هل وقع المسلمون في شرك الألوهية ؟ ................................................. 63

البحث الثاني
تقييد شركية دعاء المسألة بما لا يقدر عليه إلا الله

كما رأيت هم يقرون بأن دعاء المسألة لغير الله ليس شركا بصورة مطلقة بل هو مقيد بما لو دعا وسأل أمرا لا يقدر عليه إلا الله ، وكلمات مشايخهم صريحة في ذلك ، قال محمد بن صالح العثيمين : " الدعاء ينقسم إلى قسمين :
الأول : دعاء عبادة مثاله الصوم والصلاة ... وهذا القسم كله شرك ... .

الثاني : دعاء المسألة فهذا ليس كله شركا بل فيه تفصيل ، فإن كان المخلوق قادرا على ذلك فليس بشرك ... ... ، وأما من دعا المخلوق بما لا يقدر عليه إلا الله فإن دعوته شرك مخرج عن الملة " (1) .

وأصل التقييد تجده في كلمات ابن عبدالوهاب في رد إشكال أورده قال : " ولهم شبهة أخرى وهو ما ذكر النبي (ص) أن الناس يوم القيامة يستغيثون بآدم ثم بنوح ثم بإبراهيم ثم بموسى ثم

 

(1) القول المفيد على كتاب التوحيد ج 1 ص 120 – 121 .

 
 

64 .............................................................. تطهير المناهج من التكفير

بعيسى فكلهم يعتذر حتى ينتهوا إلى رسول الله (ص) قالوا : فهذا يدل على أن الاستغاثة بغير الله ليست شركا .

والجواب أن نقول : سبحان من طبع على قلوب أعدائه ، فإن الاستغاثة بالمخلوق فيما يقدر عليه لا ننكرها ، كما قال الله تعالى في قصة موسى ( فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ ) ، وكما يستغيث الإنسان بأصحابه في الحرب أو غيره في أشياء بقدر عليها المخلوق ، ونحن أنكرنا استغاثة العبادة التي يفعلونها عند قبور الأولياء أو في غيبتهم في الأشياء التي لا يقدر عليها إلا الله " (1) ، وعبارتهم ظاهرة في أن الشرك يختص بما إذا كان الأمر المسئول والمطلوب من الخوارق التي لا يمكن أن تصدر إلا من الله خالق الكون .

والإشكال الأساس الذي يرد عليهم أننا نقطع بأن هناك أمورا هي من قبيل الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله - أي الخوارق - مكن منها بعض مخلوقاته الكريمة كالملائكة وبعض عباده الصالحين المخلصين ، فأصبحوا قادرين على فعلها .

ويكفي مثالا على ذلك قدرة المسيح (ع) على إحياء الموتى إبراء الأكمه والأبرص بإذن الله ، ولا شك أن المسلم لا يطلب مثل

 

(1) شرح كشف الشبهات ص 125 – 126 .

 
 

هل وقع المسلمون في شرك الألوهية ؟ ................................................. 65

تلك الأمور التي هي في مقدور الله أصالة إلا إذا اعتقد أن المدعو أعطي القدرة من الله عز وجل ومكن بإذنه كالقدرة التي أعطيت للمسيح (ع) والمذكورة في قوله تعالى ( أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللّهِ وَأُبْرِئُ الأكْمَهَ والأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللّهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ ) (1) ، وهكذا بالنسبة لسليمان (ع) إذ قال تعالى ( فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاء حَيْثُ أَصَابَ ) (2) ، فوجود مثل تلك القدرات أمر مصرح به في القرآن ، فكيف يمكن تكفير مسلم لاعتقاده بذلك أو ترتيبه الأثر على تلك العقيدة وطلب الأمر المعجز من ذلك النبي ، وهل يعقل أن يقال وبكل بساطة : إن دعاء المرضى الذين عاشوا في زمن المسيح (ع) وطلبهم منه الشفاء أمر موجب للشرك ، فلو طلب الأكمه والأبرص الشفاء من عيسى (ع) لكان مشركا ؟!

وإذا أراد مكابر أن يدعي ذلك ، نقول : يكفيك أن الذي عنده علم من الكتاب أتى بعرش ملكة سبأ بطلب من سليمان (ع) كما في قوله تعالى ( قَالَ يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن

 

(1) آل عمران : 49 .

(2) ص : 63 .  
 

66 .............................................................. تطهير المناهج من التكفير

يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ) (1) ، فاستجاب الذي عنده علم من الكتاب لطلب سليمان a وقام بذلك كما في قوله تعالى ( قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ قَالَ هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي ) (2) ، فهل أشرك نبي الله سليمان (ع) بطلبه هذا ؟!

بل الميت يمكن أن يمكّن من بعض الأمور ، فقد مُكِّن رسول الله (ص) من رد السلام على المؤمنين وهو ميت في قبره ، فقد روي بسند صحيح قوله (ص) : " ما من أحد يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام " (3) .

ولوضوح الأمر أقر الشيخ ابن عبد الوهاب بأن الطلب ممن مكّنه الله على الخوارق ليس شركا ، فقال : " ولهم شبهة أخرى وهي قصة إبراهيم (ع) لما ألقي في النار اعترض له جبريل في الهواء فقال : ألك حاجة ؟ فقال إبراهيم : أما إليك فلا ، قالوا : فلو كانت الاستغاثة بجبريل شركا لم يعرضها على إبراهيم .

فالجواب : إن هذا من جنس الشبهة الأولى ، فإن جبريل عرض عليه أن ينفعه بأمر يقدر عليه ، فإنه كما قال الله تعالى فيه ( شَدِيدُ الْقُوَى ) ،

 

(1) النمل : 38 .

(2) النمل : 40 (3) ذكره الألباني في السلسلة الصحيحة ج5 ص 338 .  
 

هل وقع المسلمون في شرك الألوهية ؟ ................................................. 67

فلو أذن الله له أن يأخذ نار إبراهيم وما حولها من الأرض والجبال ويلقيها في المشرق أو المغرب لفعل ، ولو أمره أن يضع إبراهيم في مكان بعيد عنهم لفعل ، ولو أمره أن يرفعه إلى السماء لفعل " (1) .

وعلى هذا يجب عليهم أن يعدلوا في قيود دعاء المسألة الموجب للشرك فيقولون : هو أن يطلب الإنسان من موجود ما أمرا لا يقدر عليه إلا الله ولم يكن ذلك الموجود حيا كان أو ميتا ممن مكنه الله على مثل ذلك الأمر .

وهنا سندخل في مشكلة أخرى إذ تختلف آراء المسلمين حول تمكين الله لبعض عباده المكرمين بسبب الاختلاف في صحة بعض الأحاديث وضعفها ، فسيكون الاختلاف من قبيل الخلاف في بدعية عمل ما وسنيته ، فإذا ثبت تمكين الله له وثبت جواز الطلب منه بدليل معتبر فلن يكون بدعة بل هو سنة جائزة بالدليل ، وأما إذا لم يثبت تمكينه أو ثبت ولكن لم يثبت جواز الطلب منه بدليل معتبر فسيكون بدعة لا سنة ، وعليه ستخرج المسألة عن بحث التوحيد والشرك إلى بحث السنة والبدعة .

 

(1) شرح كشف الشبهات ص 129 – 130 .

 
 

68 .............................................................. تطهير المناهج من التكفير

وهل يجوز في هذه الخلاف النابع من الخلاف في تقييم بعض الأحاديث أن يتهموا المسلمين بالشرك مستحلين بذلك دماءهم وأموالهم ؟! فكيف يمكن الحكم على مسلم بالشرك لمجرد أنه أخطأ في تخيل صحة خبر أثبت تمكين الله لمخلوق كريم من مخلوقاته ودعاه دعاء مسألة بناء على ذلك ؟!

انتقال من دعاء العبادة إلى المسألة خروج عن بحث الألوهية
لمتابعة الموضوع اضغط على الصفحة التالية أدناه

 
 
 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب