|
أين سنة
الرسول وماذا فعلوا بها ؟ - أحمد حسين يعقوب ص 139
: |
|
الفصل الرابع : موقفهم من سنة الرسول والرسول على
فراش مرض الموت ! !
بعث أسامة
لقد اهتم رسول الله
اهتماما خاصا بجيش أسامة ، فعبأ الناس بنفسه في هذا
الجيش ، وخاصة أصحاب الخطر كأبي بكر وعمر وأبي عبيدة
وعثمان وأمثالهم ، ربما ليضمن الرسول الانتقال السلمي
والشرعي للسلطة بغيابهم ، وحتى لا يشغبوا على صاحب
الحق والإمام الشرعي من بعد النبي ، لأن النبي على علم
بما يبيتون ! ! وأعطى رسول الله الراية لأسامة وقال له
: ( سر إلى موضع قتل أبيك ، فأوطئهم الخيل فقد وليتك
هذا الجيش . . ) كان ذلك في اليوم الرابع والعشرين من
صفر سنة 11 ه وحث الرسول هذا الجيش على الخروج سريعا
( 1 ) وفي اليوم الثامن والعشرين من الشهر نفسه قعد
الرسول على فراش المرض . فأخذ أصحاب الخطر كعمر وأبي
عبيدة وعثمان وغيرهم يثبطون
| |
( 1 )
المغازي
للواقدي ج 3 ص 117 ، والسيرة الحلبية ج 3 ص 207 ،
وسيرة ابن دحلان بهامش السيرة الحلبية ج 2 ص 329 ،
والطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص
190 . ( * ) |
|
|
الناس عن الخروج ويطعنون في تأمير رسول الله لأسامة
، لأنهم كما يبدو قد فهموا مقاصد الرسول التي تحول
بينهم وبين ما يبيتون ، فبلغ الرسول ذلك ، ومع أنه على
فراش الموت إلا أنه قد نهض معصب الرأس ، ملفوفا بقطيفة
محموما فصعد المنبر وحمد الله وأثنى عليه ثم قال : (
أيها الناس ما مقالة بلغتني في تأميري أسامة ، ولئن
طعنتم في تأميري أسامة فقد طعنتم في تأميري أباه من
قبل ، وأيم الله إنه كان لخليق بالإمارة ) ( 1 ) .
وحثهم على المبادرة بالسير ، كان ذلك يوم السبت في
العاشر من ربيع الأول سنة 11 ه ، أي قبل وفاة النبي
بيومين فقط ، وعاد النبي وقعد على فراش الموت ثانية ،
فلما ثقل جعل يقول : ( جهزوا جيش أسامة ، أنفذوا جيش
أسامة ، أرسلوا بعث أسامة وكرر ذلك مرات متعددة وهم
متثاقلون ) ( 2 ) .
ويوم الاثنين الثاني عشر من ربيع
الأول دخل أسامة من معسكره على النبي فأمره الرسول
بالسير وقال له : ( اغدو
على بركة الله ) ( 3 ) .
وقال الرسول مرة أخرى : (
جهزوا جيش أسامة لعن الله من تخلف منه ) ( 4 )
وأخرج
الجوهري في كتاب السقيفة : ( أن أسامة قد جاء رسول
الله وقد ثقل عليه المرض فاستأذنه أسامة ليمكث حتى
يشفى رسول الله ، فقال الرسول : ( أخرج وسر على بركة
الله ) فقال أسامة : ( إن خرجت وأنت على
| |
( 1 )
المغازي للواقدي ج 3 ص 119 ، وشرح النهج لابن
أبي الحديد ج 1 ص 57 ، والسيرة الحلبية ج 3 ص 207 وج 3
ص 234 ، والسيرة الدحلانية ج 3 ص 339 ، وعبد الله بن
سبأ ج 1 ص 70 ، وكنز العمال ج 10 ص 572 - 573 ، ومنتخب
الكنز بهامش مسند الإمام أحمد ج 4 ص 182 .
( 2 ) كنز
العمال ج 10 ص 573 ، ومنتخب الكنز بهامش مسند الإمام
أحمد ج 4 ص 182 .
( 3 ) المغازي للواقدي ج 3 ص 112 ،
والطبقات لابن سعد ج 3 ص 191 ، والسيرة الحلبية ج 3 ص
208 و 235 ، والسيرة الدحلانية
ج 2 ص 340 ، وشرح النهج
ج 1
ص 160 ، وكنز العمال ج 10 ص 574 .
( 4 ) الملل والنحل للشهرستاني ج 1 ص 23 وج 1 ص 20 بهامش الفصل لابن حزم ج
1 ص 24 . ( * ) |
|
|
هذه الحالة خرجت وفي قلبي قرحة ) وقال الرسول : ( سر
على النصر والعافية ) فقال أسامة : يا رسول الله إني
أكره أن أسائل عنك الركبان فقال النبي : ( أنفذ لما
أمرتك به ) ( يبدو واضحا بأن أسامة قد تعرض لضغوط
هائلة من قادة التحالف كي لا يخرج ) ( 1 ) .
ثم أغمي
على الرسول ، وقام أسامة فتجهز للخروج ، فلما أفاق
الرسول سأل عن بعث أسامة وجعل يقول : ( انفذوا بعث
أسامة ، لعن الله من تخلف عن بعث أسامة ، وكرر الرسول
ذلك ، فخرج أسامة واللواء على رأسه والصحابة بين يديه
) ( 2 ) .
وبالرغم من إصرار الرسول على تأمير أسامة ،
ومن غضبه الشديد على الذين طعنوا بهذا التأمير ، ومن
خروج الرسول وهو على فراش الموت ودفاعه عن قراره
بتأمير أسامة ، وعلى الرغم من رغبة الرسول العظيمة
وإصراره على إنفاذ بعث أسامة ، إلا أن عمر بن الخطاب
وحزبه قد نجحوا بتثبيط الناس عن الخروج ونجحوا بتشكيك
الناس بشرعية تأمير الرسول لأسامة ! !
وتجاهل عمر بن
الخطاب وحزبه كل ما صدر عن الرسول في هذا المجال من
تأكيدات ، وطلبوا من الخليفة الأول أبا بكر أن يعزل
أسامة بعد موت الرسول ! ! لأن تأمير الرسول لأسامة ليس
مناسبا ولا صحيحا حسب رأي عمر وآراء قادة حزبه ! ! إلا
أن الخليفة الأول رفض هذا المطلب وأخذ بلحية عمر بن
الخطاب وقال له : ( ثكلتك أمك وعدمتك يا بن الخطاب
استعمله رسول الله وتأمرني أن أنزعه ؟ ) ( 3 )
كان
الخليفة الأول يرى أنه لا فائدة ترتجى من عزل
| |
( 1 ) راجع كتابنا
الاجتهاد بين الحقائق الشرعية
والمهازل التاريخية ص 176 .
( 2 ) شرح النهج لابن أبي
الحديد ج 6 ص 52 .
( 3 ) تاريخ الطبري ج 3 ص 226 ،
والكامل لابن الأثير ج 2 ص 335 ، والسيرة الحلبية ج 3
ص 209 و 236 ، والسيرة الدحلانية ج 2 ص
340 . ( * ) |
|
|
أسامة عن قيادة تلك السرية التي ولاه رسول الله
قيادتها ، ولا ضرر من بقائه قائدا لها ، بعد أن
استقامت لهم الأمور واستولوا على ملك النبوة ، بل إن
عزله سيثير غضب أفراد الفئة المؤمنة ، وسيكشف بصورة
فاضحة بشاعة نظرة قادة التحالف إلى رسول الله
واستهتارهم بأبسط مظاهر الشرعية الإلهية .
أما عمر فقد
تجاهل خروج الرسول وهو مشرف على الموت ، ودفاعه عن
تأميره لأسامة ، لأنه كان يعتقد أن تأمير الرسول
لأسامة أمر غير صائب وغير صحيح وأن الرسول كان ينبغي
أن يعزله وأن يسند إمارة تلك السرية لغيره ! ! ثم إن
عمر لا يقبل بأنصاف الحلول فأراد أن يكون انتصاره على
الرسول انتصارا حاسما وأن يثبت بأنه وأعوانه هم
المالكون لمقاليد الأمور وليس الرسول ، وأنهم هم الذين
يعرفون الصواب وليس الرسول ، فأراد أن يرغم أنف الرسول
وكل أولياء الرسول ! !
وعمر على فراش الموت كان يردد :
( لو أدركت خالد ابن الوليد أو معاذ بن جبل أو سالم
مولى أبي حذيفة لوليته الخلافة من بعدي ) ( 1 ) كان
يتصرف بمنصب الخلافة تصرف المالك بملكه ، وكان يرى أن
ذلك التصرف من صميم حقوقه واختصاصاته ، لكنه وحزبه
كانوا يعتقدون أنه لا حق للرسول بأن يؤمر أسامة أو غير
أسامة على سرية فهل رأيتم بربكم ظلما كهذا الظلم ، أو
استبدادا كهذا الاستبداد ، أو استهتارا بمقام النبوة
كهذا الاستهتار ! ! !
| |
( 1 )
أنساب
الأشراف ج 5 للبلاذري
. ( * ) |
|
|
|