الإنصاف في مسائل الخلاف ج2 ........................................................ 428

المبحث الثامن
بيان عقيدة بعضهم بشأنْ الولاية التكوينية
للسحرة وقولهم بقدرة السحرة
على مسخ البشر إلى حيوانات

يذهب عدد كبير من علماء السنة إلى أنّ الساحر يمكنه قلب الأشياء على وجه الحقيقة ، وأنه يمكنه أنْ يمسخ الإنسان إلى حيوان ، ويقلب الجمادات إلى أشياء حسب ما يريد .

قال الحافظ ابن كثير في تفسيره : حكى أبو عبد الله الرازي في تفسيره عن المعتزلة أنهم أنكروا وجود السحر قال : وربما كفروا من اعتقد وجوده . قال : وأما أهل السنة فقد جوزوا أن يقدر الساحر أن يطير في الهواء ويقلب الإنسان حماراً والحمار إنساناً ، إلا أنهم قالوا : إن الله يخلق الأشياء عندما يقول الساحر تلك الرقى والكلمات المعينة فأما أن يكون المؤثر في ذلك هو الفلك والنجوم فلا ، خلافا للفلاسفة والمنجمين والصابئة ، ثم استدل على وقوع السحر وأنه بخلق الله تعالى بقوله تعالى: ( وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ ) (1) ومن الأخبار بأن رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم سحر ، وأن السحر عمل فيه وبقصة تلك المرأة مع عائشة رضي الله عنها ، ومـا ذكـرت تلك المرأة من إتيانها بابـل وتعلمـها السحر . (2)

 

(1) سورة البقرة : 102 .
(2) تفسير ابن كثير ج1 ص 199 ، وراجع أيضاً : عمدة القاري ج14 ص 63 ، فيض القدير ج3 ص 376 .

 
 

429 ................................................. المعجزات والكرامات لبعض أهل السنة

وقال الآلوسي في تفسير روح المعاني أثناء حديثه عن السحر : والجمهور على أن له حقيقة وأنه قد يبلغ الساحر إلى حيث يطير في الهواء ويمشي على الماء ويقتل النفس ويقلب الإنسان حماراً والفاعل الحقيقي في كل ذلك هو الله تعالى ، ولم تجر سنته بتمكين الساحر من فلق البحر وإحياء الموتى وإنطاق العجماء وغير ذلك من آيات الرسل عليهم السلام ، والمعتزلة وأبو جعفر الإستراباذي من أصحابنا على أنه لا حقيقة له وإنما هو تخييل وأكفر المعتزلة من قال ببلوغ الساحر إلى حيث ما ذكرنا زعما منهم أن بذلك انسداد طريق النبوة ، وليس كما زعموا على ما لا يخفى . (1)

أقول : وما تقدم نقله لم يتفق عليه علماء السنة ، بل فيهم من أثبته ودافع عنه بقوة ، وفيهم من نفاه ورده بقوة أيضاً ، ولكن نقول لأولئك الذين أنكروا على الشيعة الإمامية قولهم بثبوت معجزات الأنبياء (ع) لأئمتهم الطاهرين (ع) واتهموهم بالكفر لأجل ذلك بأنّ الأولوية العقلية تقتضي الإنكار على مثل هذا القول الباطل واتهام قائله بالكفر ، ولكن هؤلاء مع الأسف الشديد لديهم ازدواجية واضحة في المعايير وتقييم للأمور بحسب الهوى وبدافع العصبية ، لا بما يقتضيه الدليل والبرهان ، نحن وإنْ قلنا بأنّ ما تقدم قول باطل وغير صحيح ، لكنا نقول بأنّ قائله مخطئ ومشتبه ولا نتهمه بالكفر ولا نحكم باستباحة دمه كما فعل أولئك في حق من قد يختلف معهم بأتفه الأمور .

 

(1) تفسير روح المعاني ج1 ص 339 ط. دار إحياء التراث العربي / بيروت .

 
 
 
 
 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب