الرسول يبشر بالظلم

 

 

- دفاع عن الرسول ضد الفقهاء والمحدثين - صالح الورداني ص 303 :

الرسول المتطرف . . الرسول يبشر بالظلم ويمنح الحكام شرعية ذبح الخارجين عليهم . .
 

هل جاء الرسول ليهدد ويتوعد ويحرق بيوت الناس ؟

هذا ما جاءت به الروايات . . هل جاء الرسول ليهدد أهل الكتاب ويعزلهم عن المجتمع ويحط من قدرهم . . ؟

هذا ما جاءت به الروايات . . هل جاء الرسول لنصرة الحكام ومنحهم شرعية ذبح المخالفين لهم والخارجين عليهم . . ؟


هذا ما تصوره الروايات . . لقد أظهرت الروايات والتبريرات الفقهاء لها الرسول بمظهر التطرف والعدوانية على المسلمين وأصحاب الديانات الأخرى . . وكان أن استثمرت القوى الحاكمة هذه الروايات وتبريرات الفقهاء لها في قمع المسلمين

وإراقة الدماء وزرع الطائفية في المجتمع الواحد . كما استثمرها أعداء الإسلام في حملتهم الشعواء ضد هذا الدين الذي وصفوه بالدموية والتعصيب . . وجاءت الحركة الوهابية الحنبلية في العصر الحديث لتؤكد هذا المفهوم حيث تبنت جميع

الروايات المتطرفة المنسوبة للرسول ( ص ) وأعملت السيف في رقاب المسلمين وتمكنت من إقامة دولة شعارها السيف لا الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة . . وبدعم من الحركة الوهابية تم زرع التطرف في ربوع العالم الإسلامي عن طريق

شراء الرموز والمؤسسات والتيارات الإسلامية التي تشبعت بالفكر الوهابي وقامت بنشر الارهاب الفكري وإراقة دماء المخالفين وزرع بذور الشقاق بين المسلمين . .
 

ص 304

وفي ظل هذا الجو بدا وكأننا نعيش عصر محاكم التفتيش خاصة وبعد أن تمكن المد الوهابي من التغلغل في الحكومات . . وعاش أصحاب الفكر والرأي في خوف من فرعون وملائه بعد أن أصبح الرأي المخالف مجرما ومناهضا للحكم القائم ومبررا للبطش والتنكيل . .


 - ضد المسلمين :

يروى عن الرسول ( ص ) قوله : " بعث بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له . وجعل رزقي تحت
ظل رمحي وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري ومن تشبه بقوم فهو منهم " ( 1 ) . .

قال ابن رجب الحنبلي : والذي يظهر أن في القرآن أربعة سيوف . سيف على المشركين حتى يسلموا أو يؤسروا فإما منا
بعد وإما فداء وسيف على المنافقين وهو سيف الزنادقة . وقد أمر الله بجهادهم والاغلاظ عليهم في سورة براءة وسورة

التحريم وآخر سورة الأحزاب . وسيف على أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية . وسيف على أهل البغي وهو مذكور في
سورة الحجرات ولم يسل ( ص ) هذا السيف في حياته ( 2 ) . .


ويبدو من كلام ابن رجب أنه استند إلى القرآن لدعم موقفه من هذه الرواية المتطرفة المنسوبة للرسول .

وهذه نادرة من نوادر الفقهاء إذ أنهم لا يلجأون إلى القرآن ليدعموا به الروايات فهم قد استغنوا بها عن القرآن . . إلا أن
هذه الرواية تفوح منا رائحة السياسة واستناد ابن رجب إلى القرآن استناد في غير موضعه وهو لا يخرج عن كونه محاولة

لتسييس النص القرآني فهذه السيوف الأربعة التي ذكرها إنما هي سيوف خاصة بالرسول وهو المختار من قبل الله سبحانه لتطبيق أحكامه . وهو الشخصية الوحيدة التي سوف تغمد هذا السيف في موضعه . فإن أحكام الدماء لا يؤتمن عليها إلا الرسول . .
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) رواه أحمد والطبراني . أنظر الحكم الجديرة بالإذاعة من قول النبي ( ص ) " بعث بالسيف بين يدي الساعة لابن رجب الحنبلي " .
( 2 )
أنظر الحكم الجديرة بالإذاعة . . ( * )

 

 

ص 305

لكن الفقهاء أعطوا الحكام صلاحيات العمل بالسيف وهم أحلوهم بذلك مكان الرسول وفق روايات مخترعة استعرضناها في باب الرسول الظالم . . ومن هنا فإن هذه السيوف الأربعة التي ذكرها ابن رجب هي من صلاحيات الحكام أو من أطلقوا عليهم لفظ الأئمة زورا وبهتانا لكي يضلوا الأمة عن الأئمة الحقيقيين الذين أشار إليهم الرسول ( ص ) . .


ومن هنا أيضا أعملت السيوف في رقاب المسلمين من قبل الحكام بتهمة الزندقة تارة والبغي تارة والخروج على جماعة المسلمين تارة أخرى . .
 

قال النووي : الزنديق هو الذي يعترف بالدين ظاهرا وباطنا . لكنه يفسر بعض ما ثبت من الدين ضرورة بخلاف ما فسره الصحابة والتابعون وأجمعت عليه الأمة ( 1 ) . .
 

إن الفقهاء قد عبدوا الأمة للرجال وعلى رأسهم الحكام الذين منحوهم شرعية تصفية الخارجين عن هذا الخط بتهمة الزندقة . . ولأن الأمة من بعد الرسول لم تلتزم بوصيته وتتبع الأئمة الذين أشار إليهم فمن ثم هي قد وقعت في براثن الحكام الذين أحلوا

أنفسهم مكان الأئمة وحملوا السيوف ليضعوها في غير موضعها . . والفقهاء يريدون منا أن نساير هذا الوضع ونقره . . يريدون منا أن نقر تلك المجازر الوحشية التي ارتكبها الحكام باسم الإسلام تحت شعار الجهاد في سبيل الله . . يريدون منا

أن نقر تلك المذابح التي قام بها هؤلاء الحكام ضد المسلمين باسم البغي والخروج على جماعة المسلمين . . يريدون منا أن نقر عمليات التصفية الجسدية والإطاحة برقاب أصحاب الرأي تحت شعار الزندقة . .
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) المرجع السابق . . ( * )

 

 

ص 306

إن المتابع لسلوك ومواقف الإمام علي من بعد الرسول تتجلى له هذه الحقيقة بوضوح فهو أولا لم يشارك فيما سمي بحركة الفتوحات . . وهو ثانيا الشخص الوحيد الذي بشر به الرسول ( ص ) كشاهر للسيف في مواجهة أهل القبلة . فهو قاتل عائشة وطلحة والزبير وغيرهم . . ثم قاتل الخوارج من بعدهم . ثم قاتل معاوية من بعد ذلك ( 1 ) . .


ونظرة إلى حركة الإمام علي وكيفية تطبيقه لأحكام السيف يتبين لنا أنه لا فرق بين تطبيقه وتطبيق الرسول . .

يتبين لنا أنه لم يكن يقاتل لغرض القتال وإنما لغرض الدفاع . .

ويتبين لنا أنه كان يقاتل بخلق الإسلام لا بخلق الحكام . .

يتبين لنا ذلك بوضوح إذا ما نظرنا إلى الجبهات الأخرى التي كانت تواجهه والتي كانت تقاتل من أجل الدنيا . . فهو قد رد عائشة آمنة مطمئنة إلى بيتها ما ارتكبته من جرائم وما تسببت فيه من مفاسد وإراقة دماء المسلمين . . وهو لم يقاتل الخوارج

لأنهم قد خرجوا عليه وخالفوا نهجه وإنما قاتلهم عندما رفعوا شعار التكفير واستحلوا أموال المسلمين ودمائهم . . وهو لم يقاتل معاوية من أجل الحكم وإنما قاتل معاوية دفاعا عن الإسلام الذي جاء معاوية لهدمه وتزييفه . .


يروى أن رجلا قال لعبد الله بن عمر : ألا تغزو . فقال : إني سمعت رسول الله ( ص ) يقول : " إن الإسلام بني على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصيام رمضان وحج البيت " ( 2 ) . . وابن عمر هو فقيه الصحابة الذي يعتمد القوم على رواياته لم يكن له دور فيما سمي بحركة الفتوحات وهذا الموقف من قبله يضعنا بين أمرين :
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) أنظر تفاصيل هذه المعارك في كتب التاريخ . . وانظر الصواعق المحرقة لابن حجر الهيثمي . والعواصم من القواصم لأبي بكر بن العربي . وانظر لنا السيف والسياسة
( 2 )
مسلم . كتاب الإيمان . . ( * )

 

 

ص 307

 الأول : أن يكون له برهان شرعي تجاه هذه الغزوات . .

 الثاني : أن يكون جبانا لا يقوى على القتال . . ونحن نرجح الأمرين معا . .
 

يروى أن رسول الله ( ص ) رأى خاتما من ذهب في يد رجل فنزعه فطرحه . وقال : " يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيجعلها في يده " . فقيل للرجل بعد ما ذهب رسول الله . خذ خاتمك فانتفع به . قال : لا والله لا آخذه أبدا وقد طرحه رسول الله ( 1 ) . .
 

قال الفقهاء : قوله فنزعه فطرحه . وهذا أبلغ في باب الانكار . ولذا قدمه ( ص ) في قوله : " من رأى منكم منكرا فليغيره بيده " .
 

وقال النووي : فيه إزالة المنكر باليد لمن قدر عليها . وقيل : نزع الخاتم من يده وطرحه دليل على غضب عظيم وتهديد شديد وفيه أن النهي للتحريم المتوعد عليه بالنار وقول صاحبه لا آخذه مبالغة في اجتناب النهي إذ لو أخذه لجاز ولكن تركه تورعا لمن يأخذه من الضعفاء لأنه نهاه عن لبسه خاصة لا عن التصرف فيه بغير اللبس ( 2 ) . .


إن الفقهاء لم يتطرقوا إلى هذا السلوك الذي بدر من الرسول ( ص ) وكونه لا يتلاءم مع خلقه العظيم فهو لا يخرج عن كونه تصرف شائن ومعالجة متطرفة لسلوك فرد لا يصطدم بجوهر الدين . وهو يتناقض مع دعوة الرسول إلى الرفق واللين

والدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة التي نص عليها القرآن . . . وكل ما يعني الفقهاء هو تبرير هذا السلوك ثم استنباط أحكام تشريعية منه . دون إعمال العقل في الرواية والعمل على مطابقتها بالقرآن . . . ومثل هذا التبرير هو الذي خلق التيارات

المتطرفة في تاريخ المسلمين وعلى رأسها تيار الحنابلة الذي يتعبد بالروايات ويقدمها على القرآن وعلى العقل حتى ولو كانت ضعيفة ومشكوك في صحتها سندا . .
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) مسلم . كتاب اللباس والزينة . . ( 2 ) مسلم . هامش باب في طرح خاتم الذهب . كتاب اللباس والزينة ( * ) .

 

 

ص 308

وتيار الحنابلة هو الذي خلق الفقيه المتطرف ابن تيمية الذي خلق بدوره وبطرحه التيار الوهابي الذي ساد واقع المسلمين اليوم بالدنانير والريالات وخلق لنا في النهاية التيارات الإسلامية التي جعلت من هذه الأمور الشكلية ( الذهب والصور والموسيقى ) وغيرها قضاياها الأساسية التي تبرر لها شهر السيوف وإراقة الدماء من أجلها . .


ويروى عن ابن هريرة أن الرسول ( ص ) قال : " لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام ثم آمر رجلا فيصلي بالناس ثم انطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار " ( 1 ) . .


وفي رواية أخرى : " ثم تحرق بيوت على من فيها " ( 2 ) . .
 

قال الفقهاء : المراد أناس مفقودين بعض من المنافقين فإنه لا يظن بالمؤمنين أنهم يؤثرون العظم السمين على حضور الجماعة مع سيد المرسلين . . وقيل هذا مختص بزمانه ( ص ) لأنه لم يتخلف عن الجمعة في ذلك الوقت إلا منافق ويحتمل أن يحصل عاما فيكون تشديدا على تاركي الجمعة بغير عذر وتنبيها على عظم إثمهم ( 3 ) . .


وكلام الفقهاء هذا فيه إدانة للرسول ( ص ) فهو قد هم بإحراق بيوت تاركي الصلاة بمن فيها من الأطفال والشيوخ والنساء . وهذا حكم لا يوجد ما يبرره شرعا لا في القرآن ولا في الروايات . فضلا عن كونه يتسم بالوحشية والهمجية التي تضع

الرسول في موضع طغاة القرون الوسطى ورجال محاكم التفتيش الذين كانوا يحرقون المخالفين أحياء وعلى الملأ . وإذا كان قتل الشيوخ والأطفال والنساء وحرق الأشجار والبيوت والزرع لا يجوز في زمن الحرب على المشركين وهو ما نصت

عليه الروايات التي يتعبد بها القوم . فهل يجوز إحراق المسلمين وفي زمن السلم ( 4 ) . . ؟
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) مسلم . كتاب المساجد . باب فضل صلاة الجماعة والتشدد في التخلي عنها . وانظر أبو داود كتاب الصلاة .
( 2 )
المرجع السابق . . ( 3 ) مسلم . هامش الباب السابق . . ( 4 ) أنظر أبواب الجهاد في كتب السنن . . ( * )

 

 

ص 309

وما نخرج به من هذه الرواية وتبريرات الفقهاء أن مسألة الصلاة من الضخامة بمكان بحيث تباح دماء تاركيها والمتخلفين عن أدائها جماعة . . وهذا التصور إنما هو نابع من عدة روايات منسوبة للرسول بخصوص الصلاة وهي روايات لا تخرج عن موضوع الباب . .


يروى عن الرسول ( ص ) قوله : " بني الإسلام على خمس : شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله . وأقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصوم رمضان " ( 1 ) . .


ويروى عن الرسول ( ص ) قوله : " إن العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر " ( 2 ) . .


ويروى عن أبي هريرة أن الرسول ( ص ) قال : " إن أول ما يحاسب به العبد بصلاته . فإن صلحت فقد أفلح وأنجح . وإن فسدت فقد خاب وخسر " ( 3 ) .


ومن هنا أفتى ابن حنبل بكفر تارك الصلاة وعدم جواز دفنه في مقابر المسلمين .

وقال آخر يحتمل أن يكون المراد بهذا الكفر كفرا يبيح الدم لا كفرا يرده إلى ما كان عليه في الابتداء . وقيل إن المقصود بالكفر من تركها جحودا ( 4 ) . .
 

وكون أن الصلاة من أركان الإسلام الخمس أو أنها الفيصل بين الإسلام والكفر أو أنها وسيلة صلاح العمل والنجاة في الآخرة فجميع ذلك هو من اخترع السياسة كي تتجه الأمة نحو الصلاة وتعتقد أن فيها خلاصها وتهمل جوهر الدين وتصبح أداة طيعة للحكام الذين يقيمون الصلاة أيضا ما دامت هي وسيلة إخضاع الأمة لهم وإلزامها بطاعتهم ( 5 ) . .
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) مسلم . كتاب الإيمان . . ( 2 ) النسائي . كتاب الصلاة . . ( 3 ) المرجع السابق . .
( 4 )
النسائي . هامش باب المحاسبة على الصلاة . شرح السيوطي وحاشية السندي .
( 5 )
أنظر لنا كتاب : أحاديث نبوية اخترعتها السياسة ( * ) .

 

 

ص 310

 - ضد أهل الكتاب :

يروى عن الرسول ( ص ) قوله : " لا تبدؤهم - أي أهل الكتاب - بالسلام . وإذا لقيتموهم في الطريق فاضطروهم إلى أضيع الطريق " ( 1 ) .
 

ويروى عنه ( ص ) : " إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا : وعليكم " ( 2 ) . .
 

ويروى جاء يهودي إلى النبي ( ص ) فقال : يا أبا القاسم ضرب وجهي رجل من أصحابك . فقال : " من " ؟ قال : رجل من الأنصار . قال : " ادعوه " . فقال : " أضربته " . قال سمعته بالسوق يحلف والذي اصطفى موسى على البشر . قلت : أي خبيث . على محمد . فأخذتني غضبة ضربت وجهه . فقال النبي : " لا تخيروا بين الأنبياء " ( 3 ) . .


ومثل هذه الروايات وغيرها إنما تقوي نزعة العداء في نفوس المسلمين تجاه أهل الكتاب وأصحاب الديانات الأخرى الذين يشاركونهم العيش في أوطانهم . فمن ثم فهي تخلق الصراعات الطائفية التي تحول دون استقرار المجتمع الذي يحوي ديانات

أخرى بجوار المسلمين . . ولقد أسهم الفقهاء بتبريراتهم وتأويلاتهم خاصة الحنابلة منهم في دفع المسلمين إلى معاداة أصحاب الديانات الأخرى والنظر إليهم كمواطنين من الدرجة الثانية . ومثل هذه النظرة إنما تنبع من ذلك الكم الهائل من الروايات التي

تصور أهل السنة وكأنهم شعب الله المختار ( 4 ) . .


ومن خلال الرواية الأولى تبدأ عملية التعبئة المعنوية ضد أهل الكتاب وتأسيس الموقف النفسي منهم ثم تجاوز ذلك إلى العمل على التضييق عليهم في الطرقات . وهو سلوك لا يتسم بالعقلانية والخلق الحسن الذي نادى به الإسلام . . والنتيجة ذاتها يمكن أن نخرج بها من خلال الرواية الثانية . .
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) أبو داود . كتاب الأدب . باب السلام على أهل الذمة . . ( 2 ) مسلم . كتاب السلام . .
( 3 )
البخاري كتاب الخصومات . ومسلم كتاب الفضائل . . ( 4 ) أنظر لنا كتاب أهل السنة شعب الله المختار . . ( * )

 

 

ص 311

أما الرواية الثالثة فتكشف انحياز الرسول للمسلم ضد اليهودي في قضية سلوكية ترتبط بالأدب والأخلاق ولا صلة لها بأمر الاعتقاد . فهو لم يقتص لليهودي من المسلم وكل ما أظهرته الرواية هو أن الرسول زكى موسى ( 1 ) . .


وهذه الروايات المتطرفة المتعلقة بأهل الكتاب إنما هي خاصة بمرحلة الرسول ( ص ) وما كان يقوم به اليهود من دور تآمري ضد الرسول والإسلام . أما اليوم فما هو ذنب الشعوب المستضعفة التي تدين بالمسيحية أو غيرها من الأديان ؟


إن على المسلمين أن يدركوا أن نزعة العداء هذه يجب أن تتجه إلى الحكام لا إلى هذه الشعوب . فهذا العداء هو المقصود
من النصوص القرآنية المتعلقة بأهل الكتاب التي تزدحم بها سورة التوبة وغيرها من سور القرآن . .


أما نصوص الفقهاء التي تنادي بهدم الكنائس والبيع وغيرها من المعابد وإلزام أهل الكتاب بلباس خاص ومنعهم من إشهار شعائرهم إلى آخر تلك النصوص التي تكتظ بها كتب الفقه . فهذه النصوص جميعها لا تخرج عن كونها أقوال رجال نبعت

من واقع لا صلة له بالإسلام وهو واقع تلك الدول الملكية المنحرفة وفي مقدمتها الدولة الأموية والدولة العباسية تلك الدول العنصرية التي كان هدفها هو جمع الأموال وكنز الذهب والفضة والنفائس عن طريق الجزية والخراج ( 2 ) . .


ومثل هذه السياسة هي التي دفعت بعمر بن عبد العزير أن يصدر قرار بعدم الحيلولة دون دخول أهل الكتاب في الإسلام . وقد كان الحكام من قبله يحولون بينهم وبين ذلك مخافة أن يقل إيراد الدولة من الجزية والخراج - وقال قولته المشهورة : إن الله ابتعث محمد داعيا لا جابيا ( 3 ) . . إلا أنه بالتعمق في مواقف الرسول ( ص ) يتبين لنا أن تلك الصورة المتطرفة

 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) أنظر شرح هذه الرواية في النووي كتاب الفضائل . وفتح الباري كتاب الخصومات .
( 2 )
أنظر أحكام أهل الذمة لابن القيم ومجموع الرسائل والمسائل لابن تيمية . والمختصر للشافعي .
( 3 )
أنظر سيرة عمر بن عبد العزيز في كتب التاريخ . . ( * )

 

 

ص 312

المنسوبة للرسول غير صحيحة إذ تصطدم بنصوص قرآنية صريحة كما تصطدم بمواقف واضحة للرسول من أهل الكتاب . . فالقرآن قد نص على جواز نكاح نساء أهل الكتاب . كما نص على جواز أكل ذبائحهم وهذا يعني الموافقة على قيام العلاقات الاجتماعية والاقتصادية بين المسلمين وأهل الكتاب . والعلاقات تعني الاحتكاك الدائم والتواصل . فهل يمكن أن يتحقق ذلك في ظل المقاطعة التي تبشر بها الروايات . . . ؟


يروى أن النبي ( ص ) مرت عليه جنازة يهودي فقام . فقيل له إنها جنازة يهودي ؟ فقال : " أليست نفسا " ( 1 ) . .
 

ويروى أنه دخل رهط من اليهود على النبي ( ص ) بحضور عائشة . فقالوا : السام عليك يا محمد . فردت عائشة : عليكم السام واللعنة . فقال الرسول : " مهلا يا عائشة . فإن الله يخب الرفق في الأمر كله " ( 2 ) . .
 

ويروى أن الرسول ( ص ) كلف الإمام علي لينام مكانه ليلة هجرته من مكة ويتولى رد الأمانات التي كانت بحوزة الرسول إلى أصحابها من المشركين ( 3 ) . .
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) مسلم . كتاب الجنائز . باب القيام للجنازة .
( 2 )
مسلم . كتاب السلام . باب النهي عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام . ( 3 ) أنظر كتب السيرة . . ( * )

 

 

 

الصفحة الرئيسية

 

مكتبة الشبكة

 

فهرس الكتاب