أين سنة الرسول وماذا فعلوا بها ؟ - أحمد حسين يعقوب  ص 143 :

الحيلولة بين رسول الله وبين كتابة وصيته وتوجيهاته النهائية

كان وضع النبي الأعظم صعبا للغاية ، لقد أرهقوه طغيانا وكفرا ونفاقا كانت سلطة النبي أثناء مرضه سلطة اسمية أو أدبية ، كان يأمر فلا يطاع ويؤكد فلا يهتم بتأكيداته القاطعة أحد ، وإن اهتم عمرو أو زيد بأوامر الرسول ، فليس لعمرو أو زيد القدرة على التقديم أو التأخير أو مواجهة تنظيم فعلي ومسلح يضم كافة القوى التي حاربت رسول الله قبل انتصاره بالإضافة إلى المنافقين والمرتزقة من الأعراب ، وقد سلم هذا التنظيم قيادته إلى عناصر من المهاجرين محسوبة على النبي وعلى الذين آمنوا والتنظيم وقيادته ينتظرون موت النبي بفارغ الصبر ليستولوا على ملك النبوة بالقوة والتغلب وكثرة الأتباع .

ولولا شرور ذلك التنظيم وقيادته لسار جيش أسامة ، ولمات النبي في غياب أصحاب الخطر ، وانتقلت الرئاسة من النبي إلى صاحب الحق الشرعي بيسر وسهولة وسلميا ولقبل الجميع بذلك ، لأن القوى التي حاربت رسول الله قبل انتصاره والمنافقين مهزومون من الداخل ولا طاقة لهم على المواجهة ، ولولا ذلك النفر من أبناء قريش المهاجرين ، لبقيت أعناق تلك القوى خاضعة إلى يوم الدين ! !

لكن ذلك النفر بالتعاون مع تلك القوى قد أفسدوا تدبير النبي ! النبي يصارع الموت ، لكن مثله لن ينحني أمام العواصف الهوجاء ولا يستسلم أمام الكوارث التي تنحني من هولها هامات الجبال الشم وكيف ينحني أو يستسلم وهو صفوة بني الإنسان وفخارهم ، وهو قمة الوعي البشري ومداه ! !

لقد أراد النبي أن يكشف حقيقة المتآمرين وأن يعريهم أمام الأجيال اللاحقة ، وأن يثبت عليهم الجرم أمام الله تعالى يوم القيامة ، وأراد رسول الله أن تتم عمليتا الكشف والاثبات من دون إثارة بل من خلال ممارسته لأبسط حقوق البشر وهي الوصية ! !

لقد اختار الرسول صفوة من أصحابه ليكتب أمامهم وصيته وتوجيهاته النهائية ، وضرب موعدا لكتابة ما أراد كتابته ، ويبدو أن أحدا ممن يسكن في

- ص 144 -

منزل النبي ويتعاطف مع المتآمرين قد علم بالموعد الذي ضربه رسول الله ، وعلم بمضمون ما أراد الرسول كتابته ، فسارع إلى عمر بن الخطاب فأخبره بذلك ( 1 ) .

فاستعد عمر لمواجهة الرسول وجمع أركان حزبه وطائفة من الغوغاء وأخذوا ينتظرون الموعد الذي حدده رسول الله لكتابة وصيته وتوجيهاته النهائية ، وصمموا على أن يحولوا بين النبي وبين ما أراد كتابته ، لأنهم قد أدركوا أنه لم يبق بينهم وبين الانتصار ! إلا باع أو ذراع وكتابة النبي لما أراد كتابته ستقلب المعارك كلها ، وستضيع عليهم تعبهم وتحرمهم من ثمرة تكاد أن تسقط في أيديهم ! ! حضر الذين اصطفاهم رسول الله ليكتب أمامهم وصيته وتوجيهاته النهائية وليلخص أمامهم الموقف للأمة ، جلست هذه الصفوة في منزل الرسول وبين يديه دخل عمر بن الخطاب ومعه أركان حزبه وعدد كبير من أعوانه الذين اتفق معهم على خطة تحول بين الرسول وبين ما أراد كتابته ! !

ماذا يفعل النبي أمام هذه المفاجأة ؟ لم يلغ الموعد ويضرب موعدا جديدا لأن الموت يدركه ، بل مضى إلى حيث أمره الله ، فتجاهل وجود المتآمرين تماما .


ماذا قال النبي حرفيا وماذا طلب في تلك الجلسة ؟ !

لقد تتبعت كل الروايات التي ذكرها أولياء الخلفاء ، والتي تضمنت ما قاله الرسول حرفيا في تلك الجلسة التي كان مقررا أن يكتب فيها وصيته وتوجيهاته النهائية فوجدت أنها لا تعدو أن تكون جملة واحدة من ست جمل فقالوا : إن النبي قد قال :

 

( 1 ) في كتابنا المواجهة ص 503 - 506 كشفنا عن الذي سرب الخبر ، وأثبتنا بأنه كان أحد المتآمرين . ( * )

 
 

- ص 145 -

 1 - قربوا أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا .
 2 - أو قال : ( إئتوني بكتاب أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا ) .
 3 - أو قال : ( إئتوني بالكتف والدواة أو اللوح والدواة أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا ) .
 4 - أو قال : ( إئتوني بكتاب أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا ) .
 5 - أو قال : ( إئتوني بكتف أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا ) .
 6 - أو قال : ( هلم أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده أبدا ) .

فالرسول لم يقل إلا جملة من هذه الجمل الست حسب الروايات التي نقلها رواة القوم وثقاتهم ( 1 ) ولأن الرسول تلفظ بهذه الجملة اندفع عمر بن الخطاب وقادة حزبه فواجهوا رسول الله تلك المواجهة القاسية وهو في مرض الموت ! !


عمر بن الخطاب يتصدى للنبي ( ص )

ما أن أتم رسول الله جملته : ( قربوا أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا ) حتى تصدى له عمر بن الخطاب وقال متجاهلا وجود النبي ، ومتجاهلا طلبه وموجها كلامه للصفوة التي اختارها النبي ليكتب أمامها وصيته وتوجيهاته النهائية ( لا حاجة لنا بكتابه إن النبي يهجر وعندكم القرآن حسبنا كتاب الله ) ( 2 ) ! ! !

وما أن أتم عمر جملته حتى قال أعوانه بصوت

 

( 1 ) راجع صحيح البخاري كتاب المرض باب قول المريض قوموا عني ج 7 ص 9 ، وصحيح مسلم آخر كتاب الوصية ج 5 ص 75 ، وصحيح مسلم بشرح النووي ج 11 ص 95 ، ومسند الإمام أحمد بن حنبل ج 4 ص 356 ح 2992 ، وصحيح البخاري ج 4 ص 31 ، وصحيح مسلم ج 2 ص 16 ، ومسند أحمد ج 3 ص 286 وج 1 ص 355 ، وتاريخ الطبري ج 2 ص 192 ، والكامل لابن الأثير ج 2 ص 320 ، وتذكرة الخواص للسبط ابن الجوزي ص 62 ، وسر العالمين وكشف ما في الدارين لأبي حامد الغزالي ص 21 .
( 2 ) تذكرة الخواص للسبط ابن الجوزي ص 62 ، وسر العالمين وكشف ما في الدارين لأبي حامد الغزالي .

 
 

- ص 146 -

واحد متجاهلين وجود الرسول وموجهين كلامهم للحضور ( القول ما قال عمر ، إن رسول الله يهجر ، ما له ! ! أهجر ! ! ما شأنه أهجر ! ! استفهموه إنه يهجر ! ! ) ( 1 ) وكان أتباع عمر يرددون مع كل جملة مع الجمل السابقة قافية مفادها ( القول ما قاله عمر ) ( 2 ) .

صعقت الصفوة التي اختارها النبي من هول ما رأت وما سمعت ! ! ! فقالت : ألا تسمعون رسول الله يقول قربوا يكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده ! ! ! ورد عليهم عمر : ( إن النبي يهجر وعندنا كتاب الله حسبنا كتاب الله ) وعلى الفور كان أتباع عمر يضجون بالقافية التي تعلموها قبل دخولهم إلى منزل النبي ( القول ما قال عمر ، إن النبي يهجر ! ! استفهموه إنه هجر ! ! ما له أهجر ! ! ) ( 3 ) ، وتنازع الفريقان ، وكثر اللغط والتنازع بين الصفوة القليلة المؤمنة التي دعاها رسول الله ، وبين الكثرة المتآمرة التي اقتحمت منزل الرسول بدون إذن ! !


نتيجة تصرفات عمر وحزبه

كثر اللغط ، واللغو ، وارتفعت الأصوات ، وتنازع الفريقان ، الصفوة المؤمنة تقول : ( ألا تسمعوا رسول الله يقول قربوا أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا ، وعمر بن الخطاب يقول : إن الرسول يهجر ، ولا حاجة لنا بكتابه ، ( حسبنا كتاب الله ) وأركان حزب عمر ومن جلبهم معه يرددون ( القول ما قال عمر ، إن الرسول يهجر ، استفهموه ، أهجر ! ! ما له أهجر ! ! ،

 

( 1 ) صحيح البخاري ج 7 ص 9 وج 4 ص 31 ، وصحيح مسلم ج 5 ص 75 وج 2 ص 16 ، وصحيح مسلم بشرح النووي ج 11 ص 95 ، ومسند أحمد ج 4 ص 356 وج 1 ص 355 ، وتاريخ الطبري ج 2 ص 192 ، والكامل لابن الأثير ج 2 ص 320 ، وتذكرة الخواص ص 62 ، وسر العالمين ص 21 .
( 2 ) المصدر السابق . ( 3 ) المراجع السابقة في البندين 1 و 2
 . ( * )

 
 

- ص 147 -

الصفوة المؤمنة متمسكة بموقفها ، وعمر وحزبه متمسكون بموقفهم ، لقد بدأ التنازع بين الفريقين ، وعمر وحزبه على استعداد لفعل أي شئ يحول بين النبي وبين كتابة ما أراد .


تدخل النسوة وتقريعهن لعمر وحزبه وشهادة الرسول

سمعت النسوة من وراء الستر كل ما كان يجري ، ما قاله الرسول ، وما قالته الصفوة المؤمنة ، وما قاله عمر وحزبه ، فدهشن من هول ما سمعن ، فقالت النسوة لعمر وحزبه : ( ألا تسمعوا رسول الله يقول قربوا يكتب لكم . . . فصاح بهن عمر إنكن صويحبات يوسف . . فقال الرسول لعمر وحزبه دعوهن فإنهن خير منكم ) ( 1 ) .

الرسول يحسم الموقف رأى الرسول كثرة حزب عمر ، ونوعية رجال ذلك الحزب ، وإصرارهم على فعل أي شئ للحيلولة بين الرسول وبين ما أراد كتابته ، فلو أصر الرسول على كتابة ما أراد كتابته لأصروا على هجر الرسول مع ما يجره هذا الاتهام من خطر على الدين لذلك صرف النظر عن الكتاب مكتفيا بتأكيداته اللفظية السابقة ورد على عمر وحزبه ردا يليق بجلال النبوة فقال لهم : ( دعوني فالذي أنا فيه خير مما تدعوني إليه ، قوموا عني لا ينبغي عندي تنازع ) ( 2 ) .

 

( 1 ) الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 243 - 244
( 2 ) صحيح البخاري كتاب المرض باب قول المريض قوموا عني ج 7 ص 9 ، وصحيح مسلم آخر كتاب الوصية ج 5 ص 75 وج 2 ص 16 وصحيح مسلم بشرح النووي ج 11 ص 94 - 95 ، ومسند أحمد ج 1 ص 355 وج 4 ص 356 ، وصحيح البخاري ج 4 ص 31 ، وتاريخ الطبري ج 2 ص 194 ، والكامل لابن الأثير ج 2 ص 320 ، تذكرة الخواص لابن الجوزي ص 62 ، وسر العالمين ، وكشف ما في الدارين لأبي حامد الغزالي ص 21
 . ( * )

 
 

- ص 148 -

وهذا ما تمناه عمر وحزبه ، لقد تحققت غايتهم من اقتحامهم لبيت الرسول دون إذن ولا دعوة ، ولم يعد هنالك ما يوجب بقاءهم ، وهكذا كسروا خاطر النبي الشريف ، وقصموا ظهر الدين والأمة معا ، وتركوا النبي يصارع الموت ، تحف بجنابه الأقدس الملائكة الكرام ! !


لماذا استمات عمر بن الخطاب وحزبه ليحولوا بين الرسول وبين ما أراد كتابته ؟

لقد اعترف عمر بن الخطاب في ما بعد إنه وحزبه لم يحولوا بين الرسول وبين كتابة ما أراد لأن المرض قد اشتد به كما ادعوا ، أو لأنه صلى الله عليه وآله وسلم كان يهجر كما زعموا ، أو لأن القرآن وحده يكفي كما أوهموا . إنما صدوا النبي عن كتابة ما أراد ( حتى لا يجعل الأمر لعلي بن أبي طالب ) ( 1 ) فيؤكد تأكيداته اللفظية بتأكيد خطي هذا اعتراف زعيم الحزب عمر بن الخطاب .

هل في ما قاله الرسول هجر ! ! هل ما قاله الرسول يوجب هذه المواجهة ! ! أنظر بربك وتأمل مليا بالجمل التي نطق بها رسول الله في تلك الجلسة ، هل فيها خطأ ؟ هل فيها غلط ؟ هل فيها إساءة لأحد ؟ هل فيها ما يدل على أن الرسول يهجر ( حاشاه ) أي لا يدري ماذا يقول ! ! !

ثم إن الرسول في منزله كأي إنسان ، ومن حق الإنسان أي إنسان أن يقول ما يشاء في بيته ! ثم إن الرسول على الأقل مسلم ومن حق المسلم - أي مسلم على

 

( 1 ) شرح النهج لعلامة المعتزلة ابن أبي الحديد ج 7 ص 114 سطر 27 الطبعة الأولى بيروت وج 2 ص 79 سطر 3 تحقيق أبي الفضل مكتبة الحياة وج 3 ص 167 طبعة دار الفكر ، وكتابنا المواجهة ص 503 وما فوق . ( * )

 
 

- ص 149 -

الإطلاق أن يوصي والذين يسمعونه أحرار في ما بعد بإعمال أقواله أو إهمالها ! ثم إن الرسول وبكل المقاييس كان ما زال رسولا وقائدا للمسلمين ورئيسا للدولة ، وسيبقى متمتعا بكافة صلاحياته كنبي وكرسول وكقائد وكرئيس عام للأمة ولا يملك أحد حق تجريد النبي من هذه الصلاحيات ! ! ولتقف على حقيقة وبشاعة ما فعلوه برسول الله فلا بد من أن نضع تحت تصرفك مجموعة الجمل التي نطق بها رسول الله .

 1 - الجملة الأولى : أنه قد قال للصفوة التي أحضرها ( قربوا أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا ) وعلى أثر صدور هذه الجملة من رسول الله أقام عمر وحزبه الدنيا ولم يقعدوها بحجة أن القرآن موجود وهو يكفي ، ولا حاجة للمسلمين بوصايا النبي ولا بتوجيهاته فأحدث عمر وحزبه حالة من الفوضى واللغط والتنازع متعمدين ذلك حتى يحولوا بين الرسول وبين ما أراد كتابته ! ! ! وفوق هذا وذاك قالوا للرسول : ( أنت تهجر ولا تدري معنى ما يصدر عنك ) .

 2 - الجملة الثانية : انتقدت النساء تصرف عمر وحزبه ، فقالت لهم النساء : ألا تسمعون رسول الله يقول قربوا يكتب لكم كتابا . . . فنهرهن عمر وقال لهن إنكن صويحبات يوسف عندئذ نطق الرسول بالجملة الثانية قائلا لعمر وحزبه : ( دعوهن فإنهن خير منكم ) .

 3 - الجملتان الثالثة والرابعة : لم يتوقف عمر وحزبه ، بل استماتوا بكسر خاطر النبي والتشويش عليه ، فتلفظ النبي بالجملتين الثالثة والرابعة قائلا : ( دعوني فالذي أنا فيه خير مما تدعوني إليه ، قوموا عني لا ينبغي عندي تنازع ) ( 1 ) .

 

( 1 ) في الصفحات السابقة حرصنا على توثيق كل جملة نطق بها الرسول . ( * )

 
 

- ص 150 -

هذه هي الجمل الأربعة التي نطق بها رسول الله قبيل وفاته بدقائق ! ! فأين هو الهجر الذي أدعوه ! ! ( كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا ) .

ثم من الذي جعل عمر بن الخطاب وحزبه أوصياء على دين الله ، وعلى رسول الله ! ! ومن الذي خولهم هذه الصلاحية ! !
ثم هل الرسول قاصر حتى يتولوا الوصاية عليه ! !
ثم هل كان الرسول في بيته أم في بيوتهم ! !

نحن ندرك الآن حجم ظلمهم واستبدادهم واستخفافهم بمقام النبوة ، وقد عرفنا من الذي هجر ؟ هل هو رسول الله ( حاشاه ) أم عمر وحزبه ! ! بعد مرور أربعة عشر قرنا على تلك الفواجع يقرأ أولياء الخلفاء ذلك دون أن يشعروا بأي أسف لما فعله عمر وحزبه ، بل يشعرون بالفخر والاعتزاز ، ويعطون عمر وحزبه دور البطولة حتى في صراعهم مع رسول الله ! ! إن هذا لهو البلاء المبين ! !

 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب