|
أين سنة
الرسول وماذا فعلوا بها ؟ - أحمد حسين يعقوب ص 5
: |
|
المقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين
، وأفضل الصلاة وأتم التسليم ، على رسول الله محمد
صاحب السنة الأمين ، وعلى آله الطيبين الطاهرين ،
الذين اصطفى من عباده المسلمين أما بعد :
فبعد أن
أنهيت كتابي الرابع عشر ( الاجتهاد بين الحقائق
الشرعية والمهازل التاريخية ) قمت بزيارة أخ كريم ،
وسيد فاضل ، وهو سماحة السيد محمد الموسوي ، مد الله
تعالى في عمره ، ونفع المسلمين بعلمه ، فاستقبلني
بوجهه الطلق ، وغمرني بعواطفه النبيلة ، وأحاطني
بتواضعه الجم فأخبرته بما أنجزت ، ولأنني أثق به ،
وبعمق إيمانه بعدالة قضية أهل بيت النبوة ، وبإخلاصه
التام لها ، وخبرته الطويلة بها ، فقد سألته ماذا
يقترح علي أن أكتب ؟
فأجابني على الفور ، كأنه كان
يتوقع مني هذا السؤال ( أقترح عليك أن تجيب على السؤال
التالي : أين سنة الرسول ؟ ) ! ! فاستهواني الموضوع ،
واستقر في نفسي فقلت للسيد : ما رأيك لو أضفنا إلى هذا
السؤال سؤالا آخر ( وماذا فعلوا بها ؟ فيكون عنوان
الكتاب الجديد ( أين سنة الرسول ؟ ! وماذا فعلوا بها ؟
! ) .
فتهلل وجه السيد ، وأيد الفكرة ، وصممت على أن
أعنون كتابي الخامس عشر بهذا العنوان ، وأفصحت للسيد
عما صممت عليه فبارك الفكرة ، وذكر لي أسماء بعض
المراجع ، ووضعنا الخطوط العريضة لمخطط البحث ،
والأبواب التي سألج منها إلى الموضوع ، كان الموضوع
ميسرا تماما ، وكأننا والله قد أعددنا له
منذ مدة طويلة ، قلت للسيد : إنني مرهق ، فلقد بلغت من
الكبر عتيا ، سأستريح شهرين أو ثلاثة ، وبعدها أنطلق
بإذن الله ، وشحذ السيد عزيمتي ، وبعد يوم واحد من
لقائنا بدأت الكتابة ، بنفس راضية مطمئنة ، وبيسر ما
عهدته بأي كتاب آخر .
صحيح أنني لم أنطلق من الصفر ،
لأن موالي أهل بيت النبوة على العموم ينظرون للأنبياء
والرسل والأئمة نظرة خاصة ، ويعتبرونهم صفوة الجنس
البشري ، ويعرفون مكانتهم عند الله تعالى ، وحاجة بني
الإنسان لهم ، وعلى هذا الأساس قامت ثقافتهم ، واستقرت
قناعتهم ، وخلال تجاربهم ومعاناتهم التاريخية النادرة
عرفوا طبيعة التكامل والتلازم بين كتاب الله المنزل
ونبيه المرسل من جهة ، وبين القرآن وسنة النبي أو
بيانه لهذا القرآن من جهة أخرى ، وأنه لا غنى لأحدهما
عن الآخر ، فهما وجهان لعملة مقدسة واحدة .
فسنة
الرسول فصل جوهري متداخل تداخلا عضويا مع الشريعة
الإلهية المكونة حصرا من كتاب الله ومن سنة رسوله أو
من بيان النبي لهذا الكتاب ، فسنة الرسول هي العمود
الفقري لدين الإسلام ، وهي التي تترجم القرآن من النص
إلى التطبيق ، ومن النظر إلى الحركة ، لأن المهمة
الأساسية للنبي الأعظم تنصب على بيان ما أنزل الله ،
فالقرآن كمعجزة بيانية له وجوه متعددة والرسول وحده هو
الذي يعرف المقصود الإلهي من كل آية من آياته ، وكلمة
من كلماته ، معرفة قائمة على الجزم واليقين لا على
الفرض والتخمين ، ثم إن الله سبحانه وتعالى هو الذي
أوجد هذا التكامل الفذ ، والتداخل العجيب بين القرآن
وبيان النبي لهذا القرآن ، فالقرآن قد أجمل ، وأرسى
القواعد الكلية ، والبنى الأساسية ، وحدد الأفق العام
، وترك للرسول مهمة التفصيل والبيان على ضوء توجيهات
الوحي الإلهي ، فالقرآن وحي باللفظ والمعنى ، والسنة
وحي بالمعنى والصورة ، فالصلاة وهي عماد الدين جاءت
مجملة ، ولم يتطرق القرآن إلى كيفيتها وتفصيلاتها ،
وكذلك الزكاة ، والحج ، والصوم ، ونظام الحكم والجهاد
. . الخ
والرسول الأعظم من خلال سنته المباركة هو الذي
فصل وبين أحكامها بيانا كاملا قابلا للتطبيق على ضوء
التوجيهات الدقيقة للوحي الإلهي ، وتقريبا
للذهن ، ولله المثل الأعلى ، فالقرآن بمثابة الدستور
الإلهي الشامل الذي يتضمن المبادئ الكلية ، والبنى
الأساسية ، والأهداف العليا ، وهو وحي من الله ، تلقاه
الرسول تلقيا حرفيا ، وبلغه كما تلقاه ، أما سنة
الرسول فهي بمثابة القوانين التي تضع الدستور موضع
التطبيق ، وهذه القوانين ليست من عند الرسول ، بل هي
وحي إلهي ، لكن ليس باللفظ الحرفي ، وإنما بالصورة
والمعنى اليقيني المحدد ، فقد يصلي جبريل أمام الرسول
، ويطلب من الرسول أن يصلي كما صلى ، إن الرسول الأعظم
يتصرف بدقة متناهية ، وعلى ضوء توجيهات الوحي الإلهي ،
والرسول معد ومؤهل إلهيا .
وتوضيحا نقول : ( مبرمج )
فسيولوجيا ، يتبع ما يوحى إليه من ربه بدون زيادة ولا
نقصان ، ( ومطعم ) ضد الزلل والخطأ أو معصوم ، فلا
ينطق عن الهوى ، ولا يخرج من فمه إلا حق ، فهو امتداد
للحق الإلهي ، ووجه من وجوه الرسالة الإلهية ، ومهمة
النبي أن يضع المنظومة الحقوقية الإلهية المتكونة من
كتاب الله وسنة رسوله موضع التطبيق بالتصوير الفني البطئ الذي تستوعبه الخاصة والعامة من بني البشر ،
ولكن تحت إشراف الوحي الشريف وبتوجيهاته ، ومن هنا كان
الإيمان بالرسول جزءا لا يتجزأ من الإيمان بالله ،
وكانت طاعة الرسول تماما كطاعة الله ، ومعصية الرسول
تماما كمعصية الله ، وموالاة الرسول والقبول بقيادته
تماما كموالاة الله ، واتباع سنة الرسول تماما كاتباع
القرآن ، لأن سنة الرسول هي التطبيق العملي للقرآن .
ولأن الإسلام آخر الأديان ، ولأن رسول الله خاتم
النبيين ، ولأن المنظومة الحقوقية الإلهية ، هي
القانون الإلهي النافذ المفعول طوال عصور التكليف في
الدنيا ، فقد تولت سنة الرسول بيان كل شئ ، أو وضعت
الآلية الشرعية لمعرفة الحكم الشرعي لكل شئ ، ولقد
ركزت السنة الشريفة تركيزا خاصا على من سيخلف النبي
ويتولى تطبيق المنظومة الحقوقية الإلهية من بعده .
ولو
أن المسلمين قد التزموا بسنة رسول الله ، المتعلقة
بنظام الحكم ، لتغير مجرى التاريخ البشري كله ،
ولاستقر النظام الإلهي كنظام حكم ، ولذاقت البشرية طعم
النظام الإلهي ، عندها لن ترضى عنه بديلا ، إن
الذين حالوا بين سنة رسول الله المتعلقة بنظام الحكم
وبين أن تشق طريقها إلى واقع الحياة يتحملون وزر ذلك
كله ! !
ومن المدهش حقا أن الخلفاء الذين عطلوا سنة
رسول الله ، المتعلقة بنظام الحكم ، وأحلوا محلها
سنتهم الوضعية ، قد نجحوا بإقناع الأغلبية الساحقة من
المسلمين ، بأن قواعد سنة الخلفاء هي النظام السياسي
الإسلامي الوحيد وأنه ليس في الإسلام سواها ، وما زالت
خاصة الأغلبية وعامتها يجترون هذا الزعم منذ 14 قرنا !
!
ولو أن الخلفاء لم يمنعوا رواية وكتابة سنة الرسول
طوال مائة عام ونيف ولم يحرقوا المكتوب منها ، لوصلتنا
سنة الرسول كاملة باللفظ والمعنى ، ولشكلت مع القرآن
الكريم أعظم منظومة حقوقية عرفتها البشرية ، ولما
اختلف اثنان في أي نص من نصوص سنة الرسول الشريفة ،
الذين أحرقوا سنة رسول الله المكتوبة ومنعوا رواية
وكتابة سنة الرسول طوال عام ونيف يتحملون وزر هذا
الخلط الذي أصاب سنة الرسول
! ! !
كنت أعرف أن سنة الرسول قد تعرضت لمحنة رهيبة ،
ولكن قبل كتابة هذا البحث لم أكن أعلم بأن محنة سنة
الرسول بهذا الحجم ! ! !
أين سنة الرسول ! ! وماذا
فعلوا بها ! ! ؟
لقد أجبت على هذين السؤالين في كتابي
هذا الذي اتخذ من هذين السؤالين عنوانا له ، وقدمت
الجواب من خلال ثمانية أبواب ، فتحت في كل باب نوافذ
متعددة ، تظافرت جميعا ، فصبت في خانة الإجابة ، وقد
اشتمل الباب الأول على مكانة السنة في الإسلام ، أما
الباب الثاني ، فقد غطى موضوع من يبلغ سنة الرسول بعد
موته ، أما الباب الثالث ، فقد كشفت المخططات التي رمت
إلى نسف الإسلام وتدمير سنة الرسول بعد موته ، وفي
الباب الرابع ، كشفت حالة سنة الرسول بعد موته مباشرة
، وكيف
نقضت أول عروة من عرى الإسلام وهي نظام الحكم ، ومن
الذين نقضوها ولماذا ؟ ! أما الباب الخامس فقد استعرضت
فيه الإجراءات الحكومية ضد سنة الرسول وفي الباب
السادس عالجت كارثة استبدال سنة الرسول بسنة الخلفاء ،
وفي الباب السابع ، بينت ما أصاب سنة الرسول بعد مائة
عام ونيف على منع كتابتها وروايتها ، أما الباب الثامن
فقد قسمته لفصلين ، بحثت في الأول أهل بيت النبوة في
سنة الرسول ، وفي الثاني دور أهل بيت النبوة في حفظ
سنة الرسول .
ومن خلال هذه الأبواب الثمانية ومنافذها
، أجبت على عنوان الكتاب ( أين سنة الرسول وماذا فعلوا
بها ! ! ؟ )
وقد كررت ذكر حادثتين ، وقعتا أثناء مرض
النبي وهما موقف القوم من جيش أسامة ، وموقفهم من رسول
الله يوم أراد أن يكتب وصيته وتوجيهاته النهائية ،
وكان قصدي من تكرار هاتين الحادثتين إبراز شناعتهما ،
وأثرهما الماحق على سنة الرسول وعلى دين الإسلام ، لقد
قصمتا ظهر الدين حقا ! ! أنا لا أدعي الكمال ، حتى
أنني كعادتي لم أقرأ ما كتبت ، لكنني على يقين بأن هذا
الكتاب هو الأول في موضوعه من حيث الشمول على الأقل
وهو الأحدث في منهجيته وأسلوب عرضه ، وغني عن البيان
بأنني لا أطمع بجائزة من أحد على هذا الكتاب ، إنما
أردت أن أضعه تحت تصرف أولياء أهل بيت النبوة ليزدادوا
يقينا بسلامة خط أهل بيت النبوة ، كذلك فإني أضع ما
فيه من حقائق موضوعية تحت تصرف الحائرين الذين وصلوا
إلى مرحلة الشك ، ولا يدرون أي خط ينبغي أن يسلكوه ! !
إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ
الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ
بِاللّهِ
والحمد لله رب العالمين .
أحمد حسين يعقوب
.
|