخاري ج1 ص 67 ط. دار ابن كثير – دار اليمامة / بيروت سنة 1407هـ - 1987م .
(2) صحيح البخاري ج4 ص 67 ح 1799 .

 
 

419 ................................................. المعجزات والكرامات لبعض أهل السنة

: ( وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ) (1) وقلت : يا رسول الله إن نساءك يدخل عليهم البر والفاجر فلو أمرتهن أن يحتجبن فنزلت آية الحجاب واجتمع على رسول الله صلى الله عليه وسلم نساؤه في الغيرة فقـلت لهـن : ( عَسَى رَبُّـهُ إِنْ طَلَّقَكُـنَّ أَنْ يُبْـدِلَـهُ أَزْوَاجًـا خَـيْرًا مِنْكُـنَّ ) (2) فنزلت كذلك . (3)

 

(1) سورة البقرة : 125 .
(2) سورة التحريم : 5 .
(3) الدر المنثور ج1 ص 290 ط. دار الفكر / بيروت سنة 1993م ، صحيح البخاري ج1 ص 157 وج4 ص 1629 ، صحيح مسلم بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي ج4 ص 1765 ح 2399 ط. دار إحياء التراث العربي / بيروت ، مسند أحمد بن حنبل ج1 ص 23 ، 24 ، 36 ، وص 456 ط.1 ، الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان ج15 ص 319 ح 6896 ، مسند أبي داود الطيالسي ص 9 ص 41 ، المعجم الصغير للطبراني ج2 ص 110 ح 868 ط. المكتب الإسلامي / بيروت – دار عمار / عمان ، المعجم الأوسط للطبراني ج6 ص 92 ، 93 ح 5896 وص 207 ، 208 ح 6203 ط. دار الحرمين / القاهرة سنة 1415هـ ، حلية الأولياء ج1 ص 42 وج3 ص 377 ط. دار الكتاب العربي / بيروت سنة 1405هـ ، فضائل الصحابة لأحمد بن حنبل ج1 ص 315 ح 434 ، 435 وص 317 ح 437 وص 342 ح 493 وص 343 ح 494 ، 495 وص 431 ح 682 ط. مؤسسة الرسالة / بيروت سنة 1403هـ - 1983م ، تاريخ مدينة دمشق ج44 ص 112 ، 113 ، تأويل مختلف الحديث ص 225 ط. دار الجيل / بيروت .

 
 

الإنصاف في مسائل الخلاف ج2 ........................................................ 420

ومما نقلوه في موافقات عمر للوحي الإلهي وكراماته في المورد الذي ادعوا فيه خطأ الرسول الأكرم (ص) وحاشاه من الخطأ الذي كذبوا في نسبته إليه ما أخرجه البخاري ومسلم في صحيحهما بسندهما عن عبد الله بن عمر : أنّ عبد الله بن أبي لما توفي جاء ابنه إلى النبي (ص) فقال : يا رسول الله أعطني قميصك أكفنه فيه وصل عليه واستغفر له . فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم قميصه . فقال : آذني أصلي عليه . فآذنه ، فلما أراد أن يصلي عليه جذبه عمر ، فقال : أليس الله نهـاك أن تصلي على المنافقين ؟ فقال : أنا بين خيرتين قال : ( اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ) (1) . فصلى عليه ، فنزلت ( وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا ) (2) . (3)

 

(1) سورة التوبة : 80 .
(2) سورة التوبة : 84 .
(3) صحيح البخاري ج1 ص 427 وص 459 وج4 ص 1715 وص 1716 وج5 ص 2184 ط. دار ابن كثير – دار اليمامة / بيروت سنة 1407هـ - 1987م ، صحيح مسلم بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي ج4 ص 1865 ح 2400 وص 2141 ح 2774 ط. دار إحياء التراث العربي ، سنن الترمذي ج5 ص 279 ح 8098 ط. دار إحياء التراث العربي / بيروت ، السنن الكبرى للبيهقي ج3 ص 402 ط. مكتبة دار الباز / مكة المكرمة سنة 1414هـ - 1994م .

 
 

421 ................................................ المعجزات والكرامات لبعض أهل السنة

وأخرج البخاري في صحيحه بسنده عن ابن عمر : قال : لما توفي عبد الله بن أبي جاء ابنه عبد الله بن عبد الله إلى رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم ، فأعطاه قميصه وأمره أن يكفنه فيه ، ثم قام يصلي عليه فأخذ عمر بن الخطاب بثوبه فقال : تصلي عليه وهو منافق ، وقد نهاك الله أن تستغفر لهم ؟! قال : إنما خيرني الله - أو أخبرني - فقال : ( اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ) . فقال : سأزيده على سبعين . قال : فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم وصلينا معه ، ثم أنزل الله عليه : ( وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ ) . (1)

ولا ينقضي العجب من جرأة البخاري ومسلم وغيرهما من نقل هذه الأخبار ووصفها بالصحة ، وهي في الوقت التي يثبتون فيها مناقب ينسبونها لعمر بن الخطاب تتضمن الطعن في شخصية سيد

 

(1) صحيح البخاري ج4 ص 1716 .

 
 

الإنصاف في مسائل الخلاف ج2 ........................................................ 422

الأنبياء والمرسلين الرسول الأعظم (ص) ، إذْ تتضمن أنّ النبي (ص) والعياذ بالله قد يفهم الوحي بشكل خاطئ ويفهمه بعض أتباعه بفهم أفضل منه ، ومن ثم يأتي الوحي لينبه الرسول (ص) إلى خطأه وأنّ عمر أصوب منه في ذلك ، كما أنّ عمر وفقاً لهذه النصوص المكذوبة يشخص المصالح والمفاسد التي تتناسب مع التعاليم الإلهية في بعض الأحيان بأفضل مما يُشخصه الرسول الأعظم (ص) .

وإذا كان هذا هو شأنْ أشرف خلق الله عز وجل وأكثرهم قرباً منه فكيف يمكن الاحتجاج بقوله أو فعله حينئذ ما دام قد يكون فهمه للوحي غير دقيق أو يفهم الأمور على خلاف ما أمر الله عز وجل .

وهذا الخبر إنْ دل على شيء فإنما يدل على حجم التآمر الذي وقع في صدر الإسلام لتشويه شخصية الرسول الأعظم (ص) وإعطاء المبررات للعدول عن أوامره ونواهيه كما سيتضح ذلك بالتفصيل إنشاء الله تعالى عند البحث في عصمة الأنبياء (ع) ، وإذا كانت عصمـة الرسـول الأعظم (ص) في فهمه لتعاليم الوحي مخدوشة فأي قيمة لتعاليمه حينئذ وما الفرق بين أقواله وأفعاله وأقوال غيره وأفعالهم ، نعوذ بالله تعالى .
 

 
 
 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب