|
أين سنة
الرسول وماذا فعلوا بها ؟ - أحمد حسين يعقوب ص 11
: |
|
الباب الأول مكانة سنة الرسول في دين الإسلام
----------------------------------------------- ص 13
-----------------------------------------------
الفصل الأول : معنى سنة الرسول تعني سنة الرسول :
كل ما صدر عن الرسول بالذات من قول ، أو فعل أو تقرير
، إطلاقا . فأقوال الرسول هي السنة اللفظية أو القولية
، وتعرف بحديث النبي ، وأفعال الرسول هي سيرته أو سنته
العملية ، وتشمل سنة الرسول أيضا تقريره ، ومعنى
التقرير أن يرى الرسول عملا من مسلم أو أكثر ، فلا
ينهى عنه ، فيكون سكوت الرسول بهذه الحالة إقرارا منه
بصحة ذلك الفعل .
ولا خلاف بين اثنين من أتباع الملة
حول مضمون وحدود هذا المعنى .
التلازم والتكامل بين
القرآن الكريم وسنة الرسول التلازم والتكامل بين
القرآن وسنة الرسول ثمرة طبيعة لحالتي التلازم
والتكامل بين القرآن الكريم وبين الرسول بالذات ، فمن
غير المتصور عقلا وشرعا بأن ينزل الله تعالى كتابا
سماويا أو تعليمات إلهية إلا على رسول ، أو أن يرسل
رسالة لبني البشر بدون رسول ، فالكتاب والرسول وجهان
متكاملان لأمر واحد ، وإذا أردنا أن نلخص دين الإسلام
تلخيصا دقيقا ، فلا نعدو القول بأنه يتكون من مقطعين
رئيسيين :
أولهما كتاب الله المنزل ، وثانيهما نبي
الله المرسل ، فلا غنى للكتاب عن النبي ، ولا غنى
للنبي عن الكتاب ، فالكتاب لا يفهم فهما يقينيا بدون
نبي ، والنبي لا برهان له ولا حجة إن لم يكن معه كتاب
ضاق مضمونه أو اتسع .
ثم إن الإيمان والإسلام لا
يتحققان إلا بالاثنين معا ، كتاب الله المنزل ، ونبيه
المرسل ، فالإيمان
بأحدهما لا يغني عن الإيمان بالآخر ، وقد أخذ
التكامل والتلازم بين كتاب الله المنزل ونبيه المرسل ،
بعدا خاصا في دين الإسلام ، لأن رسول الإسلام هو خاتم
النبيين ، فلا نبي بعده ، ولأن القرآن هو آخر الكتب
السماوية ، وعلاوة على أن القرآن معجزة إلهية بيانية
أساسها الكلمة الطيبة الصادقة ، فإنه هو الدستور
الإلهي الذي شخص الأصول والمبادئ والمقدمات الأساسية
للشريعة الإلهية النهائية التي ارتضاها الله تعالى
للجنس البشري طوال عصور التكليف الممتدة من زمن خاتم
النبيين حتى قيام الساعة ، لقد أجمل هذا القرآن كل ما
يتغير ، وفصل ما لا يتغير ، وأشار إشارات إلى أحكام
وفرائض وأخبار وضروريات ، ومصطلحات دون تفصيل ، وعهد
الله إلى رسوله ببيانها وتفصيلها على ضوء توجيهات
الوحي الإلهي ، فمصطلحات الصلاة مثلا وهي عماد الدين ،
والزكاة ، والصوم ، والحج ، والجهاد ، ونظام الحكم . .
. الخ كلها موجودة في القرآن الكريم ، ولكن دون تفصيل
لأن بيانها وتفصيلها متروك لسنة الرسول .
ثم إن القرآن
الكريم كمعجزة بيانية ذو وجوه متعددة ، تؤدي بالضرورة
إلى تصورات وأفهام متعددة ، فتأتي سنة لتحدد الوجه
والفهم الذي يتلاءم مع المقصود الإلهي .
إن المهمة
الأساسية للرسول الأعظم ولسنته المطهرة منصبة بالدرجة
الأولى والأخيرة على بيان ما أنزل الله بيانا قائما
على الجزم واليقين لا على الفرض والتخمين ، لأن الرسول
الأعظم معد ومؤهل إلهيا لهذه المهمة ، ومحاط بالعناية
والتسديد الإلهي ، ومعصوم عن الوقوع بالزلل ، وهو قادر
من خلال هذا التأهيل الإلهي أن يفهم المقصود الإلهي من
كل آية من آيات القرآن ، ومن كل كلمة من كلماته وقد
سهل هذا المهمة أن القرآن لم ينزل دفعة واحدة ، إنما
نزل منجما ، وعلى مكث ، مما أتاح الفرصة أمام الرسول
لينقل من خلال السنة المطهرة بفروعها الثلاثة نصوص
القرآن الكريم من النظر إلى التطبيق ، ومن الكلمة إلى
الحركة ، ومن خلال سنة الرسول تحقق التكامل والتلازم
والإحكام بين كتاب الله المنزل ونبيه المرسل ، وتيقن
المؤمنون
والعارفون باستحالة بيان القرآن بدون رسول ،
واستحالة فهم دين الإسلام والالتزام به بدون الرسول
وسنته ، فالرسول من خلال سنته بفروعها الثلاثة يؤدي
مهمة البيان التي اختاره الله لتأديتها ، قال تعالى
مخاطبا نبيه : ( وَأَنزَلْنَا
إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ
إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ) ( 1 )
ومن خلال البيان
النبوي المتمثل بسنة الرسول ، والالتزام بهذا البيان
ينقطع دابر الخلاف والاختلاف في المجتمع البشري المؤمن
، قال تعالى مخاطبا رسوله : (
وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاَّ
لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُواْ فِيهِ
وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) ( 2 ) فالرسول الأعظم هو المرجع البشري
الأعلى في مجال بيان القرآن ، وفهم المقاصد الإلهية من
كل كلمة من كلماته ، فسنة الرسول هي القول الفصل في كل
أمر من الأمور المتعلقة بالقرآن الكريم ، وسنة الرسول
هي ثمرة وحي وإلهام إلهي ، وهي من عند الله .
والفرق
بين
القرآن والسنة أن القرآن هو
كلام الله المنزل على رسوله باللفظ والمعنى كقرآن ،
بينما السنة هداية إلهية لغاية بيان القرآن للمكلفين ،
فالرسول يتبع ما يوحى إليه وينفذ ما يؤمر به ، إنه عبد
مأمور لله تعالى ، ومخصص لتبليغ دين الإسلام المكون من
ركنين لا ثالث لهما كتاب الله المنزل ونبيه المرسل
بذاته وبسنته القولية والفعلية والتقريرية ، والقرآن
والنبي وسنته وجهان لأمر واحد ، ولا غنى لأحدهما عن
الآخر ، ولا تتحقق الغاية الشرعية من أحدهما إلا
بالآخر ، إن التلازم والتكامل بين القرآن وسنة الرسول
إحكام إلهي اقتضته طبيعة الأمور وجوهرها .
ومن هنا
يتبين لنا فساد مقولة أولئك الذين قالوا لرسول الله
وهو على فراش المرض ، عندما أراد أن يكتب وصيته :
(
حسبنا كتاب الله ) ، أي يكفينا كتاب الله ، ويغنينا عن
الرسول وسنته ! ! ! لقد أيقن أعداء الله ورسوله بأن
| |
( 1 )
سورة النحل ،
الآية 44 . |
( 2 )
سورة النحل ، الآية 64 . ( * ) |
|
|
دمار الإسلام وتفريغه من
مضامينه الخالدة مستحيل ما دام التلازم والتكامل
والإحكام موجودا ما بين كتاب الله وسنة رسوله ، ولا
يتحقق هذا الدمار إلا بدمار سنة الرسول ، أو تحييدها ،
أو إبعادها عن مسرح التأثير على الأحداث ، أو بفك
الارتباط المتين بين كتاب الله المنزل ونبيه المرسل .
وهذا هو المنطلق الذي انطلقوا منه يوم قالوا لرسول
الله لا حاجة لنا بكتابك ولا بوصيتك :
( حسبنا كتاب
الله ) وهذا هو السر بمنعهم لرواية وكتابة سنة الرسول
، وجعل شعار ( حسبنا كتاب الله
) محور الثقافة
التاريخية .
|