تمهيد .............................................................................. 13

عرض للرؤية التكفيرية

تقوم الرؤية التكفيرية التي نتحدث عنها على أساس التفريق بين نوعين من التوحيد هما توحيد الربوبية وتوحيد الإلوهية ومن ثم يقابلهما نوعان من الشرك هما شرك الربوبية وشرك الإلوهية ( ويُعبر عنه أحيانا بشرك العبادة ) ، وتتقوم رؤيتهم لآيات التوحيد والشرك في القرآن بهذا التنويع .

ما المقصود بتوحيد الربوبية ؟

توحيد الربوبية هو إفراد الله عز وجل بالخلق والملك والتدبير ، وينطلق هذا الاصطلاح من المعنى اللغوي لكلمة الرب ، قال ابن فارس : " الراء والباء يدل على أصول ، فالأول : إصلاح الشيء والقيام عليه ، فالرب : المالك والخالق والصاحب ، والرب : المصلح للشيء ... والله جل ثناؤه الرب لأنه مصلح أحوال خلقه ... " (1) .

 

(1) معجم مقاييس اللغة ص 378 .

 
 

14 .............................................................. تطهير المناهج من التكفير

ما المقصود بتوحيد الألوهية ؟

توحيد الإلوهية ( ويعبر عنه أحيانا بتوحيد العبادة ) هو إفراد الله عز وجل بالعبادة (1) ، فسجودك وصلاتك يجب أن يكونا لله وليس لأي موجود آخر ، وهذا أيضا ينطلق من المعنى اللغوي لكلمة الإله ، قال ابن فارس : " إله الهمزة واللام والهاء أصل واحد وهو التعبد فالإله الله تعالى وسمي بذلك لأنه معبود ويقال : تأله الرجل إذا تعبد … " (2) ، وبناء على هذا الفارق اللغوي سيتضح الفرق بين كلمتي رب وإله في سورة الناس ، قال تعالى ( قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلهِ النَّاسِ ) (3) .

تعليق على هذا التمييز

إن هذا التمييز بين المفردتين غير مرفوض من الناحية النظرية ، ولكن من الناحية العملية يرى المتتبع أن الأديان قامت على التلازم بين هذين الأمرين ، فهو الأصل عند جميع الديانات حتى المنحرفة منها والمشركة .

ونقصد بهذا التلازم أن أتباع الديانات المختلفة إذا اعتقدوا بربوبية موجود ما - بمعنى أن له قدرته الذاتية والمستقلة في النفع

 

(1) القول المفيد على كتاب التوحيد ج1 ص 14 .

(2) معجم مقاييس اللغة ص 69 . (3) الناس : 1- 3 .  
 

تمهيد .............................................................................. 15

والضر- عبدوه ، كما أنهم إذا عبدوا موجودا ما - بمعنى قصدوه في طقوسهم وعباداتهم - فهذا يعني أنهم يرون أن له شأنا في الربوبية .

لكن هذا لا يمنع ولا ينفي فرضية وجود بعض من خالف هذا الأصل فعبد من لا يعتقد بربوبيته أي تأثيره المستقل في شئون الكون أو بعضها ، فتقوم عقيدته على التفكيك بين الأمرين خلافا للأَصل القائم على الملازمة عند جل البشر .

كيف حكم التكفيريون على جل الأمة بالشرك ؟

وبعد التمييز السابق ادعى أصحاب هذه الرؤية الخاصة دعويين رئيسيين حكموا من خلالهما بشرك جمع كبير من المسلمين ، هما :
الدعوى الأولى : إن المشركين لم يشركوا في الربوبية : يركز أصحاب هذه الرؤية على أن مشركي البشر ومنهم مشركو قريش لم يشركوا بالله في الربوبية بل كانوا يوحدونه في هذا الجانب ، وكان شركهم يقتصر على شرك الألوهية ، وقد استدلوا بآيات عدة يرونها صريحة في الدلالة على دعواهم هذه .

الدعوى الثانية : إن المسلمين اليوم يشركون بالله في الألوهية : وفي هذه الدعوى يعتبر هؤلاء أن بعض الأعمال التي يقوم بها المسلمون اليوم هي من الشرك في الألوهية ، فيرون أن النذر

16 .............................................................. تطهير المناهج من التكفير

والذبح والدعاء من جملة العبادات التي صرفها بعض المسلمين لغير الله ، وقصد غير الله بهذه العبادات موجب للوقوع في شرك الألوهية .

نتيجة الدعويين المدمرة :
وينتج من الدعويين أن المسلمين الذين يقومون بتلك الأعمال المنافية - وفق وجهة نظر تلك الفئة - لتوحيد الألوهية أشركوا بالله كما أشرك من كان قبلهم ، وعليه تستباح دماء أولئك المسلمين وأموالهم كما استبيحت دماء وأموال المشركين من قبل لأنه لا فرق بينهم فكلهم مشرك في الألوهية وإن وحد الله في ربوبيته !!!

فلا ينبغي أن نستغرب إذن من مشاعر الحماس لدى بعض الشباب المضلل الناتجة من هذه الرؤية الخاطئة والهدامة تجاه المسلمين المقرين بالشهادتين ، تلك المشاعر التي أصبحت نفس المشاعر تجاه مشركي قريش في جزيرة العرب ، وهذا يكشف لك جزءا من الحقد الأسود الذي يقف خلف المفخخات ويفسر لك حقيقة ما يجري في العراق الدامي حيث تمزق أجساد الأبرياء .

تمهيد .............................................................................. 17

منهج البحث :
والمهم عندنا أن نتناول بموضوعية الآيات التي استُدل بها على الدعويين مبينين الفهم السليم لها وبالتالي تتبين حقيقة الخلل الذي جر الويلات وما زال يجر أعظم المخاطر بل ويهدد أصل الإسلام ، وسنقسم البحث إلى فصلين ، هما :
الفصل الأول : حقيقة ما ادعي من توحيد المشركين في الربوبية :
سنتناول فيه الدعوى الأولى إذ سنناقش فيه الأدلة القرآنية التي استظهروا منها إقرار المشركين بتوحيد الربوبية ، وسيتبين أن الواضح من النصوص الشرعية وقوع الشرك في الربوبية عند المشركين قبل الإسلام كما أشركوا في الألوهية .

الفصل الثاني : حقيقة ما ادعي من شرك المسلمين في الألوهية :
سنتناول فيه الدعوى الثانية إذ سنناقش فيه الآيات التي يستدل بها أصحاب تلك الرؤية للحكم على جل المسلمين بالوقوع في شرك الألوهية ، وسيتبين أن الدعوى الثانية ليست إلا مغالطة وتلبيسا للباطل بالحق وفهما خاطئا لآيات القرآن الكريم .
 

18 .............................................................. تطهير المناهج من التكفير

تنبيه

ولا بد في المقام من التنبيه على أن لب مشكلتهم يتركز في الفصل الثاني ، فالدعوى الأولى أي مجرد قصر شرك المشركين على شرك الألوهية لا يوجب تهمة المسلمين بشيء من الشرك .

وبعبارة أخرى نقول حتى لو سلمنا بصحة دعواهم الأولى ، وأن المشركين وحدوا الله في الربوبية وأشركوا في الألوهية فقط ، فذلك لا يعني أنهم استطاعوا أن يثبتوا بذلك وقوع المسلمين في الشرك ، بل جوهر خللهم ينصب في أنهم وضعوا معايير خاطئة لشرك الألوهية وطبقوها على المسلمين كما سيتبن لك في الفصل الثاني .

وتبقى الفائدة المرجوة عندهم من الحديث عن عدم وقوع المشركين في شرك الربوبية تتلخص في تحضير نفس المستمع كي تتكون عنده - تجاه المسلمين المتهمين - نفس المشاعر التي تكونت تجاه المشركين زمن النبي (ص) .

 
 
 
 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب