هل وقع المسلمون في شرك الألوهية ؟
.................................................
47
البحث الأول
معنى الدعاء في الآيات المستدل بها
وينبغي أن نبدأ بعرض معاني كلمة الدعاء في كتب اللغة
واستعمالات القرآن ، وأهم المعاني التي استعملت فيها
كلمة الدعاء وانعكست في القرآن هي المعاني التالية :
1) مجرد النداء : بمعنى أن يصيح عليه بما ينبه
للالتفات أو الحذر أو المجيء كما في قولنا ادعوا زيدا
، ومنه قوله تعالى ( إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى
وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاء إِذَا وَلَّوْا
مُدْبِرِينَ ) (1) ، وقوله تعالى ( ثُمَّ إِذَا
دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ الْأَرْضِ ) (2) ، وقوله
تعالى ( اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا
دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ ) (3) .
2)
التسمية والادعاء : مثل دعوت المولود زيدا أي سميته
زيدا ، وبهذا المعنى استعملت في قوله تعالى (
تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ
وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا
*
أَن دَعَوْا
(1) النمل : 80 .
(2) الروم : 25 .
(3) الأنفال : 24 .
48
..............................................................
تطهير المناهج من التكفير
لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا
) (1) ، أي ادّعوا زورا أن لله
ولدا ، قال ابن الجوزي : " قوله تعالى (
أَن دَعَوْا )
... قال أبو عبيدة : معناه : أن جعلوا ، وليس هو من
دعاء الصوت ... " (2) .
ومنه قوله تعالى ( وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ
اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ
الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا
يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا
)
(3) ، فجاء الدعاء هنا بمعنى الاتخاذ والجعل وهاتان
المفردتان أي الاتخاذ والجعل جاء ذكرهما في القرآن عند
الحديث عن عقيدة المشركين كما في قوله تعالى (
وَلَا
تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُم
مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ ) (4) وقوله عز وجل (
وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُوا
لَهُمْ عِزًّا ) (5) ويدل على ذلك ما رواه البخاري في
سبب نزول آية الفرقان عن عبد الله بن مسعود ( رض ) قال
: " سألت أو سئل رسول الله (ص) : أي الذنب عند الله أكبر
؟ ، قال : أن تجعل لله ندا وهو خلقك ، قلت : ثم أي ؟
قال : ثم أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك ، قلت : ثم أي
؟ قال : أن تزاني
بحليلة جارك ، قال :
ونزلت هذه الآية تصديقا لقول رسول الله (ص)
(1) مريم : 90 – 91 .
(2) زاد المسير ج 5 ص 196 .
(3) الفرقان : 68 .
(4) الذاريات : 51 .
(5) مريم : 81 .
هل وقع المسلمون في شرك الألوهية ؟
.................................................
49
3)
الطلب والاستغاثة : وهذا كثير في القرآن مثل قوله
تعالى ( هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ
رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً
إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء ) (2) ، وكذلك قوله تعالى
( قَالَ قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا
وَلاَ تَتَّبِعَآنِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لاَ
يَعْلَمُونَ ) (3) ، وانطلاقا من هذا المعنى تستعمل
مفردة الدعاء في الطلب من الله والاستغاثة به كما هو
ظاهر قوله تعالى ( بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ
مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاء وَتَنسَوْنَ مَا
تُشْرِكُونَ ) (4) ، وقوله (
وَادْعُوهُ خَوْفًا
وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ
الْمُحْسِنِينَ ) (5) ، وهذا الاستعمال هو ما اصطُلِح
عليه بدعاء المسألة .
4) العبادة : وهو المذكور في قول الأزهري : " وقد يكون
الدعاء عبادة ومنه قول الله جل وعز ( إِنَّ الَّذِينَ
تَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ
(1) صحيح البخاري ج 6 ص 137 – 138 .
(2) آل عمران : 38 .
(3) يونس : 89 .
(4) الأنعام : 41 .
(5) الأعراف : 56 .
50
..............................................................
تطهير المناهج من التكفير
عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ
)
أي الذين تعبدون من دون الله " (1) ، بل أكثر
استعمالات القرآن قصد منها هذا المعنى ، فقد قرر الشوكاني استدلال البعض بقوله : " الدعاء في أكثر
استعمالات الكتاب العزيز هو العبادة " (2) ، وهذا
الاستعمال هو ما اصطُلِح عليه بدعاء العبادة كما سيأتي
.
وقد لخص أبو البقاء المعاني المتعددة للدعاء مستشهدا
بآيات القرآن الكريم ، قال : " والدعاء : الرغبة إلى
الله والعبادة نحو ( وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللّهِ
مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ ) ، والاستعانة نحو
( وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم
) ، والسؤال نحو ( ادْعُونِي
أَسْتَجِبْ لَكُمْ ) (3) ، والقول نحو (
دَعْوَاهُمْ
فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ ) ، والنداء نحو
(
يَوْمَ يَدْعُوكُمْ ) ، التسمية نحو ( لَا تَجْعَلُوا
دُعَاء الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاء بَعْضِكُم
بَعْضًا ) (4) .
وعليه يجب علينا حينما نستدل بآية من الآيات التي
استعملت فيها كلمة الدعاء أن نحدد أي المعاني المتعددة
التي عرضنا هو المقصود والملحوظ في الآية .
(1) تهذيب اللغة ج 3 ص 76 .
(2) فتح القدير ج 4 ص 571 .
(3) سيأتي أن الصحيح إن ادعوني هنا بمعنى اعبدوني .
(4) الكليات ص 447 .