|
أين
سنة الرسول وماذا فعلوا بها ؟ - أحمد حسين يعقوب ص
312 :
|
|
أهل بيت النبوة والقلة المؤمنة قاوموا سياسة الخلفاء
الرامية إلى طمس سنة الرسول
على الرغم من أن الخلفاء
قد أحرقوا سنة الرسول المكتوبة عند الناس ، والكتب
المحفوظة لديهم ومنعوا المسلمين من أن يحدثوا عن رسول
الله شيئا ، واستعانوا بسلطة الدولة ونفوذها لطمس سنة
رسول الله ، ومنع المسلمين من كتابة ورواية هذه السنة
إلا أن أئمة أهل بيت النبوة ، والقلة المؤمنة التي
والتهم ، قد تحدوا سياسة الدولة وقرارات منع كتابة
ورواية السنة ، فلم يستجيبوا للخليفة الثاني عندما
ناشدهم بأن يأتوه بسنة الرسول المكتوبة عندهم ، بأن
الخليفة يريد أن يحرق سنة الرسول المكتوبة ، لأنهم
يعلمون علم اليقين بأن الخليفة يريد أن يحرق سنة
الرسول المكتوبة ، وما قوله بأنه يريد أن يجمع السنة
إلا وسيلة ليتمكن من حيازة السنة المكتوبة وحرقها .
ففي الوقت الذي كان فيه الخلفاء يأمرون المسلمين بأن
لا يكتبوا سنة الرسول ، ولا يرووا منها شيئا ، كان أهل
بيت النبوة يحثون المسلمين على التمسك بسنة نبيهم ،
وروايتها وحفظها وكتابتها ، فكان الإمام علي يقول : "
قيدوا العلم بالكتاب ، قيدوا العلم بالكتاب " ( 1 )
وكان يقول : " من يشتري مني
| |
( 1 )
تقييد
العلم ص 89 - 90 . ( * ) |
|
|
علما بدرهم " ( 1 ) وكانوا يروون عن رسول الله قوله
: " أكتبوا هذا العلم فإنكم ستنتفعون به إما في دنياكم
وإما في آخرتكم وأن العلم لا يضيع صاحبه " ( 2 ) .
وعندما آلت الخلافة إلى الإمام علي ، كانت فرصة أمامه
لإثبات فساد سياسة منع كتابة ورواية سنة الرسول ، ولأن
هذه السياسة قد تمكنت من نفوس العامة ، واعتبروها جزءا
من سنة الخلفاء ، فقد تعددت أساليب الإمام بمقاومتها
فكان يحث المسلمين على الرواية والكتابة في كل شئ ،
وفي سنة الرسول خاصة ، وأحيانا كان يلجأ إلى أسلوب
المناشدة ، كقوله سألت الله كل امرئ مسلم سمع رسول
الله يقول في غدير خم : " من كنت مولاه فهذا علي مولاه
" أن يقم فيقوم العشر والعشرون والقلة والكثرة ، وبهذا
الأسلوب تمكن الإمام من إعادة الاهتمام بسنة رسول الله
ومن تقويض الأسس التي قامت عليها سياسة منع وكتابة
ورواية سنة الرسول ، كما فضح الغاية التي
توخاها الخلفاء من سياسة
منع كتابة ورواية سنة الرسول ، وكان لخطبه ودروسه
ومواعظه ، أبلغ الأثر في نسف القناعات التي أوجدها
الخلفاء ، وإعادة الاعتبار للقناعات الشرعية التي
وضعها رسول الله ، وحاول الخلفاء طمسها ، وكان الإمام
يملي على الراغبين بالكتابة الأصول الأساسية في مختلف
العلوم الشرعية والإنسانية ، على سبيل المثال التعليقة
النحوية التي ألقاها الإمام إلى أبي الأسود الدؤلي ( 3
) ، ولعبت كتب الإمام وعهوده إلى ولاته ، وتوجيهاته
لهم دورا عظيما باستجلاء معالم الشرعية التي حاولوا
طمسها منها على سبيل المثال عهده للأشتر النخعي ( 4 )
.
| |
( 1 ) طبقات ابن سعد ج 6 ص 116 طبعة
ليدن ، وتاريخ بغداد ج 8 ص 357 ، وكنز العمال ج 5 ص 61
، رقم 29385 .
( 2 ) كنز العمال ج 10 ، ص 262 .
( 3 )
راجع سير أعلام النبلاء ج 4 ص 84 ، والأشباه والنظائر
للسيوطي ج 1 ص 12 - 14 ، وتاريخ
الخلفاء ص 143 ، والفهرست
لابن النديم ص 45 ، وتدوين السنة ص 143 - 144 .
( 4 )
راجع نهج البلاغة طبعة صبحي الصالح ص 427 -
445 . ( * ) |
|
|
وكان الإمام يتطرق حتى لأدق التفاصيل الفنية للكتابة
، فيقول : " ألق دواتك ، وأطل جلفة قلمك وفرج بين
السطور . . . " ( 1 ) .
وكتب إلى عماله قائلا : "
أدقوا أقلامكم وقاربوا بين سطوركم . . . " ( 2 ) .
وسار أئمة أهل بيت النبوة - كل في زمانه - على خط
الإمام الرامي إلى فك الحصار الذي فرضه الخلفاء على
كتابة ورواية سنة الرسول ، فما من إمام من الأئمة إلا
وكانت له كتبة ، فكانوا يكتبون ، ويملون على شيعتهم ،
ويجيبون على أسئلة السائلين ، ويروون سنة الرسول عن
آبائهم وأجدادهم ، ويأمرون المسلمين بأن يكتبوا
وينشروا سنة رسول الله .
جمع الإمام الحسن ولده وولد
أخيه فقال لهم : " يا بني وبني أخي إنكم صغار قوم يوشك
أن تكونوا كبارا آخرين ، فتعلموا العلم ، فمن لم يستطع
منكم أن يرويه فليكتبه ، وليضعه في بيته " ( 3 ) .
قال
الإمام الحسين في خطبة له بمنى . . . " اسمعوا مقالي ،
واكتبوا قولي ثم ارجعوا إلى أمصاركم وقبائلكم . . .
فإني أتخوف أن يدرس هذا الأمر ، ويذهب الحق " ( 4 ) .
لقد كون الأئمة - كل في زمانه - وأتباعهم جبهة معارضة
واقعية لسياسة دولة الخلاف وسنة الخلافة الرامية إلى
طمس سنة رسول الله ، وقد أثمرت معارضتهم لأن المؤمنين
الصادقين قد التزموا بخط أهل بيت النبوة ، ونفذوا
توجيهات الأئمة الرامية إلى كتابة ونشر سنة الرسول ،
وفك الحصار المفروض عليها من الدولة وكان الإمام علي
يقول : " تذاكروا هذا الحديث
| |
( 1 )
نهج
البلاغة الحكمة رقم 315 ص 530 ، وتدوين السنة ص 146 .
( 2 ) الخصال للصدوق ج 1 ص 310 .
( 3 ) طبقات ابن سعد
ترجمة الإمام الحسن ، وتاريخ اليعقوبي ج 2 ص 227 ،
وسنن الدارمي ج 1 ص 107 .
( 4 ) كتاب سليم بن قيس ص
165 ، وتدوين السنة ص
148 . ( * ) |
|
|
وتزاوروا فإنكم إن لم تفعلوا يدرس " ( 1 ) وكان ابن
عباس يقول : " تذاكروا هذا الحديث لا ينفلت منكم ،
فإنه ليس مثل القرآن محفوظ ، فإنكم إن لم تذاكروا هذا
الحديث ينفلت منكم ، ولا يقولن أحدكم حدثت أمس فلا
أحدث اليوم ، بل حدثت أمس ، ولتحدث اليوم ولتحدث غدا "
( 2 ) .
واتخذت القلة المؤمنة موقفا مماثلا .
قال
الراوي : " أتيت أبا ذر وهو جالس عند الجمرة الوسطى ،
وقد اجتمع عليه الناس يستفتونه ، فأتاه رجل ، فوقف
عليه ثم قال له : " ألم تنه عن الفتيا ؟ فرفع رأسه
إليه فقال : أرقيب أنت علي ؟ لو وضعتم الصمامة على هذه
- وأشار إلى قفاه - ، ثم ظننت أني أنفذ كلمة سمعتها من
رسول الله قبل أن تجيزوه علي لأنفذتها " ( 3 ) .
وكان
علقمة بن قيس النخعي يقول : " أطيلوا كر الحديث لا
يدرس " ( 4 ) .
ولولا أهل بيت النبوة ، والقلة المؤمنة
، لتمكنت تلك السياسة الغاشمة تجاه سنة رسول الله من
اجتثاث السنة من جذورها .
| |
( 1 )
سنن الدارمي ج 1 ص 122 ، ومعرفة علوم الحديث للحاكم ص 60 و
146 ، وشرف أصحاب الحديث ص 69 .
( 2 ) سنن الدارمي ج 1
ص 119 ، وشرف أصحاب الحديث ص 95 ، وتدوين السنة ص 565
.
( 3 ) سنن الدارمي ج 1 ص 112 ، وصحيح البخاري ج 1 ص
27 ، وفتح الباري ج 18 ص 170 ، وحجية السنة
ص 463 -
464 .
( 4 ) مختصر تاريخ دمشق ج 17 ص 172 ، وسير أعلام
النبلاء ، ج 4 ، ص 57 . ( * ) |
|
|
|