|
أين سنة
الرسول وماذا فعلوا بها ؟ - أحمد حسين يعقوب ص 264
: |
|
الخليفة
الأول يحرق سنة الرسول التي جمعها بنفسه
لم يكتف
الخليفة بهذا المرسوم الذي منع بموجبه المسلمين من أن
يحدثوا أي شئ من سنة رسول الله ، بل تناول الأحاديث
التي جمعها بنفسه ، وسمعها بنفسه من رسول الله ،
فأحرقها ! ! قال الذهبي : " إن أبا بكر جمع أحاديث
النبي ( ص ) في كتاب ، فبلغ عددها خمسمائة حديث ، ثم
دعا بنار فأحرقها " ( 1 )
روى القاسم بن محمد أحد أئمة الزيدية عن الحاكم بسنده إلى عائشة قالت : " جمع أبي
الحديث عن رسول الله ، فكانت خمسمائة حديث فبات ليله
يتقلب ، فلما أصبح قال أي بنية ، هلمي الأحاديث التي
عندك ، فجئته بها فدعا بنار فأحرقها " ( 2 ) .
فالخليفة صاحب النبي 23 عاما ، وصاهره ، ولازمه ، وشهد
كل مواقعه كما يجمع المؤرخون على ذلك . وفوق هذا وذلك
فهو يقرأ ويكتب ، فهل
| |
( 1 ) تذكرة الحفاظ
للذهبي ج 1 ص 5 ، وعلوم الحديث ص 39 .
( 2 ) الاعتصام
بحبل الله المتين ج 1 ص 30 ، وتدوين السنة الشريفة ص
264 ، وتذكرة الحفاظ ج 1 ص 5 ، وكنز العمال ج 1 ص
285 . ( * ) |
|
|
نستكثر على من كانت هذه حالته أن يروي عن الرسول
خمسمائة حديث من سنته ! ! لقد رواها بنفسه ، وسمعها
بنفسه ، وكتبها بنفسه ، بمعدل أقل من 22 حديثا كل عام
، وأقل من حديثين كل شهر ، وهذا يعني أنها كانت صحيحة
وصادرة عن رسول الله قطعا ، ومحفوظة وبعيدة عن التحريف
لأنه قد استودعها عند ابنته ككنز خوفا عليها من الضياع
، وبعد أن انتقل الرسول إلى جوار ربه وانقطع الوحي ،
وبعد أن استولى على منصب الخلافة ، صار لا ينام الليل
من وجود هذه الأحاديث ! ! !
ووصفت لنا السيدة عائشة
ابنة الخليفة حالته بقولها : " . . . جمع أبي الحديث
عن رسول الله ( ص ) ، وكانت خمسمائة حديث ، فبات ليلته
يتقلب كثيرا قالت فضمني ، فقلت أتتقلب لشكوى أو لشئ
بلغك ؟ فلما أصبح قال : أي بنية هلمي الأحاديث التي
عندك ، فجئته بها ، فدعا بنار فأحرقها ! ! فقلت لم
أحرقها ؟ قال : خشيت أن أموت وهي عندي فتكون فيها
أحاديث عن رجل قد ائتمنته ووثقت ، ولم يكن كما حدثني
فأكون قد نقلت ذلك " انتهى النص ( 1 ) .
السيدة عائشة
تؤكد بأن أباها قد جمع الحديث عن رسول الله وتؤكد أن
عدد الأحاديث كان خمسمائة حديث ، وأن هذه الأحاديث ،
فلما أصبح طلب الأحادث التي سمعها من رسول الله بنفسه
وكتبها بخط يده ، ثم دعا بنار فأحرقها أمام السيدة
عائشة ، حتى الآن فإن وقائع الرواية متماسكة ، ومتفقة
مع توجهات الخليفة ، ومنسجمة مع المرسوم الذي أصدره
بعد توليه لمنصب الخلافة ، ومع أمره للمسلمين " بأن لا
يحدثوا شيئا عن رسول الله " ، بل وتتناغم مع الواقع
ومع نفسية الخليفة الرقيقة ، فالتصرف قد حدث بعد توليه
منصب الخلافة ، وأثناه الفترة التي كان فيها غاضبا من
الإمام علي ومن أهل بيت النبوة الذين رفضوا بيعته
بدعوى أنهم
| |
( 1 )
تذكرة الحفاظ ج 1 ص 5 ،
وكنز العمال ج 10 ص 285 ، وتدوين القرآن ص
370 . ( * ) |
|
|
أحق بالخلافة منه وفي الوقت الذي حرمهم فيه من تركة
الرسول ومن سهم ذوي القربى ، وصادر المنح التي أعطاها
لهم الرسول ، وهم بإحراق بيت فاطمة على من فيه وهدد
الإمام بالقتل إن لم يبايع ، أو أمر بأن يؤتى به بأعنف
العنف ( 1 ) فليس من المستبعد أن بعض الأحاديث التي
كتبها الخليفة تتضمن بعض مراتب الإمام علي ، أو مكانة
أهل بيت النبوة ، فلما استعرض الوقائع أو أحداث يومه
أو أسبوعه ، وتذكر أحاديث النبي ، جفاه النوم وانتابه
القلق ، فصارت هذه الأحاديث كشبح يلاحقه ويحول بينه
وبين النوم ، لأن نفسية الرجل رقيقة ويندم علي الخطأ
بدليل ندمه وعلى فراش الموت حيث قال : " أما إني لا
آسى على شئ في الدنيا إلا على ثلاث فعلتهن وددت أني لم
أفعلهن . . . فوددت أني لم أكشف عن بيت فاطمة وتركته
ولو أغلق على حرب " ( 2 )
ووضع اليعقوبي الصورة بقوله
: إن أبا بكر قال : " وليتني لم أفتش بيت
فاطمة بنت رسول الله وأدخله
الرجال ولو أغلق على حرب " ( 3 ) فمن المحتمل جدا أن
يكون في الأحاديث التي كانت مكتوبة عند أبي بكر توصية
بإرضاء السيدة فاطمة بالذات بدليل أنه بعد عملية
الشروع بحرق بيتها ، ذهب أبو بكر وعمر إلى منزلها
ليعتذرا ، فسألتهما : " نشدتكما الله ألم تسمعا رسول
الله يقول : رضا فاطمة من رضاي وغضبها من غضبي . . .
فأجابها الاثنان بصوت واحد اللهم نعم قد سمعناه ! ! "
( 3 )
فما الذي يمنع بأن يكون هذا الحديث هو أحد الخمسمأة ! ! ! فعندما يتذكر أبو بكر هذا الحديث
وأمثاله من المكتوبة عنده ، ويتذكر ما فعله بأهل بيت
النبوة ، فإن هذا يجلب القلق ، ويذهب النوم خاصة عن
شخصية رقيقة كشخصية الخليفة الأول ! ! !
ثم إن الشخص
العادي إذا اقتنع بأنه قد ظلم في يومه إنسانا ، فإنه
| |
( 1 ) بالفصول السابقة
وثقنا كل كلمة قلناها .
( 2 ) أنساب الأشراف ج 1 ص 587 . |
( 3 )
تاريخ اليعقوبي ج 2
ص 115 .
( 4 ) الإمامة والسياسة لابن قتيبة ج 1 ص 7
وما فوق
. ( * ) |
|
|
لا يقوى على النوم ، ويصيبه الأرق ، فكيف يحس
الإنسان الرقيق إذا اقتنع بأنه قد ظلم أو آذى بنت رسول
الله أو أحب الناس إليه ، إن وجود هذه الأحاديث يذكره
دائما بما فعل ، إنها بمثابة شهود إدانة ، والإنسان
بفطرته يتخلص مما يدينه ! ! .
ثم إن الثابت بأن أبا
بكر قد جمع خمسمأة حديث ، بينما الموجود بأيدي
المسلمين من حديثه لا يتجاوز 142 حديثا كما أحصاها ابن
حزم والسيوطي ( 1 ) بمعنى أنه قد ضاع منها 358 حديثا !
! ! فإن صح ما ذهبنا إليه ، فمن غير المعقول أن يروي
الإنسان عن رسول الله ما يدينه ! ! ! أما عجز الحديث "
آخره " الذي يتضمن السبب المعلن الذي دفع الخليفة
الأول لحرق الأحاديث التي جمعها بنفسه ، فالصناعة
والتكلف واضح فيه ، وأكبر الظن بأنه قد ألحق بالحديث
إلحاقا فالنفس الذي صيغ فيه العجز مختلف تماما عن
النفس الذي صيغ فيه بقية الحديث ، ثم إن المؤرخين
والمحدثين
يجمعون بأن أبا بكر كان من
أقرب الصحابة لرسول الله ، وكان من الملازمين له ، ولم
تكن هنالك حواجز بين الرسول وبين أبي بكر فهو صهره
وصاحبه ، فما هو الداعي ليترك رسول الله وهو النبع
النقي ويأتي إلى غيره ليروي له أحاديث رسول الله ! ! !
، لأنه أقرب من الغير لرسول الله ، وألصق به ! !
ثم
إنه ليس كثيرا على قارئ وكاتب كأبي بكر أن يجمع 500
حديث خلال صحبة للرسول دامت 23 سنة ، ودعمت الصحبة
رابطة المصاهرة ! ! ! إن عجز الحديث لا يتفق مع أوله
وهو غير معقول ومن المؤكد أن القوم قد أضافوا عجز
الحديث لأوله ليجعلوا من إحراق الخليفة الأول لسنة
الرسول التي كتبها فضيلة من فضائله ، وليبرروا عملية
إحراقه للسنة النبوية المطهرة لأن إحراق السنة المطهرة
لا يمكن الدفاع عنه إلا بمثل هذا المبرر .
| |
( 1 )
تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 66 ، وتدوين السنة للجلالي ص
277 . ( * ) |
|
|
لكن المرسوم الذي أصدره الخليفة والذي أمر فيه
المسلمين بأن لا يحدثوا عن رسول الله شيئا ، جرف
المبررات التي اختلقوها وأثبت بوضوح لا يقبل الشك بأن
سياسة الخلفاء كانت قائمة على استبعاد سنة الرسول ،
والتمسك بالقرآن وحده ، أو بفهمهم أو تأويلهم لهذا
القرآن ، لأن سنة الرسول كانت متعارضة مع الواقع الذي
أوجدوه ، وكانت ناقضة لذلك الواقع وحاكمة ببطلانه
فاستبعدوا سنة الرسول كفرار فطري من أدلة الادانة
والتجريم
|