|
الرسول الجاهل ويتمز
عليه عمر بن الخطاب |
|
|
الرسول الجاهل : الرسول يفر من الوحي
ويفتي بلا علم ويحتال عليه الناس . ويتميز عليه عمر . . تكتظ كتب السنن بعشرات الروايات التي تصف الرسول ( ص ) بالجهل وتشكك في قدراته على القيام بدوره كنبي مرسل . . وكالعادة بارك الفقهاء هذه الروايات وقاموا بتبريرها وتأويلها دون أن ينتبهوا إلى خطورتها ومساسها بشخص الرسول . . ولقد تمادى الفقهاء في موقفهم فباركوا روايات ترفع مقام عمر فوق مقام الرسول وتدخله مقام النبوة وتجعله مشاركا للرسول في أمر الوحي ولقد جمعنا في هذا الباب الكثير من الروايات المتناثرة في كتب السنن والتي تصلح كل رواية منها ليقوم عليها بابا خاصا بها . لكننا ألحقناها بالباب لقرب موضوعها من موضوعه وتجنبا للإطالة وتيسيرا للقارئ . .
- الرسول والوحي : بدا القوم بتجهيل الرسول ( ص ) مع أول خطوة خطاها على طريق البعثة والرسالة في مكة . . تروي عائشة أن الرسول ( ص ) كان يخلوا بغار حراء يتعبد فيه
الليالي ذوات العدد . وأن الملك جاءه فقال اقرأ . حتى بلغ منه الجهد ثم أرسله فقال : اقرأ . قال : " ما أنا
بقارئ " . فأخذه فغطه الثالثة ثم أرسله فقال : (
اقرأ
باسم ربك قائلا : " زملوني زملوني " . فزملوه حتى ذهب منه الروع .
واخبر خديجة بالخبر وقال : " لقد خشيت على نفسي " . . فأخذته خديجة على ورقة بن
نوفل وكان على دين النصرانية . .
فقال له ورقة : هذا الناموس الذي نزل الله على موسى . . ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك . فقال الرسول : " أو مخرجي هم " ؟ قال : نعم لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي ( 1 ) . . ونخرج من هذه الرواية بالنتائج التالية : أولا : أن هناك شط يحيط بربط هذه الرواية بعائشة . إذ أن حدث نزول الوحي على الرسول كان قبل ولادتها حسب الروايات التي تقول أنها ولدت في السنة الثانية أو الرابعة أو الخامسة . . وحتى تثبت لنا صحة هذه الرواية فيجب على القوم أن يعترفوا أن عمر عائشة هو أكبر بكثير مما يذكرون لكي يثبت لنا صحة معايشتها لهذا الحدث وهذا هو الأرجح وإلا تصبح هذه الرواية على كف عفريت . .
وهذه الرواية تعطينا دلالة قاطعة أن الرسول كان في حفظ الله ورعايته من قبل أن يوحى إليه . . سادسا : إن جبريل قام
بتعذيب الرسول وإكراهه على القراءة . وهذا سلوك غير معقول من رسل الله سبحانه
ولا يجوز نسبته لجبريل ( ع ) . . سابعا : إن ذهاب الرسول
لورقة النصراني ليستفتيه يشم منه رائحة الطعن والتشويه لشخص الرسول ودعوته
وكأنه يشير إلى وجود صلة بين ما جاء به الرسول وبين النصارى . . ثامنا : إن الرسول لم يكن يعلم شيئا عن أبعاد الدعوة التي أوحى إليه بها ونتائجها المستقبلية . وإن ورقة هو الذي نبهه إلى هذا . وهو يقود إلى نفس النتيجة السابقة . . ومن خلال هذا كله يمكننا الحكم ببطلان هذه الرواية وعدم صحة نسبتها للرسول ( ص ) فإن نسبتها له يعني اتهامه بالجهل . وهذا الاتهام يقودنا إلى الطعن في الرسالة . وبالتالي فنحن نضحي بالرواية وبالرجال الذين أكدوها في مقابل الحفاظ على الصورة السامية للرسول والذي هو يعد حفاظا على الدين الذي جاء به . .
وهذه الرواية تعد امتدادا للرواية السابقة التي تؤكد جهل الرسول بأمر الوحي والذعر منه والفرار من أمامه . إلا أن الجديد في هذه الرواية هو ظهور جبريل أمام الرسول جالس على كرسي بين السماء والأرض وهو كلام لا معنى له ولا صلة له بالأمر وهو على ما يبدو من اختلاق خيال الراوي . . فهل ظهر جبريل لمجرد إخافة الرسول فقط . أم جاء إليه بكلام الله ؟
وكيف سوف يوصل إليه هذا الكلام ما دام قد فر منه . . ؟ ويروى عن الرسول ( ص ) قوله : " فرج عن سقف بيتي وأنا بمكة فنزل جبريل ففرج عن صدري ثم غسله بماء زمزم . ثم جاء بطست من ذهب ممتلئ حكمة وإيمانا فأفرغه في صدري ثم أطبقه " ( 1 ) . . وفي رواية أخرى : " بينا أنا عند البيت بين النائم واليقظان بين رجلين . فأتيت بطست من ذهب ملئ حكمة وإيمانا . فشق من النحر إلى مرافق البطن ثم غسل البطن بماء زمزم . ثم ملئ حكمة وإيمانا " ( 2 ) . . وفي رواية ثالثة : إن رسول الله ( ص ) أتاه جبريل وهو يلعب مع
الغلمان فأخذه فصرع فشق عن قلبه فاستخرج القلب فاستخرج منه عقلة . قال : هذا حظ
الشيطان منك . ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم ثم لأمه . ثم أعاده في مكانه
ويروى : " أوتيت فانطلقوا بي إلى زمزم فشرح عن صدري ثم غسل بماء زمزم ثم أنزلت " ( 4 ) . . ويظهر لنا من خلال هذه الروايات الأربعة التي تدور حول حدث محدد وهو شق قلب الرسول . أنها روايات متناقضة وتضرب بعضها بعضا . . ففي الرواية الأولى وقع الحدث في بيت الرسول وبعد البعثة . . وفي الرواية الثانية وقع الحدث في البيت الحرام وبعد البعثة . . وفي الرواية الثالثة وقع الحدث في طفولة الرسول وبالخلاء . . وفي الرواية الرابعة لم يتحدد المكان . . وهذا وحده كاف للشك وتبرير رفضها . . وإذا قدر لنا التسليم بصحتها فأي الروايات سوف نختار .
وعلى أي أساس سوف يتم هذا الاختيار ؟ أما فيما يتعلق بموضوع الرواية فهو أمر مناف للعقل ويصطدم بعصمة النبي التي هي في الأساس مسألة معنوية لا مادية كما تحاول تأكيد ذلك الروايات . . إن مثل هذه الروايات تشبه إلى حد كبير تلك الروايات المنتشرة في التوراة والإنجيل حول الأنبياء والأحبار
والرهبان ومن جهة أخرى فإن هذه الروايات تحاول تأكيد والنظر في أمر قبولها قاموا بإخضاع النص القرآني لهذه الروايات . بتفسير قوله تعالى ( ألم نشرح لك صدرك ) على ضوء هذه الروايات ( 1 ) . .
يروى عن عبد الله بن عمر قال : قال أبيه : وافقت ربي في ثلاث : في مقام إبراهيم . وفي الحجاب . وفي أساري بدر ( 2 ) . . وفي رواية أخرى : وافقت ربي في ثلاث . فقلت : يا رسول الله لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى . فنزلت ( واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ) وآية الحجاب . قلت : يا رسول الله : لو أمرت نساءك أن يحتجبن فإنه يكلمهن البر والفاجر . فنزلت آية الحجاب . واجتمع نساء النبي ( ص ) في الغيرة عليه فقلت لهن عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن . فنزلت هذه الآية ( 3 ) . .
ويروى عن ابن عمر قال : لما توفى عبد الله بن أبي بن سلول جاء ابنه عبد الله إلى رسول الله ( ص ) فسأله أن يعطيه قميصه أن يكفن فيه أباه . فأعطاه . ثم سأله أن يصلي عليه . فقام رسول الله ليصلي عليه . فقام عمر فأخذ بثوب رسول الله . فقال يا رسول الله أتصلي عليه وقد نهاك الله أن تصلي عليه . فقال رسول الله : " إنما خيرني الله فقال استغفر لهم أو لا تستغفر لهم أن تستغفر لهم سبعين مرة وسأزيد على سبعين " . قال عمر : إنه منافق . فصلى عليه رسول الله وأنزل الله عز وجل ( ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره ) ( 1 ) . .
ويقول : والمعني وافقني ربي فأنزل القرآن علي وفق ما رأيت . ولكن لرعاية الأدب أسند الموافقة إلى نفسه ( 3 ) . .
وفي نزول قوله تعالى ( ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ) قال عمر : فتبارك الله أحسن الخالقين . فنزلت ( فتبارك الله أحسن الخالقين ) .
ونقل عن كعب الأحبار قوله : ويل لملك الأرض من ملك السماء . فقال عمر : إلا من حاسب نفسه . قال كعب : والذي نفسي بيده أنها لفي التوراة لتابعتها . فخر عمر ساجدا . ونقل أن بلالا كان يقول إذا أذن : أشهد أن لا إله إلا الله حي على الصلاة . فقال عمر : قل في أثرها : أشهد أن محمد رسول الله . فقال رسول الله ( ص ) : قل كما قال عمر ( 1 ) . .
ونقل ابن حجر الهيثمي لعمر سبعة عشر موافقة للكتاب والسنة والتوراة ( 3 ) . .
وإن تبني الفقهاء لمثل هذه الروايات يكشف لنا مدى حجم الجريمة
الشنعاء التي ارتكبوها في حق الرسول ( ص ) . وهو ما يتضح بجلاء عند مناقشة هذه
الروايات وتبين نتائجها ومدلولاتها . . وأول ما تؤكده هذه الروايات هو مشاركة عمر للرسول في أمر الوحي وهذا ضلال بعيد . وهو كفر لا محالة . إذ أن الرسول هو المختار من قبل الله تعالى وهو الملهم والمسدد وفوق هذا هو مبلغ ومبين ولا يعلم الغيب ولا يتنبأ إلا وفق ما يوحى إليه . هذه هي صورة الرسول كما يرسمها القرآن .
ألا يعني هذا مهانة للرسول وحط من قدره وتشكيك في رسالته ؟ أليس هذا يصطدم بدور الرسول ومهمته . . ؟ وثاني نتيجة تظهر لنا من خلال هذه الروايات هي تخبط الرواة وتناقضهم . فتارة ينسبون لعمر ثلاث موافقات هي ما يتعلق بمقام إبراهيم وما يتعلق بالحجاب وما يتعلق بأساري بدر . . وتارة ينسبون إليه ما يتعلق بطلاق نسوة النبي بدلا مما يتعلق بأساري بدر . وينسبون إليه قصة الصلاة على زعيم المنافقين وغير هذه الموافقات الأربعة هي محل خلاف بين المحدثين والفقهاء وإجماعهم هو على هذه الأربعة لكونها رويت في البخاري ومسلم أما بقية الموافقات فرويت في كتب السنن الأخرى التي أجاز القوم الخوض في رواياتها . .
هل يعني هذا أن التوراة مصدرا موثوقا عندهم . . ؟ أم أن الرواية من الإسرائيليات . . ؟ وما الذي يجعل عمر يخر ساجدا لله لما وجد قوله موافقا لنص التوراة ؟ هل التوراة محل صدق لديه ؟ أم لم تعد موافقاته للقرآن تكفيه . . ؟ والرواة لم يتحفونا برواية تثبت لنا سجود عمر لله حين نزل القرآن موافقا لرأيه . فقط أتحفونا بسجوده لموافقة التوراة له . .
فأي عقل يحتمل هذا الهراء . . ؟ وليتأمل القارئ قول عمر للرسول ( ص ) : " لو أمرت نساءك أن يحتجبن فإنه يكلمهن البر والفاجر . . ؟ هل هذه لغة يخاطب بها الرسول ؟ ألا يعني هذا الكلام مساسا ببيت النبي ونساءه . . ؟ لنترك الروايات تتحدث . . يروى عن عائشة قولها : إن أزواج النبي ( ص ) كن يخرجن بالليل
إذا تبرزن إلى المناصع وهو صعيد أفيح . وكان عمر يقول لرسول الله : أحجب نساءك
فلم يكن رسول الله يفعل . فخرجت سودة بنت زمعة زوج النبي ليلة من الليالي عشاءا
وكانت امرأة طويلة فناداها عمر ألا فقد عرفناك يا سودة . حرصا على أن ينزل
الحجاب . قالت عائشة : فأنزل الله وفي رواية أخرى : والله ما تخفين علينا فانظري كيف تخرجين . فرجعت سودة وأخبرت النبي بقول عمر ( 2 ) . . قال ابن حجر : والحاصل أن عمر وقع في قلبه نفرة من اطلاع الأجانب على الحريم النبوي حتى صرح بقوله له ( ص ) أحجب نساءك ؟ وأكد ذلك إلى أن نزلت آية الحجاب ( 3 ) . .
ومن خلال هذه الرواية وأقوال الفقهاء حولها يتضح لنا مدى مهانة الرسول في نظر القوم . وبدا وكان عمر أهم من الرسول
إن الرواية كمضمون ليست في صالح عمر كما أنها لا تشير إلى نزول آية الحجاب موافقة لموقفه . فسلكوه كما تشير الرواية يتجاوز حدود الأدب مع نساء النبي . فهو يعترض طريقهن ليلا ويؤذيهن بلسانه . . ويهددهن مما يبرهن على أن موقفه لا ينم عن علم أو وعي بقدر ما يبرهن عن سلوك غير متحضر . .
فهل بعد هذا كله يصح أن يقال إن هذا السلوك من قبل عمر يعد منقبة عظيمة له . . ؟ وأن يستنبط من هذا السلوك منهج لدعوة الكبار وأهل الفضل
ونصحهم . . ؟ أما موافقة عمر لمسألة الصلاة على عبد الله بن أبي بن سلوك فهي تقودنا إلى نتائج أدهى وأمر وأهم ما نخرج به من هذه القصة هو زيادة اليقين ببطلان مثل تلك الروايات . . إن رواية صلاة الرسول ( ص ) على ابن سلول وموقف عمر تنطق بالوضع فهي تصرح بالنهي عن الصلاة على المنافقين على لسان عمر من قبل أن ينزل نص التحريم . . فمن أين علم عمر بأمر النهي . . ؟ هل كان عمر يعلم الغيب . أم هو على اتصال بالوحي ( 1 ) . . ؟ وهذه النتيجة في ذاتها كافية لضرب الرواية بل روايات موافقات عمر . بل عمر ذاته . فالدخول في تفاصيلها ينسفه نسفا . إذ أن جذبه الرسول من ثوبه هذه وحدها طامة كبرى . ومجادلته الرسول أشد نكالا . . هذا بخصوص عمر . .
أما بخصوص الرسول فالرواية تؤكد جهله بأحكام الدين وإصراره على هذا الجهل وتحايله على النص القرآني كي يستغفر للمنافقين . . فهل هناك جريمة ترتكب في حق الرسول أكثر من هذه ؟ وإذا كان القرآن ينص على قوله تعالى : ( . . ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره ) . . فهل يحق للرسول أن يخالف القرآن ؟ والإجابة لا بالطبع . لكن القوم عكسوا الآية . فبدلا من أن يؤكدوا أنها نزلت لتحذر الرسول من الصلاة على المنافقين وتنهاه عن ذلك . قالوا إنها نزلت موافقة لرأي عمر ضد الرسول المصر على الصلاة ومخالفة النص . . إن الفقهاء يريدون التأكيد على أن الرسول ( ص ) خالف القرآن وتجاوز حدود النص وأن النابه عمر تصدى له . وأن الوحي ناصر عمر ضد الرسول . فأي ضلال بعد هذا . . وكان أجدر بالفقهاء أن يقولوا إن النص القرآني نزل قبل أن يقوم الرسول بأي خطوة عملية تجاه المتوفى ابن سلول وذلك من باب الدفاع عن الرسول . لكنها عبادة الرجال . .
ومن هذه الروايات : عن عائشة قالت : جاءت سهلة بنت سهيل إلى النبي ( ص ) فقالت يا رسول الله : إني أرى في وجه أبي حذيفة من دخول سالم . فقال النبي : " ارضعيه تحرمي عليه ويذهب الذي في نفس أبي حذيفة " . قالت : كيف أرضعه وهو رجل كبير ؟ فتبسم الرسول وقال : " قد علمت أنه رجل كبير " ( 1 ) . .
ويروى : أقيمت الصلاة وعدلت الصفوف قياما فخرج إلينا رسول الله ( ص ) فلما قام في مصلاه ذكر أنه جنب . فقال : " مكانكم " . ثم رجع فاغتسل ثم رجع إلينا ورأسه يقطر فكبر فصلينا معه ( 1 ) . .
وفي رواية أخرى : " أيما مؤمن آذيته أو سببته أو جلدته " ( 4 ) . .
ويروى عن عائشة قالت : لا دنا رسول الله ( ص ) في مرضه . فأشار أن لا تلدوني فقلنا كراهية المريض للدواء فلما أفاق قال : " لا يبقى أحد منكم إلا لد غير العباس فإنه لم يشهدكم " ( 1 ) . .
ويروى عن الرسول ( ص ) قوله : " إنما أنا بشر . وإنه يأتيني
الخصم فلعل بعضكم أن يكون أبلغ من بعض فأحسب أنه صدق فاقضي له بذلك . فمن قضيت
له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار فليأخذها أو فليتركها "
( 8 ) . .
ويروى أن يهودية أتت النبي ( ص ) بشاة مسمومة فأكل منها . فجئ بها . فقيل : ألا تقتلها . قال : " لا " . قال الراوي : فما زلت أعرفها في لهوات رسول الله ( 1 ) . . ويروى عن عمر قوله : قال الرسول ( ص ) " إن الميت يعذب ببكاء
أهله عليه " ( 2 ) . . هذه هي نصوص الروايات التي ينسبها الرواة إلى الرسول ( ص ) وهي على ما يبدو من ظاهرها يدور معظمها في محيط تجهيل الرسول . . وسوف نعرض أولا لأقوال الفقهاء حول هذه الروايات ثم نبدي ملاحظاتنا بعدها . قال القاضي بالنسبة لرضاعة الكبير : قوله ( ص ) " ارضعيه " . لعلها حلبته ثم شربه من غير أنه يمس ثديها ولا انتقت بشرتاهما ( 3 ) . .
من عمر المولود بعد ذلك لا عبرة برضاعة من أي ثدي لأن اللبن لن يكون له دور في تكوينه . فهل كان الرسول يجهل هذه الحقيقة . أم كان يمزح مع السائلة . . ومثل هذه الأمور محل للمزاح ؟
يروى أن أم سلمة زوج النبي ( ص ) كانت تقول : أبي سائر أزواج النبي ( ص ) أن يدخلن عليهن أحدا بتلك الرضاعة . وقلن لعائشة والله ما نرى هذا إلا رخصة أرخصها رسول الله لسالم - الراضع - خاصة . فما هو بداخل علينا أحد بهذه الرضاعة ولا رائينا ( 1 ) . .
قال النووي هذا مما يحتج به المالكية وغيرهم ممن ليست الفخذ عورة . ولا حجة فيه لأنه مشكوك ( أي شك الراوي ) في المكشوف هل هو الساقان أم الفخذان فلا يلزم منه الجزم بجواز كشف الفخذ . . ويجوز أن يكون المراد بكشف الفخذ كشفه عما عليه من القميص لا من المتزر وهو الظاهر من أحواله ( ص ) . والحديث فيه فضيلة ظاهرة لعثمان وجلالته عند الملائكة ( 2 ) . . هذا هو ما يعني الفقهاء من مثل هذه الروايات أن يسارعوا لاستنباط الأحكام الفقهية منها ثم يحتج بعضهم البعض على الآخر بما استنبطه منها . . ولا يعنيهم أن هذه الرواية تعري الرسول وتنافي الذوق والأعراف والتقاليد وإنما يعنيهم أن يشتقوا منها فضيلة لعثمان . . إن أقل ما يمكن أن تشير إليه هذه الرواية هو علو عثمان على أبي بكر وعمر الذي لم يبدي لهما الرسول أي احترام عند دخولهما عليه وأبدى الاحترام كله لعثمان وهو ما لفت نظر عائشة . وهذا العلو الذي جاء على حساب النبي ( ص ) جاء علي حساب أبي بكر وعمر أيضا . وهو ما يقع القوم في تناقض إذ أن عقيدة الفقهاء تنص على تقديم أبي بكر وعمر على عثمان . .
وعن رواية الحبر قال الفقهاء : قوله - أي الراوي - جاء حبر بفتح الحاء وكسرها والفتح أفصح وهو العالم . وإنما كان يستعمل حينئذ في علماء اليهود . وقوله إن الله تعالى يمسك السموات يوم القيامة إلى قوله ثم يهزهن . هذا من أحاديث الصفات وفيها مذهبان التأويل والامساك عنه مع الإيمان بها مع
اعتقاد أن الظاهر منها غير مراد . فعلى قول المتأولين
يقول فيها الفقهاء : وحقيقة لفظه الله أعلم بما كانوا يعلمون لو بلغوا أو لم يبلغوا إذا التكليف لا يكون إلا في البلوغ ( 2 ) . . وقول الفقهاء هذا فيه تضليل وغفلة إذ أن الرواية تتحدث عن أطفال المشركين الذين يموتون صغارا قبل البلوغ لا الذين هم على قيد الحياة . وهم الذين لم يقطع فيهم الرسول بحكم حسب نص الرواية .
وموقف الرسول هذا يضعنا بين أمرين : إما أن نحكم بجهله وهذا لا يصح في حقه ( ص ) . . وإما أن نحكم ببطلان الرواية . وهو ما يجب اختياره بلا شك إذ أنه لا يعقل أن يصدر مثل هذا الحكم من الرسول الذي يتابعه الوحي . .
منه بالتوحيد والشرك وهو زيد بن عمرو بن نفيل . . ؟ لقد أباح القوم لأنفسهم الخوض في شخص الرسول على أساس أنهم يخوضون في جانبه غير المعصوم . وعلى هذا الأساس قبلوا مثل هذه الروايات وباركوها وهم لا يشعرون أن هذا التقسيم غير المبرر لشخص الرسول يلحق أكبر الضرر به وبالرسالة التي
جاء بها . . والقوم يروون الرواية بصيغة أخرى تجمع الغداء فقال يا ابن أخي إني لا آكل مما ذبح على النصب . قال الراوي وهو أبو هريرة : فما رئي الرسول من يومه ذاك يأكل مما ذبح على النصب حتى بعث ( 1 ) . .
هل مثل هذا الموقف يدل على علم . . ؟
|
|