32 .............................................................. تطهير المناهج من التكفير

إذن ما حقيقة ذلك الإقرار بالربوبية في جواب المشركين ؟

بعد وضوح ذلك يبقى علينا أن نفسر تلك الآيات التي ظاهرها إقرار المشركين بربوبية الله وهناك رأيان نجدهما في كلمات المفسرين ، مقتضى الأول أنه إقرار حقيقي بالتوحيد ، لكنه جواب العقل الباطن والفطرة السليمة ، ومقتضى الثاني أنه إقرار بربوبية الله وخالقيته دون توحيده في ذلك وإنما اقتصروا على ذكر الله في الجواب لأنه الأب والإله الأكبر الذي تنتهي إليه علة الموجودات ، وإليك كلمات المفسرين :

الرأي الأول : إنه جواب الفطرة :
يرى أصحاب هذا الرأي أن الإقرار المذكور في الآية ليس اعتقادا للمشركين وإنما هو إقرار بلسان الفطرة أو لوضوحه للعقل وضوحا لا يمكن معه الإنكار ، أو هو معلق على الإنصاف .

• عرض القرطبي رأين في تفسير ( فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ ... ) قال : " لأنهم كانوا يعتقدون أن الخالق هو الله أو فسيقولون هو الله إن فكروا وأنصفوا " (1) ، والثاني هو ما نقصده هنا .

 

(1) تفسير القرطبي مجلد 4 ج 8 ص 247 .

 
 

حقيقة توحيد المشركين بالله في الربوبية ................................................. 33

• قال ابن عطية في تفسير قوله تعالى في سورة يونس ( فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ ... ) : " لا مندوحة لهم عن ذلك ولا تمكنهم المباهتة بسواه " (1) .

• قال البيضاوي في تفسير قوله تعالى في سورة يونس ( فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ ... ) : " إذ لا يقدرون على المكابرة والعناد في ذلك لفرط وضوحه " ، وقال في تفسير قوله تعالى في سورة المؤمنون ( سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ * ... سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ * .... سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ ) : " لأن العقل الصريح قد اضطرهم بأدنى نظر إلى الإقرار بأنه خالقها " (2) .

• وقال الثعالبي في سورة يونس : " > فَسَيَقُولُونَ اللّهُ < أي لا مندوحة لهم عن ذلك ولا تمكنهم المباهتة بسواه " ، وقال في سورة المؤمنون : " أمر الله تعالى نبيه (ص) بتوقيفهم على هذه الأشياء التي لا يمكنهم إلا الإقرار بها ويلزم من الإقرار بها توحيد الله " (3) .

 

(1) المحرر الوجيز ج 9 ص 38 .
(2) أنوار التنزيل ج 1 ص 434 ، ج 2 ص 110 .

(3) الجواهر الحسان ج2 ص 96 ، ج2 ص 431 .  
 

34 .............................................................. تطهير المناهج من التكفير

• وقال الشوكاني في سورة يونس : " > فَسَيَقُولُونَ اللّهُ < أي سيكون قولهم في جواب هذه الاستفهام إن الفاعل لهذه الأمور هو الله سبحانه إن أنصفوا وعملوا ما يوجبه الفكر الصحيح والعقل السليم " ، وقال في سورة المؤمنون : " > سَيَقُولُونَ لِلَّهِ < أي لا بد لهم أن يقولوا ذلك لأنه معلوم ببديهة العقل " (1) .

• وفي تراث أهل البيت (ع) يكفي أن ننقل ما رواه الكليني بسند حسن بل صحيح عن زرارة عن أبي جعفر الباقر (ع) قال : " قال رسول الله (ص) كل مولود يولد على الفطرة ، يعني المعرفة بأن الله عز وجل خالقه ، كذلك قوله تعالى ( وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالأَْرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ .... ) (2) .

الرأي الثاني : إنه إقرار بالربوبية دون التوحيد بذلك :
وهذا ما قرره السيد الطباطبائي
(رحمه الله) في تفسيره للآيات 31 - 36 من سورة يونس حينما اعتبر إقرارهم بأن الله هو المدبر إقرارا حقيقيا باعتبار عدم تنافيه في نظرهم مع تدبير الآلهة الصغيرة

 

(1) فتح القدير ج2 ص504 ، ج3 ص 586 .

(2) الكافي ج 2 ص 12 – 13 .  
 

حقيقة توحيد المشركين بالله في الربوبية ................................................. 35

 لبعض شئون الكون ، قال : " فالحجة الأولى تسلك من الطريق الذي يعتبره الوثنيون وعبدة الأصنام فإنهم إنما يعبدون أرباب الأصنام بأصنامهم من جهة تدبيرهم للكون ... ... فالله سبحانه يلقن نبيه (ص) الحجة على توحيده بالربوبية ، فأمر بقوله ( قُلْ ) أن يقول لهم في سياق الاستفهام ( مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالأَْرْضِ ... ... فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ ) اعترافا بأنه الذي ينتهي إليه جميع هذه التدبيرات في الإنسان وغيره لأن الوثنيين يعتقدون ذلك " (1) .
فكما ترى يعتبر إقرارهم المصرح به في الآيات هو إقرار بربوبية الله عز وجل وليس إقرارا بتوحيده في ذلك وإنما يذكرون الله دون غيره من آلهتهم المؤثرة لأنه الأكبر أو لأنه الذي تنتهي إليه جميع هذه التدبيرات باعتبار أنه الإله الأب في نظرهم خلافا للأولاد المزعومين .

نعم هناك من المتقدمين من فسر الإقرار بما فسره به أصحاب هذه الرؤية ، فقد ذهب إلى ذلك الطبري من القدماء ، فقال في تفسير قوله تعالى ( فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) (2) ، " وأحسب أن الذي دعا مجاهدا إلى هذا التأويل وإضافة ذلك إلى أنه خطاب لأهل التوراة والإنجيل دون غيرهم الظن منه بالعرب

أنها لم تكن تعلم أن الله خالقها ورازقها بجحودها وحدانية ربها

 

(1) الميزان ج 11 ص 47 – 51 .

(2) البقرة : 22 .  
 

36 .............................................................. تطهير المناهج من التكفير

 وإشراكها معه في العبادة غيره ، وإن ذلك لقول ، ولكن الله جل ثناؤه قد أخبر في كتابه عنها أنها كانت تقر بوحدانيته غير أنها كانت تشرك في عبادته ما كانت تشرك فيها فقال جل ثناؤه ( وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ) ... ، فالذي أولى بتأويل قوله ( وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) إذ كان ما كان عند العرب من العلم بوحدانية الله وإنه مبدع الخلق وخالقهم ورازقهم ... أن يكون تأويله ما قاله ابن عباس وقتادة من أنه يعني بذلك كل مكلف عالم بوحدانية الله وأنه لا شريك له في خلقه يشرك معه في عبادته غيره " (1) .

وقد بينا بطلان هذا الرأي فيما سبق ، ولكن حتى لو سلمنا بهذا الرأي وقبلنا به ، فإن اتهام أصحاب تلك الرؤية المضللة للمسلمين بالشرك لا يبتني على هذه المقدمة ، إذ لا مدخل لها في موجب الحكم بشرك المسلم في معاييرهم وإنما يذكرونه توطئة (2) ، فسواء أثبت أن المشركين يقرون بوحدانية الله في الربوبية أم لم يثبت فأصحاب تلك الرؤية يرون أن الشرك هو شرك الألوهية ، وهو يقع من كافر لا يشهد الشهادتين ومن مسلم يشهد الشهادتين ، وكل هؤلاء إنما يشركون من حيث الألوهية فقط دون الربوبية ، وعلى هذا سنبحث في الفصل التالي حقيقة ما ادعوه من تحقق شرك الألوهية عند المسلمين .

 

(1) تفسير الطبري ، مجلد 1 ، ج 1 ص 238 .

(2) راجع ما ذكرناه في التمهيد تحت عنوان " تنبيه " .  
 
 
 
 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب