|
أين سنة
الرسول وماذا فعلوا بها ؟ - أحمد حسين يعقوب ص 228
: |
|
إما التسليم أو
الدخول في مواجهة انتحارية
الانقلابيون هم القوة
الحقيقية في المجتمع ، فقد ضم تحالفهم بطون قريش كلها
المهاجر منها والطليق والمنافق بلا استثناه ، بالإضافة
إلى أكثرية الأنصار التي هالتها قوة هذا التحالف
فاستسلمت الأنصار لتسلم ، وتورط الكثير منهم بالانقلاب
طمعا بالمغانم وهروبا من المغارم ، بالإضافة إلى
المرتزقة من الأعراب الذين يوالون من يعطيهم ،
والمرتزقة على علم بأن المال والمغانم ستكون بيد
الانقلابيين ومن والاهم لذلك مالوا مع الانقلابيين ،
ولقد مد الانقلابيون نفوذهم حتى داخل بيت الرسول ،
فصارت عائشة أم المؤمنين معهم وحافزها على ذلك حبها
لأبيها ولقومها بطون
قريش وحقدها على علي بن أبي طالب قاتل أبناء عمومتها
، وعلى ذريته ، لأنها قد توهمت بأن عليا وذريته قد
سرقوا زوجها منها ، قال الإمام علي : " أما فلانة
فأدركها رأي النساء ، وضغن غلا في صدرها كمرجل اليقين
" ( 1 )
لقد عرفت عائشة موقعها في قلب النبي فقالت له
يوما : " والله لقد عرفت أن عليا أحب إليك مني ومن أبي
" ( 2 ) فمعنى ذلك أن التحالف يشكل الأغلبية الساحقة
جدا من الناس ! ! وهذا يعني أنه لا فرصة أمام الإمام
علي للانتصار في أية مواجهة مع التحالف ، وأن أية
مواجهة عسكرية مع التحالف هي بمثابة الانتحار .
قال
الإمام علي : " . . . فنظرت فإذا ليس لي رافد ولا ذاب
ولا مساعد إلا أهل بيتي ، فضننت بهم عن المنية ،
فأغضيت على القذى ، وجرعت ريقي على الشجا ، وصبرت من
كظم الغيظ على أمر من العلقم وآلم للقلب من وخز الشفار
" ( 3 ) وهنالك سبب آخر أفصح عنه الإمام علي بقوله
: " إن الله لما قبض نبيه
استأثرت علينا قريش بالأمر ، ودفعتنا عن حق نحن أحق به
من الناس كافة ، فرأيت أن الصبر أفضل من تفريق كلمة
المسلمين ، وسفك دمائهم ، والناس حديثو عهد بالإسلام ،
والدين يمخض مخض الوطب يفسده أدني وهن ، ويعكسه أقل
خلاف " ( 4 ) .
لقد قدر الإمام أن المواجهة في تلك
الظروف انتحار حقيقي له بوصفه مستودع علم النبوة ،
ولأهل بيته باعتبارهم شجرة النبوة وثقل الإسلام الأصغر
، لقد استنفد كافة الجهود للحصول على النصرة أو
الانتصار ولم يجدهما .
| |
( 1 )
شرح النهج ج
9 ص 189 ، ووضوء النبي للسيد علي الشهرستاني ص 235 .
(
2 ) مسند الإمام أحمد ج 4 ص 275 ح 18450 .
( 3 ) شرح
النهج ج 3 ص 69 خطبة 211 .
( 4 ) شرح النهج ج 1 ص 248
- 249 .
( * ) |
|
|
لذلك قرر الإمام أن يقعد في بيته ، وأن يحتج على
الانقلابيين احتجاجا سلميا لا يفرق كلمة المسلمين ،
ولا يوهن الدين ، ثم يسلم بالأمر الواقع ما سلمت أمور
المسلمين وهكذا ابتعد الإمام عن المواجهة غير
المتكافئة ، إذ لو واجههم بالقوة لقتلوه ، وقتلوا
ابنيه ، وأبادوا أهل بيت النبوة ، وقلعوا شجرة النبوة
من جذورها ، ثم لأشاعت وسائل أعلامهم بأن عليا وابنيه
مثل أبي طالب ماتوا على الشرك ، فهم في ضحضاح من النار
مع أبي طالب ! ! ومع الأيام تنجح وسائل أعلامهم بتحويل
الشائعات إلى قناعة يتبناها العامة ، كأنها وحي من
السماء ، وصمم الإمام علي أن يبدأ بتكوين قاعدة شعبية
تفهم الإسلام على حقيقته كما أنزله الله وبينه الرسول
لتتصدى وتكشف ألاعيب الطامعين بالسلطة وتحريفاتهم ،
ولتكون نواة لأمة محصنة ضد الانحراف ، وكعمل عاجل ركز
الإمام على إيجاد كوادر فنية يعلمها ما أمكن من علم
النبوة لتنقله إلى الأجيال اللاحقة من غير تحريف ،
فلبد في بيته ، يجيب إذا سئل ، ويهدي إذا استهدي ،
وصبر وصابر على ضغوط الانقلابيين وممارساتهم الغاشمة
وتجاهلهم التام لشرع الله .
1 - فقد حرموا أهل بيت
النبوة من إرث النبي بحجة أن الأنبياء لا يورثون ( 1 )
فسألت السيدة الزهراء أبا بكر من يرثك إذا مت ؟ فقال
أبو بكر ولدي وأهلي ! فقالت الزهراء : فما لنا لا نرث
النبي ؟ ! " وَوَرِثَ
سُلَيْمَانُ دَاوُودَ " "
يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ
يَعْقُوبَ " فكيف نوفق بين قولك الأنبياء لا يورثون وبين
هاتين الآيتين ! ! هذا كتاب الله ينطق بالحق ، ولم
تكتف الزهراء بذلك بل بسطت قضيتها أمام الأنصار
والمهاجرين بكلمة عصماء جاء فيها : " . . أفعلى
| |
( 1 )
صحيح الترمذي ج 7 ص 111 ، ومسند أحمد ج 1 ص
10 ح 60 ، وسنن الترمذي ج 7 ص 1009 ، والطبقات لابن
سعد ج 5 ص 77 ، وتاريخ ابن الأثير ج 5 ص 286 ، وكنز
العمال ج 5 ص 365 والطبقات ج 2
ص 315 ( * ) |
|
|
عمد تركتم كتاب الله ونبذتموه وراء ظهوركم . . .
وزعمتم أن لا حق لي ولا إرث من أبي ولا رحم بيننا ، أفخصكم الله بآية أخرج منها نبيه أم تقولون أهل ملتين
لا يتوارثون ألست أنا وأبي من أهل ملة واحدة . . .
أفحكم الجاهلية تبغون . . " ( 1 ) وأصر أبو بكر على
قراره ، ولما سألوه من يرث النبي إذا قال أبو بكر يرثه
الذي يقوم مقامه ، وبما أن أبا بكر هو الذي قام مقام
النبي فهو وارثه الوحيد ( 2 ) .
وتحقيقا للعدالة ورحمة
بأهل بيت النبوة ، فقد أخذ أبو بكر كل تركة الرسول ،
ولكنه تفضل وأعطى آلة الرسول ودابته وحذائه لعلي ( 3 )
! ! !
2 - حرمان أهل بيت النبوة من منح الرسول ومصادرة
المنح التي أعطاهم الرسول لهم : أثناء حياة الرسول منح
منحا كثيرة للناس ، ومنح أهل بيت النبوة منحا كغيرهم ،
فترك أبو بكر كافة المنح التي منحها رسول الله للناس -
احتراما لمشيئة الرسول وإرادته - وتقديرا للذين دخلوا
في طاعة الخليفة أما المنح التي منحها رسول الله لأي
فرد من أهل بيته فقد قرر أبو بكر مصادرتها وحرمان أهل
البيت منها ، وليضفي على ذلك رداء الإسلام لم يسأل
الناس البينة على أن الرسول قد منحهم تلك المنح ، إنما
سأل أهل البيت ، فشهد علي ، وأم أيمن ورباح مولى رسول
الله ! ! ولكن الخليفة كان قد قرر المصادرة ( 4 ) .
3
- جاء في شرح النهج ، وفي تاريخ الإسلام للذهبي وفي
كنز العمال للهندي : أنه لما منعوا ابنة الرسول من إرث
أبيها ، ومن منح الرسول
| |
( 1 )
بلاغات
النساء ص 16 - 17 .
( 2 ) مسند أحمد ج 1 ص 4 ح 14 ،
وسنن أبي داود ج 3 ص 50 ، وتاريخ ابن كثير ج 5 ص 289 ،
وتاريخ الذهبي ج 1 ص 246 ، وشرح النهج ج 4 ص 81 نقلا
عن الجوهري .
( 3 ) شرح النهج ج 4 ص 87 - 89 ، وبلاغات
النساء ص 12 - 15 .
( 4 ) فتوح البلدان ج 3 ص 34 - 35
. ( * ) |
|
|
طالبتهم بسهم ذوي القربى ، فقالت لأبي بكر : " لقد
حرمتنا أهل البيت فأعطنا سهم ذوي القربى وتلت آية : "
واعلموا أنما غنمتم من شئ ء فإن لله خمسه وللرسول ولذي
القربى " فقال لها أبو بكر : سمعت رسول الله يقول :
سهم ذوي القربى للقربى حال حياتي وليس لهم بعد مماتي (
1 ) .
4 - والكارثة مع هذه القرارات أن الصدقة محرمة
على آل محمد ، وغير جائزة عليهم ( 2 ) .
5 - من أين
يأكل أهل بيت النبوة ! ! إذا حرمت السلطة أهل بيت
النبوة من تركة النبي ، وصادرت المنح التي أعطاها رسول
الله لهم ، وحرمتهم من الخمس الوارد في القرآن الكريم
، وإذا كانت الصدقة محرمة على آل محمد فمن أين يأكلون
بحق الله ورسوله ! ! !
6 - إذا أراد أهل بيت النبوة
الحياة فعليهم أن يسألوا الحاكم ويوالوه ! ! ! قال أبو
بكر لفاطمة - ربما تساءلت بهذه التساؤلات - إني أعول
من كان رسول الله يعول ، وأنفق على من كان
رسول الله ينفق عليه ( 3 )
فآل محمد يأكلون ليس لهم أن يزيدوا على المأكل ( 4 ) .
فالحاكم يقدم لأهل بيت النبوة المأكل ولا يزيد عليه ،
فطوال التاريخ يجب على أهل بيت النبوة أن يمدوا أيديهم
للحاكم الذي هو على استعداد أن يقدم لهم المأكل فقط ،
ومن الحشمة وحسن الخلق أن يطيع الإنسان من يطعمه ، تلك سنة أبي
بكر وعمر وهذا هو عدلهم ، وهذا هو برهم لصديقهم وصهرهم
محمد بن عبد الله ، وها هي طاعتهم لأوامره ، وهذا هو
تعاملهم مع ثقل الإسلام الأصغر
! !
| |
( 1 )
شرح النهج ج 4 ص 81 نقلا عن الجوهري
تاريخ
الإسلام للذهبي ج 1 ص 347 ، وكنز العمال ج 5 ص 367 .
(
2 ) صحيح مسلم ج 3 ص 121 ، ومجمع الزوائد ج 3 ص 90 ،
وصحيح البخاري ج 1 ص 81 ، وصحيح مسلم ج 3 ص 117 ، وسنن
أبي داود ج 1 ص 212 باب الصدقة على بني هاشم .
( 3 ) سنن الترمذي ج 7 ص 111 .
( 4 ) صحيح البخاري ج 2 ص 200
باب مناقب قرابة الرسول ، وسنن أبي داود ج 3 ص 49 كتاب
الخراج ، وسنن النسائي ج 2 ص 79 قسم الفئ ، ومسند أحمد
ج 1 ص 6 - 9 . ( * ) |
|
|
|