|
الرواية بين الشك واليقين |
|
|
بسم الله الرحمن الرحيم قال تعالى : (
وإنك لعلى خلق عظيم )
. الرواية بين الشك واليقين يستند الفقهاء والمحدثون في موقفهم من الروايات المنسوبة للرسول على أساس قاعدة نقد السند لا نقد المتن فهم في مواجهة هذا الكم من الروايات التي تهين الرسل والرسول خاصة وتشكك في الدعوة التي بعث بها لا يعملون عقولهم في نصها ومحتواها وأبعادها . فقط ما يعنيهم من أمرها هو بحث كونها صحيحة أم ضعيفة أم
موضوعة من حيث سلسلة الرواة الذين يروونها فإذا سلم المنسوبة للرسول ( ص ) تحت دعوى صحتها وسلامتها من ناحية السند . . وعاشت الأمة على هذا الوهم الذي باركه الفقهاء والمحدثون طوال تلك القرون منذ تدوين الأحاديث وجمعها وحتى اليوم . . إلا أنه بقليل من البحث والتأمل سوف يتبين لنا بطلان هذه القاعدة ودخولها من دائرة الشك .
بها من تعديل وتجريح . . من هنا فقد اكتظت ساحة الفكر
الإسلامي بأمهات الكتب التراثية والمعاصرة التي تتحدث عن عن كونها صورة من صور عبادة الرجال التي وقعت فيها الأمم
السابقة . . وعلى هذا الأساس كثر الخلاف بين فقهاء علم الرجال حول تعديل وتجريح
الرواة . ففي الوقت الذي يقول فيه واحد بتجريح فلان يأتي آخر فيوثقه . .
وفي الوقت الذي يتفق فيه عدد منهم على تعديل راوي يأتي آخر ويجرحه طاعنا في هذا التعديل . . ولا يوجد عند فقهاء الجرح والتعديل إجماع محدد على توثيق رواة بعينهم اللهم إلا رواة البخاري ومسلم وهؤلاء أيضا قد قيل فيهم الكثير . . وقد وضع ابن حجر العسقلاني شارح البخاري مقدمة طويلة تحت اسم ( هدى الساري ) دافع فيها عن الطعون التي وجهت للبخاري من قبل فقهاء الحديث ومنهم أساتذة البخاري نفسه . . وقال القاسمي : وقد تجافى أرباب الصحاح الرواية عن أهل الرأي فلا تكاد تجد اسما لهم في سند من كتب الصحاح أو المسانيد أو السنن كالإمام أبي يوسف والإمام محمد بن الحسن فقد لينهما أهل الحديث ( 1 ) . . ويكاد يجمع فقهاء الحديث على أن التعديل يقبل من غير ذكر سببه
. أما التجريح فيجب أن يتذكر سببه . نقل ابن الصلاح في مقدمته : ذكر
الخطيب الحافظ في ( الكفاية ) أنه مذهب الأئمة من حفاظ الحديث ونقاده مثل
البخاري ومسلم . ولذلك احتج البخاري بجماعة سبق من غيره الجرح فيهم . كعكرمة
مولى ابن عباس وكإسماعيل بن أويس وعاصم بن علي وعمرو بن مرزوق وغيرهم . واحتج
مسلم بسويد بن سعيد وجماعة اشتهر الطعن فيهم . وهكذا فعل أبو داود السجستاني .
وذلك دال على أنهم ذهبوا إلى أن الجرح لا يثبت إلى إذا فسر سببه . . وقيل إن
ذلك هو الصحيح المشهور ( 2 ) . . وبه أخذ النووي
في ( التقريب ) وقال هو الصحيح ( 3 ) . .
ويروى أن أكثر الحفاظ على قبول التعديل بلا سبب وعدم قبول الجرح إلا بذكر السبب ( 1 ) . . وقال القاري : التجريح لا يقبل ما لم يبين وجهه . بخلاف التعديل فإنه يكتفي فيه أن يقول : عدل أو ثقة مثلا ( 2 ) . . وقال ابن الصلاح : أنه يثبت - أي التعديل والجرح - في الرواية بواحد لأن العدد لم يشترط في قبول الخبر . فلم يشترط في جرح راويه وتعديله بخلاف الشهادة ( 3 ) . . ويجمع الفقهاء على أن تقبل تزكية كل عدل وجرحه ذكرا كان أو أنثى حرا كان أو عبدا . وخالف بعضهم في عدم قبول النساء في التعديل لا في الرواية ولا في الشهادة ( 4 ) . . وإذا تعارض الجرح والتعديل في راو واحد فجرحه بعضهم وعدله بعضهم ففيه ثلاثة أقوال : الأول : أن الجرح مقدم مطلقا ولو كان المعدلون أكثر . . الثاني : إن كان عدد المعدلين أكثر قدم التعديل . . الثالث : أنه يتعارض الجرح والتعديل فلا يترجح أحدهما إلا بمرجح ( 5 ) . . ويقول الصنعاني : قد يختلف كلام إمامين من أئمة الحديث في
الراوي الواحد . فيضعف هذا حديثا وهذا يصححه . ويرمي فقد قال مالك في ابن إسحاق : إنه دجال من الدجاجلة . وقال فيه شعبة : إنه أمير المؤمنين في الحديث . وشعبة إمام لا كلام في ذلك .
وإمامة مالك في الدين معلومة لا تحتاج إلى برهان . فهذان إمامان كبيران اختلفا في رجل واحد من رواة الأحاديث ( 1 ) . . وينبني على خلاف الأئمة خلاف الأتباع كما أشار الصنعاني فرفض أتباع مالك قبول رواية ابن إسحاق . ويأخذ أصحاب شعبة بروايته . . ويحدد الفقهاء ألفاظ الجرح والتعديل فيما يلي : 1 - في الرواة المقبولين : ثبت حجت وثبت حافظ وثقة متقن . وثقة ثقة . . ثم ثقة . . ثم صدوق . ولا بأس به . وليس به بأس . . ثم محله الصدق وجيد الحديث وصالح الحديث وشيخ وسط . . وشيخ حسن الحديث . وصدوق إن شاء الله وصويلح ونحو ذلك . 2 - في الرواة المجروحين : دجال . كذاب . وضاع . يضع الحديث . . ثم متهم بالكذب . ومتفق على تركه . . ثم متروك . وليس بثقة . وسكتوا عنه . وذاهب الحديث . وفيه نظر . وهالك . وساقط . . ثم واه بمرة . وليس بشئ . وضعيف جدا . وضعفوه . وضعيف وواه . . ثم يضعف . وفيه ضعف . وقد ضعف . ليس بالقوي . ليس بحجة . ليس بذلك . يعرف وينكر . فيه مقال . تكلم فيه . لين . سئ الحفظ . لا يحتج به . اختلف فيه . صدوق لكنه مبتدع ونحو ذلك من العبارات التي تدل بوضعها على اطراح الراوي بالأصالة أو على ضعفه . أو على
التوقف فيه . أو على عدم جواز أن يحتج به ( 2 ) .
.
وإذا قال أهل الحديث : هذا حديث صحيح أو حسن فمرادهم فيما ظهر لنا عملا بظاهر الإسناد . لا أنه مقطوع بصحته في نفس الأمر لجواز الخطأ والنسيان على الثقة . . وكذا قولهم : هذا حديث ضعيف فمرادهم أنه لم تظهر لنا فيه شروط الصحة . لا أنه كذب في نفس الأمر لجواز صدق الكاذب وإصابة من هو كثير الخطأ ( 1 ) . . ويقول المحدثون أنه لا يلزم من عدم ثبوت صحة الحديث وجود الوضع ولا يلزم من عدم صحته وضعه ( 2 ) . . وقول آخر : بين قولنا موضوع وبين قولنا لا يصح بون كثير . فإن الأول إثبات الكذب والاختلاق . والثاني إخبار عن عدم الثبوت ( 3 ) . . وقال ابن حجر : لا يلزم من كون الحديث لم يصح أن يكون موضوعا ( 4 ) . . ويفرق فقهاء الحديث بين الحديث المنكر . وبين الراوي المنكر . . فإن قيل هذا حديث منكر لا يقصد به أن راويه غير ثقة . . وإن قيل فلان روى المناكير أو حديثه هذا منكر ونحو ذلك : لا يقصد أنه ضعيف ( 5 ) . . قال الحاكم : قلت للدارقطني : فسليمان ابن بنت شرحبيل ؟ قال : ثقة . قلت : أليس عنده مناكير ؟ قال : يحدث بها عن قوم ضعفاء أما هو فثقة ( 6 ) . .
وقال الذهبي في ترجمة عبد الله بن معاوية الزبيري : قولهم منكر الحديث لا يعنون به أن كل ما رواه منكر بل إذا روى الرجل جملة وبعض ذلك مناكير فهو منكر الحديث . . وقال : ما كل من روى المناكير يضعف ( 1 ) . . وقال ابن حجر في ترجمة ثابت بن عجلان الأنصاري . قال العقيلي : لا يتابع على حديثه . وتعقب ذلك أبو الحسن بن القطان بأن ذلك لا يضره إلا إذا كثرت منه رواية المناكير ومخالفة الثقات ( 2 ) . . وقال السيوطي عن الذهبي : أنكر ما للوليد بن مسلم من الأحاديث حديث حفظ القرآن وهو عند الترمذي وحسنه . وصححه الحاكم على شرط الشيخين ( 3 ) . .
وفي ترجمة محمد بن عمر الواقدي صاحب المغازي يقول ابن حجر :
قال معاوية بن صالح : قال لي أحمد بن حنبل : الواقدي كذاب . وقال لي يحيى بن
معين : ضعيف . وقال مرة : ليس بشئ . وقال مرة : كان يقلب الحديث عن يونس يغيره
عن معمر . ليس بثقة ( 5 ) . . وجاء في ترجمة داود
بن الزبرقان الرقاش البصري . قال ابن معين : ليس بشئ . )
وقال ابن المديني : كتبت عنه شيئا يسيرا ورميت به . وضعفه جدا . وقال الجوزجاني : كذاب . وقال يعقوب بن شيبة وأبو زرعة : متروك . وقال أبو داود : ضعيف . وقال مرة : ليس بشئ . وقال النسائي : ليس بثقة . وقال ابن حبان : اختلف فيه الشيخان . أما أحمد فحسن القول فيه ويحيى بن معين وهاه ( 1 ) . .
وينقل ابن الصلاح : قيل ليحيى بن معين : إنك تقول ( فلان ليس به بأس ) و ( فلان ضعيف ) قال : إذا قلت لك ليس به بأس . فثقة . وإذا قلت لك ضعيف فهو ليس بثقة ولا تكتب حديثه ( 3 ) . . وفي مقدمة فتح الباري ذكر ابن حجر عن يونس البصري قال ابن الجنيد عن ابن معين : ليس به بأس . وهذا توثيق من ابن معين . . وقال ابن عدي : إذا لم يعرف ابن معين الرجل فهو مجهول ولا يعتمد على معرفة غيره ( 4 ) . . وقال الذهبي في ترجمة أبان بن حاتم الأملوكي : اعلم أن كل من أقول فيه ( مجهول ) ولا أسنده إلى قائله فإن ذلك هو قول أبي حاتم . فإن عزوته إلى قائله كابن المديني وابن معين فذلك بين ظاهر . وإن قلت : فيه جهالة أو نكرة أو يجهل أو لا يعرف وأمثال ذلك ولم أعزه إلى قائل فهو من قبلي . وكما إذا
قلت : ثقة أو صدوق أو صالح أو لين أو نحوه ولم أضفه إلى قائل فهو من قولي
واجتهادي ( 5 ) . .
ويقصد أكثر المحدثين بكلمة مجهول في حق الراوي أي جهالة العين بالا يروي عنه إلا واحد . أما أبو حاتم فيريد به جهالة الوصف ( 1 ) . . ويعد فقهاء الحديث سكوت المتكلمين في الرجال عن الراوي الذي لم يجرح ولم يأت بمتن منكر يعد توثيقا له ( 2 ) . . وفي ترجمة حفص بن بغيل قال ابن القطان : لا يعرف له الحال ولا يعرف . وقال الذهبي : لم أذكر هذا النوع في كتابي هذا . فإن ابن القطان يتكلم في كل من لم يقل فيه إمام عاصر ذاك الرجل أو أخذ عمن عاصره ما يدل على عدالته . وهذا شئ كثير ففي ( الصحيحين ) من هذا النمط خلق كثير مستورون ما ضعفهم أحد ولا هم بمجاهيل ( 3 ) . . ويرجح الفقهاء العمل بالرأي القائل بقبول رواية المستور لأنه قد تعذرت الخبرة في كثير من رجال القرن الأول والثاني والثالث ولم يعلم عنهم مفسق . ولا تعرف في رواياتهم نكارة . فلو ردت أحاديثهم أبطلت سننا كثيرة وقد أخذت الأمة بأحاديثهم ( 4 ) . . ويقول الذهبي في ميزانه في ترجمة مالك بن الخير الزبادي المصري . قال فيه ابن القطان : هو ممن لم تثبت عدالته . يريد أن ما نص أحد على أنه ثقة . وفي رواة الصحيحين عدد كثير ما علمنا أن أحدا نص على توثيقهم . والجمهور على أن من كان من المشايخ قد روى عنه جماعة ولم يأت بما ينكر عليه أن حديثه صحيح ( 5 ) . . ويذكر في كثير من كتب الرجال في حق كثير من الرواة ( تركه يحيى القطان ) وهذا يعني إخراج الراوي من حيز الاحتجاج بروايته .
وقال الترمذي : ذكر عن يحيى بن سعيد القطان أنه كان إذا رأى الرجل يحدث عن حفظه مرة هكذا ومرة هكذا ولا يثبت على رواية واحدة تركه ( 1 ) . . وقال ابن معين في ترجمة بكر بن خنيس الكوفي العابد : ليس بشئ . وقال مرة : ضعيف . وقال مرة : شيخ صالح لا بأس به ( 2 ) . . وقال ابن حجر في ترجمة هدبة بن خالد القيسي الذي لقيه الشيخان وأبو داود ورووا عنه : قواه النسائي مرة . وضعفه أخرى . . قال ابن حجر : لعله ضعفه في شئ خاص ( 3 ) . . وفي ترجمة عبد الرحمن بن سليمان بن عبد الله بن حنظلة المعروف بابن الغسيل . بعد حكاية توثيقه عن ابن معين وغيره . قال ابن حجر : تضعيفهم له بالنسبة إلى غيره ممن هو أثبت منه من أقرانه وقد احتج به الجماعة سوى النسائي ( 4 ) . . وفي ترجمة محارب بن دثار وترجمة نافع بن عمر الجمحي يقول ابن حجر : إن تضعيف ابن سعد فيه نظر لأنه يقلد الواقدي ويعتمد عليه . والواقدي على طريقة أهل المدينة في الانحراف على أهل العراق فاعلم ذلك ( 5 ) . . وقد جعل ابن حجر في شرحه للبخاري بابا تحت عنوان : أسماء من طعن فيهم من رجال البخاري وأورد فيه عدد ( 417 ) طعنا سوف نورد هنا نماذج منها : في ترجمة الجعد بن عبد الرحمن المدني يقول : احتج به الخمسة وشذ الأزدي فقال : فيه نظر وتبع في ذلك السباجي لأنه ذكره في الضعفاء وقال : لم يرو عنه مالك . وهذا تضعيف مردود . .
وفي ترجمة سعيد بن سليمان الواسطي يقول : قال عبد الله بن أحمد عن أبيه : كان صاحب تصحيف ما شئت . وقال الدارقطني : يتكلمون فيه . قلت : هذا تليين منهم لا يقبل . . وفي ترجمة عبد الأعلى بن عبد الأعلى يقول : وثقة ابن معين وغيره . وقال أحمد : كان يرمى بالقدر . وقال محمد بن سعد : لم يكن بالقوي . قلت هذا جرح مردود وغير مبين ولعله بسبب القدر . . وفي ترجمة عبد الملك بن الصباح المسمعي وذكره الذهبي ونقل عن الخليلي أنه قال فيه : كان متهما بسرقة الحديث . قال ابن حجر : وهذا جرح مبهم . . وفي ترجمة عمر بن نافع مولى بن عمر قال ابن سعد : كان ثبتا قليل الحديث ولا يحتجون بحديثه . قلت : وهو كلام متهافت كيف لا يحتجون به وهو ثبت . . وفي ترجمة عمرو بن سليم الزرقي قال ابن خراش : ثقة في حديثه اختلاط . قلت : ابن خراش مذكور بالرفض والبدعة فلا يلتفت إليه . . وفي ترجمة أبي سلمة موسى بن إسماعيل المنقري . قال ابن خراش فيه : صدوق وتكلم الناس فيه . قلت : نعم تكلموا فيه بأنه ثقة يا رافضي .وابن خراش هذا الذي يذمه ابن حجر ويتهمه بالرفض قال فيه الذهبي : حافظ بارع ناقد جوال ( ت 283 ه ) ذكر بشئ من التشيع . . ويروى أنه خرج مثالب الشيخين - أبو بكر وعمر - وكان ينكر حديث " إنا معشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة " الذي احتج به أبو بكر على فاطمة حين طالبته بميراث أبيها بعد وفاته ( ص ) . وكان يطعن في سلسلته . وقيل له من تتهم به ؟ قال : مالك بن أوس . قال ابن حجر : وهو - أي مالك - أحد التابعين الأجلة وقيل إن له صحبة والحديث صحيح متفق عليه ومروي عن أكثر من عشرة من الصحابة . .
وفي ترجمة بهز بن أسد العمي البصري . قال ابن حجر وثقة ابن معين والقطان وأبو حاتم وابن سعد والعجلي . وقال أحمد : إليه المنتهى في التثبت . وشذ الأزدي فذكره في الضعفاء . وقال : إنه كان يتحامل على علي . قلت : اعتمده الأئمة ولا يعتمد على الأزدي ( 1 ) . . وقال الذهبي في ميزانه في ترجمة سفيان بن عيينة : يحيى بن سعيد القطان متعنت في الرجال . . وقال أيضا في ترجمة سيف بن سليمان المكي : حدث - مع تعنته - عن سيف . . وقال الذهبي : وأما ابن حبان فإنه تقعقع كعادته وقال فيه : يروي عن الضعفاء أشياء كثيرة ويدلسها عن الثقات حتى إذا سمعها المستمع لا يشك في وضعها ( 2 ) . .
وقال الذهبي في ترجمة الفقيه أبي ثور : إبراهيم بن خالد الكلبي أحد الأعلام : وثقة النسائي والناس . أما أبو حاتم فتعنت وقال : يتكلم بالرأي فيخطئ ويصيب ليس محله محل المستعين في الحديث . فهذا غلوا من ابن حاتم ( 4 ) . .
الأول : من تكلموا في سائر الرواة كابن معين وأبي حاتم . . الثاني : من تكلموا في كثير من الرواة كما لك وشعبة . . الثالث : من تكلموا في الرجل بعد الرجل كابن عيينة والشافعي . .
والكل على ثلاثة أقسام : قسم متعنت في الجرح متثبت في التعديل يغمز الراوي بالغلطين والثلاث . وقسم متسمح كالترمذي والحاكم . . وقسم معتدل كأحمد والدارقطني وابن عدي ( 1 ) . . وقد وقع الذهبي في كثير من المتوصفة وجرحهم ( 2 ) . . ووقع الجوزجاني في الحوفيين ( 3 ) . . ووقع ابن حجر في الشيعة ( 4 ) . . ووقع جميع الفقهاء في المخالفين من المعتزلة والجهمية والقدرية ورفضوا رواياتهم . . كما هو واضح مما سبق . .
من ثبتت صحبته ثبتت عدالته . . فالصحابة في نظر الفقهاء والمحدثين جميعهم عدول لا يخضعون للنقد والتجريح وإنما الذي يخضع لهذا التابعين وتابعيهم ومن بعدهم من الرواة ( 5 ) . . وهم يعرفون الصحابي بأنه كل من شاهد رسول الله أو سلم عليه أو ولد في حياته أو عاصره ولو ساعة ويدخل في ذلك التعريف
الجن أيضا ( 6 ) . . من هنا فعندما يذكر فقهاء
علم الرجال كلمة ( له صحبة ) وهم يناقشون حال الرواة فإنما يقصدون من ذلك الكف
عن الخوض فيه . ونقد من بعده من الرواة
ومن هنا أيضا أصبح لكل هؤلاء الذين يدخلون في تعريف الصحبة حق الرواية عن الرسول ( ص ) في مشروعية تامة . . وهذا الأمر يدفعنا إلى إلقاء الضوء على قضية هامة تتعلق بأمر الأحاديث والرواية عن رسول الله ( ص ) . . إن الحقيقة الأولى التي يجب تأكيدها في هذا المضمار هي أن الصحابة انقسموا بعد وفاة الرسول ( ص ) إلى قسمين : قسم ارتد إلى نهجه القبلي . . وقسم ثبت على نهج الرسول . . القسم الأول هو الذي تحالف مع أبي بكر وعمر وعثمان ثم معاوية من بعدهم . والقسم الثاني هو الذي تحالف مع
الإمام علي وآل البيت . . القسم الأول هو الكثرة . .
والقسم الثاني هو القلة . . القسم الأول حوى جميع الذين شملهم هذا التعريف العائم الذي ذكرناه . . والقسم الثاني حوى الصحابة الذين لهم باع ووزن وقيمة ومكانة وعلما وبذلا في سبيل الدعوة طوال حياة الرسول . . القسم الأول سادت رواياته . .
والقسم الثاني ضربت رواياته . . وقد انعكس هذا الموقف على التابعين وتابعيهم فأصبحوا قسمين : قسم سار مع بني أمية وبني العباس . . وقسم مع أبناء الإمام علي الأئمة مثل الحسن والحسين وعلي بن الحسين ومحمد الباقر وجعفر الصادق . . وانعكس هذا الموقف أيضا على حركة تدوين الحديث وجمعه . . وبدا أثره واضحا على علم الجرح والتعديل . .
الجانب الغالب والسائد يشكك في أنصار آل البيت أو من يسمونهم بالشيعة والرافضة ولا يروون لهم ويجرحوهم تحت ضغط الحكام الذين يجدون في هذا الخط - خط آل البيت - خطرا على وجودهم ونفوذهم وسلطانهم . ومن جانب آخر هم يروون لخصومهم وأعدائهم ويعدلونهم . . وهذه نماذج من هؤلاء الرواة الخصوم : - مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية ابن عم عثمان بن عفان . قال فيه ابن حجر : يقال إن له رؤية - أي صحبة للرسول - فإن ثبتت فلا يعرج على من تكلم فيه . وقال عروة بن الزبير كان مروان لا يتهم في الحديث . وقد روى عنه سهل بن سعد الساعدي الصحابي اعتمادا على صدقه . وإنما نقموا عليه
أنه رمى طلحة - أحد العشرة المبشرين بالجنة - يوم الجمل الإسماعيلي وغيره . وأما ما بعد ذلك فإنما حمل عنه سهل بن سعد وعروة وعلي بن الحسين وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحرث وهؤلاء أخرج البخاري أحاديثهم عنه في صحيحه لما كان أميرا عندهم بالمدينة قبل أن يبدو منه في الخلاف على ابن الزبير ما بدا ( 1 ) . .
- أبو هريرة الدوسي أورده
ابن حجر في باب من لا يعرف اسمه واختلف فيه وقال فيه : روى له البخاري ( 446 )
حديثا - بسر بن أرطأة قال فيه ابن معين : كان رجل سوء . وبسر هذا كان من قادة معاوية الذين قادوا حملات الإبادة والتصفية الجسدية لمعارضي معاوية وأنصار على في الحجاز واليمن . وكان الإمام علي قد دعا عليه . . وقد روى له أبو داود والترمذي والنسائي ( 2 ) . . - يزيد بن زياد الكلاعي الحمصي . نهى أحمد عن مجالسته وكان الأوزاعي سئ القول فيه . وكان يكره الإمام علي لقتله جده في صفين . روى له البخاري وغيره ( 3 ) . . - طارق بن عمرو المكي مولى عثمان بن أبي عفان . ولي المدينة من قبل عبد الملك بن مروان وكان من ولاة الجور . روى له مسلم وأبو داود ( 4 ) . . - عمرو بن سعيد بن العاص الأموي المعروف بالأشدق . كان واليا على المدينة من قبل معاوية ويزيد خرج على عبد الملك بن مروان فقتله . من ولاة الجور . روى له مسلم والنسائي وابن ماجة والترمذي ( 5 ) . . - مجالد بن سعيد الهمداني
الكوفي . قال فيه أحمد : ليس بشئ . وقال الدارقطني : لا يعتبر به . ونقل
البخاري أن ابن مهدي لم يكن يروي عنه . روى له مسلم وغيره
( 6 ) .
وقال ابن المديني سئل يحيى بن سعيد القطان عن جعفر الصادق فقال : في نفسي منه شئ ومجالد أحب إلي منه ( 1 ) . . - حريز بن عثمان الرحبي الحمصي . متهم بسبب الإمام علي
والكذب على رسول الله ( ص ) . روى له البخاري وغيره - عمر بن سعد بن أبي وقاص . قاد الجيش الذي قتل الحسين وأبناء الرسول ( ص ) في كربلاء . روى له البخاري وغيره ( 3 ) . . ويروي مسلم عن ابن سيرين قوله : لم يكونوا - أي الفقهاء - يسألون عن الإسناد فلما وقعت الفتنة قالوا سموا لنا رجالكم فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم وينظر إلى أهل البدع - الشيعة والمعتزلة ومن لم يساير الوضع القائم في عصر التدوين - فلا يؤخذ حديثهم ( 4 ) . . ويقول ابن حجر : فأكثر من يوصب بالنسب - أي معاداة علي وأهل البيت - يكون مشهورا بصدق اللهجة والتمسك بأمور الديانة . بخلاف من يوصف بالرفض فإن غالبهم كاذب ولا يتورع في الأخبار ( 5 ) . .
على رواياتهم خاصة عائشة وابن عمر وأبو هريرة . وأغلب
الروايات التي سوف نتعرض لها في هذا الكتاب منقولة عنهم . . فقد روت عائشة في
البخاري ( 442 ) حديثا . .
وروى أبو هريرة ( 446 ) حديثا . . وروى ابن عمر ( 270 ) حديثا ( 1 ) . . هذا بينما لم يرو البخاري بنت الرسول سوى حديث واحد . . وروى لعلي بن أبي طالب ( 29 ) حديثا فقط ( 2 ) . . وهؤلاء الثلاثة على وجه الخصوص ( عائشة أبو هريرة ابن عمر ) من خصوم الإمام علي الذين أعلنوا انحيازهم بالكامل إلى صف معاوية وبني أمية . . وتجد الروايات المنسوبة للرسول ( ص ) والخاصة بالحكام وطاعتهم والصبر على أذاهم وظلمهم وتبرير الوضع السائد قد جاءت عن طريق هذا القسم خاصة هؤلاء الثلاثة ( 3 ) . .
قال ابن عبد البر : أجمع أهل العلم من أهل الفقه والأثر في
جميع الأمصار فيما علمت على قبول خبر الواحد العدل وإيجاب العمل به إلا الخوارج
وطوائف من أهل البدع . .
وقال : وكلهم يدين بخبر الواحد العدل في الاعتقادات ويجعلها شرعا ودينا في معتقده . على ذلك جماعة أهل السنة ( 1 ) . . ويقول ابن الصلاح : أهل الحديث كثيرا ما يطلقون على ما أخرجه البخاري ومسلم جميعا صحيح متفق عليه ويعنون به اتفاق البخاري ومسلم جميعا صحيح متفق عليه ويعنون به اتفاق البخاري ومسلم لا اتفاق الأمة عليه . لكن اتفاق الأمة عليه لازم من ذلك وحاصل معه . لاتفاقهما على تلقي ما اتفقا عليه بالقبول . وهذا القسم جميعه مقطوع بصحته والعلم اليقيني النظري واقع به خلافا لمن نفي ذلك محتجا بأنه لا يفيد من أصله إلا الظن ( 2 ) . .
وذهب الشافعي وغيره من المحدثين إلى أن الحديث إذا كان صحيحا
على شرط المحدثين لا يكون مخالفا للكتاب أبدا ( 5 )
. . وقال : ولم نجد عنه حديثين مختلفين إلا ولهما مخرج . أو على أحدهما
دلالة بأحد ما وصفت . أما بموافقة الكتاب أو غيره من السنة أو بعض الدلائل ( 1 ) . . وقال ابن خزيمة : لا أعرف أنه روى عن النبي ( ص ) حديثان
بإسنادين صحيحين متضادين . فمن كان عنده فليأتني به أن جميع الروايات التي بين أيديهم إنما هي بلفظها الذي نطق به الرسول ( ص ) وإنما يقولون إن هذه الروايات رويت بالمعنى . . ولو كانوا قد قالوا بغير ذلك لساووا هذه الروايات بالقرآن وهذا أمر يوقع في دائرة الحرج الشرعي . . إلا أنهم مجمعون على أن البخاري هو أصح الكتب بعد كتاب الله تعالى وهذا الكلام فيه نظر إذ من الممكن أن يؤدي إلى نفس النتيجة وهي مساواة القرآن بالأحاديث . . والحق أن مغالاة فقهاء الحديث في أمر الرواية والذي وصل بهم إلى الحكم بكفر منكر السنة أو المشكك فيها أو حتى كفر منكر الحديث المتواتر - وبعضهم وسع دائرة هذا الحكم ليشمل الآحاد - أن هذه المغالاة تضع السنة في مصاف القرآن . . وهم إذا ما عبدوا الأمة بهذا فإنما يكونوا قد أوقعوها في عبادة الرجال فإن قرن القرآن بالسنة يعد صورة من صور الشرك بين كلام الله وكلام البشر التي سوف تكون نتيجتها الحتمية هي طغيان كلام البشر على كلام الله وهو ما حدث . . ويمكن تحديد الفروق بين القرآن والسنة فيما يلي : - إن القرآن كلامه معجز والسنة ليست كذلك
- إن القرآن قطعي أي لا مجال للتشكيك فيه . أما السنة فإن نسبة الأحاديث إلى الرسول ( ص ) ليست قطعية . . - إن القرآن كلام الله يجوز التعبد به شرعا . بينما السنة لا يجوز التعبد بكلامها . . - إن من الممكن الكذب في السنة ونسبة القول إلى الرسول زيفا وبهتانا . ولا يمكن ذلك بالنسبة للقرآن . . وجملة السنة موضع شك . والقرآن ليس كذلك . . الحديث موضع شك من حيث المتن ومن حيث السند . وإن كان الفقهاء قد أجازوا الشك في الرواية من ناحية السند فقط . فإن عدم إجازة الطعن في الرواية من حيث المتن فيه إلغاء للعقل وامتهان لدوره ونتيجته الحتمية هي القضاء على الرأي وحرية التلقي والتناول لأحكام الدين وتعبيد الأمة لأقوال الرجال .
الخوض فيها من ناحية السند وحده . لأن الخوض فيها من هذه الناحية لن يؤدي إلى شئ لأنهم هم الذين اخترعوا قواعد البحث في أمر السند وعلم التعديل والجرح . فمن ثم فإن النتيجة في النهاية سوف تصب في دائرتهم . لأن الباحث لن يستطيع أن يقول هذا عدل وهذا غير عدل إلا وفق هذه القواعد . . من هنا فإن الفقهاء يتصدون وبشدة المحاولة الخروج عن هذه القواعد والتي تتمثل في محاولة البعض إنكار حديث الآحاد وعدم الاستدلال به في مجال العقائد . وذلك لأن السنة بكاملها تعتمد على حديث الآحاد . وهدمه يعني هدم السنة . أما الحديث المتواتر فهو قليل فمن ثم لا يمكن الاعتماد عليه في بناء هذا الصرح الكبير الذي أقاموه تحت رعاية بني أمية وبني العباس . .
وهناك رواية أنزلها الفقهاء منزلة المتواتر وهي قول الرسول ( ص ) : " من كذب علي معتمدا فليتبوا من النار " ( 1 ) . . وهذه الرواية التي هي محل إجماع تدل دلالة قاطعة على أن هناك كذب واختلاق وتزييف سوف يتم باسم الرسول ( ص ) . . وهناك رواية أخرى تقول : " يكون في آخر الزمان دجالون كذابون يأتونكم من الأحاديث بما لم تسمعون " ( 2 ) . . ويروى عن ابن عباس قوله : إنا كنا نحدث عن رسول الله إذ لم يكن يكذب عليه فلما ركب الناس الصعب والذلول تركنا الحديث عنه ( 3 ) .
شكلت شخصية الأمة وعقلها وصاغت دينا جديدا يتناقص مع القرآن . . إن محاولة التفريق بين السند والمتن . وإباحة هذا وتحريم هذا إنما هي مؤامرة على دين الله صاغها الحكام من بعد الرسول وتبعهم الفقهاء فيها وقاموا بتقنينها وإضفاء المشروعية عليها . . وبالأمس واليوم كانت هناك عقول راشدة
تنكر الحديث من متنه فيتصدى لها الفقهاء بدعوى صحة السند وإن رجاله رجال الصيح
وأن وأن . . ولما كان هذا الكلام لا يرح العقل ولا يسكت المعارضة . كان قرار
الفقهاء هو تكفير أمثال هؤلاء الرافضين وزندقتهم تحت دعوى التشيع أو التجهم أو
القدرية . فينهض الحكام ليعملوا السيوف في رقابهم ( 4 )
وقد يكون هناك تجاوز من الفقهاء في نقد كتب السنن مثل الترمذي والنسائي وابن ماجة وأبو داود ومسند أحمد . إلا أنهم لا يتسامحون في محاولة توجيه أي نقد للبخاري ومسلم . فهذين الكتابين فوق النقد والاستدلال بأحاديثهما كالاستدلال بنصوص القرآن . وذلك بدعوى أن الأمة أجمعت على صحتهما وتلقتهما بالقبول والأمة معصومة عن الخطأ ( 1 ) . . والبخاري هو أول من نقح كتب الأحاديث والمسانيد التي كانت منتشرة في عصره ( العصر العباسي ) واستخلص منها الحديث الصحيح الذي لا يرتاب فيه أمين ( 2 ) . . والبخاري ولد عام 194 ه بمدينة بخاري وكان جده الثالث مجوسيا مات على دينه وله الكثير من الفتاوى الغريبة ( 3 ) . . أما مسلم فهو تلميذ البخاري وينتمي إلى نيسابور وهناك خلاف في
ضبط تاريخ مولده ووفاته . ويرجح ابن خلكان أنه توفي سنة إحدى وسنين ومائتين وهو
ابن خمس وخمسين سنة فتكون ولادته في سنة ست ومائتين ( 4
) . . بينما يشير الذهبي إلى أن مولده كان في سنة 204 ه
( 5 ) . . وقد خالف مسلم البخاري في نهجه وجمعه للأحاديث فمن ثم قد حوى
الكثير من الأحاديث التي فاتت البخاري أو هو تجنبها خاصة الأحاديث المتعلقة بفضل الإمام علي وآل البيت والتي خلا منها البخاري ( 1 ) . . ومن بعد مسلم جاء ابن ماجة القزويني ( ت 273 ه ) ودون سننه المعروفة بسنن ابن ماجة . . وجاء بعده أبو داود السجستاني ( ت 275 ه ) ووضع كتابه سنن أبو داود . . ومن بعده جاء الترمذي ( ت 279 ه ) وصنف كتابه جامع الترمذي . . وعاصره النسائي ( ت 279 ه ) ودون سننه التي أطلق عليها سنن النسائي ( 2 ) . . وجاء الحاكم النيسابوري ( ت 405 ه ) فاستدرك على البخاري ومسلم الكثير من الأحاديث الصحيحة بطرقهم ورجالهم والتي تجنبوا تدوينها في كتابيهما .
من دائرة عبادة الرجال التي وضعهم فيها الفقهاء والحكام . . وعلى رأس هذه الروايات التي استدركها الحاكم الروايات المتعلقة بالإمام علي وآل البيت وسلوك بعض الصحابة ومواقفهم بعد وفاة النبي ( ص ) . . وكذلك ما يتعلق ببعض الأحكام ومن هذه الروايات رواية تقول : " قيدوا العلم بالكتاب " . . ورواية : " كل سبب ونسب منقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي " . . ورواية : " إذا بلغ بنو ابن العاص ثلاثين رجلا اتخذوا عباد الله خولا ومال الله دولا وكتاب الله دغلا " . . ورواية : " إن الجنة لتشتاق إلى ثلاثة : علي وعمار وسلمان " .
.
ورواية : " إنه لا تتم الصلاة أحدكم حتى يسبغ الضوء كما أمره الله فيغسل وجهه ويديه إلى المرفقين ويمسح رأسه ورجليه إلى الكعبين " . . ورواية : " قاتل عمار وسالبيه في النار " . . ورواية : " ملئ عمار إيمانا إلى بشاشة " . . ورواية : " من آذى عليا فقد آذاني " . . ورواية : " مثل أهل بيتي كسفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق " . . ونفس الأمر ينطبق على كتب السنن الأخرى التي اهملت واستبعدت مثل مسند أحمد ومسند ابن حبان وأبي يعلى والطبراني والبيهقي والدارمي وموطأ مالك وغيرهم . فهذه الكتب تحوي الكثير من النصوص النبوية التي تكشف تناقض الفقهاء وتعمدهم التركيز على البخاري ومسلم ( 1 ) . .
كتاب شريف لم يصنف في علم الدين كتاب مثله
( 4 ) . . وقال إبراهيم بن إسحاق الحزبي : ألين
لأبي داود الحديث كما ألين لداود الحديد . . وقال ابن حبان : أبو داود أحد أئمة
الدنيا فقها وعلما وحفظا ونسكا وورعا واتقانا . .
وقال ابن القيم : كتاب السنن لأبي داود من الإسلام بالموضع
الذي خصه الله به بحيث صار حكما بين أهل الإسلام وفصلا في ونظمها أحسن نظام مع انتقائها أحسن انتقاء وإطراحه منها أحاديث المجروحين والضعفاء ( 1 ) . . وقد مال له أهل العراق ومصر وبلاد المغرب وكثير من أقطار الأرض . أما أهل خراسان فقد أولع أكثرهم بكتاب محمد بن إسماعيل البخاري ومسلم بن حجاج النيسابوري ومن نحا نحوهما في جمع الصحيح على شرطهما ( 2 ) . . أما سنن النسائي فقد قالوا فيها : النسائي أحفظ من مسلم وأن سننه أقل السنن حديثا ضعيفا بعد البخاري ومسلم . . وقال الدارقطني : كل ما في سنن النسائي صحيح غير تساهل صريح . . وقالوا إن النسائي له شرط في الرجال أشد من شرط مسلم ولذلك كان بعض علماء المغاربة يفضله على البخاري ( 3 ) . . وقيل في الترمذي ما شابه ذلك ( 4 ) . . أما ابن ماجة القزويني فهو كما قالوا دون الكتب الخمسة في المرتبة ولذلك أخرجه كثير من جملة الصحاح الستة . . إلا أن المتأخرين عدوه ضمن الستة ( 5 ) . . - نهج التأويل : يتخذ
الفقهاء موقفا معاديا من قضية التأويل فيما يتعلق بالأحاديث النبوية الخاصة
بصفات الله سبحانه . .
وقد أعلن هؤلاء الفقهاء الحرب على الشيعة والمعتزلة والجهمية وغيرهم من الخلف لكونهم فسروا هذه الأحاديث بما يفيد غير ظاهرها من الوصف . . وقرر الفقهاء أن مثل هذه الأحاديث تؤخذ كما هي دون التأويل فالله تعالى له يد ورجل ويضحك ويغار ويهبط من السماء إلى الأرض ومكانه في السماء ويتكلم ويتعجب ويرى يوم القيامة وغير هذه الصفات التي أشارت إليها الأحاديث يؤمنون بها ويعتقدونها غير أنهم يلحقون هذا الاعتقاد بقولهم : له يد ليست كيدنا . . وله رجل ليست كرجلنا . . وله عين ليست كعيننا . . ويتكلم ليس ككلامنا . . ويهبط إلى الأرض ليست كهبوطنا . . وهكذا . . ويتزعم هذا الاعتقاد من يسمون أنفسهم بأهل السنة والجماعة وهو الاتجاه الذي ساد بين المسلمين اليوم بتأثير المد النفطي الوهابي ( 1 ) . . أما قبل ذلك فكان هذا الاتجاه ينحصر في دائرة الحنابلة الذين قدر لهم
بعض الانتشار في عصر المتوكل العباس بعده كبتوا ولم تقم عبد الوهاب في الجزيرة العربية والتي تبنت الطرح الحنبلي وأحيت مذهب ابن تيمية وفرضته على المسلمين بسيف آل سعود لتصبح له دولة تمكنت ببركات النفط أن تنشر هذا الاعتقاد بين المسلمين في كل مكان ( 2 ) . . وقد وقف في مواجهة أهل السنة الكثير من فقهاء الخلف وفقهاء الاتجاهات الأخرى التي
تحترم العقل وتعطى له مكانته . أولئك الذين رأوا في هذا الاعتقاد صورة من صور
التجسيم الغير مباشر .
فما معنى وصف الله سبحانه أن له يد ليست كيدنا . . وعين ليست كعيننا ورجل ليست كرجلنا . . الخ . والعقل البشري لا يتصور اليد أو العين أو الرجل إلا صورة واحدة وهي ما تجسم في مخيلته . . ؟ وكيف للعقل أن يتصور اليد والعين والرجل بصورة أخرى . إن ذلك خارج طاقته وما جبل عليه . . من هنا فعند ذكر اليد أو العين أو الرجل فسوف يتصورها العقل كما هي عند سماعه مثل هذه الأحاديث التي تصف الله سبحانه بمثل هذه الصفات . . ولما كان هؤلاء الفقهاء لا يملكون القدرة على الطعن في مثل هذه الأحاديث وإنكارها لاعتقادهم في صحتها بطرق الإسناد التي تعلموها . فلم يكن أمامهم سوى أن يقوموا بتأويلها وصرف ظاهرها عن معنى التجسيم . . فقالوا إن اليد تعني القدرة . . والعين تعني الإحاطة . . والسماء تعني العلو . . والهبوط هبوط الرحمة . . والتكلم يكون بواسطة . . وهكذا ( 1 ) . . وهذا ما عليه الشيعة والمعتزلة والجهمية . غير أن هؤلاء تحلوا بقدر أكبر من الشجاعة وقاموا برفض مثل هذه الأحاديث ونبذها . . والشئ الغريب والذي يفرض الكثير من التساؤلات أن فقهاء أهل السنة الذين تبنوا هذا الموقف المتشدد من أحاديث الصفات تبنوا عكس هذا الموقف تماما في مواجهة الأحاديث المتعلقة بالسياسة والحكام والرسول ( ص ) والتي سوف نعرض لها في هذا الكتاب . .
فهم في مواجهة قول الرسول ( ص ) في معاوية بن أبي سفيان : " لا أشبع الله بطنا " ( 1 ) . . قالوا : لعل هذه منقبة لمعاوية لقول النبي ( ص ) : " اللهم من لعنته أو شتمته فاجعل ذلك له زكاة ورحمة " ( 2 ) . . وقال ابن كثير : وقد انتفع معاوية بهذه الدعوة في دنياه وأخراه ( 3 ) . . وفي مواجهة قول الرسول ( ص ) : " لا يزال الإسلام عزيزا إلى اثنى عشر خليفة . . أو لا يزال أمر الناس ماضيا ما وليهم اثنا عشر رجلا " ( 4 ) . . قالوا : الاثنا عشر هم : الخلفاء الراشدون الأربعة ومعاوية وابنه يزيد وعبد الملك بن مروان وأولاده الأربعة وبينهم عمر بن عبد العزيز ثم أخذ الأمر في الانحلال ( 5 ) . . وفي مواجهة قول الرسول ( ص ) لعلي : " أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي " ( 6 ) . . قالوا : والمستدل بهذا الحديث على أن الخلافة له بعد الرسول الله زائغ عن نهج الصواب فإن الخلافة في الأهل لا تقتضي الخلافة في الأمة بعد مماته ( 7 ) . .
قالوا : إن أهل البيت نساء النبي أو بني هاشم أو بني العباس أو قريش وإن المقصود بالتذكير هنا هو الاحترام والتوقير ( 1 ) . . وسوف نعرض لنماذج أخزى من هذه التأويلات ضمن بحوث الكتاب . .
|
|