|
أين
سنة الرسول وماذا فعلوا بها ؟ - أحمد حسين يعقوب ص
334 :
|
|
ثم وضعوا سندا وأساسا شرعيا لسنة أبي بكر وعمر
وعثمان ! !
في الأساس لم يكن لمصطلح سيرة أبي بكر وعمر
، أو سنتهما أساس ولا سند من الشرع أو من العقل ،
وسندهما الوحيد هو التأييد الشعبي الجارف للخليفتين ،
وعز على أولياء الخليفتين ذلك فأرادوا لسنة الخليفتين
سندا من القرآن أو من سنة الرسول ليضمنوا لسنة
الخليفتين الدوام والاستمرار فيدوم العز لوليهما ،
ويدوم الذل لعدوهما ! ! وتلغى سنة الرسول المعارضة
لسنتهما ! ! ! وبعد جهد وضعوا النص التالي أو استخدموه
لصالحهم أن رسول الله قد قال : " . . . فعليكم بسنتي
وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا
عليها بالنواجذ . . . " ( 1 ) .
وهذا يستدعي وجود
خلفاء راشدين مهديين ، فاعتبر أبا بكر أولهم ،
واعتبروا عمر ثانيهم ، واعتبروا عثمان هو الثالث ،
وهكذا صاروا ثلاثة ، أما علي فلم يكن معهم أصلا ، بل
ولم يتم الاعتراف بشرعية خلافته ، وكانت الأكثرية
الساحقة من المسلمين تلعنه بالعشي والأبكار ، وتتقرب
إلى الله بشتمه ولعنه وبغضه هو وأهل بيته وفي ما بعد "
تلطف علماء دولة الخلافة فأدخلوه بقائمة " الخلفاء
الراشدين المهديين ! !
فبموجب هذا الحديث فإن سنة رسول
الله في أحسن الظروف ما هي إلا سنة من خمس سنن ،
فالقرآن وسنة الرسول وسنن الأربعة بالتتابع هي القانون
النافذ في المجتمع وأي نص وارد في هذه السنن الخمسة
فهو واجب التطبيق ، فإذا أخذ بعين الاعتبار بأن سنة
الرسول المكتوبة قد أحرقت بالفعل ، ولم يبق منها إلا
ما هو مخبأ عند أهل بيت النبوة ، وأن الخلفاء قد أمروا
المسلمين بأن لا يحدثوا عن رسول الله شيئا أدركنا بأن
السنن المطبقة فعليا في المجتمع هي سنن الخلفاء
| |
( 1 )
جامع الأصول من أحاديث الرسول لابن
الأثير ج 1 ص 189 ، وسنن الدارمي المقدمة باب اتباع
السنة ج 1 ص 44 و 45 . ( * ) |
|
|
الثلاثة ، لأن الإمام عليا قد أدخل حديثا مع الخلفاء
الراشدين المهديين ، ثم إن سنته تتعارض بالكامل مع سنن
الثلاثة الذين سبقوه ! ! ! ومعنى ذلك أن الرسول الأعظم
ليس أكثر من واحد من أربعة مشرعين مهمتهم وضع القواعد
الحقوقية الواجبة التطبيق في المجتمع ! ! !
وبما أن
سنة الرسول المكتوبة قد أحرقت ومنع الخلفاء الناس من
أن يحدثوا عن رسول الله فمعنى ذلك أن الخلفاء الثلاثة
هم الذين شرعوا كافة القواعد المطبقة في المجتمع ! ! !
وأن القواعد التي وضعها الثلاثة قد حلت عمليا محل سنة
الرسول المستبعدة من المجتمع ! ! هذه التفصيلات تزعجهم
لأن المهم عندهم هو الإطار العام أو الإجمال "
فالمطلوب هو التمسك بسنة الرسول وسنة الخلفاء الراشدين
من بعده ! ! !
لقد أكد الرسول أنه قد بين القرآن كله ،
ولم يدع خيرا إلا ورغبهم فيه ، ولا شرا إلا ونفرهم منه
وأكد بأنه قد ترك الناس على الواضحة أو المحجة البيضاء
! ! أفلا تغني سنة الرسول عن سنة الخلفاء ! ! وما هو
الناقص في سنة الرسول حتى يكملوه من سنة الخلفاء ! ! !
فإذا قولوا بأن سنة الرسول ناقصة وغير كافية فقد كفروا
وإن اعترفوا بكمال الدين وتمام النعمة الإلهية ، فقد
أقروا على أنفسهم بأن سنة الخلفاء غير لازمة ولا معنى
لوجودها ! ! ! إلا إذا اعتقدوا أن في كتاب الله وسنة
رسوله ، أمورا غير مناسبة ! ! وقدروا أن سنة الخلفاء
تتضمن حلولا أنسب ! ! وذلك هو الكفر بعينه ! !
وإصرارهم على أن للخلفاء سنة بالرغم من وجود كتاب الله
وسنة رسوله يؤكد تأكيدا قاطعا على اشتمال سنة الخلفاء
لأحكام ليست موجودة لا في كتاب الله ولا في سنة رسوله
، كما يؤكد على أن سنة الخلفاء قد عمل فيها بأمور
معينة ، وأهملت الأحكام التي عالجت هذه الأمور
والواردة في كتاب الله وسنة رسوله وعلى سبيل المثال فإن الرسول كان يقسم المال بين الناس بالسوية ، لا
يفضل في ذلك مهاجريا على أنصاري ، ولا عربيا على عجمي
، ولا مولى على صريح لأن
حاجات أبناء البشر متشابهة وتلك أمور تدرك بالعقل
والفطرة ، فجميع أبناء البشر يأكلون ويشربون ويتزاوجون
، ثم إن الرسول لا ينطق عن الهوى بل يتبع ما يوحى إليه
من ربه ، فلا بد من أن يتلقى التوجيه الإلهي بأمر بهذه
الخطورة ، وطوال عهده الشريف كان يقسم بين الناس
بالسوية حتى أصبح عمل الرسول وسنة فعلية وقولية معا !
!
لما استولوا على منصب الخلافة التزم أبو بكر بسنة
رسول الله ، فقسم المال بين الناس بالسوية ، ولما تولى
عمر الخلافة رأى أن سنة الرسول التي تقسم بين الناس
بالسوية ليست مناسبة ، لذلك أوجد سنة بديلة مناقضة
تماما لسنة الرسول وقائمة على أساس التفاضل بين الناس
فلا يعقل حسب سنة عمر أن يعطى المهاجر مثل الأنصاري ،
ولا العربي مثل العجمي ولا . . . الخ ، لذلك اخترع
للناس منازل من عنده ، وفضل المهاجرين على الأنصار ،
وقريشا على العرب ، والعرب على العجم ، وأعطى زوجات
الرسول عطاء خاصا يفوق حد التصور والتصديق ، وزائدا عن
حاجة كل واحدة منهن ! ! بل إنه لم يساو في العطاء بين
زوجات الرسول ، فأعطى عائشة وحفصة أكثر من باقي أزواج
الرسول " ( 1 )
وفرض هذه السنة على الناس ، بعد أن
ألغى سنة الرسول . وهكذا وجد في المجتمع سنتان ، سنة
عمر المعمول بها والقائمة على التمييز بين الناس في
العطاء ، وسنة الرسول التي أهملت والقائمة على التسوية
بالعطاء ، فمن المحال عقلا تطبيق سنة الرسول وسنة عمر
في المجتمع نفسه ، وبالضرورة يجب أن تلغي إحداهما
الأخرى ، فإما أن يعمل بسنة الرسول وتهمل سنة عمر ،
وإما أن يعمل بسنة عمر وتهمل سنة الرسول ! ! ! لقد
اختار عمر الحل الأخير فأهمل سنة رسول الله ، وأعمل
بسنته ! !
ونتيجة هذه السنة الجديدة أشعل عمر دون أن
يدري نار الصراع بين ربيعة ومضر وبين الأوس والخزرج
وبين العرب والعجم ، وبين الصريح
| |
( 1 )
تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 106 - 107 ، وشرح النهج ج 8 ص
111 . (
* ) |
|
|
والمولى ، ووضع حجر الأساس للنظام الطبقي ، فوجد في
المجتمع من يملك الملايين ، ووجد من يموت من الجوع
لأنه لا يجد ثمن رغيف العيش وظلت النار التي أشعلها
عمر تشتد وتكبر حتى التهمت المجتمع الإسلامي كله ،
وأفقدته صوابه ، وعجلت بتآكله الداخلي ونهايته ! ! !
وبعد تسع سنين من إهماله لسنة رسول الله وإعماله لسنته
، وبعد أن شاهد بعض الآثار المدمرة لتطبيق سنته وإهمال
سنة الرسول صرح عمر قائلا " إن عشت هذه السنة ساويت
بين الناس فلم أفضل أحمر على أسود ، ولا عربيا على
عجمي وصنعت كما صنع رسول الله وأبو بكر " ( 1 ) ! !
وهذا يعني أن عمر عندما ألغى سنة الرسول القائمة على
التسوية بالعطاء كان يعلم علم اليقين بأنه يلغي سنة
لرسول الله ، وأن صاحبه أبا بكر قد اتبعها ومع هذا
ألغاها مع سبق الإصرار ، ووضع بدلا منها سنة جديدة
مناقضة تماما لسنة الرسول ، وبعد أن طبق عمر سنته
الجديدة وأهمل سنة الرسول طوال تسع سنوات فكر بإعادة
الأمور إلى سابق عهدها ، قائلا : " إن عشت هذه السنة
ساويت بين الناس . . . وصنعت كما صنع رسول الله وأبو
بكر " ( 2 )
ومات عمر والناس على سنته وبقيت سنة الله
مهملة ، وسنة عمر هي النافذة ، وصار الخلفاء يتحكمون
بالناس عن طريق التلاعب بتوزيع العطاء ! ! ونسوق مثلا
آخر في المجال الاقتصادي وهو سهم ذوي القربى ، فسنة
الرسول قد استقرت طوال عهده المبارك بإعطاء خمس الخمس
لذوي القربى وهم بنو هاشم الذكر منهم والأنثى وبنو
المطلب ( 3 ) بالإضافة إلى يتيم
| |
( 1 )
تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 7 ، وشرح النهج
ج 1 ص 111 ،
وتاريخ الطبري ج 5 ص 22 وكتابنا
المواجهة ص 266 و 267
.
( 2 ) راجع تاريخ الطبري ص 22 سيرة عمر باب حملة
الدرة .
( 3 ) سنن أبي داود ج 2 ص 50 ، وتفسير الطبري
ج 1 ص 50 ، ومسند أحمد ج 4 ص 81 ، والمغازي للواقدي
غزوة خيبر
. ( * ) |
|
|
الهاشميين ومسكينهم وابن سبيلهم ، والحكمة من هذا
التشريع كانت إبراز التميز لذوي القربى وسد حاجاتهم
لأن الصدقة محرمة عليهم ( 1 ) .
عندما تولى أبو بكر
الخلافة حرمهم من هذا السهم بحجة أن هذا السهم كان لهم
حال حياة النبي فقط ، وليس لهم بعد مماته ( 2 ) ،
وعندما تولى عمر الخلافة ، حرمهم من هذا السهم أيضا
ولكن بحجة أن قريشا كلها قرابة " أو ذوي قربى ( 3 )
للنبي وفي ما بعد بررت هذه الأعمال بأنها اجتهاد ( 4 )
.
أنت تلاحظ أن الخليفتين لم يعملا بسنة الرسول
القائمة على إعطاء 1 / 5 الخمس لذوي القربى ، ووضعا
سنة جديدة لها نتائج مختلفة عن نتائج سنة الرسول ، وأن
سنة الرسول المتعلقة بهذا الموضوع قد أهملت بينما
أعملت سنة أبي بكر وعمر ! ! ! وهذا معنى إصرارهم على
ربط سنة أبي بكر وعمر مع كتاب الله وسنة رسوله ، فكتاب
الله وسنة رسوله لا يغنيان عن سنة أبي بكر وعمر ، فلو
فصلوا سنة أبي بكر وعمر واكتفوا بكتاب الله وسنة رسوله
لوجب وزن أعمال الخليفتين بميزان القرآن والسنة ، وليس
من المستبعد إدانتها وفقا لهذا الميزان الشرعي ، وإن
أدينا فقد أدين من ساعدهما ، وهكذا تقع الكارثة فلا
ينبغي حسب قناعة أولياء الخلفاء أن يسأل الإنسان عن أي شئ ، لأن كل شئ قد فعلوه لحكمة ، فهما هاديان مهديان !
!
| |
( 1 )
صحيح مسلم ج 3 ص 12 ، وصحيح
البخاري ج 1 ص 181 ، وصحيح مسلم ج 3 ص 117 ، وسنن أبي
داود ج 1 ص 212 ، وسنن الدارمي ج 1 ص 383 ، وكتابنا
المواجهة ص 268 .
( 2 ) شرح النهج ج 4 ص 81 نقلا عن
الجوهري ، وتاريخ الإسلام للذهبي ج 1 ص 347 ، وكنز
العمال ج 5 ص 367 .
( 3 ) تفسير الطبري ج 10 ص 5 ،
والأموال لأبي عبيد ص 233 .
( 4 ) شرح التجريد للقوشجي
ص 408 .
( * ) |
|
|
والخلاصة أن حديث " فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء
الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ " حديث مختلق
وغير صحيح ، وموضوع لأن الخلفاء الراشدين أنفسهم لم
يدعوا العصمة ، ولم يدعوا بأن كل ما صدر منهم كله صحيح
، بل اعترفوا بأن الكثير من أفعالهم وأقوالهم كانت
خاطئة تماما وأظهروا الندم ، ورجعوا عنها لأنهم
اكتشفوا بأنها مخالفة لكتاب الله وسنة رسوله ، وقد
سقنا في هذا الكتاب مئات الأمثلة على ذلك ! !
ثم إنه
لم يقل أي واحد من الخلفاء الثلاثة عن نفسه بأنه هادي
ومهدي وراشد ، ولا ادعى أي واحد منهم بأن الرسول قد
قال له مثل هذا القول ، وهذا تأكيد قاطع بأن أولياءهم
هم الذين اخترعوا هذه الفضائل في ما بعد ! !
ثم إنه من
المستحيل عقلا وشرعا أن يعطي الرسول لسنته وسنة
الخلفاء القيمة نفسها ، فالرسول مدعوم إليها بالوحي ،
ومعصوم عن الوقوع في الزلل ، والخلفاء مجتمعون
ومنفردون لم يدعوا بأنه كان يوحى إليهم ، أو أنهم
كانوا من المعصومين ! !
ثم إنه من المستحيل فنيا أن
يكون في المجتمع الواحد أكثر من جهة تشريعية وإلا وقع
التناقض في الأحكام التي تطرح للتطبيق ! !
ثم إن
الرسول لم يحدد من هم الخلفاء الراشدون - تاريخيا - ،
وتعرضت قائمة الخلافة الراشدة للتبديل والتعديل ،
فكانوا في البداية اثنين هما أبو بكر وعمر ونتيجة حكم
بني أمية وتأثيرهم أضيف لهما عثمان ، وبعد التسوية ،
قام بعض علماء دولة الخلفاء بإدخال الإمام علي مع هذه
القائمة ، الإمام نفسه الذي كانوا " يلعنونه بالأمس "
وأكبر الظن بأنهم قد أدخلوا الإمام بهذه القائمة
لغايات تجميلها وإلباسها ثوب الشرعية ، والحصول على
تأييد أهل بيت النبوة لهذه القائمة ويقينا بأن هذا
الحديث مختلق ، وقد وضعته الطواقم التي أنشأها معاوية
بن أبي سفيان لافتعال الفضائل لا حبا بالخلفاء ، ولكن
طمعا بتمييع النصوص الشرعية
الواردة في الإمام علي خاصة وأهل بيت النبوة عامة ،
وتضييع هذه النصوص ، وسط محيط الفضائل التي اختلقتها طواقمه " فلا تدعوا فضلا يرويه أحد من المسلمين في أبي
تراب وأهل بيته إلا وتأتوني بمناقض له في الصحابة " (
1 ) فكل الفضائل التي روتها طواقم معاوية مفتعلة كما
يقول ابن نفطويه ، والغاية منها إرغام أنوف أهل بيت
النبوة وبني هاشم ، ومع هذا فقد أمر معاوية رعيته بحفظ
هذه المفتعلات ، ولما أفرجوا عن منع كتابة ورواية
أحاديث الرسول وجد علماء السنة هذه الروايات كوثائق من
وثائق دولة الخلافة ، فنقلوها كما هي .
فالحديث واحد
من تلك المرويات المفتعلة ، وقد اتفق مع هوى أولياء
دولة الخلافة ، فطاروا به كل مطار . فيبقى السند
الوحيد لسنة أبي بكر وعمر ، أو سنة الخلفاء هو التأييد
الشرعي الجارف لهما ، ولا سند لهذه السنة لا من كتاب
الله ولا من سنة رسول الله ولا من العقل ! ! ! لأن
كتاب الله وسنة رسوله يغنيان عن سنة أبي بكر وعمر
وسائر الخلفاء كما حللنا وأثبتنا ذلك . ويدعي البعض أن
هنالك سندا شرعيا آخر لسنة أبي بكر وعمر أو سنة
الخلفاء وهو الإجماع ! ! ! بمعنى أن الخلفاء سنوا
سننهم على مسمع ومرأى من الصحابة الكرام ، فلو كانت
سنن الخلفاء غير مناسبة لاعترض عنها الصحابة الكرام ،
فسكوت الصحابة عنها هو بمثابة إجماع على شرعيتها ! !
ولكن هذا الكلام غير صحيح واقعيا وشرعيا ، أما من
الناحية الواقعية فقد كان القول الفصل للخليفة وعماله
وأعوانه ، فقد أشار الصحابة جميعا على عمر بكتابة سنة
الرسول وتدوينها ، ولكن عمر ترك إجماع الصحابة وعمل
برأيه الخاص ! ! فأحرق سنة الرسول المكتوبة والتي أشار
عليه الصحابة جميعا بجمعها وتدوينها ! ! ثم إن الإجماع
لم يتحقق ولو في يوم من الأيام ،
| |
( 1 )
شرح النهج ج 3 ص 595 - 596 تحقيق حسن تميم
. ( * ) |
|
|
فأهل بيت النبوة والقلة المؤمنة كانوا خارج هذه
الإجماع ، فاعترضوا علنا على سنة الخلفاء ، وطعنوا
بشرعيتها ، بل اعترضوا على شرعية تنصيب الخلفاء ،
فقالوا إن الخلافة حق شرعي خالص لهم ، وإن الخلفاء قد
غصبوا هذا الحق من أهله ! فما هو شرعية إجماع أهل بيت
النبوة ليسوا فيه ! ! !
ثم إن هنالك مناخا من الرعب
والإرهاب لا مثيل له ، فلا يستطيع أحد أن يعترض
الخليفة أو أعوانه إلا في الحدود التي رسمها الخلفاء
وأعوانهم ، ولا يستطيع أحد أن يقول الحقيقة ، لأن قول
الحقيقة يعني الموت ، أو مواجهة خاسرة مع دولة كبرى ،
أو قطع العطاء ، أو الحرمان من كافة الحقوق والعزل
الاجتماعي وقد رأينا ما قاله حذيفة " لو كنت على شاطئ
نهر وقد مددت يدي لاغترف ، فحدثتكم بكل ما أعلم ما
وصلت يدي إلى فمي حتى أقتل " ( 1 ) وحذيفة من كبار
الصحابة وليس رجلا عاديا ، ومع هذا فإن الموت ينتظره
إن كشف شيئا من الحقيقة ! !
فانظر إلى قول أبي هريرة "
حفظت من رسول الله وعاءين أما أحدهما فبثثته ، وأما
الآخر فلو بثثته قطع هذا البلعوم " ( 2 ) ثم انظر إلى
قول آخر لأبي هريرة " إني لأحدث أحاديثا عن رسول الله
تكلمت بها زمن عمر لشج رأسي " ( 3 ) ولا أحد يدري ما
جرى للصحابي الكبير أبي بن كعب ، يوم حل الصمت فقال :
" لأقولن قولا لا أبالي استحييتموني عليه أو قتلتموني
" ( 4 ) وترقب الناس الموعد الذي حدده هذا الصحابي
الكبير لكشف الحقائق ، وفجأة بلغ الناس موته ، فحمدوا
الله أن سترهم ! ( 5 )
أنت تلاحظ أن منية هذا الصحابي
الجليل ما دنت إلا يوم هدد بكشف الحقائق ، ولو لم يهدد
لعاش طويلا ! ! !
| |
( 1 )
كنز العمال ج 13
ص 345 نقلا عن ابن عساكر .
( 2 ) صحيح البخاري ج 1 ص
34 .
( 3 ) البداية والنهاية لابن كثير ج 8 ص 107 .
(
4 ) الطبقات الكبرى لابن سعد ج 3 ص 501 ، والحاكم
باختصار ج 2 ص 329 وج 3 ص 303 .
( 5 ) المسترشد لابن
جرير الطبري ومعالم التفسير ج 1 ص
57 . ( * ) |
|
|
هذا هو المناخ الواقعي الذي يدعون حدوث الإجماع فيه
! ! !
أما من الناحية الشرعية فإن الإجماع ، لا يضع
حكما شرعيا ، ولا يمكنه أن يعدل حكما شرعيا ، يمكنه أن
يؤكد أو يكشف عن حكم شرعي سابق ثم إن الإجماع بطريقة
القوم ليس شرعيا ولا معقولا ، فبعد فتح مكة ودخول
العرب في دين الله أفواجا واستسلام أعداء الله
السابقين ، أصبح المؤمنون قلة وسط أكثرية حديثة العهد
بالإسلام ، فماذا يكون الموقف لو أن هذه الأكثرية
الساحقة قد أجمعت على الاعتراف بالنبوة ، والالتزام
بالإسلام ، ولكنها رأت من المناسب أن تسند القيادة
لأبي سفيان بدلا من الرسول ، أو إباحة الخمر ، أو
اعتبار الطلاق طلقة واحدة بدلا من طلقتين ، أو إباحة
الزواج بخمس نساء بدلا من أربعة ، فلو جرى تصويت على
ذلك ، لما قدمت القلة المؤمنة ولا أخرت ولكان الفوز
الساحق من نصيب الأكثرية ! ! ولهزمت الأقلية المؤمنة
هزيمة ساحقة بهذه الانتخابات ، فالإجماع والكثرة
والقلة لها موازين شرعية تحكمها ويجهلها القوم .
والخلاصة أن دعوى الإجماع على صحة سنة الخلفاء غير
واردة وغير صحيحة ، ولا تشكل سندا شرعيا لهذه السنة !
!
|