الرسول يبشر بالظلم

 

 

- دفاع عن الرسول ضد الفقهاء والمحدثين - صالح الورداني ص 279 :

الرسول الظالم : الرسول يبشر بالظلم ويدعو الأمة إلى قبوله والرضا به . .
 

جاء الإسلام ليبشر بالعدل والإحسان والمساواة بين الناس وتحقيق التكافل الاجتماعي والنهوض بالأمة وحرية الرأي والاعتقاد وكثير من القضايا التي سبقت . . عصره والتي ميزته عن سائر الأديان التي سبقته . . جاء الإسلام رحمة للعالمين وكان

الرسول رحمة مهداة . . هذه هي الصورة الربانية لدين الله كما تبرزها نصوص القرآن . . لكن الصورة الأخرى التي جاءت بها الروايات إنما تناقض هذه الصورة وتصطدم بها . فقد بشرت الروايات بالظلم والقهر وسيادة الطغاة على واقع الأمة

وأوجبت على المسلمين التعايش مع هذا الوضع والرضا به . . وبشرت الروايات بظلم الله سبحانه للعباد وإن صنعوا الخير وساروا على الصراط المستقيم فمصيرهم إلى النار حتى الرسول نفسه مهدد بدخولها . .


 - ظلم العباد : يروى عن النبي ( ص ) أنه قال : " كان في بني إسرائيل رجل قتل تسعة وتسعين انسانا ثم خرج يسأل . فأتى راهبا فسأله . فقال له : هل من توبة ؟ . قال : لا . فقتله . فجعل يسأل . فقال له رجل : ائت قرية كذا وكذا . فأدركه الموت . فناء بصدره نحوها . فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب . فأوحى الله إلى هذه أن تقربي . وأوحى الله إلى هذه أن تباعدي . وقال : قيسوا ما بينهما فوجد إلى هذه أقرب ببشر . فغفر له " ( 1 ) . .
 

قال الفقهاء : قوله ( ص ) " رجل قتل تسعة وتسعين " . قال النووي أفتاه عالم بأن له توبة هذا مذهب أهل العلم وإجماعهم على صحة توبة القاتل عمدا ولم

 

* ( هامش ) *
( 1 ) مسلم كتاب التوبة . والبخاري كتاب الأنبياء . . ( * )

 

 

ص 280

يخالف أحدا منهم إلا ابن عباس . وأما ما نقل عن بعض السلف من خلاف هذا فمراد قائله الزجر عن سبب التوبة لا أنه يعتقد بطلان توبته ( 1 ) . .

إن قضية القتل وإراقة الدماء في تاريخ المسلمين كان لها ما يبررها على الدوام من عشرات النصوص المنسوبة للرسول
( ص ) والتي كان سند القوى الحاكمة وآداتها في تصفية الخصوم . ولم يكن للفقهاء من دور سوى تأويل هذه النصوص وتبرير جرائم الحكام التي ترتكب باسمها . .


وهذه الرواية التي بين أيدينا واحدة من عشرات الرواية التي تتعلق بالدماء والتي شوهت صورة الإسلام وأبرزته كدين يستهين بالدماء ويعشق هدرها وهي رواية بمثابة صك من صكوك الغفران وما أكثر ما ورد منها منسوبا للرسول - لقاتل اتخذ القتل حرفة لم فلم ينل عقوبته في الدنيا ولا في الآخرة . .


ومثل هذه الرواية تفتح الباب أمام المجرمين وعشاق الدماء كي يتمادوا في جرائمهم دون أن تشوب نفوسهم آية نزعة من نوازع الخشية . بل تتقوى بالاتكال على التوبة . . وإذا كان قاتل المائة قد غفر له . فكيف الحال بقاتل الخمسة أو العشرة .

لا شك سوف أنه ينال جائزة . . إن منطق العقل يقول إن أحدا لا يمكن أن يقتل هذا العدد من الناس الذي ذكرته الرواية دون أن يكون له نفوذ أو سلطان . مما يدعونا إلى القول إن هذه الرواية ومثيلاتها إنما هي من صنع السياسة لتبشر الحكام بالغفران والثواب على ما ارتكبوه من جرائم في حق الرعية . .


ويروى عن الرسول قوله : " لن ينجي أحدا منكم عمله " . قالوا : ولا أنت يا رسول الله ؟ قال : " ولا أنا . إلا أن يتغمدني الله برحمة " ( 2 ) . .

وفي رواية : " إلا أن يتغمدني الله بمغفرة ورحمة " ( 3 ) . .

 

* ( هامش ) *
( 1 ) مسلم . هامش باب قبول توبة القاتل وإن كثر قتله . كتاب التوبة . .
( 2 )
مسلم كتاب صفة القيامة والجنة والنار . والبخاري كتاب الرقاق . ( 3 ) المرجع السابق . . ( * )

 

 

ص 281

قال الفقهاء : في ظاهر هذه الأحاديث دلالة لأهل الحق أنه لا يستحق أحد الثواب والجنة بطاعته .

وأما قوله تعالى ( ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون ) . و ( تلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون ) ونحوهما من الآيات الدالة على أن الأعمال يدخل بها الجنة فلا يعارض هذه الأحاديث . بل معنى الآيات أن دخول الجنة بسبب ثم التوفيق للأعمال

والهداية للاخلاص فيها وقبولها برحمة الله وفضله . وقيل إن الآية تدل على سببية العمل والمنفي في الحديث عليته وإيجابه فلا منافاة بينهما . .


وقال النووي : وقوله ( ص ) : " إلا أن يتغمدني " معناه يلبسنيها ويغمدني بها ومنه أغمدت السيف وغمدته إذا جعلته في غمده وسترته .
 

وقال العيني : قيل كيف الجمع بينه وبين قوله تعالى : ( وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون ) وأجاب ابن بطال أن الآية تحمل على أن الجنة تنال المنازل فيها بالأعمال وأن درجات الجنة متفاوتة بحسب تفاوت الأعمال ويحمل الحديث على

دخول الجنة والخلود فيها . وقوله تعالى : ( سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون ) . إنه لفظ مجمل بينه الحديث والتقدير ادخلوا منازل الجنة وقصورها بما كنتم تعملون ( 1 ) . .


ويبدو من كلام الفقهاء أنهم في مواجهة النصوص القرآنية الصريحة بوجوب العمل لاستحقاق دخول الجنة وقعوا في حيرة بين هذه النصوص وبين الروايات . إلا أنهم في النهاية عملوا على إخضاع النصوص القرآنية للروايات أو محاولة التوفيق بينهما لتحقيق الديمومة والاستمرار لعقيدتهم التي تقوم على الروايات .


ومحاولة التوفيق لا تقل شناعة عن عملية الاخضاع إذ أنها تساوي نصوص القرآن بهذه الروايات وهي صورة من ضلال القوم . . لقد أو غل الفقهاء في عملية التوفيق وأهملوا جوهر الرواية الذي ينسب الظلم إلى الله سبحانه على لسان رسول

وذلك بالتشكيك في أهمية العمل الصالح ودوره في نجاة المسلم ودخوله الجنة بل التشكيك في عمل الرسول نفسه وبالتالي التشكيك في نجاته ودخوله الجنة هو أيضا . .

 

* ( هامش ) *
( 1 ) مسلم هامش باب لن يدخل الجنة أحد بعمله . كتاب صفة القيامة . . ( * )

 

 

ص 282

وما ذنب المسلم الذي يعمل الصالحات ويلتزم بالصراط المستقيم ثم يفاجأ يوم القيامة بعدم شموله للرحمة ودخوله النار ؟ أين العدل الإلهي إذن . . ؟


وأين هذا من قوله تعالى ( وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون ) إن فكرة الظلم الإلهي تبثها الرواية تتضح من خلال شمولها للرسول الذي هو بنصوص القرآن وأيضا الروايات خارج دائرة الحساب والعقاب .


فكيف يوضع في هذا الموضع الذي يعني التشكيك في هذه النصوص القرآنية والروايات التي تخرجه من هذه الدائرة . ويعني التشكيك في وعد الله له بالمقام المحمود . . ؟

والعجيب أن القوم يؤمنون بشفاعة الرسول يوم القيامة . فكيف يستقيم هذا الاعتقاد من هذه الروايات ؟ شمول هذه الرواية للرسول هو البرهان الساطع والدليل القاطع على بطلانها . .


ويروى عن الرسول ( ص ) قوله : " إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا . أدرك ذلك لا محالة . فزنا العين النظر . وزنا اللسان النطق . والنفس تمني وتشتهي والفرج يصدق ذلك ويكذبه " ( 1 ) . .


قال النووي : معنى الحديث أن ابن آدم قدر عليه نصيب من الزنا . فمنهم من يكون زناه حقيقيا بإدخال الفرج في الفرج
الحرام . ومنهم من يكون زناه مجازا . بالنظر الحرام أو الاستماع إلى الزنا وما يتعلق بتحصيله أو بالمس باليد بأن يمس

أجنبية بيده أو يقبلها أو بالمشي بالرجل إلى الزنا . أو النظر أو اللمس أو الحديث الحرام مع أجنبية . ونحو ذلك . أو بالكفر بالقلب فكل هذه أنواع من الزنا المجازي . والفرج يصدق ذلك كله أو يكذبه معناه أنه قد يحقق الزنا بالفرج وقد لا يحققه بأن لا يولج الفرج في الفرج وإن قارب ذلك ( 2 ) . .
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) مسلم كتاب القدر . والبخاري كتاب الاستئذان . .
( 2 )
شرح النووي على مسلم كتاب القدر . وانظر هامش اللؤلؤ والمرجان ج 3 / 212 . . ( * )

 

 

ص 283

وكلام النووي هذا يؤكد فكرة الجبرية أي أن الإنسان مسير لا مخيل في فعل الشر . وقد قاله سيرا مع نص الرواية التي يشير ظاهرا إلى ذلك أيضا . . ونص الرواية وكلام النووي كلاهما ينسبان الظلم إلى الله سبحانه . إذ كيف يكتب الزنا على عباده ثم يعاقبهم على فعله . . ؟

ولما كان نسبة الظلم إلى الله تعالى أمر مناف للعقل فهذا يقودنا بالتالي إلى رفض هذه الرواية والحكم ببطلانها وهو الخيار الوحيد إمامنا .


ويروى عن الرسول ( ص ) قوله : " إن الرجل ليعمل الزمن الطويل بعمل أهل الجنة ثم يختم له عمله بعمل أهل النار . وإن الرجل ليعمل الزمن الطويل بعمل أهل النار ثم يختم له عمله بعمل أهل الجنة " ( 1 ) . .

وهذه الرواية يفيد ظاهرها الشك في جدوى العمل الصالح إذ أن من الممكن أن ينتهي بسوء العاقبة في الوقت الذي من الممكن فيه أن ينتهي العمل الفاسد بخير العاقبة وهو ما يقود في النهاية إلى نفس النتيجة التي نحن بصددها وهي نسبة الظلم إلى الله

سبحانه الذي قدر للرجل الصالح أن يختم عمله بما يقوده إلى النار . وقدر للرجل الفاسد أن يختم عمله بما يقوده إلى الجنة وهو تصور يتناقض مع عدل الله . ونتيجة هذا التصور هو الشك في جدوى العمل الصالح وفي عدل الله تعالى . . وهل يعقل

لمن يعمل العمل الصالح طوال حياته أن يأتي في آخرها فينقلب باختياره ليصبح من أهل النار ؟


ويروى عن أبي هريرة أن رسول الله ( ص ) قال : " قال رجل لم يعمل خيرا قط . فإذا مات فحرقوه . واذروا نصفه في البر ونصفه في البحر . فوالله لئن قدر الله عليه ليعذبنه عذابا لا يعذبنه أحد من العالمين . فأمر الله البحر فجمع ما فيه وأمر البر فجمع ما فيه ثم قال : لم فعلت ؟ قال : من خشيتك وأنت أعلم . فغفر له " ( 2 ) . .

 

* ( هامش ) *
( 1 ) مسلم كتاب القدر . . ( 2 ) مسلم كتاب التوبة . والبخاري كتاب التوحيد . . ( * )

 

 

ص 284

وفي رواية أخرى : " أوصى بنيه فقال : إذا أنا مت فأحرقوني ثم اسحقوني ثم ذروني في الريح في البحر " ( 1 ) . .

قال الفقهاء : ذكر النووي أن العلماء اختلفوا في تأويل هذا الحديث . فقالت طائفة : لا يصح حمل هذا على أنه نفي قدرة الله فإن الشاك في قدرة الله تعالى كافر وقد قال في آخر الحديث أنه إنما فعل هذا من خشية الله تعالى . والكافر لا يخشى الله تعالى ولا يغفر .

فيكون له تأويلان أحدهما أن معناه لئن قدر علي الذاب . أي قضاه . يقال منه ( قدر وقدر ) بمعنى واحد . والثاني أن ( قدر )
هذا بمعنى ضيق علي . قال تعالى : ( فقدر عليه رزقه ) . وهو أحد الأقوال في قوله تعالى ( فظن أن لن نقدر عليه ) وقالت

طائفة : اللفظ على ظاهره ولكن قاله الرجل وهو غير ضابط لكلامه ولا قاصد لحقيقة معناه ومعتقد لها . بل قاله في حالة غلب عليه فيها الدهش والخوف وشدة الجزع بحيث ذهب تيقظه . وتدبر ما يقوله فصار في معنى الغافل والناس وهذه الحالة لا يؤاخذ فيها ( 2 ) . .


إن ظاهر هذه الرواية يفيد الكفر فصاحب الرواية الذي أسرف في حق نفسه وارتكب من الموبقات ما جعله ييأس من حصوله على مغفرة الله وعفوه . سعى للتحايل على الله سبحانه كمحاولة للهروب من العذاب الذي ينتظره في الآخرة بأن يوصي بحرق جثمانه وذره في الهواء والبحر ظنا منه أن ذلك يخرجه من محيط القدرة الإلهية .


وهذا الفعل في ذاته صورة من صور الكفر والضلال إذ يحوي استهانة بقدرة الخالق وإحاطته بالكون الذي هو من مخلوقاته . والفقهاء لم يعنيهم هذا الأمر وإنما كان يعنيهم هو تبرير موقف صاحب هذا الفعل المنكر وتبرئة ساحته . لا يعنيهم أن تبرير

مثل هذا الفعل يعني نسبة التسامح إلى الله سبحانه في قضايا الكفر بينما يعاقب كفار آخرين لنفس الفعل أو نفس الاعتقاد وهو الشك في قدرة الله وهو ما يقود في النهاية إلى نسبة الظلم إلى الله . .

 

* ( هامش ) *
( 1 ) المرجع السابق . . مسلم . .
( 2 )
هامش اللؤلؤ والمرجان ج 3 / 241 كتاب التوبة . وانظر شرح النووي . وفتح الباري كتاب الرقاق . . ( * )

 

 

ص 285

وعلى ضوء تصور الفقهاء هذا يمكن تبرير أفعال أصحاب الاعتقاد الهندوس الذين يحرقون موتاهم ويذرون رمادهم في نهر الجانجا لنفس السبب . .

ويروى عن الرسول ( ص ) قوله : " إذا كان يوم القيامة دفع الله عز وجل إلى كل مسلم يهوديا أو نصرانيا فيقول هذا فكاكك من النار " ( 1 ) . .

وفي رواية : " لا يموت رجل مسلم إلا أدخل الله مكانه النار يهوديا أو نصرانيا " ( 2 ) . .

ويروى عن الرسول ( ص ) قوله : " يجئ يوم القيامة ناس من المسلمين بذنوب أمثال الجبال فيغفرها الله لهم ويضعها على اليهود والنصارى " . قال الراوي : فيما أحسب أنا . قال أبو روح لا أدري ممن الشك ( 3 ) . .

وقد اعتبر الفقهاء هذا التصريح المنسوب للرسول بمثابة بشارة عظيمة للمسلمين أجمعين أوجبت على عمر بن عبد العزيز أن يستلف الراوي ثلاث مرات أنه سمع هذه الرواية عن أبيه عن الرسول ( ص ) فحلف له ( 4 ) . .

وقال النووي : قوله ( ص ) يجئ يوم القيامة ناس معناه أن الله تعالى يغفر تلك الذنوب للمسلمين ويسقطها عنهم ويضع على اليهود والنصارى مثلها بكفرهم وذنوبهم فيدخلهم النار بأعمالهم لا بذنوب المسلمين لا بد من هذا التأويل لقوله تعالى : " ولا تزار وازرة وزر أخرى ) ( 5 ) . .


وهذا الكلام من قبل الفقهاء إنما يمثل قمة التعصب الديني ضد الآخرين ذلك التعصب الذي برر لهم استحلالهم في الحياة الدنيا على ضوء الروايات المنسوبة للرسول ووبرر لهم استحلالهم في الآخرة أيضا على ضوء هذه الروايات التي تفوح منها رائحة العنصرية والاستعلاء على الآخرين . .

 

* ( هامش ) *
( 1 ) مسلم كتاب التوبة . ( 2 ) المرجع السابق . . ( 3 ) المرجع السابق . .
( 4 )
مسلم . كتاب التوبة هامش باب قبول توبة القاتل وإن كثر قتله . . ( 5 ) المرجع السابق . . ( * )

 

 

ص 286

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو : كيف يستقيم مثل هذا التصور مع قوله تعالى ( كل نفس بما كسبة رهينة ) . والظاهر أن النووي شعر بالحرج وعدم استقامة مثل هذه الروايات مع نصوص القرآن فقال إن الله يدخل اليهود والنصارى النار بأعمالهم

لا بذنوب المسلمين وأنه لا سبيل إلا الالتزام بهذا التأويل مخافة التصادم مع قوله تعالى ( ولا تزر وازرة وزر أخرى ) كما شعر بهذا الحرج من قبله عمر بن عبد العزيز فاضطر أن يستحلف الراوي ثلاث مرات .

حتى أن الراوي نفسه شكك في نص الرواية وهو ما يبدو من قوله فيما أحسب أنا . وقول الآخر لا أدري ممن الشك . . ومثل هذا كثير في عالم الرواة والرواية وهو كاف وحده لأمثال الفقهاء أن يحكموا عقولهم فيما ينقلون لا أن يسارعوا إلى التبرير واستنباط الأحكام من روايات قليل من التأمل فيها يكفي لدحضها . .

ولا أدري هل مثل هذه الروايات تقرب أصحاب الديانات الأخرى من الإسلام أم تباعدهم عنه . . ؟


إنها بلا شك تنفرهم منه وتقوي من نزعة الأعداء لديهم تجاهه . وبهذه المناسبة نحن نبشر المسلمين العصاة أن تقر أعينهم ويستريح بالهم فعدد اليهود والنصارى اليوم هو أكثر من المسلمين بكثير . وفكاكهم من النار يوم القيامة واقع لا محالة وبأكثر من فرد منهم . . وعلى ضوء هذه الروايات وغيرها أجمع الفقهاء على نسبة الظلم إلى الله سبحانه وأن ذلك الأمر يدخل في مطاق مشيئته فإن شاء أدخل العصاة الجنة وأدخل الطائعين النار . .


يقول الأشعري : أجمع الفقهاء على أن الله كان قادرا على أن يخلق جميع الخلق في الجنة متفضلا عليهم بذلك . لأنه تعالى غير محتاج إلى عبادتهم . وأنه قادر أن يخلقهم كلهم في النار ويكون بذلك عادلا عليهم لأن الخلق خلقه والأمر أمره . . ( لا يسأل عما يفعل وهم يسألون ) ( 1 ) . .

 

* ( هامش ) *
( 1 ) أصول أهل السنة والجماعة المسماة رسالة الثغر . ط القاهرة . . ( * )

 

 

ص 287

ويقول ابن حنبل : والقدر خيره وشره وقليله وكثيره وظاهره وباطنه وحلوه ومره ومحبوبه ومكروهه وحسنه وسيئه وأوله وآخره من الله قاء قضاه وقدر أقدره عليهم لا يعدو واحد منهم مشيئة الله عز وجل لا يجاوز قضاءه بل هم كلهم صائرون إلى

ما خلقهم له واقعون فيما قدر عليهم لأفعاله وهو عدل منه عز ربنا وجل والزنا والسرقة وشرب الخمر وقتل النفس وأكل المال الحرام والشرك بالله والمعاصي كلها بقضاء وقدر من غير أن يكون لأحد من الخلق على الله حجة بل لله الحجة البالغة

على خلقه . لا يسأل عما يفعل وهم يسألون . ومن زعم أن الله شاء لعباده الذين عصوا الخير والطاعة وأن العباد شاؤوا لأنفسهم الشر والمعصية فعملوا على مشيئتهم . فقد زعم أن مشيئة العباد أغلظ من مشيئة الله تبارك وتعالى . فأي افتراء أكثر

على الله عز وجل من هذا ( 1 ) . . ؟


ويقول ابن تيمية : والعباد فاعلون حقيقة والله خالق أفعالهم . والعبد هو المؤمن والكافر والبر والفاجر والمصلي والصائم . وللعباد قدرة على أعمالهم ولهم عبادة والله خالقهم وخالق قدرتهم وإرادتهم ( 2 ) . .


ويذهب البخاري وسائر الفقهاء إلى أن أفعال العباد مخلوقة . وقد عقد ابن حجر فصلا واسعا للدفاع عن هذه الفكرة في شرحه للبخاري ( 3 ) . .


وهذه النصوص كلها تشير إلى فكرة الجبرية التي تقوم عليها عقيدة أهل السنة والتي ليس لها إلا نتيجة واحدة وهي نسبة الظلم إلى الله سبحانه تلك الفكرة التي قامت على أساس روايات مشكوك فيها ثم تفسير النصوص القرآنية الخاصة بالمشيئة الإلهية والقضاء والقدر على ضوئها . . 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) الرد على الجهمية والزنادقة ط السعودية . . ( 2 ) العقيدة الواسطية . .
( 3 )
فتح الباري ج 13 / 452 . باب قول الله تعالى ( والله خلقكم وما تعملون ) . كتاب التوحيد . . ( * )

 

 

ص 289

 - الرسول والحاكم : إن مما يلفت النظر في كتب السنن هو تلك الروايات المنسوبة للرسول ( ص ) المتعلقة بالحكام . فهذه الروايات تبدو وكان الذين نطقوا بها هم الحكام أنفسهم لا الرسول فهي تدفع بالأمة نحو الحكام وتربط مصيرها بهم وتبارك

مواقفهم وممارساتهم وتوطن في أذهان المسلمين فكرة الحكم الإلهي الذي لا يجوز الطعن فيه أو المساس به بأي صورة من الصور . . ولم يحدث أن اجتمع الفقهاء في تاريخهم على قضية مثلما اجتمعوا على قضية الحكام ووجوب طاعتهم وتجريم

محاولات الخروج عليهم . . وهذا إن دل على شئ فإنما يدل على أن هؤلاء الفقهاء ورواياتهم وفقههم قد تم تسييسه وإخضاعه ليكون في خدمة الوضع الذي ساد بعد وفاة النبي ( ص ) والذي ظل سائدا حتى اليوم . . وأول ما يلفت النظر من هذه

الروايات تلك التي تتعلق بقريش وحصر دائرة الحكم في محيطها . .
 

يروى عن النبي ( ص ) قوله : " لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي منهم اثنان " ( 1 ) . .

وفي رواية أخرى : " الناس تبع لقريش في هذا الشأن مسلمهم تبع لمسلمهم وكافرهم تبع لكافرهم " ( 2 ) . .
 

يقول الفقهاء : هذه الأحاديث وأشباهها دليل ظاهر على أن الخلافة مختصة بقريش وعلى هذا انعقد الاجماع في زمن الصحابة فكذلك بعدهم ومن خالف في هذا فهو محجوج بإجماع الصحابة والتابعين فمن دونهم بالأحاديث الصحيحة .


قال القاضي : اشتراط كونه قرشيا هو مذهب العلماء كافة وقد احتج به أبو بكر وعمر على الأنصار يوم السقيفة فلم ينكره أحد . ولم ينقل عن أحد من السلف قول أو فعل يخالف ما ذكرنا وكذلك من بعدهم ولا اعتداد بقول النظام - المعتزلي - ومن وافقه من الخوارج أنه يجوز كونه من غير قريش ( 3 ) . .
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) مسلم كتاب الإمارة . والبخاري كتاب المناقب وكتاب الأحكام . .
( 2 )
المرجعين السابقين . . ( 3 ) مسلم كتاب الإمارة . هامش باب الناس تبع لقريش والخلافة في قريش . . ( * )

 

 

ص 289

وقال ابن حجر : ذهب جمهور أهل العلم أن شرط الإمام أن يكون قرشيا ( 1 ) . .

إن الوقائع التاريخية تؤكد أن هذه الروايات مختلقة ومن صنع السياسة وأن الفقهاء يكذبون . فالمسلمون على مر تاريخهم منذ توفي الرسول وحتى اليوم خضعوا لأصناف شتى من الأحكام من قريش ومن غيرها وحتى من المماليك العبيد والأتراك . .
 

من هنا فنحن أمام هذا الشاهد بين أمرين : إما أن نكذب الروايات وبالتالي نكذب الفقهاء . . وإما أن نكذب التاريخ والوقائع . . والأرجح بالطبع هو الأمر الأول . فحتى على فرض التسليم بصحة هذه الروايات فإن الاجماع لم ينعقد على حاكم قرشي واحد في تاريخ المسلمين بداية من السقيفة وحتى سقوط الدولة العباسية . فجميع هؤلاء الحكام فرضوا أنفسهم على المسلمين بقوة السيف ولم تكن هناك شورى ولا شئ من هذا ( 2 ) . .


وقد وقع الخلاف حول أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ومعاوية وبنو أمية وبنو العباس من قبل الصحابة والتابعين وجماهير المسلمين وهذا ما تؤكده الوقائع التاريخية في فترة السقيفة والفترات التي بعدها ( 3 ) . .


والفقهاء إنما يسايرون الوضع القائم والذي يستمد شريعته من مرحلة السقيفة فمن ثم يجب عليهم أن يدافعوا عن هذه المرحلة التي نبع منها النهج القبلي الذي أنجب إسلام الروايات الذي يتعبدون به ( 4 ) . .

يروى أن عبد الله بن عمر كان يتحدث أنه سيكون ملك من قحطان . فبلغ معاوية الأمر فغضب وخطب في الناس قائلا : بلغني أن رجالا منكم يتحدثون

 

* ( هامش ) *
( 1 ) فتح الباري ج 13 / 101  . كتاب الأحكام باب الأمراء من قريش . . ( 2 ) أنظر لنا هذه القضية في كتابنا السيف والسياسة . .
( 3 )
أنظر مرجع السابق وكتب التاريخ فترة السقيفة وما بعدها . . ( 4 ) أنظر السيف والسياسة . . ( * )

 

 

ص 290

الأحاديث ليست في كتاب الله ولا تؤثر عن رسول الله وأولئك جهالكم فإياكم والأماني التي تضل أهلها فإني سمعت رسول الله يقول : " إن هذا الأمر في قريش لا بعاديهم أحد إلا كبه الله على وجهه ما أقاموا الدين " ( 1 ) . .

ونخرج من هذه الرواية بما يلي :

 أولا : إن معاوية استفزه تصريح ابن عمر أنه سيكون ملك من خارج قريش وهذا التصريح بلا شك منسوب للرسول ( ص )

 ثانيا : إن معاوية سب ابن عمر واتهمه بالجهالة . .

 ثالثا : إن معاوية اعتبر تصريح ابن عمر مناقضا لكتاب الله ولم يؤثر عن الرسول .

 رابعا : إنه لم يصدر نفي من ابن عمر أورد على معاوية . .

 خامسا : إن معاوية هدد الذين يفكرون في الخروج عن الخط القرشي . .

 سادسا : إن معاوية اعتبر معاداة قريش معاداة لله سبحانه . .

وأمام هذه النتائج التي خرجنا بها من هذه الرواية نقول : إن القوم يشهدون بأن ابن عمر من حملة علم الرسول ولم يشهدوا بذلك لمعاوية وهذا يعني أن موقف ابن عمر يقوم على أساس علمي . إذن كيف يحق لمعاوية تجهيله ؟


نقل ابن حجر قول بعضهم : وإنما أنكر معاوية خشية أن يظن أحد أن الخلافة تجوز في غير قريش فلما خطب بذلك دل على أن الحكم عندهم كذلك إذ لم ينقل أن أحدا منهم أنكر عليه ( 2 ) . .

ولكن هل كان ابن عمر يجهل أن الخلافة في قريش ؟ ثم إن معاوية لم يقم الدليل على أن الحكم القرشي يوافق كتاب الله ؟

 

* ( هامش ) *
( 1 ) البخاري . كتاب الأحكام باب الأمراء من قريش . ( 2 ) فتح الباري ج 13 / 98 . الباب السابق . ( * )

 

 

ص 291

كما لم يقم الدليل على أن كلام ابن عمر يناقض القرآن ؟

لقد نسي الفقهاء أن معاوية أنكر رواية ابن عمر برمتها ولم يقوم بتأويلها . إن تصدي معاوية للدفاع عن فكرة القرشية وهو على كرسي الحكم يعني أنه يدافع عن نفسه وعن حكمه . إذ أن أي خطر يهدد هذه الفكرة هو بالتالي يهدد عرشه الذي قام على أساسها . . ولا يخفى على أحد كيف وصل معاوية إلى الحكم وأقام أول نظام ملكي في تاريخ المسلمين . . ؟


لذا يمكن القول إن فكرة القرشية هي فكرة قبلية برزت في سقيفة بني ساعدة لدعم المهاجرين ضد الأنصار ثم استثمرت سياسيا من بعد هذه المرحلة في مواجهة التيارات المعارضة . . ولو كانت فكرة القرشية صحيحة لكان من الواجب أن يتم تطبيقها بغير هذه الصورة .


إذ أن التطبيق الصحيح يقتضي أن يختار من يقوم بالأمر من أفضل بيوتات قريش وأعلاها مقاما . وبتحديد أكثر فإن الأمر يصب في البيت الهاشمي أشرف بيوتات قريش وهو بيت الرسول الذي نص في الرواية الصحيحة عند القوم على أن الله اصطفى من قريش بني هاشم واصطداه من بني هاشم فهو خيار من خيار من خيار ( 1 ) . .


إلا أن فكرة القرشية انحرفت إلى بيت أبي بكر ثم بيت عمر ثم عثمان ثم استقرت عند معاوية الذي أورثها ولده . وهذا دليل على كونها فكرة من اختراع مرحلة السقيفة . . ونظرا لإيماننا المطلق أن الرسول ( ص ) لا يطلق الكلام من باب العبث وإنما يتكلم بقدر ولغرض نفع الإسلام لا الاضرار بهم أو إيقاع الظلم عليهم .


فإننا من هذا الباب نحكم ببطلان مثل هذه الروايات . إذ لا يعقل أن يبشر الرسول بقريش ويحصر الحكم فيها بينما كل الحكام الذين خرجوا منها عاثوا في

 

* ( هامش ) *
( 1 ) مسلم كتاب الفضائل . فضل نسب النبي . وانظر الترمذي وكتب السنن الأخرى . . ( * )

 

 

ص 292

الأرض فسادا واستباحوا دماء المسلمين وأموالهم . . وهل يبشر الرسول بالقبلة والظلم والفساد وهو الذي جاء رحمة للعالمين . . ؟ وإذا ما تبين لنا هذا فلنتأمل الروايات الأخرى التي تتعلق بهؤلاء الحكام القرشيين والحكام عامة . .

يروى عن الرسول ( ص ) قوله : " من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله . ومن أطاع أميري فقد أطاعني . ومن عصى أميري فقد عصاني " ( 1 ) . .

ويروى عنه ( ص ) : " من كره من أميره شيئا فليصبر . فإنه من خرج عن السلطان شبر مات ميتة جاهلية " ( 2 ) . .

ويروى عنه ( ص ) : " من خلع يدا من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له . ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية " ( 3 ) . .

ويروى عنه ( ص ) : " ستكون أمراء فتعرفون وتنكرون فمن عرف برئ ومن أنكر سلم ولكن من رضي وتابع . قالوا أفلا نقاتلهم . قال لا ما صلوا " ( 4 ) . .

وفي رواية أخرى إضافة : " وإذا رأيتم من ولاتكم شيئا تكرهونه فأكرهوا عمله ولا تنزعوا يدا من طاعة " ( 5 ) . .

ويروى عنه ( ص ) : " ستكون هنات وهنات فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع فاضربوه بالسيف كائنا من كان " ( 6 ) . .

وفي رواية أخرى : " من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتلوه " ( 7 ) . .

 

* ( هامش ) *
( 1 ) مسلم كتاب الإمارة . والبخاري كتاب الأحكام . . ( 2 ) مسلم كتاب الإمارة . والبخاري كتاب الفتن . .
( 3 )
مسلم كتاب الإمارة . . ( 4 ) مسلم كتاب الإمارة . . ( 5 ) المرجع السابق . . ( 6 ) المرجع السابق . . ( 7 ) المرجع السابق . . ( * )

 

 

ص 293

ويروى عنه ( ص ) : " يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهداي ولا يستنون بسنتي وسيقوم فيعم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان أنسي " . قلت : كيف أصنع يا رسول الله إن أدركت ذلك قال تسمع وتطيع الأمير وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك فاسمع وأطع ( 1 ) . .


قال الفقهاء : قوله ( ص ) : " من أطاعني فقد أطاع الله هذا مقبس من قوله تعالى ( من يطع الرسول فقد أطاع الله ) أي لأني لا آمر إلا بما أمر الله به فمن فعل ما آمره به فإنما أطاع الله الذي أمرني أن آمره " ( 2 ) . .
 

وذكر الخطابي سبب اهتمام النبي ( ص ) بشأن الأمراء حتى قرن طاعتهم إلى طاعته فقال : كانت قريش ومن يليهم من العرب لا يعرفون الإمارة ولا يدينون لغير رؤساء قبائلهم فلما كان الإسلام وولى عليهم الأمراء أنكرت ذلك نفوسهم وامتنع بعضهم من الطاعة فأعلمهم ( ص ) أن طاعتهم مربوطة بطاعته ومعصيتهم بمعصيته حثا لهم على طاعة أمرائهم لئلا تتفرق الكلمة ( 3 ) . .


وقال النووي : ومعنى الحديث لا تنازعوا ولاة الأمور في ولايتهم ولا تتعرضوا عليهم إلا أن تروا منهم منكرا محققا فإذا
رأيتم ذلك فأنكروه عليهم وقولوا بالحق أينما كنتم وأما الخروج عليهم وقتالهم فحرام وإن كانوا فسقة ظالمين وسبب هذا

التحريم ما يترتب على ذلك من الفتن وإراقة الدماء وفساد ذات البين هذا ما عليه جمهور العلماء وقد رد عليه بعضهم هذا
بقيام الحسين وابن الزبير وأهل المدينة على بني أمية وبقيام جماعة عظيمة من التابعين والصدر الأول على الحجاج مع ابن الأشعث ( 4 ) . .


وزعم بعض الفقهاء أن هذه الروايات خاصة بالأنصار أي الهدف منها الزامهم بطاعة المهاجرين الذين سوف ينحصر الحكم فيهم ( 5 ) . .

 

* ( هامش ) *
( 1 ) المرجع السابق . . ( 2 ) مسلم هامش باب وجوب طاعة الأمراء كتاب الإمارة . . ( 3 ) المرجع السابق . .
( 4 )
المرجع السابق هامش باب الأمر بالوفاء ببيعة الخلفاء . . وانظر شرح النووي . ( 5 ) فتح الباري ج 13 / 4  كتاب الأحكام . . ( * )

 

 

ص 294

قال ابن حجر : قد أجمع الفقهاء على وجوب طاعة السلطان المتغلب والجهاد معه وإن طاعته خير من الخروج عليه لما في ذلك من حق الدماء وتسكين الدهماء ( 1 ) . .
 

وقال آخر : قوله ( ص ) " فإنما عليهم - أي على الحكام - ما حملوا وعليكم ما حملتم " تعليل لقوله " اسمعوا وأطيعوا " . أي هم يجب عليهم ما كلفوا به من إقامة العدل وإعطاء حق الرعية فإن لم يفعلوا فعليهم الوزر والوبال وأما أنتم فعليكم ما كلفتم به من السمع والطاعة وأداء الحقوق فإن قمتم بما عليكم يكافئكم الله سبحانه بحسن المثوبة ( 2 ) . .


ويعتبر الفقهاء أن من خرج عن طاعة الإمام وفارق جماعة الإسلام ومات على تلك الحالة يموت ميتة جاهلية أي على هيئة موت أهل الجاهلية فإنهم كانوا لا يطيعون أميرا ولا ينضمون إلى جماعة واحدة بل فرقا وعصائب يقاتل بعضهم بعضا ( 3 ) . . وقد أشرنا سابقا إلى أن الفقهاء تبنوا موقف ابن عمر ومذهبه تجاه الحكام وحظروا القيام على الحكام الفاسق ( 4 ) . .


والسؤال هنا : لماذا ابن عمر لا عليا أو حذيفة أو أبي ذر أو ابن مسعود أو غيرهم ؟ والجواب ببساطة أن ابن عمر مثل التوجه المهادن للحكام من بعد مقتل أبيه ومن ثم اعتمدت رواياته ومواقفه من قبل معاوية وبني أمية .

أما علي أو حذيفة أو أبو ذر أو ابن مسعود فقد مثل هؤلاء جميعا وغيرهم الاتجاه الرافض للوضع الذي ساد من بعد وفاة الرسول ( ص ) بداية من حكم أبي بكر وحتى حكم معاوية وولده . .

 

* ( هامش ) *
( 1 ) المرجع السابق ص 5 . . ( 2 ) مسلم . هامش باب طاعة الأمراء وإن منعوا الحقوق . كتاب الإمارة . .
( 3 )
المرجع السابق باب الأمر بلزوم الجماعة . . ( 4 ) أنظر باب الرسول المشرع من هذا الكتاب . . ( * )

 

 

ص 295

وأمامنا واقعة تاريخية معتمدة تلقي الضوء على ابن عمر وموقفه المداهن شديد السلبية من الحكام فهو أولا لم يبايع عليا حين اجتمع عليه الناس ووقف يرقب النزاع الذي دار بينه وبين معاوية حتى إذا ما استتب الأمر لمعاوية قام بمبايعته على السمع والطاعة ثم بايع من بعده ولده يزيد . .


يروى أن عبد الله بن عمر دخل على أخته حفصة وقال : قد كان من أمر الناس ما ترين فلم يجعل لي من الأمر شئ .
قالت : الحق فإنهم ينتظرونك وأخشى أن يكون احتباسك عنهم فرقة . فلم تدعه حتى ذهب . فلما تفرق الناس خطب

معاوية قال : من كان يريد أن يتكلم في هذا الأمر فليطلع لنا قرنه فلنحن أحق به ومن أبيه . قال حبيب بن مسلمة :
فهلا أجبته ؟ قال ابن عمر : فحللت حبوتي وههمت أن أقول : أحق بهذا الأمر منك من قاتلك وأباك على الإسلام

فخشيت أن أقول كلمة تفرق بين الجمع وتسفك الدم ويحمل عني غير ذلك . فذكرت ما أعد الله في الجنان . قال حبيب : حفظت وعصمت ( 1 ) . .


وهذه الرواية وقعت أحداثها حين طرح معاوية فكرة توليه ولده يزيد من بعده ويظهر منها أن معاوية عرض بابن عمر وبأبيه استهان بالجميع ولم يجد له معارض وقد هم ابن عمر بمعارضته ثم تراجع عن ذلك بحجة الحفاظ على وحدة الكلمة وخوف الفتنة والحقيقة أنه خاف على نفسه لأنه كان جبانا ولا يقوى على مواجهة معاوية أو غيره .

والرواية تشير إلى أنه كان يعلم أن هناك من هو أحق من معاوية بالحكم فكيف له أن يكتم هذا . . ؟

وهل كانت كلمة ابن عمر مسموعة في تلك الفترة بحيث يمكن لكلمته في مواجهة معاوية أن تحدث فرقة وقتال . . ؟


يقول ابن حجر : وكان رأي معاوية في الخلافة تقديم الفاضل في القوة والرأي والمعرفة على الفاضل في السبق إلى الإسلام والدين والعبادة فلهذا أطلق أنه أحق . والرأي ابن عمر بخلاف ذلك وأنه يبايع المفضول إلا إذا خشي الفتنة . ولهذا بايع معاوية ثم ابنة يزيد ونهى بنيه عن نقض بيعته ( 2 ) . .

 

* ( هامش ) *
( 1 ) البخاري . كتاب المغازي . باب غزوة الخندق . . ( 2 ) فتح الباري ج 7 / 404 . كتاب المغازي . . ( * )

 

 

ص 296

وكلام ابن حجر هذا فيه اعتراف بأن معاوية لم يكن أحق الناس بالحكم وأنه فرض نفسه بالقوة لا بالسبق إلى الإسلام والعبادة . أما ابن عمر فلم يكن هذا رأيه . وهو كلام فيه وهن وسفاهة إذ يعتبر أن موقف معاوية وجرائمه هي مجرد رأي . .

أما موقف ابن عمر الذي بايع حسما للفتنة - كما يروى - فكأنه يشير إلى أن هناكم ثقل ووزن جماهيري لابن عمر يخشى منه الدخول في صدام مع معاوية وهو غير صحيح وكل ما في الأمر أن شخصية ابن عمر كانت شخصية سلبية وعاجزة عن

اتخاذ القرار المناسب في مواجهة الواقع وهو ما يظهر لنا من خلال علاقته بزوجته المشاكسة التي لم يكن يقوى على طليقها . كما كانت شخصية ابن عمر شخصية قشرية مسطحة ليس لها إلا ظاهر الأمر وهو ما يتضح من خلال تشدده في اللباس

( تقصير ثوبه ) واللحية وقيام الليل والمبالغة في الوضوء حيث كان يتعمد إدخال الماء في عينيه حتى ذهب بصره .وشخصية
كهذه لا شأن لها بالسياسة والحكم وهو ما يفسر لنا تمسكه بظاهر الروايات الخاصة بالحكام وتطبيقها على بني أمية . .


يروى : لما خلع أهل المدينة يزيد بن معاوية ( عام 63 ه‍ ) جمع ابن عمر حشمه وولده فقال : إني سمعت النبي ( ص )
يقول : " ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة وإنا قد بايعنا هذا الرجل - يزيد - على بيع الله ورسوله وإني لا أعلم غدرا

أعظم من أن يبايع رجل على بيع الله ورسوله ثم ينصب له القتال . وإني لا أعلم أحد منكم خلعه ولا بايع في هذا الأمر - أي غير يزيد - إلا كان الفيصل بيني وبينه " ( 1 ) . .


ووقت هذه الرواية هو يوم وقعة الحرة حين اقتحمت جيوش يزيد المدينة واستباحتها ثلاثة أيام حتى لم تبق في المدينة عذراء واحدة وحملت أكثر من ألف امرأة سفاحا وأسرفوا في القتل ثم أجبروا أهلها على البيعة ليزيد على أنهم عبيد له ( 2 ) . .

 

* ( هامش ) *
( 1 ) البخاري كتاب الفتن . . ( 2 ) أنظر كتب التاريخ أحداث وقعة الحرة . . وانظر فتح الباري ج 13 / 59  كتاب الفتن . . ( * )

 

 

ص 297

وبالطبع لم يمس جيش يزيد ابن عمر أو أهله بسوء . وابن عمر بدوره آثر أن يقوم بدور المتفرج على هذه المجزرة الوحشية لأبناء الرسول والأنصار في المدينة ولعله كان يتشفى فيهم لمخالفتهم إياه . . ولكن هل غفل ابن عمر عن النصوص الصريحة التي جاءت على لسان الرسول ( ص ) والتي تحرم انتهاك المدينة ( 1 ) . . ؟


إن مثل هذا الموقف من ابن عمر يكشف لنا مدى جنبه وانهزاميته . . وإن تعلقه برواية الغدر يكشف لنا مدى قشريته وفهمه السطحي للنص . . ولقد استمر ابن عمر على موقفه الانهزامي المداهن للحكام حتى عصر الحجاج سفاح الأمة والذي كان

يصلي وراءه . وليس هناك أكثر من الصلاة وراء مجرم كالحجاج كدليل على جبن هذا الرجل وسفاهته . ولا يقال إن موقف ابن عمر هذا من باب حسم الفتنة وتوحيد الكلمة فالحجاج لم يكن إلا ذنب من أذناب بني أمية ولم يكن إمام المسلمين . .

هل بعد هذا كله يجوز أن نضع مثل هذا القشري الجبان قدوة لنا نتلقى منه الدين وعلم الرسول ؟ والإجابة بالطبع لا . ولكنها السياسة والفقهاء الذين استنبطوا من صلاته وراء

 

* ( هامش ) *
( 1 ) يروى عن الرسول ( ص ) قوله : " من حمل علينا السلاح فليس منا " . ( البخاري كتاب الفتن ومسلم كتاب الإيمان )
ويروى عنه ( ص ) " آية الإيمان حب الأنصار وآية النفاق بغض الأنصار " ( مسلم والبخاري وكتاب الإيمان ) . .

ويروى عنه ( ص ) : " لا يكيد أهل المدينة أحد إلا إنماع كما ينماع الملح في الماء " ( مسلم كتاب الحج والبخاري كتاب فضائل المدينة ) .
ويروى عنه ( ص ) " من أحدث فيها حدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين " ( مسلم كتاب الحج والبخاري كتاب الاعتصام بالكتاب

والسنة ) . وإذا كان ابن عمر قد غفل عن هذه الروايات فهو جاهل . وإذا كان يعلم بها ولم يتخذ موقفا فهو جبان . والأمر الثاني هو الأرجح بالطبع . . ( * )

 

 

ص 298

الحجاج قاعدة تقول بجواز الصلاة وراء كل بر وفاجر واعتبروها من العقيدة كما اعتبروا طاعة الحكام والحج معهم والجهاد من ورائهم من العقيدة التي يجب على المسلم أن يتمسك بها وإلا كان من الهالكين وفقد الأمل في النجاة من النار ( 1 ) . .
 

ويروى أن عبد الله بن عمرو بن العاص كان يجلس في ظل الكعبة والناس مجتمعون حوله فقال : . . من بايع إماما فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه إن استطاع فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر . فدنا منه أحد السامعين وقال له : أنشدك

الله أنت سمعت هذا من رسول الله ( ص ) فأهوى إلى أذنيه وقلبه بيديه وقال سمعته أذناي ووعاه قلبي . فقال له : هذا ابن عمك معاوية يأمرنا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل ونقتل أنفسنا والله يقول : ( يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل

إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما ) قال فسكت ساعة ثم قال - أي ابن عمرو - أطعه في طاعة الله واعصه في معصية الله ( 2 ) . .


يقول الفقهاء : أمقصود بهذا الكلام أن هذا القائل لما سمع كلام عبد الله بن عمرو وذكر الحديث في تحريم منازعة الخليفة الأول وأن الثاني يقتل أعتقد أن هذا الوصف في معاوية لمنازعته عليا وكانت قد سبقت بيعت علي فرأى هذا أن نفقة معاوية على أجناده وأتباعه في حرب علي ومنازعته ومقاتلته إياه من أكل المال بالباطل ومن قتل النفس لأنه قتال بغير حق .


وقوله أطعه في طاعة الله واعصه . . الخ . فيه دليل لوجوب طاعة المتولين للإمامة بالقهر من غير إجماع ولا عهد . كذا
قال النووي وقيل يشكل قول عبد الله هذا مع وجود علي وانعقاد الخلافة له بأهل الحل والعقد من المهاجرين والأنصار يريد

بذلك الإشارة إلى ما نفس الحديث من قوله فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر إلى ما جاء في الحديث الآخر من وجوب الوفاء ببيعة الأول وقد كان علي هو الأول فكيف يأمر بطاعة من خرج عليه

 

* ( هامش ) *
( 1 ) أنظر كتب عقائد أهل السنة مثل العقيدة الطحاوية والعقيدة الواسطية وعقيدة أهل السنة لابن حنبل . وأصول أهل السنة للأشعري وغيرها من كعب العقائد . .
( 2 )
مسلم . كتاب الإمارة . باب الوفاء ببيعة الخلفاء . . ( * )

 

 

ص 299

وهو إشكال وارد إلا أن يكون حديث عبد الله هذا قد جرى بعد موت علي واستتاب الأمر لمعاوية ( 1 ) . .

وقد لخص السيوطي تاريخ الخلفاء في كتاب من أبي بكر حتى خلفاء بني العباس الذين كانت خلافتهم جرد صورة وواجهة لحكم المماليك العبيد في مصر . .

يقول السيوطي عن كتابه : ولم أورد أحدا ممن ادعى الخلافة خروجا ولم يتم الأمر له ككثير من العلويين وقليل من العباسيين ولم أورد أحدا من الخلفاء العبيديين - الفاطميين - لأن إمامتهم غير صحيحة ( 2 ) . .

وهل يمكن قوله حول كتاب السيوطي هذا هو أنه قدم لنا خدمة كبيرة بجمعه كل هذه الروايات عن الحكام وأحكامهم وهي كافية للدلالة على انحرافهم وفساد حكمهم وعدم جدارتهم بتولي أمر المسلمين ( 3 ) . .


ومثل هذه النتيجة التي نخرج بها من تاريخ الحكام تضعنا بين أمرين :

إما أن نقر بصحة هذه الروايات الواردة على لسان الرسول عنهم وبالتالي نتهمه بالظلم وإضفاء الشرعية على الفساد . .

وإما أن نقر بأن هذه الروايات باطلة أو قصد بها أناس صالحون وتم تحريفها . . والأمر الثاني هو المختار بالطبع . .
 

أما أقوال الفقهاء وتبريراتهم لهذه الروايات فقد أكدت لنا أن هؤلاء الفقهاء وقعوا في فخ السياسة ودانوا لها وعاشوا في خدمتها وبدلا من أن يدافعوا عن الرسول ( ص ) بنقض هذه الروايات الواضح بطلانها ومخالفتها للقرآن وروح الدين

 

* ( هامش ) *
( 1 ) مسلم . كتاب الإمارة . هامش باب الوفاء ببيعة الخلفاء الأول فالأول . . ( 2 ) مقدمة تاريخ الخلفاء . .
( 3 )
ألقى كتاب السيوطي الضوء على حالات السكر والعربدة والزنا والشذوذ الجنسي وحتى الإلحاد والاستهانة بالإسلام من خلال عرضه لتاريخ الحكام الأمويين والعباسيين . . ( * )

 

 

ص 300

الذي جاء يبشر بالعدل والإحسان لا بالظلم والفساد . شمروا عن سواعدهم سخروا أقلامهم وألسنتهم في الدفاع عن الحكام حتى أنهم جعلوا طاعتهم والولاء لهم من العقائد ( 1 ) . .


 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) أنظر كتاب العواصم من القواصم لأبي بكر بن العربي . وهو يحوي كم هائل من التبريرات لسلوك ومواقف الخلفاء الثلاثة أبو بكر وعمر وعثمان ثم معاوية وولده . . وانظر كتب العقائد . . ( * )

 

 

 

الصفحة الرئيسية

 

مكتبة الشبكة

 

فهرس الكتاب