|
أين سنة
الرسول وماذا فعلوا بها ؟ - أحمد حسين يعقوب ص 260
: |
|
الفصل الرابع : منعهم لكتابة ورواية سنة الرسول بعد
استيلائهم على منصب الخلافة
في عهد أبي بكر الخليفة
الأول
كانت " قريش " أو ذلك النفر من قريش ينهى سرا عن
كتابة ورواية سنة الرسول ، ويشكك بصحة وصواب جانب من
سنة الرسول ، وأثناء مرض الرسول ، كشف ذلك النفر عن
نفسه ، فأخذ ينهى عن كتابة سنة الرسول ويحرض علنا على
عدم اتباعها ! ! معبرا عن قناعته الخاصة من خلال قوته
! ! وعندما استولى ذلك النفر على منصب الخلافة أعلن
رسميا وعلى مستوى الدولة منع كتابة ورواية سنة الرسول
! !
ويبدو أن أول أمر أو مرسوم قد أصدره الخليفة الأول
كان يتضمن قراره بمنع رواية وكتابة سنة الرسول . قال
الذهبي في ترجمة أبي بكر : إن الصديق - يعني أبا بكر -
قد جمع الناس بعد وفاة نبيهم فقال : " إنكم تحدثون عن
رسول الله ( ص ) أحاديث تختلفون فيها ، والناس بعدكم
أشد اختلافا ، فلا تحدثوا عن رسول الله
شيئا ، فمن سألكم فقولوا
بيننا وبينكم كتاب الله ، فاستحلوا حلاله ، وحرموا
حرامه " ( 1 ) .
فالخليفة الأول يرى أن رواية سنة
الرسول تسبب الخلاف بين أمة متفقة في عهده ، فإذا حدث
الخلاف في عهده ، فإن الخلاف في العهود اللاحقة سيكون
شديدا ، وبصفته خليفة للمسلمين ، ولأن سنة الرسول تسبب
الخلاف والاختلاف بين المسلمين ، وحرصا من الخليفة على
وحدتهم خلف قيادته وقطعا لدابر الخلاف والاختلاف فإنه
يأمر المسلمين " أن لا يحدثوا شيئا عن رسول الله " ! !
وإغلاقا لباب التساؤل عن طريقة معرفة الحكم الشرعي قال
الخليفة الأول : " فمن سألكم فقولوا : بيننا وبينكم
كتاب الله فاستحلوا حلاله وحرموا حرامه " أي أن
الأحكام الشرعية يمكن استخراجها من القرآن الكريم ،
ويمكن الاستغناء بالقرآن الكريم عن سنة الرسول ! !
فالقرآن الكريم هو البديل لإغلاق باب التحديث عن رسول
الله ! !
وهذه النظرية متطابقة مع نظرية عمر بن
الخطاب فعندما حال هو وحزبه
بين رسول الله وبين كتابة ما أراد قال عمر أمام الرسول
والحاضرين : " إن المرض قد اشتد برسول الله أو قال إن
النبي يهجر وعندكم القرآن حسبنا كتاب الله " فقناعة
الاثنين كانت راسخة بأن القرآن وحده يكفي وليست هنالك
حاجة لسنة الرسول ! ! !
والذي يفهم من مرسوم الخليفة
الأول يفيد : منع المسلمين من رواية أي شئ على الإطلاق
من سنة الرسول بدليل قول الخليفة " فلا تحدثوا عن رسول
الله شيئا " فهذا المنع شامل لكل شئ حسب الظاهر ، ولكن
في الحقيقة فإن الخليفة الأول لم يقصد هذا الإطلاق فهو
الذي يقرر ما ينبغي تطبيقه أو ما لا ينبغي تطبيقه من
سنة الرسول ، فلا ضرر من رواية بعض سنة الرسول طالما
أن بيديه مفاتيح إعمالها أو إهمالها .
| |
( 1 )
تذكرة الحفاظ للذهبي ج 1 ص 2 - 3 ، والأنوار
الكاشفة ص 53 ، وتدوين السنة شريفة للسيد محمد رضا
الحسيني الجلالي ص 423 . ( * ) |
|
|
ومن المؤكد أن الخليفة قد قصد سنة الرسول المتعلقة
بمن يخلفه أو بتعبير أدق المتعلقة باستخلاف الرسول
للإمام علي بن أبي طالب ، والمتعلقة بمكانة أهل بيت
النبوة ، لأن الخليفة كان في ذلك الوقت يصب حام غضبه
على الإمام علي خاصة ، وعلى أهل بيت النبوة عامة ! ! !
وما يؤكد صحة ما ذهبنا إليه أن الخليفة نفسه كان يحتج
بأحاديث رسول الله أثنا مواجهته للإمام علي ولأهل بيت
النبوة ، فعندما حرمهم من تركة الرسول قال : " إنه سمع
الرسول يقول : الأنبياء لا يورثون " ( 1 ) .
وعندما
حرمهم من سهم ذوي القربى ادعى بأنه سمع رسول الله يقول
: " سهم ذوي القربى للقربى حال حياتي وليس لهم بعد
مماتي " ( 2 ) .
وبغض النظر عن صحة أو عدم صحة هذين
الحديثين ، فإن الخليفة قد احتج بما نسبه للرسول ، فلو
كان منعه للحديث شاملا لما احتج بما سنبه للرسول ! ! !
لقد أراد الخليفة أن يمنع الأحاديث المتعلقة بمن يخلف
النبي ، والتي تؤكد بأن الرسول قد استخلف الإمام عليا
وأحد عشر من ذريته ومن صلب علي والأحاديث التي أعطت
المراتب السنية للإمام علي ، وحددت مكانة أهل بيت
النبوة .
فإذا بقي باب التحديث عن رسول الله فما الذي
يمنع أنصار الشرعية الإلهية من أن يرووا مثلا قوله ( ص
) : " من كنت وليه فهذا علي وليه اللهم وال من والاه
وعاد من عاداه وانصر من نصره ، واخذل من خذله " وما
الذي يمنعهم من أن يرووا حديث الثقلين ، أو حديث
السفينة ، أن يذكروا المسلمين ببيعتهم للإمام علي في
غدير خم ، أو قول الرسول لعلي كذا وكذا ! ! ! .
| |
( 1 ) صحيح الترمذي ج 1 ص 11 ح 60 ، وسنن الترمذي ج
7 ص 1009 ، والطبقات ج 5 ص 77 .
( 2 ) صحيح مسلم ج 3 ص
12 ، وصحيح البخاري ج 1 ص 81 ، وسنن أبي أبي داود ج 1
ص 212 .
( * ) |
|
|
ولكن لو كشف الخليفة عن قصده هذا لعثر حيث أراد أن
ينهض ، لذلك رأى أن يكون المنع شاملا طالما أنه هو
الذي يعمل أو يهمل ما شاء من سنة الرسول ! !
وما يؤكد
ما ذهبنا إليه ، هو تعليل الخليفة للمنع خشية الاختلاف
فعندما يروي الرواة حديث الثقلين مثلا ، أو أحاديثا عن
مراتب الإمام علي في الوقت الذي يرى فيه المسلمون
الخليفة وأعوانه ينكلون بالإمام وأهل بيته ، فإن
المسلمين الذي انقادوا للخليفة الجديد سيتعاطفون مع
الإمام علي وأهله بيته أو على الأقل فإن قسما منهم
سيفعل ذلك ، وقد ينمو هذا التعاطف ويتحول إلى ولاء
عندئذ ينشق المجتمع إلى قسمين قسم يؤيد الدولة الفعلية
، وآخر يؤيد الإمام عليا وينمو الخلاف والاختلاف بين
الفريقين ، ويشتد مع الأيام ، وتفوت الحكمة من
استيلائهم على منصب الخلافة ، ويفوز الإمام علي وأهل
بيت النبوة ويجمعوا النبوة والخلافة معا ويقع المحظور
! !
لذلك رأي الخليفة من الأنسب أن يكون إعلانه عن منع
رواية أحاديث الرسول شاملا وهذا تقدير منطقي وعلماني
تقتضيه مصلحة المحافظة على الملك أو الخلافة ! ! !
بغض
النظر عن انسجامها أو عدم انسجامها مع الشرعية الإلهية
تأسيسا وممارسة ! ولك أن تتصور حجم تأثير هذا المرسوم
على نظرة المسلمين لسنة رسول الله ، فإذا كان صاحب
الرسول في الغار وصهره ، وخليفته يأمر الناس بأن لا
يحدثوا أي شئ عن رسول الله بدعوى أن التحديث عن رسول
الله يسبب الخلاف والاختلاف ! ! فكيف تكون نظرة حديثي
العهد بالإسلام إلى سنة رسول الله ! ! !
لقد تم فتح
باب الاستهانة بسنة رسول الله رسميا وعلى مستوى الدولة
، لذلك فإن أية مجهودات فردية لإغلاق هذا الباب أو
لتغيير المسار الرسمي للدولة تبقى محدودة الأثر
! !
قد يقول قائل إن الخليفة الأول ، قد أمر المسلمين
بأن لا يرووا شيئا عن رسول الله ولكنه لم يأمرهم بأن
لا يكتبوا شيئا عن رسول الله ، لكن مرسوم الخليفة من
الوضوح بحيث أنه لا يحتمل مثل هذا التأويل ، فالخليفة
قد جزم بأن التحديث عن رسول الله يسبب الخلاف
والاختلاف ، وبالتالي فقد أمر المسلمين بأن لا يحدثوا
أي شئ عن رسول الله ، وسواء أخذ هذا التحديث صورة
المشافهة أو صورة الكتابة فإنه ممنوع حسب نص هذا
المرسوم ، لأن الخليفة أراد أن يحتاط فيقطع دابر
الخلاف بقطع مصدره أو منبعه القادم من سنة رسول الله ،
فإذا نهى الخليفة عن التحديث فهو ضمنا ينهى عن الكتابة
، لأنها أدوم وأبلغ في التأثير والثبات والشيوع
والانتشار .
لمتابعة الموضوع اضغط على
الصفحة التالية أدناه
|