|
أين سنة
الرسول وماذا فعلوا بها ؟ - أحمد حسين يعقوب ص 111
: |
|
مكمن الخطر الماحق
يكمن وجود الخطر الماحق في وجود
الأكثرية بجيشها ورعاياها وزعامتها وإعادة تنظيم
العلاقة بين الأكثرية وزعامتها السابقة ، ويكمن هذا
الخطر في طمع زعامة الأكثرية بملك النبوة ، وفي طبيعة
نوايا تلك الأكثرية وأساليبها بالوصول إلى أهدافها .
لقد تيقنت الأكثرية وزعامتها بأن محمدا قد استطاع أن
يبني ملكا عظيما بالفعل على حد تعبير أبي سفيان ،
وأيقنت الأكثرية وزعامتها بأنه ليس بإمكان الأقلية
المؤمنة أن تحمي هذا الملك العظيم ، أو أن توسعه دون
الاستعانة بالأكثرية ، لقد تيقنت الأكثرية وزعامتها أن
بإمكانها أن تستولي على ملك النبوة ذات يوم ، وأن
تنتقم لقتلاها وهزائمها ، لذلك رأت أن من مصلحتها أن
تعترف بالنبوة ، لا قناعة ولكن طمعا بالاستيلاء على
الملك الذي تمخضت عنه النبوة ، فأخذت تعمل لتحقيق هذه
الأهداف تحت مظلة الإسلام وخيمته ! ! !
العوائق التي
كانت
تعترض الأكثرية وزعامتها
أول عائق كان يحول بين الأكثرية وبين تحقيق أهدافها ،
وجود الرسول والتفاف القلة المؤمنة حول قيادته ، فقد
كان من المستحيل على الأكثرية وزعامتها التمكن من
الاستيلاء على ملك النبوة أثناء حياة النبي ، لذلك
خططت هذه الأكثرية لقتل النبي أثناء عودته من غزوة
تبوك ، لقد خرجت زعامة الأكثرية مع الرسول في غزوة
تبوك تحت شعار الجهاد في سبيل الله ، ولكن الغاية
الأصلية من خروجها مع النبي هي محاولة اغتنام الفرصة
لقتل النبي ! ! لما فشلت محاولة قتلها للنبي قررت أن
تنتظر بفارغ الصبر موته ! !
وثاني عائق كان يحول بين
زعامة الأكثرية وبين تحقيق أهدافها السنة النبوية
المتعلقة بمن يخلف النبي من بعده ، فقد ركز النبي بأمر
من ربه
تركيزا خاصا على مكانة أهل بيت النبوة فجعلهم مركز
الدائرة الإسلامية ، وركز النبي تركيزا خاصا على
الإمام علي بن أبي طالب ، فقدمه بأمر ربه ليكون أول
إمام يخلف النبي بعد موته ، وعلى أحد عشر إماما من
ذريته ، لقد كانت السنة النبوية من الوضوح ، بحيث لا
يمكن تأويلها ، وكانت من الحسم بحيث لا يمكن إعادة
النظر فيها ولم تجد زعامة الأكثرية وسيلة لإبطال
مفاعيل هذه السنة النبوية سوى التشكيك بالنبي نفسه
ومقاومة كتابة وتدوين ما يقوله النبي ، وبالتالي تصوير
السنة النبوية المتعلقة بنظام الحكم والخلافة من بعد
النبي بصورة الآراء الشخصية لمحمد بن عبد الله غير
الملزمة ! ! !
وثالث هذه العوائق التي كانت تحول بين
زعامة الأكثرية وبين تحقيق أهدافها وحدة الأقلية
المؤمنة ، فما دامت الأقلية المؤمنة متحدة ، فلن تتمكن
زعامة الأكثرية من تحقيق أهدافها ، لذلك ركزت هذه
الزعامة على اختراق الأقلية المؤمنة ، وتدمير وحدتها .
كان من المهاجرين من يتعصب لقريش ، ومن يكره الترتيبات
التي أعلنها النبي لخلافته ، ومن يعارض جمع الهاشميين
للنبوة والخلافة ، وكان من المهاجرين من يحقد على علي
بن أبي طالب خاصة ، وعلى الهاشميين عامة لأنهم وتروهم
بالأبناء أو الإخوة أو الآباء أو القرابة القريبة ،
ولم تكن لهذا النفر المعارض القدرة على الجهر بما يضمر
، وعندما انضمت الأكثرية إلى المجتمع الإسلامي قوي هذا
النفر بها ، ووجدتها زعامة الأكثرية الفرصة التاريخية
لاختراق الفئة المؤمنة .
كان عمر بن الخطاب مثلا من
المهاجرين ومن المعارضين لجمع الهاشميين بين النبوة
والملك ( 1 ) وكان من المتعصبين لقريش ، ومن الطامعين
بمرضاة زعامتها الجاهلية وما يدلنا على تعصبه لقريش
قوله لرسول الله في
| |
( 1 ) راجع
الكامل في التاريخ لابن الأثير ج 3 ص 24 آخر سيرة عمر من حوادث
سنة 23 ، وشرح النهج لعلامة المعتزلة ابن أبي الحديد ج
3 ص 107 وص 97 وقد نقلها عن تاريخ بغداد
. ( * ) |
|
|
بدر يوم بلغ الرسول أن قريشا قد أقبلت حيث استشار
الرسول أصحابه فوقف عمر وقال : ( إنها والله قريش
وعزها ، ما ذلت منذ عزت والله ما آمنت منذ كفرت ،
والله لا تسلم عزها أبدا ولتقاتلنك ، فاتهب لذلك أهبته
وأعد لذلك عدته . . ) ( 1 ) فالرجل يثبط همة الرسول ،
ويمتدح خصمه أمام الأنصار ، لقد أدرك بعض أولياء دولة
الخلافة خطورة ما قاله عمر !
فقال ابن هشام في سيرته :
( فقام أبو بكر فقال وأحسن ، ثم قام عمر بن الخطاب
فقال وأحسن . . ثم قام المقداد . . . ) ( 2 ) فكتما ما
قاله عمر وأبو بكر خشية أن يكتشف المسلمون ما قالاه فتهتز مكانتهما المقدسة ! وما يعنينا في هذا المقام أن
عمر وأمثاله كانوا من الكارهين لرئاسة آل محمد ومن
المعارضين لجمعهم النبوة والخلافة معا ، ومن المتعصبين
لقريش ولزعامتها الجاهلية ، ولم يكن عمر الوحيد الذي
يحمل هذه القناعات ، فقد شاركه في حملها الكثير
من المهاجرين ، لكن عمر لعب
دور المنسق والمنظر والقوة المحركة لأنه لم يصدف أن
قتل عمر أو أسر أو سلب أحدا من المشركين ، ولأن عمر
كان يمدح قريشا وزعامتها ، ولأن مشاكساته ومزاوداته
على الرسول قد انتشرت ، فأحبه المشركون وأحبه
المنافقون ، لأنهم قد تصوروا أنه عدو لرسول الله بل
وقد أحبه اليهود لأنه كان يتردد عليهم ويحضر دروسهم .
قال عمر بن الخطاب نفسه : إني كنت أغشى اليهود يوم
دراستهم فقالوا لي : ( ما من أصحابك أحد أكرم علينا
منك لأنك تأتينا . . . ) ( 3 )
وفي أسباب النزول
للسيوطي قال : ( إن عمر كان يأتي اليهود فيسمع منهم
التوراة . . . ) ( 4 ) .
ثم إن عمر بن الخطاب كانت له
علاقة وطيدة مع المرتزقة من الأعراب ، روى
| |
( 1 ) مغازي الواقدي - ط أكسفورد ج 1 ص 48 - 49 ،
وامتناع الأسماع للمقريزي .
( 2 ) سيرة ابن هشام ج 2 ص
253 ، وصحيح مسلم كتاب الجهاد والسير باب غزوة بدر ج 3
ص 1403 .
( 3 ) راجع كنز العمال ج 2 ص 353 ، وتدوين
القرآن ص 413 .
( 4 ) أسباب النزول للسيوطي ج 1 ص 21 ،
وتدوين القرآن ص 414 . ( * ) |
|
|
الطبري في تاريخه ( أن أسلم أقبلت بجماعتها حتى
تضايق بهم السكك فكان عمر يقول : ( ما هو إلا أن رأيت
أسلم فأيقنت بالنصر ) ( 1 ) فلو لم تكن علاقته وطيدة
بهم ، أو على اتفاق معهم فكيف عرف أنهم معه ؟ بمجرد
رؤيته لهم ؟
هذه الشبكة الهائلة من العلاقات
والمعتقدات ، مكنت زعامة الأكثرية من اختراق وحدة
القلة المؤمنة ، ومن إيجاد شرخ فيها ، ومكنت عمر بن
الخطاب من تكوين جبهة عريضة ، تتكون من الأكثرية التي
كانت مشركة ثم أسلمت ، ومن المرتزقة من الأعراب ، بل
واقتطع معه فريقا من القلة المؤمنة ، هذه الجبهة
العريضة كانت متفقة على الحيلولة بين آل محمد وبين
رئاسة الأمة ، وبين سنة الرسول المتعلقة بنظام الحكم
وبين التطبيق ، لقد تمكنت زعامة بطون قريش والأكثرية
الساحقة بفضل عمر بن الخطاب من تكوين حكومة ظل تنتظر
موت النبي بفارغ الصبر لتنقض على السلطة وتستولي على
ملك النبوة ، ولم تر زعامة بطون قريش بأسا من أن يتولى
الخلافة بعد موت النبي عمر بن الخطاب أو غيره من
المهاجرين ، الذين لعبوا دورا مميزا بتسهيل مهمة زعامة
بطون قريش والأكثرية التي تؤيدها على اعتبار أن الجميع
فريق واحد ، وأن من الأنسب أن يتناوب أصهار الرسول على
الرئاسة خلال فترة انتقالية ، ثم تعود رئاسة الأمة
الجديدة ، لزعامة بطون قريش الجاهلية المتسترة بثوب
الإسلام وهكذا كان .
| |
( 1 )
تاريخ الطبري
ج 2 ص 458 ، وتاريخ ابن الأثير ج 2 ص 224 وفيه ( فجاءت
أسلم فبايعت ) ، ومعالم المدرستين
ج 1 ص 119 . ( * ) |
|
|
|