|
الرسول يبشر بالظلم
|
|
|
الرسول الظالم : الرسول يبشر بالظلم
ويدعو الأمة إلى قبوله والرضا به . . جاء الإسلام ليبشر بالعدل والإحسان والمساواة بين الناس وتحقيق التكافل الاجتماعي والنهوض بالأمة وحرية الرأي والاعتقاد وكثير من القضايا التي سبقت . . عصره والتي ميزته عن سائر الأديان التي سبقته . . جاء الإسلام رحمة للعالمين وكان الرسول رحمة مهداة . . هذه هي الصورة الربانية لدين الله كما تبرزها نصوص القرآن . . لكن الصورة الأخرى التي جاءت بها الروايات إنما تناقض هذه الصورة وتصطدم بها . فقد بشرت الروايات بالظلم والقهر وسيادة الطغاة على واقع الأمة وأوجبت على المسلمين التعايش مع هذا الوضع والرضا به . . وبشرت الروايات بظلم الله سبحانه للعباد وإن صنعوا الخير وساروا على الصراط المستقيم فمصيرهم إلى النار حتى الرسول نفسه مهدد بدخولها . .
قال الفقهاء : قوله ( ص ) " رجل قتل تسعة وتسعين " . قال النووي أفتاه عالم بأن له توبة هذا مذهب أهل العلم وإجماعهم على صحة توبة القاتل عمدا ولم
يخالف أحدا منهم إلا ابن عباس . وأما ما نقل عن بعض السلف من خلاف هذا فمراد قائله الزجر عن سبب التوبة لا أنه يعتقد بطلان توبته ( 1 ) . . إن قضية القتل وإراقة الدماء في تاريخ المسلمين كان لها ما
يبررها على الدوام من عشرات النصوص المنسوبة للرسول
لا شك سوف أنه ينال جائزة . . إن منطق العقل يقول إن أحدا لا يمكن أن يقتل هذا العدد من الناس الذي ذكرته الرواية دون أن يكون له نفوذ أو سلطان . مما يدعونا إلى القول إن هذه الرواية ومثيلاتها إنما هي من صنع السياسة لتبشر الحكام بالغفران والثواب على ما ارتكبوه من جرائم في حق الرعية . .
وفي رواية : " إلا أن يتغمدني الله بمغفرة ورحمة " ( 3 ) . .
قال الفقهاء : في ظاهر هذه الأحاديث دلالة لأهل الحق أنه لا يستحق أحد الثواب والجنة بطاعته . وأما قوله تعالى ( ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون ) . و ( تلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون ) ونحوهما من الآيات الدالة على أن الأعمال يدخل بها الجنة فلا يعارض هذه الأحاديث . بل معنى الآيات أن دخول الجنة بسبب ثم التوفيق للأعمال والهداية للاخلاص فيها وقبولها برحمة الله وفضله . وقيل إن الآية تدل على سببية العمل والمنفي في الحديث عليته وإيجابه فلا منافاة بينهما . .
وقال العيني : قيل كيف الجمع بينه وبين قوله تعالى : ( وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون ) وأجاب ابن بطال أن الآية تحمل على أن الجنة تنال المنازل فيها بالأعمال وأن درجات الجنة متفاوتة بحسب تفاوت الأعمال ويحمل الحديث على دخول الجنة والخلود فيها . وقوله تعالى : ( سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون ) . إنه لفظ مجمل بينه الحديث والتقدير ادخلوا منازل الجنة وقصورها بما كنتم تعملون ( 1 ) . .
وذلك بالتشكيك في أهمية العمل الصالح ودوره في نجاة المسلم ودخوله الجنة بل التشكيك في عمل الرسول نفسه وبالتالي التشكيك في نجاته ودخوله الجنة هو أيضا . .
وما ذنب المسلم الذي يعمل الصالحات ويلتزم بالصراط المستقيم ثم يفاجأ يوم القيامة بعدم شموله للرحمة ودخوله النار ؟ أين العدل الإلهي إذن . . ؟
والعجيب أن القوم يؤمنون بشفاعة الرسول يوم القيامة . فكيف يستقيم هذا الاعتقاد من هذه الروايات ؟ شمول هذه الرواية للرسول هو البرهان الساطع والدليل القاطع على بطلانها . .
أجنبية بيده أو يقبلها أو بالمشي بالرجل إلى الزنا . أو النظر
أو اللمس أو الحديث الحرام مع أجنبية . ونحو ذلك . أو بالكفر بالقلب فكل هذه
أنواع من الزنا المجازي . والفرج يصدق ذلك كله أو يكذبه معناه أنه قد يحقق
الزنا بالفرج وقد لا يحققه بأن لا يولج الفرج في الفرج وإن قارب ذلك
( 2 ) . .
وكلام النووي هذا يؤكد فكرة الجبرية أي أن الإنسان مسير لا مخيل في فعل الشر . وقد قاله سيرا مع نص الرواية التي يشير ظاهرا إلى ذلك أيضا . . ونص الرواية وكلام النووي كلاهما ينسبان الظلم إلى الله سبحانه . إذ كيف يكتب الزنا على عباده ثم يعاقبهم على فعله . . ؟ ولما كان نسبة الظلم إلى الله تعالى أمر مناف للعقل فهذا يقودنا بالتالي إلى رفض هذه الرواية والحكم ببطلانها وهو الخيار الوحيد إمامنا .
وهذه الرواية يفيد ظاهرها الشك في جدوى العمل الصالح إذ أن من الممكن أن ينتهي بسوء العاقبة في الوقت الذي من الممكن فيه أن ينتهي العمل الفاسد بخير العاقبة وهو ما يقود في النهاية إلى نفس النتيجة التي نحن بصددها وهي نسبة الظلم إلى الله سبحانه الذي قدر للرجل الصالح أن يختم عمله بما يقوده إلى النار . وقدر للرجل الفاسد أن يختم عمله بما يقوده إلى الجنة وهو تصور يتناقض مع عدل الله . ونتيجة هذا التصور هو الشك في جدوى العمل الصالح وفي عدل الله تعالى . . وهل يعقل لمن يعمل العمل الصالح طوال حياته أن يأتي في آخرها فينقلب باختياره ليصبح من أهل النار ؟
وفي رواية أخرى : " أوصى بنيه فقال : إذا أنا مت فأحرقوني ثم اسحقوني ثم ذروني في الريح في البحر " ( 1 ) . . قال الفقهاء : ذكر النووي أن العلماء اختلفوا في تأويل هذا الحديث . فقالت طائفة : لا يصح حمل هذا على أنه نفي قدرة الله فإن الشاك في قدرة الله تعالى كافر وقد قال في آخر الحديث أنه إنما فعل هذا من خشية الله تعالى . والكافر لا يخشى الله تعالى ولا يغفر . فيكون له تأويلان أحدهما أن معناه لئن قدر علي الذاب . أي
قضاه . يقال منه ( قدر وقدر ) بمعنى واحد . والثاني أن ( قدر ) طائفة : اللفظ على ظاهره ولكن قاله الرجل وهو غير ضابط لكلامه ولا قاصد لحقيقة معناه ومعتقد لها . بل قاله في حالة غلب عليه فيها الدهش والخوف وشدة الجزع بحيث ذهب تيقظه . وتدبر ما يقوله فصار في معنى الغافل والناس وهذه الحالة لا يؤاخذ فيها ( 2 ) . .
مثل هذا الفعل يعني نسبة التسامح إلى الله سبحانه في قضايا الكفر بينما يعاقب كفار آخرين لنفس الفعل أو نفس الاعتقاد وهو الشك في قدرة الله وهو ما يقود في النهاية إلى نسبة الظلم إلى الله . .
وعلى ضوء تصور الفقهاء هذا يمكن تبرير أفعال أصحاب الاعتقاد الهندوس الذين يحرقون موتاهم ويذرون رمادهم في نهر الجانجا لنفس السبب . . ويروى عن الرسول ( ص ) قوله : " إذا كان يوم القيامة دفع الله عز وجل إلى كل مسلم يهوديا أو نصرانيا فيقول هذا فكاكك من النار " ( 1 ) . . وفي رواية : " لا يموت رجل مسلم إلا أدخل الله مكانه النار يهوديا أو نصرانيا " ( 2 ) . . ويروى عن الرسول ( ص ) قوله : " يجئ يوم القيامة ناس من المسلمين بذنوب أمثال الجبال فيغفرها الله لهم ويضعها على اليهود والنصارى " . قال الراوي : فيما أحسب أنا . قال أبو روح لا أدري ممن الشك ( 3 ) . . وقد اعتبر الفقهاء هذا التصريح المنسوب للرسول بمثابة بشارة عظيمة للمسلمين أجمعين أوجبت على عمر بن عبد العزيز أن يستلف الراوي ثلاث مرات أنه سمع هذه الرواية عن أبيه عن الرسول ( ص ) فحلف له ( 4 ) . . وقال النووي : قوله ( ص ) يجئ يوم القيامة ناس معناه أن الله تعالى يغفر تلك الذنوب للمسلمين ويسقطها عنهم ويضع على اليهود والنصارى مثلها بكفرهم وذنوبهم فيدخلهم النار بأعمالهم لا بذنوب المسلمين لا بد من هذا التأويل لقوله تعالى : " ولا تزار وازرة وزر أخرى ) ( 5 ) . .
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو : كيف يستقيم مثل هذا التصور مع قوله تعالى ( كل نفس بما كسبة رهينة ) . والظاهر أن النووي شعر بالحرج وعدم استقامة مثل هذه الروايات مع نصوص القرآن فقال إن الله يدخل اليهود والنصارى النار بأعمالهم لا بذنوب المسلمين وأنه لا سبيل إلا الالتزام بهذا التأويل مخافة التصادم مع قوله تعالى ( ولا تزر وازرة وزر أخرى ) كما شعر بهذا الحرج من قبله عمر بن عبد العزيز فاضطر أن يستحلف الراوي ثلاث مرات . حتى أن الراوي نفسه شكك في نص الرواية وهو ما يبدو من قوله فيما أحسب أنا . وقول الآخر لا أدري ممن الشك . . ومثل هذا كثير في عالم الرواة والرواية وهو كاف وحده لأمثال الفقهاء أن يحكموا عقولهم فيما ينقلون لا أن يسارعوا إلى التبرير واستنباط الأحكام من روايات قليل من التأمل فيها يكفي لدحضها . . ولا أدري هل مثل هذه الروايات تقرب أصحاب الديانات الأخرى من الإسلام أم تباعدهم عنه . . ؟
ويقول ابن حنبل : والقدر خيره وشره وقليله وكثيره وظاهره وباطنه وحلوه ومره ومحبوبه ومكروهه وحسنه وسيئه وأوله وآخره من الله قاء قضاه وقدر أقدره عليهم لا يعدو واحد منهم مشيئة الله عز وجل لا يجاوز قضاءه بل هم كلهم صائرون إلى ما خلقهم له واقعون فيما قدر عليهم لأفعاله وهو عدل منه عز ربنا وجل والزنا والسرقة وشرب الخمر وقتل النفس وأكل المال الحرام والشرك بالله والمعاصي كلها بقضاء وقدر من غير أن يكون لأحد من الخلق على الله حجة بل لله الحجة البالغة على خلقه . لا يسأل عما يفعل وهم يسألون . ومن زعم أن الله شاء لعباده الذين عصوا الخير والطاعة وأن العباد شاؤوا لأنفسهم الشر والمعصية فعملوا على مشيئتهم . فقد زعم أن مشيئة العباد أغلظ من مشيئة الله تبارك وتعالى . فأي افتراء أكثر على الله عز وجل من هذا ( 1 ) . . ؟
- الرسول والحاكم : إن مما يلفت النظر في كتب السنن هو تلك الروايات المنسوبة للرسول ( ص ) المتعلقة بالحكام . فهذه الروايات تبدو وكان الذين نطقوا بها هم الحكام أنفسهم لا الرسول فهي تدفع بالأمة نحو الحكام وتربط مصيرها بهم وتبارك مواقفهم وممارساتهم وتوطن في أذهان المسلمين فكرة الحكم الإلهي الذي لا يجوز الطعن فيه أو المساس به بأي صورة من الصور . . ولم يحدث أن اجتمع الفقهاء في تاريخهم على قضية مثلما اجتمعوا على قضية الحكام ووجوب طاعتهم وتجريم محاولات الخروج عليهم . . وهذا إن دل على شئ فإنما يدل على أن هؤلاء الفقهاء ورواياتهم وفقههم قد تم تسييسه وإخضاعه ليكون في خدمة الوضع الذي ساد بعد وفاة النبي ( ص ) والذي ظل سائدا حتى اليوم . . وأول ما يلفت النظر من هذه الروايات تلك التي تتعلق بقريش وحصر دائرة الحكم في محيطها .
. يروى عن النبي ( ص ) قوله : " لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي منهم اثنان " ( 1 ) . . وفي رواية أخرى : " الناس تبع لقريش في هذا الشأن مسلمهم تبع
لمسلمهم وكافرهم تبع لكافرهم " ( 2 ) . .
يقول الفقهاء : هذه الأحاديث وأشباهها دليل ظاهر على أن الخلافة مختصة بقريش وعلى هذا انعقد الاجماع في زمن الصحابة فكذلك بعدهم ومن خالف في هذا فهو محجوج بإجماع الصحابة والتابعين فمن دونهم بالأحاديث الصحيحة .
وقال ابن حجر : ذهب جمهور أهل العلم أن شرط الإمام أن يكون قرشيا ( 1 ) . . إن الوقائع التاريخية تؤكد أن هذه الروايات مختلقة ومن صنع
السياسة وأن الفقهاء يكذبون . فالمسلمون على مر تاريخهم منذ توفي الرسول وحتى
اليوم خضعوا لأصناف شتى من الأحكام من قريش ومن غيرها وحتى من المماليك العبيد
والأتراك . . من هنا فنحن أمام هذا الشاهد بين أمرين : إما أن نكذب الروايات وبالتالي نكذب الفقهاء . . وإما أن نكذب التاريخ والوقائع . . والأرجح بالطبع هو الأمر الأول . فحتى على فرض التسليم بصحة هذه الروايات فإن الاجماع لم ينعقد على حاكم قرشي واحد في تاريخ المسلمين بداية من السقيفة وحتى سقوط الدولة العباسية . فجميع هؤلاء الحكام فرضوا أنفسهم على المسلمين بقوة السيف ولم تكن هناك شورى ولا شئ من هذا ( 2 ) . .
يروى أن عبد الله بن عمر كان يتحدث أنه سيكون ملك من قحطان . فبلغ معاوية الأمر فغضب وخطب في الناس قائلا : بلغني أن رجالا منكم يتحدثون
الأحاديث ليست في كتاب الله ولا تؤثر عن رسول الله وأولئك جهالكم فإياكم والأماني التي تضل أهلها فإني سمعت رسول الله يقول : " إن هذا الأمر في قريش لا بعاديهم أحد إلا كبه الله على وجهه ما أقاموا الدين " ( 1 ) . . ونخرج من هذه الرواية بما يلي : أولا : إن معاوية استفزه تصريح ابن عمر أنه سيكون ملك من خارج قريش وهذا التصريح بلا شك منسوب للرسول ( ص ) ثانيا : إن معاوية سب ابن عمر واتهمه بالجهالة . . ثالثا : إن معاوية اعتبر تصريح ابن عمر مناقضا لكتاب الله ولم يؤثر عن الرسول . رابعا : إنه لم يصدر نفي من ابن عمر أورد على معاوية . . خامسا : إن معاوية هدد الذين يفكرون في الخروج عن الخط القرشي . . سادسا : إن معاوية اعتبر معاداة قريش معاداة لله سبحانه . . وأمام هذه النتائج التي خرجنا بها من هذه الرواية نقول : إن القوم يشهدون بأن ابن عمر من حملة علم الرسول ولم يشهدوا بذلك لمعاوية وهذا يعني أن موقف ابن عمر يقوم على أساس علمي . إذن كيف يحق لمعاوية تجهيله ؟
ولكن هل كان ابن عمر يجهل أن الخلافة في قريش ؟ ثم إن معاوية لم يقم الدليل على أن الحكم القرشي يوافق كتاب الله ؟
كما لم يقم الدليل على أن كلام ابن عمر يناقض القرآن ؟ لقد نسي الفقهاء أن معاوية أنكر رواية ابن عمر برمتها ولم يقوم بتأويلها . إن تصدي معاوية للدفاع عن فكرة القرشية وهو على كرسي الحكم يعني أنه يدافع عن نفسه وعن حكمه . إذ أن أي خطر يهدد هذه الفكرة هو بالتالي يهدد عرشه الذي قام على أساسها . . ولا يخفى على أحد كيف وصل معاوية إلى الحكم وأقام أول نظام ملكي في تاريخ المسلمين . . ؟
الأرض فسادا واستباحوا دماء المسلمين وأموالهم . . وهل يبشر الرسول بالقبلة والظلم والفساد وهو الذي جاء رحمة للعالمين . . ؟ وإذا ما تبين لنا هذا فلنتأمل الروايات الأخرى التي تتعلق بهؤلاء الحكام القرشيين والحكام عامة . . يروى عن الرسول ( ص ) قوله : " من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله . ومن أطاع أميري فقد أطاعني . ومن عصى أميري فقد عصاني " ( 1 ) . . ويروى عنه ( ص ) : " من كره من أميره شيئا فليصبر . فإنه من خرج عن السلطان شبر مات ميتة جاهلية " ( 2 ) . . ويروى عنه ( ص ) : " من خلع يدا من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له . ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية " ( 3 ) . . ويروى عنه ( ص ) : " ستكون أمراء فتعرفون وتنكرون فمن عرف برئ ومن أنكر سلم ولكن من رضي وتابع . قالوا أفلا نقاتلهم . قال لا ما صلوا " ( 4 ) . . وفي رواية أخرى إضافة : " وإذا رأيتم من ولاتكم شيئا تكرهونه فأكرهوا عمله ولا تنزعوا يدا من طاعة " ( 5 ) . . ويروى عنه ( ص ) : " ستكون هنات وهنات فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع فاضربوه بالسيف كائنا من كان " ( 6 ) . . وفي رواية أخرى : " من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتلوه " ( 7 ) . .
ويروى عنه ( ص ) : " يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهداي ولا يستنون بسنتي وسيقوم فيعم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان أنسي " . قلت : كيف أصنع يا رسول الله إن أدركت ذلك قال تسمع وتطيع الأمير وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك فاسمع وأطع ( 1 ) . .
وذكر الخطابي سبب اهتمام النبي ( ص ) بشأن الأمراء حتى قرن طاعتهم إلى طاعته فقال : كانت قريش ومن يليهم من العرب لا يعرفون الإمارة ولا يدينون لغير رؤساء قبائلهم فلما كان الإسلام وولى عليهم الأمراء أنكرت ذلك نفوسهم وامتنع بعضهم من الطاعة فأعلمهم ( ص ) أن طاعتهم مربوطة بطاعته ومعصيتهم بمعصيته حثا لهم على طاعة أمرائهم لئلا تتفرق الكلمة ( 3 ) . .
التحريم ما يترتب على ذلك من الفتن وإراقة الدماء وفساد ذات
البين هذا ما عليه جمهور العلماء وقد رد عليه بعضهم هذا
قال ابن حجر : قد أجمع الفقهاء على وجوب طاعة السلطان المتغلب
والجهاد معه وإن طاعته خير من الخروج عليه لما في ذلك من حق الدماء وتسكين
الدهماء ( 1 ) . . وقال آخر : قوله ( ص ) " فإنما عليهم - أي على الحكام - ما حملوا وعليكم ما حملتم " تعليل لقوله " اسمعوا وأطيعوا " . أي هم يجب عليهم ما كلفوا به من إقامة العدل وإعطاء حق الرعية فإن لم يفعلوا فعليهم الوزر والوبال وأما أنتم فعليكم ما كلفتم به من السمع والطاعة وأداء الحقوق فإن قمتم بما عليكم يكافئكم الله سبحانه بحسن المثوبة ( 2 ) . .
أما علي أو حذيفة أو أبو ذر أو ابن مسعود فقد مثل هؤلاء جميعا وغيرهم الاتجاه الرافض للوضع الذي ساد من بعد وفاة الرسول ( ص ) بداية من حكم أبي بكر وحتى حكم معاوية وولده . .
وأمامنا واقعة تاريخية معتمدة تلقي الضوء على ابن عمر وموقفه المداهن شديد السلبية من الحكام فهو أولا لم يبايع عليا حين اجتمع عليه الناس ووقف يرقب النزاع الذي دار بينه وبين معاوية حتى إذا ما استتب الأمر لمعاوية قام بمبايعته على السمع والطاعة ثم بايع من بعده ولده يزيد . .
معاوية قال : من كان يريد أن يتكلم في هذا الأمر فليطلع لنا
قرنه فلنحن أحق به ومن أبيه . قال حبيب بن مسلمة : فخشيت أن أقول كلمة تفرق بين الجمع وتسفك الدم ويحمل عني غير ذلك . فذكرت ما أعد الله في الجنان . قال حبيب : حفظت وعصمت ( 1 ) . .
والرواية تشير إلى أنه كان يعلم أن هناك من هو أحق من معاوية بالحكم فكيف له أن يكتم هذا . . ؟ وهل كانت كلمة ابن عمر مسموعة في تلك الفترة بحيث يمكن لكلمته في مواجهة معاوية أن تحدث فرقة وقتال . . ؟
وكلام ابن حجر هذا فيه اعتراف بأن معاوية لم يكن أحق الناس بالحكم وأنه فرض نفسه بالقوة لا بالسبق إلى الإسلام والعبادة . أما ابن عمر فلم يكن هذا رأيه . وهو كلام فيه وهن وسفاهة إذ يعتبر أن موقف معاوية وجرائمه هي مجرد رأي . . أما موقف ابن عمر الذي بايع حسما للفتنة - كما يروى - فكأنه يشير إلى أن هناكم ثقل ووزن جماهيري لابن عمر يخشى منه الدخول في صدام مع معاوية وهو غير صحيح وكل ما في الأمر أن شخصية ابن عمر كانت شخصية سلبية وعاجزة عن اتخاذ القرار المناسب في مواجهة الواقع وهو ما يظهر لنا من
خلال علاقته بزوجته المشاكسة التي لم يكن يقوى على طليقها . كما كانت شخصية ابن
عمر شخصية قشرية مسطحة ليس لها إلا ظاهر الأمر وهو ما يتضح من خلال تشدده في
اللباس
أعظم من أن يبايع رجل على بيع الله ورسوله ثم ينصب له القتال . وإني لا أعلم أحد منكم خلعه ولا بايع في هذا الأمر - أي غير يزيد - إلا كان الفيصل بيني وبينه " ( 1 ) . .
وبالطبع لم يمس جيش يزيد ابن عمر أو أهله بسوء . وابن عمر بدوره آثر أن يقوم بدور المتفرج على هذه المجزرة الوحشية لأبناء الرسول والأنصار في المدينة ولعله كان يتشفى فيهم لمخالفتهم إياه . . ولكن هل غفل ابن عمر عن النصوص الصريحة التي جاءت على لسان الرسول ( ص ) والتي تحرم انتهاك المدينة ( 1 ) . . ؟
يصلي وراءه . وليس هناك أكثر من الصلاة وراء مجرم كالحجاج كدليل على جبن هذا الرجل وسفاهته . ولا يقال إن موقف ابن عمر هذا من باب حسم الفتنة وتوحيد الكلمة فالحجاج لم يكن إلا ذنب من أذناب بني أمية ولم يكن إمام المسلمين . . هل بعد هذا كله يجوز أن نضع مثل هذا القشري الجبان قدوة لنا نتلقى منه الدين وعلم الرسول ؟ والإجابة بالطبع لا . ولكنها السياسة والفقهاء الذين استنبطوا من صلاته وراء
الحجاج قاعدة تقول بجواز الصلاة وراء كل بر وفاجر واعتبروها
من العقيدة كما اعتبروا طاعة الحكام والحج معهم والجهاد من ورائهم من العقيدة
التي يجب على المسلم أن يتمسك بها وإلا كان من الهالكين وفقد الأمل في النجاة
من النار ( 1 ) . . ويروى أن عبد الله بن عمرو بن العاص كان يجلس في ظل الكعبة والناس مجتمعون حوله فقال : . . من بايع إماما فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه إن استطاع فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر . فدنا منه أحد السامعين وقال له : أنشدك الله أنت سمعت هذا من رسول الله ( ص ) فأهوى إلى أذنيه وقلبه بيديه وقال سمعته أذناي ووعاه قلبي . فقال له : هذا ابن عمك معاوية يأمرنا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل ونقتل أنفسنا والله يقول : ( يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما ) قال فسكت ساعة ثم قال - أي ابن عمرو - أطعه في طاعة الله واعصه في معصية الله ( 2 ) . .
بذلك الإشارة إلى ما نفس الحديث من قوله فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر إلى ما جاء في الحديث الآخر من وجوب الوفاء ببيعة الأول وقد كان علي هو الأول فكيف يأمر بطاعة من خرج عليه
وهو إشكال وارد إلا أن يكون حديث عبد الله هذا قد جرى بعد موت علي واستتاب الأمر لمعاوية ( 1 ) . . وقد لخص السيوطي تاريخ الخلفاء في كتاب من أبي بكر حتى خلفاء بني العباس الذين كانت خلافتهم جرد صورة وواجهة لحكم المماليك العبيد في مصر . . يقول السيوطي عن كتابه : ولم أورد أحدا ممن ادعى الخلافة خروجا ولم يتم الأمر له ككثير من العلويين وقليل من العباسيين ولم أورد أحدا من الخلفاء العبيديين - الفاطميين - لأن إمامتهم غير صحيحة ( 2 ) . . وهل يمكن قوله حول كتاب السيوطي هذا هو أنه قدم لنا خدمة كبيرة بجمعه كل هذه الروايات عن الحكام وأحكامهم وهي كافية للدلالة على انحرافهم وفساد حكمهم وعدم جدارتهم بتولي أمر المسلمين ( 3 ) . .
إما أن نقر بصحة هذه الروايات الواردة على لسان الرسول عنهم وبالتالي نتهمه بالظلم وإضفاء الشرعية على الفساد . . وإما أن نقر بأن هذه الروايات باطلة أو قصد بها أناس صالحون
وتم تحريفها . . والأمر الثاني هو المختار بالطبع . . أما أقوال الفقهاء وتبريراتهم لهذه الروايات فقد أكدت لنا أن هؤلاء الفقهاء وقعوا في فخ السياسة ودانوا لها وعاشوا في خدمتها وبدلا من أن يدافعوا عن الرسول ( ص ) بنقض هذه الروايات الواضح بطلانها ومخالفتها للقرآن وروح الدين
الذي جاء يبشر بالعدل والإحسان لا بالظلم والفساد . شمروا عن سواعدهم سخروا أقلامهم وألسنتهم في الدفاع عن الحكام حتى أنهم جعلوا طاعتهم والولاء لهم من العقائد ( 1 ) . .
|
|