70 .............................................................. تطهير المناهج من التكفير

دعاء المسألة يمكن أن يصبح شركا في أحد الفرضين التاليين

بناء على ما سبق لا ننفي إمكان دخول دعاء المسألة تحت عنوان الشرك ، ولكن ليس بمجرده بل إذا صاحب دعاء المسألة أمر آخر يدخله في شرك الربوبية أو شرك الألوهية ، والعقل هو الذي يستقل في الحكم بشركيته بسبب ما لازمه ، وذلك عند تحقق ضابطة أحد نوعي الشرك إما شرك الربوبية أو شرك الألوهية .

هل وقع المسلمون في شرك الألوهية ؟ ................................................. 71

فهو يدخل في شرك الربوبية إذا اعتقد الداعي السائل أن هذا الموجود سواء أكان صنما أم غير ذلك قادر على قضاء حاجاته بشكل مستقل عن الله وفي عرض قدرة الله تعالى ، فهذا شرك بلا شك ، فلو سأل أحدهم غير الله أمرا لا يقدر عليه إلا الله واعتقد أنه بمقدور ذلك الغير من دون أن يمكنه الله بل بقدرته الذاتية المستقلة عن الله أصبح مشركا شرك ربوبية ، وسبب الشرك هنا في الحقيقة ليس دعاء المسألة وإنما اعتقاد السائل الذي يرجع إلى شرك الربوبية لا الألوهية .

وهذا ما يدل عليه القرآن صريحا ، فتقييدنا لشركية دعاء المسألة بالاعتقاد بربوبية المدعو الذاتية المستقلة عن الله مصرح به في قوله تعالى ( أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللّهِ وَأُبْرِئُ الأكْمَهَ والأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللّهِ ) (1) ، فمن الواضح من الآية الكريمة أن تقييد القدرات الخارقة للعادة بإذن الله أي بتمكين الله وعدم استقلاليته كان السبب الأساسي في عدم اعتبار ذلك شركا ، وبالتالي إذا لم يكن الاعتقاد بقدرة ذلك المسئول - على فعل الخوارق - مقيدا بإذن الله ، كما لو اعتقد استقلاليته في ذلك أصبح شركا في الربوبية .

 

(1) آل عمران : 49 .

 
 

72 .............................................................. تطهير المناهج من التكفير

وبناء على ما سبق فالصحيح أن يقال : إن من شرك الربوبية أن يطلب الإنسان من موجود غير الله قضاء حاجته انطلاقا من الاعتقاد بأنه قادر على ذلك بذاته وبدون إذن الله ، وأما إذا اعتقد أنه بإذن الله كما هو حال المسيح (ع) فهذا الإنسان لم يشرك شرك ربوبية لأنه يعتقد بأن الخالق المدبر هو الله وما المسيح (ع) إلا عبد مكنه الله من بعض الخوارق وهو ليس بشرك حتى لو سأله وطلب منه ذلك الأمر الخارق الذي لا يقدر عليه إلا الله أصالة .

نعم قد يكون مبتدعا إذا لم يعتمد على دليل معتبر في ذلك ، ومخطئا إذا اعتمد على دليل باطل تخيل صحته ، وقد يكون مصيبا إذا أفاد الدليل الصحيح ثبوت ذلك لأحد عباده المكرمين كما أفادت الآيات ثبوت ذلك للمسيح (ع) .

ويمكن أن يدخل دعاء المسألة تحت عنوان شرك الألوهية إذا رافق الدعاء القصد العبادي الخاص يعني اعتبر الداعي دعاءه - دعاء المسألة - عبادة مثل الصلاة والصوم يتقرب به إلى الله ويعبده بهذا السؤال والطلب ، وهذا بعيد فلا نجد بين البشر من يعتبر دعاء المسألة عبادة فضلا عن أن يتخذ كذلك من قبل بعض المسلمين .

هل وقع المسلمون في شرك الألوهية ؟ ................................................. 73

التوحيد والشرك يعرفان بالعقل ولا مدخل للنصوص فيها

والحقيقة تكمن في أن العقل بنفسه يعرف بطلان الاعتقاد بوجود إله آخر مع الله مستقل في تأثيره على الكون وهو ما يعرف بشرك الربوبية ، كما أنه مستقل في معرفة بطلان أن يقصد الإنسان غير الله بالعبادات أي ما يعرف بشرك الألوهية .

وعليه إذا أدرك العقل تحقق ضابطة شرك أكبر في مورد سواء كان شركا في الربوبية أو شركا في الألوهية فلا يمكن أن يأتي النص كي يجيز ذاك الشرك كيف وقد قال عز وجل ( وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الْمَلاَئِكَةَ وَالنِّبِيِّيْنَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ ) (1) ، كما إنه استقل بعدم تحقق ضابطة الشرك لا شرك ربوبية ولا شرك ألوهية لا يمكن للنص الشرعي أن يجعله شركا .

ففي مثل موردنا إذا استقل العقل بالحكم على أن دعاء المسألة ليس من الشرك في شيء ، فلا يمكن أن يأتي بعد ذلك دليل أو نص يعتبره شركا في خصوص ما لا يقدر عليه المدعو دون ما يقدر عليه ، وإذا استقل بالحكم على أن دعاء المسألة شرك فلا يمكن أن يأتي الدليل ويجيزه في خصوص ما يقدر عليه المدعو ، كما هو الحال في دعاء العبادة الذي لا يمكن أن يجيزه الشرع في أية حالة ما دام العقل متحققا من شركيته .

تنبيهان لا بد منهما
لمتابعة الموضوع اضغط على الصفحة التالية أدناه

 

(1) آل عمران : 80 .

 
 
 
 
 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب