الرسول الجاهل

 

 

- دفاع عن الرسول ضد الفقهاء والمحدثين - صالح الورداني ص 263 :

إن جنابة الرسول في وقت الصلاة تعني أنه كان يواقع النساء وفرغ من مواقعتهن ثم هرع إلى الصلاة دون أن يتطهر .

والرواة لم يخبرونا أي صلاة هذه التي وقع فيها هذا الحدث . وآي ما تكون فهي ليست بالوقت الملائم للجماع وفيها تعرية للرسول وفضح لحياته الخاصة . هذا على فرض التسليم بصحتها . أما وأنها رواية لا تصح عقلا ولا شرعا . فالرسول نهارا مشغول بالدعوة وأمور المسلمين وليلا هو يتهجد . فمتى وقع هذا الحدث ؟ هذا كلام أصحاب العقول . .


أما الفقهاء فيقولون : ومما يستفاد من هذا الحديث جواز النسيان على الأنبياء ( ص ) في أمر العبادة والتشريع ( 1 ) . .
وإذا كان الأنبياء ينسون أمر العبادة والتشريع فماذا يتذكرون إذن ؟
 

ويتمادى القوم في مهانة الرسول والطعن في شخصه الكريم بنسبة السب والشتم والجلد إليه ( ص ) وهو أمر يتنافى مع
خلقه العظيم ويصوره كملك طاغ يستبد بالرعية ويجور عليها . غير أن الفارق بين الرسول وبين الملك هو أن الرسول
يتراجع ويطلب الصف داعيا الله أن يكون هذا التعدي على العباد من قبله زكاة وخيرا للمتعدي عليه عند الله سبحانه . .


يقول الفقهاء : هذه الروايات كلها مبينة ما كان عليه ( ص ) من الشفقة على أمته والاعتناء بمصالحهم والاحتياط لهم والرغبة في كل ما ينفعهم . وإنما يكون دعاؤه - أي الرسول - عليه رحمة وكفارة وزكاة ونحو ذلك إذا لم يكن أهلا للدعاء عليه

والسب واللعن ونحوه وكان مسلما وإلا فقد دعا ( ص ) على الكفار والمنافقين ولم يكن ذلك لهم رحمة ( 2 ) . . لقد اعتبر الفقهاء السب واللعن والجلد مصلحة وعناية بالأمة وكفارة ورحمة لها من قبل الرسول .
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) عمدة القاري شرح البخاري ج 5 / 156 . . ( 2 ) مسلم . هامش باب من لعنه النبي أو سبه أو دعا عليه . كتاب البر والصلة . . ( * )

 

 

ص 264

وهم لم يطرحوا على أنفسهم سؤالا : هل يجوز للرسول أن يسب ويلعن ويجلد وهو الذي أرسله الله رحمة للعالمين . وهو صاحب الخلق العظيم . وهو صاحب العفو والتسامح . وسيرته اللين والرفق ؟

مثل هذا السؤال لا يوجه إلى قوم يعتبرون مثل هذه الروايات سندا في تبرير مواقف الحكام وظلمهم للرعية . . وقد جعلوا من دعوة الرسول إلى معاوية منقبة له وبركة حين قال فيه : " لا أشبع الله له بطنا " . . لنترك روايات القوم تدينهم وتثبت تناقضهم . .

يروى عن الرسول ( ص ) قوله : " إني لم أبعث لعانا وإنما بعثت رحمة " ( 1 ) . .

ويروى عنه ( ص ) : " لا ينبغي لصديق أن يكون لعانا " ( 2 ) . .

ويروى عنه ( ص ) " لا يكون اللعانون شفاء ولا شهداء يوم القيامة " ( 3 ) . .

ويروى عنه ( ص ) : " من يحرم الرفق يحرم الخير " ( 4 ) . .

ويروى عنه ( ص ) : " النهي عن لعن الدواب " ( 5 ) . .

ويروى : " لم يكن النبي ( ص ) فاحشا ولا متفحشا " ( 6 ) . .

ومثل هذه الروايات إنما تنسف الروايات السابقة . ومن جهة أخرى هي تنسجم مع نصوص القرآن وخلق الرسول . .

وعن روايات النخل يقول الفقهاء : قوله ( ص ) " إنما أنا بشر " هذا كله اعتذار لمن ضعف عقله خوف أن يزله الشيطان فيكذب النبي . وإلا فلم يقع منه ما يحتاج إلى عذر غاية ما جرى أنها مصلحة دنيوية لقوم خاصين من يعرفها لمن يباشرها .
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) مسلم . كتاب البر والصلة . . ( 2 ) المرجع السابق . . ( 3 ) المرجع السابق . .
( 4 )
المرجع السابق . . ( 5 ) المرجع السابق . . ( 6 ) البخاري كتاب الأدب . . ( * )

 

 

ص 265

وقال القاضي : " قوله ( ص ) " وإذا أمرتكم بشئ من رأي " يعني برأيه في أمر الدنيا لا برأيه في أمر الشرع على القول إن له أن يحكم باجتهاده . فإن رأيه في ذلك يجب العمل به لأنه من الشرع . ولفظ الرأي إنما أتى به عكرمة - الراوي - على المعنى لا أنه لفظ ( ص ) ( 1 ) . .

ومثل هذا التبرير من قبل الفقهاء أحرج الرسول زيادة على الحرج الذي وضعته في الرواية . فهو تبرير يقوم على أساس الجانب غير المعصوم من شخصية الرسول حسبما يعتقدون فمن ثم فإن مقل هذا الموقف من الرسول لا حرج فيه من وجهة

نظرهم للرسول أو للرسالة . . إلا أن بالتأمل في روايات تأبير النخل يتبين أن الأمر يختلف عن ذلك تماما وأن تبريرات الفقهاء لا تخرج عن كونها محاولة لتسطيح الأمر والتمويه على حقيقته ففي ظل فكرة بشرية الرسول ( ص ) تم تمرير الكثير

من المواقف والممارسات التي تتعلق بالنساء وبالصحابة وبالاجتهاد على أنها مواقف وممارسات مقبولة لكونها تتعلق ببشرية الرسول لا بنبوته . وقد فات الفقهاء أن هذا التقسيم لشخص الرسول من شأنه أن ينعكس على الأحكام والرسالة بشكل عام لا على شخص الرسول فقط . .


وفيما يتعلق بروايات تأبير النخل فإن الشك يحيط بها لما يلي :

 أولا : أنها تشير إلى جهل الرسول بمسألة تلقيح النخل وهذا أمر غير مقبول عقلا . لأن الرسول من بيئة عربية تعيش على التمر واللبن ولا يعقل أن يكون فيها من لا يفقه في أمر النخل . .

 ثانيا : إننا إذا ما سلمنا بصحة الرواية ففضلا عن كونها تتهم الرسول بالجهل في أمر دنيوي بين . فهي تتهمه أيضا بالتطفل والتدخل فيما لا يعنيه وهو ما لا يجوز في حق نبي . .

 ثالثا : إن مثل هذا الموقف من النبي - على فرض التسليم بالرواية - من شأنه أن يفتح باب الشك في شخصه ودعوته . وهذا ما دفع بالفقهاء إلى ربط هذا

 

* ( هامش ) *
( 1 ) مسلم . هامش كتاب الفضائل . باب وجوب امتثال ما قاله شرعا . . ( * )

 

 

ص 266

الموقف ببشرية الرسول كمحاولة منهم لتبرير الموقف وقطع دابر الشك في الرسول . .

 رابعا : إن هذا الموقف من الرسول يصطدم بقوله تعالى ( وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ) وما دمنا نقف في صف النص القرآني فإن هذا يدعونا للحكم ببطلان الرواية . .


وحول رواية عائشة لددنا رسول الله قال الفقهاء : اللدود هو الدواء الذي يصب في أحد جانبي فم المريض ويسقاه أو يدخل هناك بإصبع أو غيره ويحنك به . وقوله : لا يبقى أحد منكم إلا لد . أي تأديبا لئلا يعودوا وتأديب الذين لم يباشروا ذلك لكونهم لم ينهوا الذين فعلوا بعد نهيه ( ص ) أن يلدوه . .


وقال آخرون : النفي هنا بمعنى النهي إنما أمر النبي ( ص ) أن يلد من في البيت عقوبة لهم لأنهم لدوه بغير إذنه بل بعد نهيه عن ذلك بالإشارة وفيه دلالة على أن إشارة العاجز كتصريحه وعلى أن المتعدي يفعل به ما هو من جنس الفعل الذي تعدى به إلا أن يكون فعلا محرما ( 1 ) . .


وكما عودنا الفقهاء دائما أنهم لا يأتون بجديد فجميع أقوالهم تدور في محيط التأويل والتبرير المنافي للعقل والمصادم للنص وليس له من هدف سوى تبرير الوضع السائد وإبقاء الأمة في دائرة عبادة الرجال . . ورواية عائشة هذه تتحدث عن فترة

مرض الرسول الذي توفي فيه ذلك المرض الذي نتج عن المحاولة اليهودية لقتله بالسم كما ذكرت الروايات . . ومتابعة روايات مرض الرسول يكشف لنا أنه تعذب كثيرا ( ص ) قبل موته حتى ضاق بنفسه وبمن حوله . وهو هنا في هذه الرواية

كره المرض والدواء وأشار برفضه ولما أعطوه الدواء رغما عنه غب وقرر الانتقام من الجميع بسقيهم من نفس الكاس الذي تجرعه . . فهل هذا كلام يجوز في حق الرسول ؟ وهل من خلق الرسول ( ص ) الانتقام وممن من أهل بيته ؟
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) مسلم . هامش باب كراهية التداوي باللدود كتاب السلام . . ( * )

 

 

ص 267

وما هو مبرر هذا الانتقام . ألأنهم يحرصون على صحته ؟ إن العقل يأبى أن يعذب الله رسوله هذا العذاب قبل موته بينما الكفار يموتون موتة هادئة ناعمة . وإذا كان الرسول هذا حاله قبل قبضه .

فكيف يكون حال أفراد أمته حين يأتيهم الموت . . ؟

ولما كنا لم نسمع عن أحد من الصحابة تعذب عذاب الرسول قبل موته فدل هذا على أن الروايات مرض الرسول وتعذيبه لا أصل لها والهدف منها هو ضرب شخص الرسول وامتهانه وتصويره وكأنه يعذب بذنوبه وجرائمه مما يبرر للحكام من بعده استغلال مثل هذه الصورة لتبرير جرائمهم وانحرافاتهم ( 1 ) . .


وتأتي بعد ذلك رواية نسيان الرسول ( ص ) للقرآن لتضرب القوم في مقتل إذ أنهم طالما يبررون مثل هذه الأفعال ويحملونها على بشرية الرسول . فعلى أي جانب يحمل نسيان الرسول للقرآن على جانبه البشري أم جانبه النبوي ؟
 

فإذا حملوه على الجانب البشري فيكون بهذا القرآن من أمور الدنيا التي يجتهد فيها الرسول ويخطئ ويصيب حسب اعتقادهم أن الرسول مجتهد . . وتلك مصيبته . . وإذا حملوه على جانبه النبوي المعصوم فقد وقعوا في تناقض إذ كيف للمعصوم أن ينسي القرآن . وهنا تكون المصيبة أعظم . . وإذا كان الرسول ينسى القرآن الذي أنزل إليه وأمر بتبليغه وتبيينه للناس فأي شئ يمكنه تذكره بعد . . ؟
 

والعجيب أن القوم يتداولون من الروايات ما يناقض نسبة النسيان للرسول . .

 

* ( هامش ) *
( 1 ) يروي القوم الكثير من الروايات عن مرض الرسول ( ص ) وموته منها : قالت عائشة : إن النبي ( ص ) كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات وينفث فلما اشتد وجعه كنت اقرأ عليه وامسح عنه بيده . .

وتروي عائشة عن الرسول قوله في مرضه : " اللهم اغفر لي واجعلني مع الرفيق الأعلى " . .

وتروي قول الرسول : " أذهب البأس رب الناس واشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك " . . ( مسلم كتاب السلام ) . ولم تخبرنا الروايات أن الله استجاب لدعاء رسوله . بل تركه يتعذب حتى مات . . ( * )

 

 

ص 268

يروى عن الرسول قوله : " بئسما للرجل أن يقول نسيت سورة كيت وكيت أو نسيت آية كيت وكيت بل هو نسي " ( 1 ) . .

وفي رواية أخرى : " استذكروا القرآن فلهو أشد تفصيا من صدور الرجال من النعم بعقلها " ( 2 ) . .

ويروى عنه : " إنما مثل صاحب القرآن كمثل الإبل المتعلقة إن عاهد عليها أمسكها وإن أطلقتها ذهبت " ( 3 ) . .

ولقد حسم القرآن المسألة بقوله تعالى ( سنقرئك فلا تنسى ) فلم يعد هناك مجال لنسبة النسيان للرسول في القرآن لكون الرسول والقرآن في رعاية الله وحفظه وهو مضمون العصمة . .


وفيما يتعلق ببول الرسول ( ص ) قائما فقد حشد القوم عشرات التبريرات لهذا السلوك الذي يتنافى مع أدب النبوة .

فالبعض استمد منه حكما بجواز البول وافقا والبعض الآخر برره بوجع أصاب الرسول وحال دون جلوسه .

والبعض قال : إنه لم يجد مكانا للجلوس . وآخرون باركوا هذا السلوك واعتبروه أحصن للفرج .

وأي ما تكون هذه التبريرات فإنها تؤكد جميعها أن القول كارهون لهذا السلوك ويحاولون التماس العذر للرسول فيه ( 4 ) . .

ويكفي لدحض هذه الرواية قول عائشة : من حدثك أن رسول الله ( ص ) بال قائما فلا تصدقه ( 5 ) . .

 وتبدو لنا قمة الاستخفاف بالعقل ومصادمة النصوص القرآنية في رواية سحر النبي ( ص ) وسيطرة السحر على سلوكه وعقله . . يقول الفقهاء : قولها - أي عائشة - سحر رسول الله ( ص ) . فذهب أهل السنة
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) مسلم . كتاب صلاة المسافرين . باب فضائل القرآن . . ( 2 ) المرجع السابق . . ( 3 ) المرجع السابق . .
( 4 )
أنظر فتح الباري ج 1 / 263. والنووي شرح مسلم ج 3 / 165 . . والسيوطي شرح النسائي ج 1 / 20 . .
وإرشاد الساري ج 1 / 293 - ج 4 / 265 . . ( 5 ) سنن ابن ماجة ج 1 / 112 ( * )

 

 

ص 269

وجمهور علماء الأمة على إثبات السحر وأن له حقيقة كحقيقة غيره من الأشياء الثابتة . وقد ذكره الله تعالى في كتابه الحكيم فلا يلتفت إلى قول من أنكره وقولها يخيل إليه أنه يفعل الشئ أي كان يتخيل إليه أنه وطئ زوجاته وليس بواطئ وهذا التخيل بالبصر لا لخلل طرق إلى العقل والقلب بل السحر تسلط على جسده الشريف وظواهر جوارحه اللطيفة وهذا ما يدخل لبسا على الرسالة ( 1 ) . .


وليتأمل القارئ كيف جاري الفقهاء الرواية دون أن يعملوا عقولهم فيها وأولوها على أنها ترتبط بالجانب غير المعصوم من شخص النبي ( ص ) حسبما يعتقدون وهم لن يتحرروا من هذا الاعتقاد الباطل الذي لبس عليهم دينهم طالما ظلوا يدورون
في فلك الرجال . تائهون بين الروايات المختلقة غارقون في كم من المتناقضات التي توجب النفرة منهم .

وهم هنا يؤكدون أن السحر تسلط على جسده الشريف وليس على عقله وقلبه فكيف يكون هذا ؟

أليس العقل والقلب جزء من الجسد . . ؟

وإذا كان السحر قد جعل الرسول يتخيل فعل الشئ ولا يفعله ألا يعني هذا أنه سيطر على العقل والقلب . . ؟

وما دام السحرة قد استطاعوا أن يسحروا الرسول إلى هذه الدرجة أفلا يستطيعون أن ينطقوا على لسانه ما يريدون لإثارة البلبلة والتشكيك في الوحي ؟
 

 ثم كيف يترك الرسول نهبا للسحر والسحرة وهو يدعو ويتحرك في ظل العناية الإلهية وتوجيه الوحي ؟

هل غابة عنه العناية الإلهية وفقد عصمته فانتهز السحرة الفرصة وسحروه . . ؟

إننا في مواجهة هذه الرواية المنكرة يكفينا القول إن القوم هم المسحورون . .

الذين غفلوا عن قوله تعالى ( والله يعصمك من الناس ) ( 2 ) . . وما يمكن قوله حول حادثة تعري الرسول ( ص ) قبل البعثة وأثناء إعادة بناء

 

* ( هامش ) *
( 1 ) مسلم . هامش باب السحر . كتاب السلام . .
( 2 )
سورة المائدة آية رقم 67 . . وانظر رأي الشيخ محمد عبده في تفسير المنار جزء عم . . ( * )

 

 

ص 270

الكعبة بعد أن هدمها السيل هو أن هذه الرواية من ركش القوم وإن كانوا يبررونها بأنها خاصة بمرحلة ما قبل البعثة حيث لم يدخل الرسول - حسب عقيدتهم - في دائرة العصمة . إلا أن مسألة ستر العورة من سنن الفطرة يلتزم بها عامة الناس فكيف بالرسل ؟

ومثل هذه الرواية إنما تصم الرسول بالجهل والسفاهة حيث لم يعتني بلباسه ودخل في عمل شاق دون أن يحتاط لنفسه فكانت النتيجة إن سقط عنه لباسه وكشفت عورته . .


ومن عجائب القوم أنهم يروون رواية أخرى على لسان الرسول ( ص ) تناقض هذه الرواية . . تقول الرواية : قال المسور بن مخرمة أقبلت بحجر أحمله ثقيل وعلي إزار خفيف فانحل إزاري ومعي الحجر لم أستطع أن أضعه حتى بلغت به إلى موضعه . فقال رسول الله : " إرجع إلى ربك فخذه وتمشوا عراة " ( 1 ) . .


وعن رواية الخصومة والقضاء يقول الفقهاء : ومعناه أنه خطاب للمقتضي له أنه أعلم من نفسه هل هو محق أو مبطل . فإن كان محقا فليأخذ وإن كان مبطلا فليترك . وفيه من الفوائد إثم من خاصم في باطل حتى استحق به في الظاهر شيئا هو في

الباطل حرام عليه . وفيه أن من احتال الأمر باطل بوجه من وجوه الحيل حتى يصير حقا في الظاهر ويحكم له به أنه لا يحل
له تناوله في الباطن ولا يرتفع عنه الإثم بالحكم . وفيه أن المجتهد قد يخطئ فيرد به على من زعم أن كل مجتهد مصيب . وفيه أن المجتهد إذا أخطأ لا يلحقه إثم بل يؤجر ( 2 ) . .


ومثل هذا الكلام إنما ينطبق على القضاة والحكام لا على الرسول المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى . فهؤلاء القضاة والحكام هم الذين يمكن أن يخدعوا

 

* ( هامش ) *
( 1 ) مسلم . كتاب الطهارة . باب الاعتناء بحفظ العورة . وهو نفس الباب الذي يحوي الرواية السابقة . .
( 2 )
فتح الباري ج 13 / 148 . كتاب الأحكام . . ( * )

 

 

ص 271

بالحيل وبقوة الحجة لا رسول الله . فهل فات الفقهاء الفرق بين الرسول وبين القضاة والحكام . . ؟

ولقد دافع بعض أصحاب العقول في الماضي عن الرسول وأنه كان يقضي بالاجتهاد فيما لم ينزل عليه فيه شئ وتصدى ابن حجر العسقلاني لهؤلاء وقدم عشرات التبريرات رافضا فكرة كون الرسول يخطئ في الاجتهاد وفي حكم من الأحكام يلزم

المكلفين بهذا الحكم الخطأ لثبوت الأمر باتباع الرسول لقوله تعالى ( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم )
( 1 )
. . إلا أن الاستناد إلى قوله تعالى ( إن أتبع إلا ما يوحى إلي . . ) [ الأنعام : 50 ] . .


وقوله ( وما ينطق عن الهوى ) . وقوله ( إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ) [ النساء : 106 ] . .


هذه النصوص القرآنية الصريحة كافية وحدها لإبطال تلك الرواية مؤكدة أن الرسول دائما في حراسة الوحي ولا يملك أن يصدر حكما غير صائب في غيبته . . أما رواية الشاة المسمومة فهي امتداد للرواية التي سبقتها عن الخصومة فكلاهما

تؤكدان أن الرسول وقع في شرك أعداء الدين وخصوم الدعوة أو حتى أصحاب الحيل في غيبة الوحي . . فهذه اليهودية قدمت الشاة المسمومة للرسول فأكل منها هكذا ببساطة مما دفع بآخرين إلى الأكل منها فقضى عليهم بينما أصيب الرسول بتسمم استمرت آثاره تتضاعف في جسده حتى مات . .


وفي رواية أخرى حول هذه الحادثة : فجئ بها - أي باليهودية - إلى رسول الله ( ص ) فسألها عن ذلك . فقالت : أردت لأقتلك . قال : " ما كان الله ليسلطك على ذاك ) ( 2 ) . .

 

* ( هامش ) *
( 1 ) المرجع السابق . . ( 2 ) مسلم . باب السم . كتاب السلام . . ( * )

 

 

ص 272

قال الفقهاء : قوله ( ص ) " ما كان الله ليسلطك على هذا " لقوله تعالى ( والله يعصمك من الناس ) ويعارضه قوله في رواية أخرى ( الآن قطعت أبهري ) فإنه يقتضي أنه مات بذلك . ولذلك قال العلماء أن الله تعالى قد جمع بذلك بين كرم النبوة وفضل الشهادة ويجاب بأن معنى ما كان الله ليسلطك على قتلي الآن .


وقال القاضي عياض : واختلف الآثار والعلماء هل قتلها النبي ( ص ) أم لا . فوقع في صحيح أنه قال لا . ووقع أنه قتلها . وفي رواية دفعها إلى أولياء بشر بن البراء بن معرور وكان أكل من الشاة المسمومة فمات بها فقتلوها . ووجه الجمع بين هذه الروايات أنه لم يقتلها أولا حين الطلع على سمها فلما مات بشر سلمها لأوليائه فقتلوها قصاصا ( 1 ) . .


إن الفقهاء يعترفون أن الشاة المسمومة أكل منها الرسول وفعلت به ما فعلت . وقد اختار الله له ذلك ليدخله في زمرة الشهداء كما أدخله في زمرة الأنبياء .
 

فهل الرسول الذي غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر في حاجة إلى أن يحشر في زمرة الشهداء . . ؟

وهل مرتبة النبوة أعلى أم مرتبة الشهادة ؟

فإذا كانت الإجابة هي مرتبة النبوة . فما الحاجة إذن إلى مرتبة الشهادة ؟
 

وإذا كان الله سبحانه يريد أن يميت رسوله شهيدا حسبما أفتى الفقهاء أليس من الأفضل أن يميته في ميدان القتال لتكون لشهادته أثرا في الأمة لا أن يميته بسبب شهوة البطن . . ؟

ثم هل كانت هناك علاقة ثقة وود بين الرسول واليهود حتى يقبل منهم طعاما ؟

والفقهاء من واقع النص السابق في حيرة بين النص القرآني وبين الرواية . فهم قد رجحوا أن اليهودية لن تنال من الرسول بشأنها المسمومة وأن الله لن يسلطها على رسوله كما جاء على لسان الرسول نفسه وذلك لقوله تعالى

 

* ( هامش ) *
( 1 ) مسلم هامش باب السم . . ( * )

 

 

ص 273

( والله  يعصمك من الناس ) وهذا هو المطلوب عقلا وشرعا . إلا أنهم سرعان ما تراجعوا عن الاستناد على النص القرآني ومالوا إلى الرواية التي تقول : الآن قطعت أبهري . وعارضوا بها النص القرآني .

ومعنى هذا الكلام الخطير هو رد النص القرآني من أجل رواية . وبدلا من أن يحكموا بعصمة الرسول وبطلان الرواية حكموا بصحتها على حساب القرآن والرسول . .


أما رواية تعذيب الميت ببكاء أهله التي رواها عمر ورواها عنه ولد عبد الله فهي رواية تناقضها روايات أخرى كثيرة يتداولها القوم . .

يروى أن عائشة قالت : والله ما حدث رسول الله ( ص ) إن الله ليعذب المؤمن ببكاء أهله عليه . ولكن رسول الله قال : " إن الله ليزيد الكافر عذابا ببكاء أهله عليه " . وقالت : حسبكم القرآن ( ولا تزر وازرة وزر أخرى ) ( 1 ) .

ويروى أن الرسول ( ص ) بكى لصبي مات . فقال له سعد : ما هذا يا رسول الله ؟ قال : " هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده وإنما يرحم الله من عباده الرحماء " ( 2 ) . .

ويروى أن رسول الله ( ص ) زار سعد بن عبادة في مرضه وبكى . فلما رأى القوم بكاء الرسول بكوا . فقال : " ألا تسمعون . إن الله لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب ولكن يعذب بهذا - وأشار إلى لسانه - أو يرحم " ( 3 ) . .


قال الفقهاء تعليقا على سكوت ابن عمر عن نفي عائشة لروايتهما : سكوته لا يدل على الاذعان فلعله كره المجادلة .

وقال القرطبي : ليس سكوته لشك طرأ بعد ما طرح برفع الحديث ولكن احتمل عنده أن يكون الحديث قابلا للتأويل ولم يتعين له محمل يحمله عليه إذ ذاك . أو كان المجلس لا يقبل المماراة ولم تتعين الحاجة حينئذ .

وقال الخطابي : الرواية إذا ثبتت لم يكن في دفعها سبيل بالظن وقد رواه عمر وابنه . وليس فيما حكت عائشة ما يرفع روايتهما لجواز أن يكون الخبران

 

* ( هامش ) *
( 1 ) مسلم والبخاري كتاب الجنائز . . ( 2 ) مسلم . باب البكاء على الميت . كتاب الجنائز . . ( 3 ) المرجع السابق . . ( * )

 

 

ص 274

صحيحان معا ولا منافاة بينهما . فالميت إنما تلزمه العقوبة بما تقدم من وصيته إليهم به وقت حياته وكان ذلك مشهورا من مذاهبهم . وعلى ذلك حمل الجمهور قوله : " إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه " ( 1 ) . .

ويظهر لنا من هذا الكلام أن الفقهاء لم يقتنعوا بنفي عائشة للرواية . كما لم يقتنعوا بالروايات الأخرى التي تؤكد هذا النفي والسبب واضح وهو أن القوم عز عليهم كثيرا أن ينفوا رواية لعمر وولده . إذ أن هذا يعني إتهامهما بالجهل وسوء التلقي

من الرسول ( ص ) وهذا لا يصح في عقيدتهم التي تقوم على عبادة الرجال . فسوف ينبني على مثل هذا الموقف التشكيك فيهما وفي رواياتهما التي يعتمد عليها القوم بالإضافة إلى روايات عائشة وأبي هريرة . فمن ثم هم اتخذوا موقفا وسطا وإن

كان جاء على حساب رواية عائشة . . وقد عمد القوم فوق هذا كله إلى نسبه الفقر إلى الرسول ( ص ) وتصويره بمظهر المتسول الباحث عن شئ يأكله فلا يجد فيضطر إلى الاستدانة من أراذل الناس حتى أدى به الحال إلى رهن درعه عند

يهودي ومات ودرعه مرهونة ويبدو أن حالة الفقر والجوع هذه كانت الدافع الأكبر لقبول الرسول شاة اليهودية المسمومة
التي أودت بحياته وحياة غيره . .


يروى : كان لرجل على رسول الله ( ص ) دين . فهم به أصحابه . فقال : " دعوه فإن لصاحب الحق مقالا " . وقال " اشتروا له سنا فأعطوها إياه " ( 2 ) . .

ويروى : أن رسول الله كان يقول " اللهم أحيني فقيرا وأمتني فقيرا واحشرني في زمرة الفقراء " . .

ويروى أن رسول الله مات ودرعه مرهونة عند يهودي ( 3 ) . .

 

* ( هامش ) *
( 1 ) هامش اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان لمحمد فؤاد عبد الباقي ج 1 / 186 كتاب الجنائز .
( 2 )
البخاري كتاب الهبة . . وهذه الرواية تشير إلى أن صاحب الدين أساء الأدب في الرسول مما دفع بالصحابة إلى التصدي له .
هل يعقل أن يضع الرسول نفسه في موضع الشك والاتهام . . ؟
ثم إن الرسول تخلص من الموقف في النهاية بواسطة الصحابة الذين أمرهم أن يشتروا له سنا .
( 3 )
أنظر كتب السيرة . والبخاري كتاب البيوع . ومسلم كتاب المساقاة . . ( * )

 

 

ص 275

إن هذه الروايات وغيرها إنما الهدف منها هو تبرير حالة الفقر التي سادت واقع المسلمين بفعل سياسة الحكام الذين نهبوا ثروات الأمة . . هذه الروايات لا تخرج عن كونها وسيلة لتخدير المسلمين وقتل روح الثورة والتغيير في نفوسهم . . وما يرد هذه الروايات ليس كونها من صنع السياسة وتصطدم بفطر الناس التي تأبى الفقر وتكرهه فقط .


 وإنما تردها النصوص والشواهد التاريخية التي تؤكد أن الرسول لم يعش فقيرا ولم يمت فقيرا وإن ذلك التصور فيه زيغ وضلال لكونه ينسب الظلم إلى الله سبحانه الذي اختار رسوله للرسالة وفرغه لهذا الدور ثم تركه يتضور جوعا . .

ألا يعني مثل هذا التصور تشكيكا في الرسالة وصاحبها ؟

ألا يفتح هذا الأمر الباب لرشوة الرسول أو دعمه من آية جهة لتحقيق مآرب وأهداف ما . . ؟

إن الله سبحانه عندما اختار رسوله للدعوة قد أوجد له بدائل مادية تعينه على مواجهة أعباء الحياة .

تلك البدائل التي تتركز في حكم الخمس الذي أحله الله له من الغنائم وهو ما كان يعيش الرسول منه ويتصدق على الفقراء والمساكين وينفق على زوجاته . . فلا يعقل أن يكون الرسول بهذه الحال التي تصورها الروايات ويتزوج تسع نسوة . .

ومن المعروف أن الرسول قد ترك ميراثا عند وفاته تمثل في إقطاعية فدك وهي التي صادرها أبو بكر فور توليه الحكم واصطدمت به السيدة فاطمة بسببها وماتت وهي غاضبة عليه . .

 

 

الصفحة الرئيسية

 

مكتبة الشبكة

 

فهرس الكتاب