المقدمة ............................................................................ 3

المقدمة

لا شك بأن الوحدة ونبذ التنازع هدف يصبو إليه كل مسلم يريد الخير للإسلام والمجتمعات الإسلامية ، والوحدة لا تعني إلغاء التنوعات الموجودة في مجتمعاتنا الإسلامية بل تعني التلاقي والتفاهم بين المجاميع المتنوعة والمختلفة في رؤاها داخل الإطار الإسلامي العام بحيث تعترف كل طائفة وجماعة منها بانطباق عنوان الإسلام على الأخرى .

وعليه ليس كل حديث عن الاختلاف والمختلفين يعني إثارة الكراهية والبغضاء بل قد يقصد منه عكس ذلك أي ترسيخ المحبة والمودة بين أولئك المختلفين ، وذلك اعتمادا على أصلين ، الأول أنهم إخوة مسلمون أحمل لهم كل المحبة في قلبي ، والآخر أنهم أصحاب رأي قِوامه الأدلة التي قامت عندهم ، فأحترم رأيهم وإن خطأتهم ، والحصيلة أن المهم والمطلوب مع التنوع والاختلاف

4 .............................................................. تطهير المناهج من التكفير

العمل بقوله تعالى ( وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ ) (1) وقوله عز وجل ( وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ) (2).

فلا يمكن لأحد تجاهل اختلاف الرؤى بين المسلمين فهو أمر واقع لا محيص عنه ، بل صرح القرآن بأن حياة البشر قائمة على الاختلاف فقال تعالى ( وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأََمْلأََنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ) (3) ، وليس هو أمر متحقق بين الطوائف فقط بل حتى في الطائفة الواحدة كما هو واضح وجلي ونلمسه في واقعنا المعاش .

والمشكلة الكبيرة التي نريد التركيز عليها هنا أن هذه الوحدة المنشودة تصبح غير ممكنة مع وجود طرف لا يرى أن هناك مجالا للتلاقي مع الآخرين ، بل ويتجاوز هذه المرحلة إلى اتهام الأطراف الأخرى ( التي يفترض أنها تشاركه مسمى الدين الإسلامي والعيش المشترك ) أنها ليست من الإسلام في شيء ، فيحمل راية التكفير والإخراج من الملة ، وهنا يطل شيطان التنازع والفشل برأسه بكل ما يحمل من مخاطر ونتائج مدمرة على الأمة .

 

(1) آل عمران :103 .

(2) الأنفال : 46 . (3) هود : 118 – 119 .  
 

المقدمة ............................................................................ 5

إن وجود هذه الفئة وما تحمله من أفكار هدامة سيجر الأمة إلى الصراع الداخلي بل الاقتتال فيشكل أرضية هامة وأساسية للتدخلات الأجنبية التي نلمسها اليوم ونلمس الآلام والمآسي التي جلبتها للأمة وعمت الجميع ولم تختص بفئة دون أخرى ، ولنا في قوله تعالى ( وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خاصة وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ) (1) عبرة .

ولكن ما زال في هذه الأمة مخلصون من أبنائها ممن يحمل همّ إماطة الأذى عنها ويعمل على نشر روح المحبة والمودة بين مختلف الكيانات والطوائف الإسلامية .

ونعتقد أن الخطوة السابقة في السير باتجاه الوحدة بالنسبة لمثل هذه الفئة المكفرة هو بيان خطأها في التكفير وضلالتها ، وهنا يتلخص الخير الذي نقصده وتكمن الفائدة المرجوة من كتابة هذه الأسطر .

وصحيح أن جزءا من مشاكل الخلاف والاختلاف بين المسلمين تتم معالجتها من خلال الدعوات المتكررة للوحدة الإسلامية والتآلف بين المسلمين وإقامة المؤتمرات المباركة بهذا الاتجاه ، ولكن لا أعتقد أن مثل هذه الدعوات وتلك المؤتمرات مجدية تجاه هذه

 

(1) الأنفال : 25

 
 

6 .............................................................. تطهير المناهج من التكفير

الفئة التكفيرية ، إذ ما الفائدة في المطالبة بالوحدة والتآلف ومواجهة العدو الواحد المشترك مع من يكفرك ويعتبرك مشركا ؟ فكأن لسان حاله يقول : أتريدني أن أضع يدي في أيديكم وأنتم أجلى مصاديق الكفر والشرك عندي ؟ هل أضع يدي في يد مشرك لمواجهة كافر؟! إن خطرا من هذا القبيل لا يعالج إلا ببيان مواطن الخلل في رؤيتهم للكفر والإيمان والشرك والتوحيد .

وخلاصة ليس مكمن الخطر الذي يواجه المجتمعات الإسلامية في مجرد الاختلاف ، بل على العكس من ذلك إذ يعبر عن حالة طبيعية وصحية ، وإنما مكمن الخطر ينحصر في الفئات الإقصائية التي تريد أن تفرض رؤيتها الخاصة على الآخرين ممن يعيشون معهم في نفس المجتمع ، وأخطر الأدوار التي يمارسونها تتلخص في اعتبار من يخالفهم في بعض الرؤى كافرا خارجا عن ملة الإسلام .

بل إن الكفر بمعناه المجرد أمر هين ، إذ إن من أنواعه الكتابي وهو الذي قد حفظ له الإسلام ذمته ، كما هو الحال بالنسبة لليهود والنصارى ، ولكن أسوأ أنواع التكفير وأخطره هو التجرؤ بالحكم على أن المسلم الذي يشهد الشهادتين مشرك ، فالشرك بالله أسوأ الضلالات البشرية كما قال عز وجل ( إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرى

المقدمة ............................................................................ 7

إِثْماً عَظِيماً ) (1) ، وأخطر ما يرتبونه على الكفر الشركي هو الحكم بهدر دم من يكفرون وإباحة ماله .

التكفير بتهمة الشرك :

إن الأمر الذي نود تفصيله يرتبط بإبراز فهم خاطئ وشاذ للتوحيد والشرك ، بل رؤية خطيرة تنتشر بين الشباب المسلم - لاسيما في الخليج والجزيرة العربية - تقلب خارطة العالم السياسية حيث تُخرج جل المسلمين المقرين بالشهادتين عن الإسلام باعتبارهم مشركين .

إنها دعوى عظيمة بحق مسلمين يشهدون الشهادتين يقشعر منها بدن كل سليم الفطرة ، والسؤال : كيف آمن بهذه الدعوى هذا العدد الكبير من الشباب المسلم ؟!

بل الأنكى كيف تم إقناع بعضهم بممارسة أبشع جرائم العصر الحديث والمتمثلة بالمفخخات التي نراها على نحو شبه يومي على شاشات الفضائيات ؟!

لماذا أصبح جيش العدو الصهيوني أقل خطرا بحيث تكالبت هذه الفئة على الشعب المسلم في العراق بنسائه وأطفاله

 

(1) النساء : 48 .

 
 

8 .............................................................. تطهير المناهج من التكفير

وشيوخه ؟ هل لأن جيش العدو الصهيوني أصبح كتابيا بينما الشعب العراقي شعب مشرك ؟!!

لقد تم حشو عقول هؤلاء الشباب بمقولة إن العراق أصبح موطنا للشرك والمشركين بحيث لم يعد مجتمعا مسلما ، وهذا الأمر لم يكن ليكتب له النجاح لولا وجود رواد لهذا الفكر التكفيري المضلل سعوا وبكل جهدهم لتحريف مقاييس الشرك والتوحيد عند الشباب المغرر بهم ، ولم يتوقف التضليل عند هذا الحد بل تعداه إلى مقولة إنه لا فرق في جواز القتل بين الكبير والصغير والشيخ والطفل والرجل والمرأة ، فلم تحفظ حرمة لأحد كما حفظها الإسلام ، فأصبحت هذه الضلالة هي أكبر منبع ورافد لما نجده في ساحتنا السياسية من مجازر وفظائع تمارس ضد المسلمين خاصة والإنسانية عامة وباسم الإسلام !!

وللأسف الشديد فإن الخطر الأهم والأعظم أن البعض ممن يحارب الإرهاب مخلصا في حربه لها وقع تحت طائلة هذه الرؤية الخطيرة من حيث لا يشعر ، حيث تسربت إلى أهم مراكز المجتمع التعليمية ( المدراس ومناهجها التعليمية ) ، فنجد أنه بدلا من أن يدرس فيها ما يعرضه القرآن الكريم والسنة النبوية الطاهرة من مقاييس للتوحيد والشرك تم تدريس تلك الرؤية الضالة والخاطئة لهؤلاء التكفيريين وفهمهم الخاطئ للتوحيد والشرك .

المقدمة ............................................................................ 9

ونكتفي بعرض نموذجين لذلك على سبيل المثال لا الحصر :
أولهما : فقرات من منهج التربية الإسلامية للصف التاسع ، حيث نقرأ فيه تحت عنوان ( معنى العبادة ومن يستحقها ) :
" من دعا غير الله أو ذبح أو نذر لغير الله أو استعان أو استغاث بميت أو غائب أو بحي حاضر فيما لا يقدر عليه إلا الله فقد أشرك الشرك الأكبر ، وسواء صرف هذا النوع من العبادة لصنم أو شجر أو لحجر أو لنبي من الأنبياء أو لولي من الأولياء ، فهذا كله شرك والله عز وجل لا يرضى أن يشرك معه في عبادته أحد ، لا مقرب قوم ولا نبي مرسل ولا ولي ولا غيرهم ، قال تعالى " إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرى إِثْماً عَظِيماً " ، وقال عز وجل " وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً " ، وقال سبحانه " وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً .... " .

ومع الأسف الشديد فقد اتخذت القبور في بعض البلاد أوثانا تعبد من دون الله ، يذهب إليها الناس يطلبون من أصحابها قضاء حوائجهم بحجة أنهم أناس صالحون ولهم جاه عند الله ، وقد نسوا أن هذا - والله - هو قول المشركين كما ذكره في القرآن في قوله تعالى " وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ فِي السَّماواتِ

 

 

 
 

10 .............................................................. تطهير المناهج من التكفير

وَلا فِي الأَْرْضِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ " وقوله عز وجل " أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ما نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي ما هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كاذِبٌ كَفَّارٌ " (1) .

وثانيهما من منهج التربية الإسلامية للصف العاشر ، وصياغته أخطر لأنه يصرح بأن حكم هؤلاء هو القتل ، فكُتب في المنهج تحت عنوان نواقض التوحيد : " الشرك نوعان : أ- الشرك الأكبر : وهو صرف شيء من أنواع العبادة لغير الله سبحانه وتعالى كالدعاء لغير الله عز وجل أو التقرب بالذبائح والنذور لغير الله عز وجل من القبور والجن والشياطين والخوف من الموتى أو غيرهم أن يضروه أو يمرضوه وعبادة غير الله كالذين عبدوا العجل والكواكب والأحجار والأصنام قال تعالى " وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ .... " .

ثم يضع جدولا يفرق فيه بين حكم الشرك الأكبر والشرك الأصغر فيذكر أنه من حيث العقيدة الشرك الأكبر يخرج من ملة الإسلام ، ومن حيث العقوبة فعقوبة الشرك الأكبر هي إباحة دم المشرك وماله وخلوده في النار (2) ، هذا بعد أن تعلموا أن زوار القبور من المشركين .

 

(1) التربية الإسلامية للصف التاسع في دولة الكويت ص 22- 23 ، الطبعة الثانية 1423 هـ .
(2) التربية الإسلامية للصف العاشر في دولة الكويت ص 44- 45 ، الطبعة الثانية 1423 هـ .

 
 

المقدمة ............................................................................ 11

عوامل انتشار الفكر التكفيري

المهم أن هذا الفكر أصبح مستوعبا لعدد كبير من الشباب المسلم في الخليج والجزيرة العربية ، و لاشك بأن فيهم المخلص للإسلام وأمته ، ويرجع ذلك الانتشار إلى عاملين أساسيين :
الأول : القدرة المالية : فلا شك بأن لوجود القدرة المالية عند المتبنين لتلك الرؤية دورا كبيرا في انتشارها وبلوغها مناطق بعيدة من العالم الإسلامي .

الثاني : التلبيس القرآني : إن المتتبع لما كتبه مؤسسو تلك الرؤية وعلماؤها يرى أن هناك عاملا آخر غير القدرة المالية لا ينبغي إغفاله كان له دور مهم في جذب الشباب وأدى إلى ازدياد أتباع تلك الرؤية للتوحيد والشرك وانتشارهم في بلاد المسلمين .

وخلاصته أنهم ألبسوا عقيدتهم ورؤيتهم لباسا قرآنيا من خلال الاستناد على بعض الآيات التي ادعوا أنها محكمة في رؤيتهم للتوحيد والشرك ، وغدت مادتهم التعليمية والتربوية قائمة على تلك القراءة الخاصة لتلك الآيات ، فكان لهذه الصبغة الإعلامية القرآنية دور كبير في انتشار ذلك الفهم الخاطئ وتلك الرؤية الضالة .

12 .............................................................. تطهير المناهج من التكفير

ولذا فإن لبيان خطأهم وخللهم في قراءة الآيات وفهمها الدور الأكبر والأساس في مواجهة هذه الضلالة الكبيرة التي نخرت ومازالت تنخر في الجسد الإسلامي .

وهذا الكتيب يهدف لبيان مدى الخلل الكبير الذي وقعوا فيه في قراءتهم وفهمهم للآيات التي استندوا إليها ، وهذا البيان من شأنه - بإذن الله - العمل على إنقاذ الشباب من براثن هذه الرؤية الخطيرة .
 

 
 
 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

فهرس الكتاب