ووجه الاستدلال بالآيات الكريمة أنّ من كان عنده علم
من الكتاب كان يستطيـع وبـإذن الله عـز وجـل أنْ يأتي
بعـريش بلقيس لنبي الله سليمـان (ع) قبل أنْ يرتد إليه
طرفه ، مع أنه بالاتفاق لم يكن من الأنبياء (ع) ، وهو
دليل على ثبوت ولاية تكوينية له من قبل الله تعالى ،
ومن بديهيات العقل أنّ الوقوع دليل الإمكان ، فكل
ممتنع لذاته لا يمكن أنْ يقع أصلاً بأي حال من الأحوال
، كما أنّ الآية الكريمة تثبت عدم امتناع ذلك على من
لم يكونوا من الأنبياء (ع) من أولياء الله الصالحين ،
والآيات الكريمة تدل على قدرة الذي عنده علم من الكتاب
بإذنْ الله عز وجل أنْ يأتي بعرش بلقيس من اليمن إلى
فلسطين في لحظة واحدة وقبل أنْ
(1) سورة النمل : 38 - إلى - 42 .
588
..................................................
معجزات
أهل البيت عليهم السلام وكراماتهم
يرتد طرف سليمان (ع) إليه
، وهذا يعني أنه له ولاية تكوينية وإلا لم يمكنه ذلك .
والذي كان من الجن كان بإمكانه أنْ يأتي لسليمان (ع)
بعرش بلقيس قبل أنْ يقوم من مقامه ، غير أنّ الذي كان
لديه علم من الكتاب كان بإمكانه أنْ يأتي به بأسرع من
هذا ، فيمكنه أنْ يأتي به قبل أنْ يرتد طرفه وكل ذلك
لا يكون إلا بإذن الله عز وجل بالضرورة .
والشيعة الإمامية يعتقدون أنّ الذي عنده علم من الكتاب
مع أنه من أولياء الله الصالحين وعباده المقربين ، وهو
إنما كان يمكنه ذلك أنّ لديه علماً من الكتاب ، ولكونه
من أولياء الله الصالحين وعباده المقربين ، إلا أنّ
أهل بيت النبوة (ع) أعظم منه منزلة عند الله تعالى وأرفع
قدراً .
الإنصاف في مسائل الخلاف ج2
..................................................................
589
لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا
وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا - فَحَمَلَتْهُ
فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا - فَأَجَاءَهَا
الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ
يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًا
مَنْسِيًّا - فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلاَّ
تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا -
وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ
عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا - فَكُلِي وَاشْرَبِي
وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيْنَّ مِنْ الْبَشَرِ
أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَانِ
صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا
) . (1)
وهذه الآية الكريمة تدل على أنّ السيدة الصديقة مريم
(ع)
كانت مخاطبة من قبل ملائكة الله (ع) ، وأنّ الله عز وجل
أعطاها من الكرامات والمعجزات أموراً منها أنّ الله عز
وجل جعل تلك النخلة اليابسة محملة رطباً جنياً ، إلى
غير ذلك من الكرامات والمعجزات التي تحدث بها القرآن
الكريم عن السيدة مريم (ع) ، وهي على مكانتها الرفيعة
ومقامها العظيم عند الله عز وجل لم تكن من الأنبياء
(ع)
، فنزول الملائكة (ع) عليها دليل على جواز أنْ تنزل
الملائكة (ع) على غير الأنبياء (ع) من أولياء الله
الصالحين وعباده المقربين .
(1) سورة مريم : 16 - إلى - 26 .
590
..................................................
معجزات
أهل البيت عليهم السلام وكراماتهم
3- أصحاب الكهف باتفاق المسلمين لم يكونوا من الأنبياء
(ع) ، بل كانوا من عباد الله الصالحين الصابرين على
البلاء والمخلصين في طاعة الله عز وجل ، وقد أعطاهم
الله عز وجل الكرامات العظيمة التي من أبـرزهـا مبيتهم
في الكهـف مئآت السنين كما صـرّح بـذلك القـرآن
الكـريم . (1)
وما جرى لهم يدل على أنّ تلك الكرامات والمعجزات قد
تقع لغير الأنبياء (ع) من أولياء الله الصالحين وعباده
المقربين ، وكما يقول العلماء فإنّ الوقوع دليل
الإمكان ، وحينئذ فإذا ورد نص معتبر يدل على ثبوت مثل
ذلك للأولياء فلابد من قبوله .
4- أنه لا يوجد أي دليل يدل على امتناع صدور المعجزات
والكرامات من الأولياء ، وعليه فمقتضى الإيمان بعظمة
الله عز وجل هو تصديق ما ينقل بهذا الشأنْ إذا ورد
بطريق معتبر .
وقد ذكروا وجوها كثيرة يمكن للمتتبع البحث عنها في
مظانها .
(1) راجع : سورة الكهف : الآيات الكريمة من الآية : 9
- إلى - 23 .