الرسول الجاهل ويتمز عليه عمر بن الخطاب

 

 

- دفاع عن الرسول ضد الفقهاء والمحدثين - صالح الورداني ص 245 :

الرسول الجاهل : الرسول يفر من الوحي ويفتي بلا علم ويحتال عليه الناس . ويتميز عليه عمر . .
 

تكتظ كتب السنن بعشرات الروايات التي تصف الرسول ( ص ) بالجهل وتشكك في قدراته على القيام بدوره كنبي مرسل . . وكالعادة بارك الفقهاء هذه الروايات وقاموا بتبريرها وتأويلها دون أن ينتبهوا إلى خطورتها ومساسها بشخص الرسول . .

ولقد تمادى الفقهاء في موقفهم فباركوا روايات ترفع مقام عمر فوق مقام الرسول وتدخله مقام النبوة وتجعله مشاركا للرسول في أمر الوحي ولقد جمعنا في هذا الباب الكثير من الروايات المتناثرة في كتب السنن والتي تصلح كل رواية منها ليقوم عليها

بابا خاصا بها . لكننا ألحقناها بالباب لقرب موضوعها من موضوعه وتجنبا للإطالة وتيسيرا للقارئ . .


وبين الروايات المتعلقة بالرسول والروايات المتعلقة بعمر نقف في دهشة وضجر من هؤلاء الفقهاء الذين هان عليهم رسولهم إلى هذا الحد . .

 - الرسول والوحي : بدا القوم بتجهيل الرسول ( ص ) مع أول خطوة خطاها على طريق البعثة والرسالة في مكة . .

تروي عائشة أن الرسول ( ص ) كان يخلوا بغار حراء يتعبد فيه الليالي ذوات العدد . وأن الملك جاءه فقال اقرأ .
قال : " ما أنا بقارئ " . فأخذه فغطه حتى بلغ منه الجهد ثم أرسله فقال : اقرأ . قال : " ما أنا بقارئ " . فأخذه فغطه ثانية

حتى بلغ منه الجهد ثم أرسله فقال : اقرأ . قال : " ما أنا بقارئ " . فأخذه فغطه الثالثة ثم أرسله فقال : ( اقرأ باسم ربك
الذي خلق . خلق الإنسان من علق . اقرأ وربك الأكرم
) . فرجع بها الرسول يرجف فؤاد ودخل على خديجة

قائلا : " زملوني زملوني " . فزملوه حتى ذهب منه الروع . واخبر خديجة بالخبر وقال : " لقد خشيت على نفسي " . . فأخذته خديجة على ورقة بن نوفل وكان على دين النصرانية . .
 

ص 246

فقال له ورقة : هذا الناموس الذي نزل الله على موسى . . ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك . فقال الرسول : " أو مخرجي هم " ؟ قال : نعم لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي ( 1 ) . .

ونخرج من هذه الرواية بالنتائج التالية :

 أولا : أن هناك شط يحيط بربط هذه الرواية بعائشة . إذ أن حدث نزول الوحي على الرسول كان قبل ولادتها حسب الروايات التي تقول أنها ولدت في السنة الثانية أو الرابعة أو الخامسة . . وحتى تثبت لنا صحة هذه الرواية فيجب على

القوم أن يعترفوا أن عمر عائشة هو أكبر بكثير مما يذكرون لكي يثبت لنا صحة معايشتها لهذا الحدث وهذا هو الأرجح وإلا تصبح هذه الرواية على كف عفريت . .


 ثانيا : أن الرسول ( ص ) كان يتعبد بغار حراء من قبل البعثة وهذه إشارة إلى كونه كان معدا لاستقبال الوحي . فمن ثم فإن ظهوره له لم يكن مفاجأة وبالتالي فليس هناك مبرر للخوف منه . .


 ثالثا : إن تبني مثل هذه الرؤية التي تنص على خوف الرسول وفزعه من جبريل إنما ينبع من عقيدة الرواة والفقهاء في كون الرسول غير معصوم قبل البعثة فهذه الرؤية تجرد الرسول من خاصية الوعي والعلم بما يتعلق بالوحي والرسالة قبل البعثة وهو ما تؤكد النصوص التالية من الرواية . .


 رابعا : إن ما يدحض هذا التصور هو تعبد الرسول الدائم في غار حراء وهو ما تؤكده الرواية - قبل بعثته . فعلى أساس أي دين كان يتعبد ؟ ومن أين له العلم بهذا . . ؟


 خامسا : إن القوم يتداولون رواية تقول على لسان الرسول ( ص ) : " إني لأعرف حجرا بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث إني لأعرفه الآن " ( 2 ) . .

 

* ( هامش ) *
( 1 ) البخاري كتاب بدء الوحي . ومسلم كتاب الإيمان . . ( 2 ) مسلم كتاب الفضائل . . ( * )

 

 

ص 247

وهذه الرواية تعطينا دلالة قاطعة أن الرسول كان في حفظ الله ورعايته من قبل أن يوحى إليه . .

 سادسا : إن جبريل قام بتعذيب الرسول وإكراهه على القراءة . وهذا سلوك غير معقول من رسل الله سبحانه ولا يجوز نسبته لجبريل ( ع ) . .
 

 سابعا : إن ذهاب الرسول لورقة النصراني ليستفتيه يشم منه رائحة الطعن والتشويه لشخص الرسول ودعوته وكأنه يشير إلى وجود صلة بين ما جاء به الرسول وبين النصارى . .
 

 ثامنا : إن الرسول لم يكن يعلم شيئا عن أبعاد الدعوة التي أوحى إليه بها ونتائجها المستقبلية . وإن ورقة هو الذي نبهه إلى هذا . وهو يقود إلى نفس النتيجة السابقة . .

ومن خلال هذا كله يمكننا الحكم ببطلان هذه الرواية وعدم صحة نسبتها للرسول ( ص ) فإن نسبتها له يعني اتهامه بالجهل . وهذا الاتهام يقودنا إلى الطعن في الرسالة . وبالتالي فنحن نضحي بالرواية وبالرجال الذين أكدوها في مقابل الحفاظ على الصورة السامية للرسول والذي هو يعد حفاظا على الدين الذي جاء به . .


ويروى عن الرسول ( ص ) قوله : " بينا أنا أمشي إذ سمعت صوتا من السماء فرفعت بصري فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض فرعبت منه . فرجعت فقلت زملوني " ( 1 ) . .

وهذه الرواية تعد امتدادا للرواية السابقة التي تؤكد جهل الرسول بأمر الوحي والذعر منه والفرار من أمامه . إلا أن الجديد في هذه الرواية هو ظهور جبريل أمام الرسول جالس على كرسي بين السماء والأرض وهو كلام لا معنى له ولا صلة له

بالأمر وهو على ما يبدو من اختلاق خيال الراوي . . فهل ظهر جبريل لمجرد إخافة الرسول فقط . أم جاء إليه بكلام الله ؟

 

* ( هامش ) *
( 1 ) مسلم كتاب الإيمان . والبخاري كتاب بدء الوحي . . ( * )

 

 

ص 248

وكيف سوف يوصل إليه هذا الكلام ما دام قد فر منه . . ؟

ويروى عن الرسول ( ص ) قوله : " فرج عن سقف بيتي وأنا بمكة فنزل جبريل ففرج عن صدري ثم غسله بماء زمزم . ثم جاء بطست من ذهب ممتلئ حكمة وإيمانا فأفرغه في صدري ثم أطبقه " ( 1 ) . .

وفي رواية أخرى : " بينا أنا عند البيت بين النائم واليقظان بين رجلين . فأتيت بطست من ذهب ملئ حكمة وإيمانا . فشق من النحر إلى مرافق البطن ثم غسل البطن بماء زمزم . ثم ملئ حكمة وإيمانا " ( 2 ) . .

وفي رواية ثالثة : إن رسول الله ( ص ) أتاه جبريل وهو يلعب مع الغلمان فأخذه فصرع فشق عن قلبه فاستخرج القلب فاستخرج منه عقلة . قال : هذا حظ الشيطان منك . ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم ثم لأمه . ثم أعاده في مكانه
( 3 )
. .

ويروى : " أوتيت فانطلقوا بي إلى زمزم فشرح عن صدري ثم غسل بماء زمزم ثم أنزلت " ( 4 ) . .

ويظهر لنا من خلال هذه الروايات الأربعة التي تدور حول حدث محدد وهو شق قلب الرسول . أنها روايات متناقضة وتضرب بعضها بعضا . .

ففي الرواية الأولى وقع الحدث في بيت الرسول وبعد البعثة . .

وفي الرواية الثانية وقع الحدث في البيت الحرام وبعد البعثة . .

وفي الرواية الثالثة وقع الحدث في طفولة الرسول وبالخلاء . .

وفي الرواية الرابعة لم يتحدد المكان . . وهذا وحده كاف للشك وتبرير رفضها . . وإذا قدر لنا التسليم بصحتها فأي الروايات سوف نختار .

 

* ( هامش ) *
( 1 ) البخاري كتاب الصلاة . ومسلم كتاب الإيمان . . ( 2 ) البخاري كتاب بدء الخلق ومسلم كتاب الإيمان .
( 3 )
مسلم كتاب الإيمان . ( 4 ) المرجع السابق . . ( * )

 

 

ص 249

وعلى أي أساس سوف يتم هذا الاختيار ؟ أما فيما يتعلق بموضوع الرواية فهو أمر مناف للعقل ويصطدم بعصمة النبي التي هي في الأساس مسألة معنوية لا مادية كما تحاول تأكيد ذلك الروايات . . إن مثل هذه الروايات تشبه إلى حد كبير تلك

الروايات المنتشرة في التوراة والإنجيل حول الأنبياء والأحبار والرهبان ومن جهة أخرى فإن هذه الروايات تحاول تأكيد
فكرة جهل الرسول وافتقاده الرصيد العلمي قبل البعثة وحتى بعدها . . وبدلا من أن يعمل الفقهاء عقولهم في هذه الروايات

والنظر في أمر قبولها قاموا بإخضاع النص القرآني لهذه الروايات . بتفسير قوله تعالى ( ألم نشرح لك صدرك ) على ضوء هذه الروايات ( 1 ) . .


 - عمر والرسول : إن قمة تجهيل الرسول ( ص ) وامتهانه تتجلى لنا في تلك الروايات التي يتداولها القوم والتي يطلقون عليها موافقات عمر أي موافقته للوحي . .

يروى عن عبد الله بن عمر قال : قال أبيه : وافقت ربي في ثلاث : في مقام إبراهيم . وفي الحجاب . وفي أساري بدر ( 2 ) . .

وفي رواية أخرى : وافقت ربي في ثلاث . فقلت : يا رسول الله لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى . فنزلت ( واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ) وآية الحجاب . قلت : يا رسول الله : لو أمرت نساءك أن يحتجبن فإنه يكلمهن البر والفاجر . فنزلت

آية الحجاب . واجتمع نساء النبي ( ص ) في الغيرة عليه فقلت لهن عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن . فنزلت هذه الآية ( 3 ) . . 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) أنظر تفسير ابن كثير والآلوسي والخازن وغيرهم . . ( 2 ) مسلم . كتاب فضائل الصحابة . . ( 3 ) البخاري . كتاب الصلاة . . ( * )

 

 

ص 250

ويروى عن ابن عمر قال : لما توفى عبد الله بن أبي بن سلول جاء ابنه عبد الله إلى رسول الله ( ص ) فسأله أن يعطيه قميصه أن يكفن فيه أباه . فأعطاه . ثم سأله أن يصلي عليه . فقام رسول الله ليصلي عليه . فقام عمر فأخذ بثوب رسول الله .

فقال يا رسول الله أتصلي عليه وقد نهاك الله أن تصلي عليه . فقال رسول الله : " إنما خيرني الله فقال استغفر لهم أو لا تستغفر لهم أن تستغفر لهم سبعين مرة وسأزيد على سبعين " . قال عمر : إنه منافق . فصلى عليه رسول الله وأنزل الله

عز وجل ( ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره ) ( 1 ) . .


قال الفقهاء : قوله وافقت ربي . قال الطيبي ما أحسن هذه العبارة وما ألطفها حيث راعى الأدب الحسن ولم يقل وافقني ربي مع أن الآيات إنما أنزلت موافقة لرأيه واجتهاده . ولعله أشار بقوله هذا أن فعله حادث لا حق وقضاء ربه قديم سابق .


وقال ابن حجر العسقلاني : ليس في تخصيص الثلاث ما ينفي الزيادة لأنه حصلت له الموافقة في أشياء من مشهورها قصة أساري بدر وقصة الصلاة على المنافقين وأكثر ما وفقنا منها بالتعيين خمسة عشر . قال صاحب الرياض : منها تسع لفظيات وأربع معنويات واثنتان في التورية ( 2 ) . .

ويقول : والمعني وافقني ربي فأنزل القرآن علي وفق ما رأيت . ولكن لرعاية الأدب أسند الموافقة إلى نفسه ( 3 ) . .


وقال السيوطي : قد أوصلها بعضهم إلى أكثر من عشرين . أي عشرين موافقه . ونقل عن مجاهد قوله : كان عمر يرى الرأي فينزل به القرآن . وعن ابن عمر قوله : ما قال الناس في شئ وقال فيه عمر إلا جاء القرآن بنحو ما يقول عمر .


وفي تحريم الخمر قال عمر : اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا فأنزل الله تحريمها .

وفي نزول قوله تعالى ( ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ) قال عمر : فتبارك الله أحسن الخالقين . فنزلت ( فتبارك الله أحسن الخالقين ) .

 

* ( هامش ) *
( 1 ) مسلم كتاب الصحابة . والبخاري كتاب التفسير . . ( 2 ) مسلم . هامش باب فضل عمر . . ( 3 ) فتح الباري ج 8 . ( * )

 

 

ص 251

ونقل عن كعب الأحبار قوله : ويل لملك الأرض من ملك السماء . فقال عمر : إلا من حاسب نفسه . قال كعب : والذي نفسي بيده أنها لفي التوراة لتابعتها . فخر عمر ساجدا . ونقل أن بلالا كان يقول إذا أذن : أشهد أن لا إله إلا الله حي على الصلاة . فقال عمر : قل في أثرها : أشهد أن محمد رسول الله . فقال رسول الله ( ص ) : قل كما قال عمر ( 1 ) . .


ونقل الترمذي عن ابن عمر قوله : ما نزل بالناس أمر قط فقالوا فيه . وقال فيه عمر إلا نزل القرآن فيه على نحو ما قال عمر ( 2 ) . .

ونقل ابن حجر الهيثمي لعمر سبعة عشر موافقة للكتاب والسنة والتوراة ( 3 ) . .


إن أدنى تفكر في هذه النصوص يقودنا إلى الحكم ببطلانها وضلال معتنقيها فإن تبني مثل هذه الروايات يحط من قدر الرسول ويشكك في دوره كما يشكك في الوحي ويدخله في دائرة البعث .

وإن تبني الفقهاء لمثل هذه الروايات يكشف لنا مدى حجم الجريمة الشنعاء التي ارتكبوها في حق الرسول ( ص ) . وهو ما يتضح بجلاء عند مناقشة هذه الروايات وتبين نتائجها ومدلولاتها . .
 

وأول ما تؤكده هذه الروايات هو مشاركة عمر للرسول في أمر الوحي وهذا ضلال بعيد . وهو كفر لا محالة .

إذ أن الرسول هو المختار من قبل الله تعالى وهو الملهم والمسدد وفوق هذا هو مبلغ ومبين ولا يعلم الغيب ولا يتنبأ إلا وفق ما يوحى إليه . هذه هي صورة الرسول كما يرسمها القرآن .


أما هذه الروايات فترسم لعمر صورة أخرى فوق صورة الرسول فهي تؤكد جهل الرسول وإهماله شؤون الدين وتنبه عمر لذلك ثم موافقة الوحي ونزوله مناصرا لرأي عمر .

 

* ( هامش ) *
( 1 ) تاريخ الخلفاء . ترجمة عمر . فصل موافقات عمر . . ( 2 ) فتح الباري ج 1 . .
( 3 )
الصواعق المحرقة في الرد على أهل البدع والزندقة . فصل خلافة عمر . ( * )

 

 

ص 252

ألا يعني هذا مهانة للرسول وحط من قدره وتشكيك في رسالته ؟ أليس هذا يصطدم بدور الرسول ومهمته . . ؟

وثاني نتيجة تظهر لنا من خلال هذه الروايات هي تخبط الرواة وتناقضهم . فتارة ينسبون لعمر ثلاث موافقات هي ما يتعلق بمقام إبراهيم وما يتعلق بالحجاب وما يتعلق بأساري بدر . . وتارة ينسبون إليه ما يتعلق بطلاق نسوة النبي بدلا مما يتعلق

بأساري بدر . وينسبون إليه قصة الصلاة على زعيم المنافقين وغير هذه الموافقات الأربعة هي محل خلاف بين المحدثين والفقهاء وإجماعهم هو على هذه الأربعة لكونها رويت في البخاري ومسلم أما بقية الموافقات فرويت في كتب السنن الأخرى التي أجاز القوم الخوض في رواياتها . .


ولقد حكم السيوطي وابن حجر الهيثمي بضعف رواية موافقة عمر للآذان التي تنسب إليه إضافة محمد رسول الله في الآذان . ومع ذلك استدلا بها واعتمدا عليها في البرهنة على موافقاته ( 1 ) . . وإذا كان الفقهاء يشككون في مثل هذه الروايات التي تسند إلى عمر هذه الموافقات فكيف لهم أن يسندوا إليه موافقته للتوراة .

هل يعني هذا أن التوراة مصدرا موثوقا عندهم . . ؟

أم أن الرواية من الإسرائيليات . . ؟

وما الذي يجعل عمر يخر ساجدا لله لما وجد قوله موافقا لنص التوراة ؟

هل التوراة محل صدق لديه ؟

أم لم تعد موافقاته للقرآن تكفيه . . ؟

والرواة لم يتحفونا برواية تثبت لنا سجود عمر لله حين نزل القرآن موافقا لرأيه . فقط أتحفونا بسجوده لموافقة التوراة له . .

 

* ( هامش ) *
( 1 ) أنظر تاريخ الخلفاء والصواعق المحرقة . . ( * )

 

 

ص 253

فأي عقل يحتمل هذا الهراء . . ؟

وليتأمل القارئ قول عمر للرسول ( ص ) : " لو أمرت نساءك أن يحتجبن فإنه يكلمهن البر والفاجر . . ؟

هل هذه لغة يخاطب بها الرسول ؟ ألا يعني هذا الكلام مساسا ببيت النبي ونساءه . . ؟

لنترك الروايات تتحدث . .

يروى عن عائشة قولها : إن أزواج النبي ( ص ) كن يخرجن بالليل إذا تبرزن إلى المناصع وهو صعيد أفيح . وكان عمر يقول لرسول الله : أحجب نساءك فلم يكن رسول الله يفعل . فخرجت سودة بنت زمعة زوج النبي ليلة من الليالي عشاءا وكانت امرأة طويلة فناداها عمر ألا فقد عرفناك يا سودة . حرصا على أن ينزل الحجاب . قالت عائشة : فأنزل الله
الحجاب ( 1 ) . .
 

وفي رواية أخرى : والله ما تخفين علينا فانظري كيف تخرجين . فرجعت سودة وأخبرت النبي بقول عمر ( 2 ) . . قال ابن حجر : والحاصل أن عمر وقع في قلبه نفرة من اطلاع الأجانب على الحريم النبوي حتى صرح بقوله له ( ص ) أحجب نساءك ؟ وأكد ذلك إلى أن نزلت آية الحجاب ( 3 ) . .


وقال القسطلاني : فيه - أي في هذه الرواية - منقبة عظيمة ظاهرة لعمر . وفيه تنبيه أهل الفضل والكبار على مصالحهم ونصيحتهم وتكرار ذلك ( 4 ) . .

ومن خلال هذه الرواية وأقوال الفقهاء حولها يتضح لنا مدى مهانة الرسول في نظر القوم . وبدا وكان عمر أهم من الرسول

 

* ( هامش ) *
( 1 ) مسلم . كتاب الإسلام . ( 2 ) المرجع السابق . . ( 3 ) فتح الباري ج 8 . .
( 4 )
مسلم . كتاب السلام . باب إباحة الخروج للنساء . . ( * )

 

 

ص 254

إن الرواية كمضمون ليست في صالح عمر كما أنها لا تشير إلى نزول آية الحجاب موافقة لموقفه . فسلكوه كما تشير الرواية يتجاوز حدود الأدب مع نساء النبي . فهو يعترض طريقهن ليلا ويؤذيهن بلسانه . . ويهددهن مما يبرهن على أن موقفه لا ينم عن علم أو وعي بقدر ما يبرهن عن سلوك غير متحضر . .


والرواية من جانب آخر تحط من قدر الرسول وتصور مر كموجه له يذكر بإهماله نساءه وترك الحبل لهن على الغارب بينما الرسول لا يعبأ بنصحه وجاء الفقهاء بتأويلاتهم وتبريراتهم ليؤكدوا هذا السلوك المشين من قبل عمر ويؤكدوا مهانة الرسول وجهله وإهماله وتفوق عمر عليه الذي لاحظ نظرات الأجانب لنساء النبي ورصد حركاتهن من قبلهم فنفر قلبه من ذلك بينما الرسول لم يحرك ساكنا . .

فهل بعد هذا كله يصح أن يقال إن هذا السلوك من قبل عمر يعد منقبة عظيمة له . . ؟

وأن يستنبط من هذا السلوك منهج لدعوة الكبار وأهل الفضل ونصحهم . . ؟
 

أما موافقة عمر لمسألة الصلاة على عبد الله بن أبي بن سلوك فهي تقودنا إلى نتائج أدهى وأمر وأهم ما نخرج به من هذه القصة هو زيادة اليقين ببطلان مثل تلك الروايات . . إن رواية صلاة الرسول ( ص ) على ابن سلول وموقف عمر تنطق بالوضع فهي تصرح بالنهي عن الصلاة على المنافقين على لسان عمر من قبل أن ينزل نص التحريم . .

فمن أين علم عمر بأمر النهي . . ؟

هل كان عمر يعلم الغيب . أم هو على اتصال بالوحي ( 1 ) . . ؟

وهذه النتيجة في ذاتها كافية لضرب الرواية بل روايات موافقات عمر . بل عمر ذاته . فالدخول في تفاصيلها ينسفه نسفا . إذ أن جذبه الرسول من ثوبه هذه وحدها طامة كبرى . ومجادلته الرسول أشد نكالا . . هذا بخصوص عمر . .

 

* ( هامش ) *
( 1 ) قال القرطبي : لعل ذلك وقع في خاطر عمر فيكون من قبيل الالهام . أنظر فتح الباري ج 8 / 246 . . ( * )

 

 

ص 255

أما بخصوص الرسول فالرواية تؤكد جهله بأحكام الدين وإصراره على هذا الجهل وتحايله على النص القرآني كي يستغفر للمنافقين . . فهل هناك جريمة ترتكب في حق الرسول أكثر من هذه ؟

وإذا كان القرآن ينص على قوله تعالى : ( . . ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره ) . . فهل يحق للرسول أن يخالف القرآن ؟ والإجابة لا بالطبع . لكن القوم عكسوا الآية .

فبدلا من أن يؤكدوا أنها نزلت لتحذر الرسول من الصلاة على المنافقين وتنهاه عن ذلك . قالوا إنها نزلت موافقة لرأي عمر ضد الرسول المصر على الصلاة ومخالفة النص . . إن الفقهاء يريدون التأكيد على أن الرسول ( ص ) خالف القرآن

وتجاوز حدود النص وأن النابه عمر تصدى له . وأن الوحي ناصر عمر ضد الرسول . فأي ضلال بعد هذا . . وكان أجدر بالفقهاء أن يقولوا إن النص القرآني نزل قبل أن يقوم الرسول بأي خطوة عملية تجاه المتوفى ابن سلول وذلك من باب الدفاع عن الرسول . لكنها عبادة الرجال . .


وقد نقل ابن حجر العسقلاني كلام للباقلاني والجويني برفض رواية صلاة الرسول على ابن سلول وموقف عمر ( 1 ) . . وينسب الرواة إلى الرسول ( ص ) الكثير من الأمور المشينة في مجالات الحياة المختلفة والتي لا تتركز حول قضية الجهل
وحدها وإنما تشمل قضايا أخرى محصلتها النهائية الحط من قدر الرسول والتشكيك في شخصه وقدراته . .

 

* ( هامش ) *
( 1 ) المرجع السابق . . ( * )

 

 

ص 256

ومن هذه الروايات : عن عائشة قالت : جاءت سهلة بنت سهيل إلى النبي ( ص ) فقالت يا رسول الله  : إني أرى في وجه أبي حذيفة من دخول سالم . فقال النبي : " ارضعيه تحرمي عليه ويذهب الذي في نفس أبي حذيفة " . قالت : كيف أرضعه وهو رجل كبير ؟ فتبسم الرسول وقال : " قد علمت أنه رجل كبير " ( 1 ) . .


وعنها قالت : كان رسول الله ( ص ) مضطجعا في بيتي كاشفا عن فخذيه أو ساقيه فاستأذن أبو بكر فأذن له وهو على تلك الحال . فتحدث ثم استأذن عمر فأذن له وهو كذلك فتحدث ثم استأذن عثمان فجلس رسول الله وسوى ثيابه . . فتحدث فلما خرج قالت عائشة . دخل أبو بكر فلم تهتش له ولم تباله . ثم دخل عمر فلم تهتش له ولم تباله . ثم دخل عثمان فجلست وسويت ثيابك . فقال : ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة ( 2 ) . .


ويروى أن حبرا من أحبار اليهود جاء إلى الرسول ( ص ) فقال : يا محمد . إنا نجد أن الله يجعل السموات على إصبع والأرضين على إصبع والشجر على إصبع والماء والثرى على إصبع . وسائر الخلائق لي إصبع . فيقول : أنا الملك . فضحك النبي حتى بدت نواجذه تصديقا لقول الحبر ( 3 ) . .


ويروى : سئل رسول الله ( ص ) عن أطفال المشركين من يموت منهم صغيرا ؟ فقال : " الله أعلم بما كانوا عاملين " ( 4 )


ويروى أن الرسول ( ص ) لقي زيد بن عمرو بن نفيل قبل أن ينزل عليه الوحي فقدم رسول الله سفرة فيها لحم . فأبى أن يأكل . ثم قال : إني لا آكل مما تذبحون على أنصابكم ولا آكل إلا مما ذكر اسم الله عليه ( 5 ) . .

 

* ( هامش ) *
( 1 ) مسلم . كتاب الرضاع . باب رضاعة الكبير . . ( 2 ) مسلم . كتاب فضائل الصحابة . باب فضائل عثمان . .
( 3 )
مسلم كتاب صفات المنافقين . والبخاري كتاب التفسير . . ( 4 ) مسلم كتاب القدر . . ( 5 ) البخاري كتاب الذبائح . . ( * )

 

 

ص 257

ويروى : أقيمت الصلاة وعدلت الصفوف قياما فخرج إلينا رسول الله ( ص ) فلما قام في مصلاه ذكر أنه جنب . فقال : " مكانكم " . ثم رجع فاغتسل ثم رجع إلينا ورأسه يقطر فكبر فصلينا معه ( 1 ) . .


ويروى عن عائشة قالت : دخل على رسول الله ( ص ) رجلان فكلماه بشئ لا أدري ما هو ؟ فأغضباه . فلعنهما وسبهما
( 2 )
. .


ويروى عن الرسول قوله : " إنما أنا بشر وإني اشترطت على ربي عز وجل أي عبد من المسلمين سببته أو شتمته أن يكون ذلك له زكاة وخير " ( 3 ) . .

وفي رواية أخرى : " أيما مؤمن آذيته أو سببته أو جلدته " ( 4 ) . .


ويروى عن عائشة : أن النبي ( ص ) مر بقوم يلقحون . فقال : " لو لم تفعلوا لصلح " فخرج شيصا . فمر بهم . فقال : ما لنخلكم . قالوا : قلت كذا وكذا . قال : أنتم أعلم بأمر دنياكم ( 5 ) . .


وفي رواية أخرى : مر رسول الله ( ص ) بقوم على رؤوس النخل . فقال : " ما يصنع هؤلاء " ؟ فقالوا يلقحونه يجعلون الذكر في الأنثى فيلقح . فقال رسول الله : " ما أظن يعني ذلك شيئا " . فأخبر بذلك فتركوه . فنفضت ( أي فسدت ) فأخبر الرسول بذلك . فقال : " إنما ظننت ظنا فلا تؤاخذوني بالظن ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئا فخذوا به فإني لن أكذب على الله عز وجل " ( 6 ) . .


وفي رواية : " إنما أنا بشر إذا أمرتكم بشئ من دينكم فخذوه به وإذا أمرتكم بشئ من رأيي فإنما أنا بشر " ( 7 ) . .

 

* ( هامش ) *
( 1 ) مسلم كتاب الصلاة . والبخاري كتاب الغسل . ( 2 ) مسلم كتاب البر والصلة . .
( 3 )
مسلم كتاب البر والصلة والآداب . والبخاري كتاب الدعوات . . ( 4 ) المرجعين السابقين . .
( 5 )
مسلم . كتاب الفضائل . . ( 6 ) المرجع السابق . . ( 7 ) المرجع السابق . . ( * )

 

 

ص 258

ويروى عن عائشة قالت : لا دنا رسول الله ( ص ) في مرضه . فأشار أن لا تلدوني فقلنا كراهية المريض للدواء فلما أفاق قال : " لا يبقى أحد منكم إلا لد غير العباس فإنه لم يشهدكم " ( 1 ) . .


ويروى عن عائشة قولها : سمع النبي ( ص ) قارئا يقرأ من الليل في المسجد . فقال : " يرحمه الله . لقد أذكرني كذا وكذا آية أسقطتها من سورة كذا وكذا " ( 2 ) . .


وفي رواية : " لقد أذكرني آية كنت أنسيتها " ( 3 ) . .


ويروى : أتى النبي ( ص ) سباطة قوم خلف حائط فبال قائما ( 4 ) . .


ويروى عن عائشة قالت : سحر رسول الله ( ص ) حتى أنه يخيل إليه أنه يفعل الشئ وما فعله ( 5 ) . .


وفي رواية أخرى : سحر رسول الله ( ص ) حتى كان يرى أنه يأتي النساء ولا يأتيهن ( 6 ) . .


ويروى : أن الرسول كان ينقل الحجارة للكعبة وعليه إزاره . فقال له العباسي : يا ابن أخي لو حللت إزارك فجعلته على منكبك دون الحجارة . فحله فجعله على منكبه فسقط مغشيا عليه . فما رئي عريانا بعد ذلك اليوم ( 7 ) . .

ويروى عن الرسول ( ص ) قوله : " إنما أنا بشر . وإنه يأتيني الخصم فلعل بعضكم أن يكون أبلغ من بعض فأحسب أنه صدق فاقضي له بذلك . فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار فليأخذها أو فليتركها " ( 8 ) . . 
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) البخاري كتاب الطب وكتاب الديات وكتاب النبي إلى كسرى ومسلم كتاب السلام . .
( 2 )
مسلم كتاب صلاة المسافرين . باب فضل القرآن . . ( 3 ) المرجع السابق . .
( 4 )
مسلم والبخاري كتاب الوضوء . . ( 5 ) البخاري كتاب بدء الخلق . ومسلم كتاب الطب . .
( 6 )
المرجعين السابقين . . ( 7 ) مسلم كتاب الطهارة باب الاعتناء بحفظ العورة . .
( 8 )
مسلم كتاب الأقضية . والبخاري كتاب المظالم . . ( * )

 

 

ص 259

ويروى أن يهودية أتت النبي ( ص ) بشاة مسمومة فأكل منها . فجئ بها . فقيل : ألا تقتلها . قال : " لا " . قال الراوي : فما زلت أعرفها في لهوات رسول الله ( 1 ) . .

ويروى عن عمر قوله : قال الرسول ( ص ) " إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه " ( 2 ) . .
 

هذه هي نصوص الروايات التي ينسبها الرواة إلى الرسول ( ص ) وهي على ما يبدو من ظاهرها يدور معظمها في محيط تجهيل الرسول . . وسوف نعرض أولا لأقوال الفقهاء حول هذه الروايات ثم نبدي ملاحظاتنا بعدها . قال القاضي بالنسبة لرضاعة الكبير : قوله ( ص ) " ارضعيه " . لعلها حلبته ثم شربه من غير أنه يمس ثديها ولا انتقت بشرتاهما ( 3 ) . .


وقال النووي : وهذا الذي قاله القاضي حسن ( 4 ) . . والذي نقوله نحن أن هذه الرواية هراء وتبرير الفقهاء لها أكثر من هراء . إذ أن العلوم شرعا أن حرمة الرضاع إنما تنبني على سني الرضاعة وهما حولين كاملين أي السنة الأولى والثانية

من عمر المولود بعد ذلك لا عبرة برضاعة من أي ثدي لأن اللبن لن يكون له دور في تكوينه . فهل كان الرسول يجهل هذه الحقيقة . أم كان يمزح مع السائلة . . ومثل هذه الأمور محل للمزاح ؟


إن الإجابة علي هذه التساؤلات هي أن هذه الرواية لا تخرج عن كونها لهو مصطنع على لسان أصحاب الأهواء والأغراض من الحكام وغيرهم ونسبوها إلى الرسول ويكفي القول إن أم سلمة وسائر أزواج النبي ( ص ) رفضن أن يدخل عليهن أحد بتلك الرضاعة عدا عائشة . .

 

* ( هامش ) *
( 1 ) البخاري كتاب الهبة . ومسلم كتاب السلام . . ( 2 ) مسلم والبخاري كتاب الجنائز . .
( 3 )
مسلم . هامش باب رضاعة الكبير . . ( 4 ) المرجع السابق . . ( * )

 

 

ص 260

يروى أن أم سلمة زوج النبي ( ص ) كانت تقول : أبي سائر أزواج النبي ( ص ) أن يدخلن عليهن أحدا بتلك الرضاعة . وقلن لعائشة والله ما نرى هذا إلا رخصة أرخصها رسول الله لسالم - الراضع - خاصة . فما هو بداخل علينا أحد بهذه الرضاعة ولا رائينا ( 1 ) . .


ومثل هذا الموقف من قبل نساء النبي إنما يعكس عدم الرضا عن هذا الأمر وعدم قناعتهن به . وهو يشير من جهة أخرى إلى الشك في الرواية . إذ لو كانت صحيحة ثابتة عن الرسول ما اعترض عليها نسوته . .


أما الرواية الثانية الخاصة بعثمان فقد قال الفقهاء فيها : قولها - أي عائشة - كاشفا عن فخذيه أو ساقيه .

قال النووي هذا مما يحتج به المالكية وغيرهم ممن ليست الفخذ عورة . ولا حجة فيه لأنه مشكوك ( أي شك الراوي ) في المكشوف هل هو الساقان أم الفخذان فلا يلزم منه الجزم بجواز كشف الفخذ . . ويجوز أن يكون المراد بكشف الفخذ كشفه

عما عليه من القميص لا من المتزر وهو الظاهر من أحواله ( ص ) . والحديث فيه فضيلة ظاهرة لعثمان وجلالته عند الملائكة ( 2 ) . . هذا هو ما يعني الفقهاء من مثل هذه الروايات أن يسارعوا لاستنباط الأحكام الفقهية منها ثم يحتج بعضهم

البعض على الآخر بما استنبطه منها . . ولا يعنيهم أن هذه الرواية تعري الرسول وتنافي الذوق والأعراف والتقاليد وإنما يعنيهم أن يشتقوا منها فضيلة لعثمان . . إن أقل ما يمكن أن تشير إليه هذه الرواية هو علو عثمان على أبي بكر وعمر الذي

لم يبدي لهما الرسول أي احترام عند دخولهما عليه وأبدى الاحترام كله لعثمان وهو ما لفت نظر عائشة . وهذا العلو الذي جاء على حساب النبي ( ص ) جاء علي حساب أبي بكر وعمر أيضا . وهو ما يقع القوم في تناقض إذ أن عقيدة الفقهاء تنص على تقديم أبي بكر وعمر على عثمان . .

 

* ( هامش ) *
( 1 ) مسلم . باب رضاعة الكبير . . ( 2 ) مسلم . هامش كتاب الفضائل . باب من فضائل عثمان . . ( * )

 

 

ص 261

وعن رواية الحبر قال الفقهاء : قوله - أي الراوي - جاء حبر بفتح الحاء وكسرها والفتح أفصح وهو العالم . وإنما كان يستعمل حينئذ في علماء اليهود . وقوله إن الله تعالى يمسك السموات يوم القيامة إلى قوله ثم يهزهن . هذا من أحاديث

الصفات وفيها مذهبان التأويل والامساك عنه مع الإيمان بها مع اعتقاد أن الظاهر منها غير مراد . فعلى قول المتأولين
يتأولون الأصابع هنا على الاقتدار أي خلقها مع عظمها بلا تعب ولا ملل ( 1 ) . .


لقد نسي الفقهاء هدف الرواية بل نسوا أن الحبر هو القائل والرسول هو المتلقي والمؤكد لقول الحبر . هذا إذا أخذنا الأمر على المحمل الحسن . وبالطبع مقل هذا التصور لا يجوز في حق النبي ( ص ) فالرواية على ما هو واضح من نصها تؤكد فكرة التجسيم وهو ما نبرا الرسول منه .


وكان يجب على الفقهاء أن يشككوا في هذه الرواية لكونها جاءت على لسان أحد أحبار اليهود ولم تأتي على لسان الرسول . وإن تصديقها يعني تصديق التوراة التي يتكلم هذا الحبر بلسانها . . وهل يقبل أن يتحول الرسول المبعوث إلى متلقي من أحبار اليهود وفي مسألة تتعلق بصفات الله تعالى ؟ أليس هذا الموقف يعني تشكيكا في شخصه وفي رسالته . . ؟


والرواية الرابعة التي تتحدث عن أطفال المشركين وعدم جزم الرسول ( ص ) بالحكم في مستقبلهم الجنة أم النار ؟ بقوله " الله أعلم بما كانوا يعملون " .

يقول فيها الفقهاء : وحقيقة لفظه الله أعلم بما كانوا يعلمون لو بلغوا أو لم يبلغوا إذا التكليف لا يكون إلا في البلوغ ( 2 ) . .

وقول الفقهاء هذا فيه تضليل وغفلة إذ أن الرواية تتحدث عن أطفال المشركين الذين يموتون صغارا قبل البلوغ لا الذين هم على قيد الحياة . وهم الذين لم يقطع فيهم الرسول بحكم حسب نص الرواية .

 

* ( هامش ) *
( 1 ) مسلم . هامش كتاب صفة القيامة والجنة والنار . . ( 2 ) مسلم . هامش كتاب القدر . . ( * )

 

 

ص 262

وموقف الرسول هذا يضعنا بين أمرين : إما أن نحكم بجهله وهذا لا يصح في حقه ( ص ) . . وإما أن نحكم ببطلان الرواية . وهو ما يجب اختياره بلا شك إذ أنه لا يعقل أن يصدر مثل هذا الحكم من الرسول الذي يتابعه الوحي . .


أما رواية أكل الرسول ( ص ) مما ذبح على النصب فهي من سفه القوم وضلال عقولهم إذ يربطونها بمرحلة ما قبل البعثة أي مرحلة ما قبل العصمة . وإذا صح هذا التصور فعلى أي أساس اختير الرسول لتبليغ الرسالة وهناك من هو أكفأ وأعلم

منه بالتوحيد والشرك وهو زيد بن عمرو بن نفيل . . ؟ لقد أباح القوم لأنفسهم الخوض في شخص الرسول على أساس أنهم يخوضون في جانبه غير المعصوم . وعلى هذا الأساس قبلوا مثل هذه الروايات وباركوها وهم لا يشعرون أن هذا التقسيم

غير المبرر لشخص الرسول يلحق أكبر الضرر به وبالرسالة التي جاء بها . . والقوم يروون الرواية بصيغة أخرى تجمع
بين الرسول ( ص ) وبين أبي سفيان على مائدة واحدة تحوي ما ذبح على النصب ومر عليهما زيد بن عمرو فدعواه إلى

الغداء فقال يا ابن أخي إني لا آكل مما ذبح على النصب . قال الراوي وهو أبو هريرة : فما رئي الرسول من يومه ذاك يأكل مما ذبح على النصب حتى بعث ( 1 ) . .


كيف تستقيم مثل هذه الروايات مع كون أن الرسول لم يسجد لصنم وكان يتعبد في غار حراء قبل بعثته . . ؟

هل مثل هذا الموقف يدل على علم . . ؟


والرواية السادسة التي تتحدث عن الرسول وقد دخل الصلاة وهو جنب فهي من شر البلية وزيادة الطين بلة . وهو أمر ليس بالغريب على قوم ينسبون لرسولهم نسيان القرآن الذي جاء به . .

 

* ( هامش ) *
( 1 ) البخاري كتاب الذبائح . ومسند أحمد ج 1 / 189 . . ( * )

 


 

   

الصفحة التالية

   

 

 

الصفحة الرئيسية

 

مكتبة الشبكة

 

فهرس الكتاب