أين سنة الرسول وماذا فعلوا بها ؟ - أحمد حسين يعقوب  ص 126 :

الفصل الثالث :
أساليب الطامعين بملك النبوة بتدمير سنة الرسول وإبطال مفاعيلها حال حياة الرسول

كانت أساليب الطامعين بملك النبوة في تدمير سنة الرسول وإبطال مفاعيلها تماما كالأساليب التي لجأ إليها المشركون قبل هجرة النبي ، مع اختلاف يسير في الأهداف .

لقد أدركت زعامة بطون قريش قبل الهجرة خطورة القرآن الكريم وتأثيره البالغ في النفس البشرية ، كما أدركت خطورة الدعوة التي يدعو بها محمد الهاشمي ، كما أدركت عمق التكامل والترابط بين القرآن وبين ما يقوله محمد وما يفعله لذلك فكرت بطرق وأساليب لصد الناس عن سماع القرآن ، وتنفيرهم من الاجتماع بمحمد والاستماع إليه لأن الناس إن سمعوا القرآن ، سيعرفون أنه معجز ومن غير المعقول أن يكون كلام بشر ، وبالتالي سيؤثر بهم حتما ، كذلك فإن الناس إن اجتمعوا بمحمد وسمعوا أقواله المستندة إلى القرآن فسينجذبون إليه لا محالة ومع الأيام سيقنعهم بدعوته ، لذلك .

نشرت زعامة بطون قريش مجموعة من الشائعات والدعايات الكاذبة ، كما روجت مجموعة من التهم ضد رسول الله ، وضد القرآن مثل أقوالهم ( إن محمدا يفتري على الله الكذب ، وأنه لا يوحى إليه ، إنما يتقول

- ص 127 -

على الله ، والذي جاء به محمد ليس إلا ( أساطير الأولين ) ) .

ومثل قولهم : ( إن محمدا - حاشاه - كاذب وساحر ومسحور وشاعر وكاهن ومجنون ) ، لذلك حثت زعامة بطون قريش رعاياها ومن يواليها على أن لا يسمعوا لهذا القرآن ، وأن لا يجالسوا محمدا .

كان هدف زعامة بطون قريش عزل النبي عن الناس عزلا تاما والحيلولة بين سماع ما يقوله ، والتأثير على الناس بشكل مسبق قبل أن يسمعوه ، وتنفير الناس منه ، ليجتثوا من نفسه الكريمة الرغبة في متابعة الدعوة ! !
 

أساليب مستقاة من مبادئهم بعد هجرة الرسول

وبعد أن هزمت زعامة بطون قريش سياسيا وعسكريا واقتصاديا وبعد أن فاجأها الرسول في عقر دارها واضطرها للاستسلام والتلفظ بالشهادتين هي ومن اتبعها ، وبعد أن صاروا جزءا من المجتمع الإسلامي الجديد ، وخضعت كافة أقاليم الجزيرة لدولة النبي ، وبعد أن يئست من هزيمة الرسول أو القضاء عليه بوسائلها التقليدية السابقة وجدت أمامها مجموعة من الحقائق الثابتة .

 1 - لقد تيقنت زعامة بطون قريش وتيقن أتباعها بأن النبي قد بنى ملكا عظيما على حد تعبير أبي سفيان قائد جبهة الشرك وأبرز أئمة الكفر السابقين .

 2 - وتيقنوا أيضا بأن الرسول ميت لا محالة ، وأنه قد أعلن وبكل وسائل الاعلان بأن الإمام والخليفة من بعده هو ابن عمه وزوج ابنته ووالد سبطيه علي بن أبي طالب يليه ابناه الحسن والحسين ، ويليهما تسعة من ذرية الحسين ( اثنا عشر إماما ) .

 3 - إن زعامة بطون قريش ومن والاها ، ممن استسلموا وتلفظوا

- ص 128 -

بالشهادتين تبعا لها لا تروق لهم هذه الترتيبات ، ولا يقبلون بها في قرارة أنفسهم لأنهم يحقدون على محمد وآل محمد ، أو على الأقل يحقدون على آل محمد عامة وعلى علي بن أبي طالب خاصة ، لأنه قد نكل بهم أثناء حرب الكفر مع الإيمان ، لكنهم لا يجرؤون على إظهار هذا الرفض وعدم القبول ، لأنهم مهزومون من الداخل ويائسون من فكرة هزيمة محمد ومن فكرة القضاء عليه ! ! .

 4 - لقد تيقنت زعامة بطون قريش أن المنافقين يشكلون شريحة عظمى في المجتمع الجديد ، وأنهم غير راضين عن الترتيبات الإلهية المتعلقة بمن يخلف النبي والتي أعلنها الرسول ، ولكن المنافقين جبناء كزعامة بطون قريش ومن والاها ولا يجرؤون على إظهار رفضهم أو عدم قبولهم لهذه الترتيبات الإلهية المتعلقة بمن يخلف النبي والتي أعلنها الرسول .

 5 - لقد تيقنت زعامة بطون قريش ومن والاها ، وتيقن المنافقون أيضا أن قسما من أبناء البطون ( قسم من المهاجرين ) يرفضون الترتيبات الإلهية المتعلقة بمن يخلف النبي ، ولا يقبلون بها ، إلا أنهم كزعامة البطون وكالمنافقين لا يجرؤون على الجهر بهذا الرفض وعدم القبول ، والأعظم أن هذا القسم يطمع بأن يخلف النبي ، وأن يستولي بالقوة على ملك النبوة ، ولكنه يفتقر إلى الناصر والمعين ! ! .

 6 - ولأن زعامة بطون قريش ومن والاها ، والمنافقون ، وذلك القسم من المهاجرين يعيشون في مجتمع واحد ، وتربطهم ببعضهم صلات متعددة فقد اتفقوا على تشكيل حزب أو جبهة ( إسلامية ) تعمل على إلغاء وإبطال الترتيبات الإلهية المتعلقة بمن يخلف النبي والتي أعلنها الرسول ، والحيلولة بين الهاشميين وبين أن يجمعوا مع ( النبوة الملك ) وأضفوا على هذا الهدف الخطير طابعا ( إسلاميا ) بالقول بأن جمع الهاشميين للنبوة والملك يؤدي إلى

- ص 129 -

الإجحاف ، والأفضل أن يختص الهاشميون بالنبوة ، وأن تختص بطون قريش بالملك أو الخلافة من بعد النبي ، تتداولها في ما بينها ( 1 )

ولا بأس من خروج الخلافة إلى الموالي ، بدليل قول عمر بن الخطاب ( لو كان سالم حيا لوليته وسالم من الموالي ولا يعرف له نسب في العرب ) ( 2 )

ولا بأس لو كانت الخلافة بالانصار ( لو كان معاذ بن جبل حيا لوليته واستخلفته ) ( 3 ) ومعاذ من الأنصار واستطاع ذلك القسم من المهاجرين في ما بعد أن يجذب المرتزقة من الأعراب ، أنظر إلى قول عمر ( ما هو إلا أن رأيت أسلم حتى أيقنت بالنصر ) ( 4 ) فهو واثق أن هذه القبيلة معه وترى رأيه ! ! !

وهكذا تكونت جبهة عظمت ( ضمت زعامة بطون قريش ومن والاها ، والمنافقين ، وقسما من المهاجرين من أبناء بطون قريش والمرتزقة من الأعراب وأعطت هذه الجبهة العظمى مقادتها لذلك النفر من المهاجرين ، لتضمن نجاح اختراق وحدة القلة المؤمنة ! ! وانصب هدف الجميع على الاستيلاء على ملك النبوة بعد وفاة النبي وإلقاء كافة الترتيبات المتعلقة بمن يخلف النبي ! ! .

 7 - واتفقوا على أنه لا مجال لتنفيذ هذا المخطط أثناء حياة النبي ، ولا ينبغي الجهر بذلك ، بل ينبغي الإعداد وانتظار موت النبي ، وأكبر الظن أن زعامة بطون قريش والمنافقين هم الذين خططوا لقتل النبي أثناء عودته من غزوة تبوك ولم يكن لذلك النفر من المهاجرين علم بذلك ! ! .

 8 - حسب تقديرات قادة هذا التحالف فإن وحدة الفئة القليلة المؤمنة قد تم اختراقها تماما ، وبموت الرسول ستخرج من المواجهة ، وسيعزل ولي

 

( 1 ) راجع الكامل في التاريخ لابن الأثير ج 3 ص 24 آخر سيرة عمر من حوادث 23 ، وعلامة المعتزلة ابن أبي الحديد ج 3 ص 107 و 97 وقد نقلها عن تاريخ بغداد .
( 2 ) و ( 3 ) المؤرخون متفقون على صدور هذين القولين عن عمر بن الخطاب .
( 4 ) المصدر السابق
. ( * )

 
 

- ص 130 -

الأمر الشرعي وآل محمد معه ، لأنهم سيكونون في جهة ، والأكثرية الساحقة من أفراد المجتمع الإسلامي الجديد في الجهة الأخرى المقابلة لهم ، أما الأقلية المؤمنة فستكون بحيرة من أمرها ، ثم ستختار السلامة ، وتقف على الحياد ، أو تقف مع الأكثرية وقلوبها مع الإمام الشرعي وآل محمد ! !
 

كانت السنة المطهرة أعظم عائق بينهم وبين ملك النبوة

لقد وضع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم النقاط على الحروف ، ورتب عصر ما بعد النبوة من خلال سنته الطاهرة ترتيبا محكما ، وكل يوم يضع بأمر ربه لمسة على هذا الترتيب ، وقد رأت الأمة وسمعت كل ما قاله رسول الله ، فلم يكن بإمكان الطامعين بالملك أن يتجاهلوا وجود سنة الرسول ، ولا كان بإمكانهم أن ينكروها ، أو أن يقفزوا من فوقها ، لقد كانت سنة الرسول أعظم عائق أو حائل يحول بينهم وبين الاستيلاء على ملك النبوة بعد موت النبي ! !

لقد نقشت نصوص السنة في أذهان الناس ، وكان من المستحيل تجاهلها ، لذلك رأت قيادة التحالف ، أن السنة لا يمكن تدميرها إلا بالتشكيك بصاحبها ( رسول الله ) وإقناع الناس بأنه بشر ، وليس كل ما يقوله صحيحا ، وأن مهمته محصورة بتلقي القرآن من الله ، وتبليغه للناس بدون زيادة أو نقصان وأي كلام آخر للرسول يحتمل الخطأ ويحتمل الصواب ، والأكثرية هي التي تعرف أين الخطأ وأين الصواب في كلام رسول الله ! ! ( كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا ) .

المبدأ العام الذي اتفقوا عليه وعبروا منه لتدمير سنة الرسول بما أن محمدا قد بنى ملكا عظيما ، فمن مصلحة زعامة بطون قريش ومن والاها أن يعترفوا بنبوة محمد ، وأن يسلموا ليدعوا في ما بعد أنهم .

- ص 131 -

الأولى بملك محمد ، لأن محمدا رجل من قريش ، ومن مصلحتهم أن يعتنقوا الإسلام ليحافظوا على ملك النبوة الإسلامي ، وليوسعوا هذا الملك تحت شعار نشر الإسلام ! ! !

هذا هو الوجه الأول للمبدأ العام الذي اتفقوا عليه أما الوجه الثاني من هذا المبدأ فهو القرآن الكريم ، فمن ضرورات الإسلام الاعتراف بأن هذا القرآن هو كلام الله الذي نزله على نبيه بالحرف والمعنى ، وأن مهمة النبي كانت مقصورة على تلقي القرآن من الوحي ، وتبليغه للناس أو تلاوته عليهم بلا زيادة ولا نقصان ! ! وبما أن القرآن قد اكتمل نزوله ، فلم تعد هنالك حاجة إلى النبي لأنه بشر ولأن القرآن وحده يكفي ! ! وهذا معنى شعارهم ( حسبنا كتاب الله ) وشعار ( لا كتاب مع كتاب الله ) ومعنى ذلك الاستغناء التام عن ( بيان الرسول لهذا القرآن ) أو الاستغناء التام عن سنة الرسول بفروعها الثلاثة القول والفعل والتقرير خاصة تلك المتعلقة بمن يخلف النبي بعد موته ! ! ! فإن تمكنوا من فرض هذا المبدأ العام بوجهيه ، فإنهم سيدمرون سنة النبي ، ويبطلون مفعولها ولو إلى حين ، فإن دمروا سنة الرسول وأبطلوا مفعولها عندئذ يمكنهم أن يضعوا بيانا للقرآن الكريم يخدم مطامعهم وأهدافهم بدلا من بيان النبي ( سنته ) التي تقف لمطامعهم وأهدافهم بالمرصاد ! !

مثال على ذلك في غياب سنة الرسول ، وفي أعمال ( حسبنا كتاب الله ) ( ولا كتاب مع كتاب الله ) يمكن لقادة التحالف أن يتلوا قول الله تعالى : ( وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ ) فيفسرون هذا النص ويبينونه على أن السلطة أو الخلافة من بعد النبي شورى ! ! ! فما تراه الأكثرية الساحقة من المسلمين ( بطون قريش ومن والاها والمنافقون والمرتزقة من الأعراب وذلك النفر من المهاجرين ) حقا فهو حق ! ! وما تراه باطلا فهو باطل ، وما تختاره للخلافة بعد وفاة النبي فهو خليفة ! ! ولا قيمة لاعتراض الأقلية المؤمنة ، فهم قلة

- ص 132 -

قليلة في المجتمع كشعرة بيضاء في جلد ثور أسود ! ! ولا قيمة لاعتراض ومخالفة أهل بيت النبوة ولا معنى لعدم موافقة الإمام الشرعي الذي اختاره الرسول ليخلفه ، لأن هذا الإمام يقف ضد إرادة الأكثرية الساحقة للأمة ! ! وعندما يستولي ذلك النفر بالقوة والتغلب وكثرة الأتباع على منصب الخلافة يجندون النصوص الواردة في القرآن لخدمتهم وخدمة ملكهم فيقولون : إن الله قد أمر الناس بأن يطيعوا الله ورسوله ( وأولي الأمر ) وبما أنهم هم أولوا الأمر واقعيا وبما أن سنة الرسول ( أو بيان القرآن ) مغيب فستفرض الأكثرية البيان الذي تريده ! ! !

أما الوجه الثالث من هذا المبدأ الذي اعتمدته زعامة بطون قريش والمنافقون والمرتزقة من الأعراب وذلك النفر من المهاجرين فهو تغطية المعصية والتمرد على الشرعية الإلهية بشعار من الشعارات الدينية بظاهرها ! ! على سبيل المثال : فعندما أمرهم الرسول بقتل أحد المنافقين لم ينفذوا أمر الرسول بحجة أن :

 1 - ذلك المنافق يصلي ، فتنفيذ أمر الرسول طاعة ، وعدم تنفيذه معصية وخروج من الشرعية ومظلة أو غطاء المعصية قولهم ( إنه يصلي ) ( 1 ) ! ! .

 2 - الرسول موجود أمامهم فقال لبعض الصحابة : ( أريد أن أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا ) فتصدت له الأكثرية بزعامة ذلك النفر من المهاجرين وقالوا له : ( لا حاجة لنا بكتابك حسبنا كتاب الله ! ! ) ( 2 ) إنهم يعصون الرسول علنا ، ويمتنعون عن تنفيذ أوامره ، ويحرضون الآخرين على عدم تنفيذها ولكن تحت شعار ( حسبنا كتاب الله ! ! ! ) .

 3 - لقد أحرقوا المكتوب من سنة رسول الله ! ! ولما استهجن الناس فعلهم رفعوا شعار ( لا كتاب مع كتاب الله ! ! ) ( 3 ) .

 

( 1 ) راجع الإصابة لابن حجر ج 1 ص 484 ط السعادة ، وحلية الأولياء ج 2 ص 317 وج 3 ص 227 ، والطرائف لابن طاووس ج 2 ص 229 ، والنص والاجتهاد للعاملي ص 94 .
( 2 ) صحيح البخاري ج 7 ص 9 وج 4 ص 31 وج 1 ص 37 ، وصحيح مسلم ج 5 ص 75 وج 2 ص 16 وج 11 ص 94 و 95 ، وكتابنا نظرية عدالة الصحابة ص 288 يعالج تفصيل ذلك
. ( * )
( 3 ) الطبقات الكبرى لابن سعد ج 5 ص 140 . ( * )

 
 
 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب