الرواية بين الشك واليقين

 

 

- دفاع عن الرسول ضد الفقهاء والمحدثين - صالح الورداني ص 10 :

بسم الله الرحمن الرحيم قال تعالى : ( وإنك لعلى خلق عظيم ) .
صدق الله العظيم

الرواية بين الشك واليقين

يستند الفقهاء والمحدثون في موقفهم من الروايات المنسوبة للرسول على أساس قاعدة نقد السند لا نقد المتن فهم في مواجهة هذا الكم من الروايات التي تهين الرسل والرسول خاصة وتشكك في الدعوة التي بعث بها لا يعملون عقولهم في نصها ومحتواها وأبعادها .

فقط ما يعنيهم من أمرها هو بحث كونها صحيحة أم ضعيفة أم موضوعة من حيث سلسلة الرواة الذين يروونها فإذا سلم
هؤلاء الرواة من التجريح . سلمت الرواية مهما يكن محتواها ونصها . . وعلى هذا الأساس تم تمرير الكثير من النصوص

المنسوبة للرسول ( ص ) تحت دعوى صحتها وسلامتها من ناحية السند . . وعاشت الأمة على هذا الوهم الذي باركه الفقهاء والمحدثون طوال تلك القرون منذ تدوين الأحاديث وجمعها وحتى اليوم . . إلا أنه بقليل من البحث والتأمل سوف يتبين لنا بطلان هذه القاعدة ودخولها من دائرة الشك .


ذلك لكون الفقهاء الذين ابتدعوها هم أيضا الذين ابتدعوا ضوابطها ومتعلقاتها . . إن تركيز الفقهاء على أمر السند والحيلولة دون الخوض في أمر المتن وإعمال العقل فيه قد دفع بالمسلمين إلى تركيز جهودهم وطاقاتهم نحو سلسلة الرواة وما يتعلق

بها من تعديل وتجريح . . من هنا فقد اكتظت ساحة الفكر الإسلامي بأمهات الكتب التراثية والمعاصرة التي تتحدث عن
التعديل والتجريح وما أسموه بعلم الرجال . . ولقد أكدت هذه الكتب أن قاعدة بحث السند التي اعتمد عليها الفقهاء لا تخرج

عن كونها صورة من صور عبادة الرجال التي وقعت فيها الأمم السابقة . . وعلى هذا الأساس كثر الخلاف بين فقهاء علم الرجال حول تعديل وتجريح الرواة . ففي الوقت الذي يقول فيه واحد بتجريح فلان يأتي آخر فيوثقه . .
 

 ص 11

وفي الوقت الذي يتفق فيه عدد منهم على تعديل راوي يأتي آخر ويجرحه طاعنا في هذا التعديل . . ولا يوجد عند فقهاء الجرح والتعديل إجماع محدد على توثيق رواة بعينهم اللهم إلا رواة البخاري ومسلم وهؤلاء أيضا قد قيل فيهم الكثير . .

وقد وضع ابن حجر العسقلاني شارح البخاري مقدمة طويلة تحت اسم ( هدى الساري ) دافع فيها عن الطعون التي وجهت للبخاري من قبل فقهاء الحديث ومنهم أساتذة البخاري نفسه . .

وقال القاسمي : وقد تجافى أرباب الصحاح الرواية عن أهل الرأي فلا تكاد تجد اسما لهم في سند من كتب الصحاح أو المسانيد أو السنن كالإمام أبي يوسف والإمام محمد بن الحسن فقد لينهما أهل الحديث ( 1 ) . .

ويكاد يجمع فقهاء الحديث على أن التعديل يقبل من غير ذكر سببه . أما التجريح فيجب أن يتذكر سببه .
 

نقل ابن الصلاح في مقدمته : ذكر الخطيب الحافظ في ( الكفاية ) أنه مذهب الأئمة من حفاظ الحديث ونقاده مثل البخاري ومسلم . ولذلك احتج البخاري بجماعة سبق من غيره الجرح فيهم . كعكرمة مولى ابن عباس وكإسماعيل بن أويس وعاصم بن علي وعمرو بن مرزوق وغيرهم . واحتج مسلم بسويد بن سعيد وجماعة اشتهر الطعن فيهم .
 

وهكذا فعل أبو داود السجستاني . وذلك دال على أنهم ذهبوا إلى أن الجرح لا يثبت إلى إذا فسر سببه . . وقيل إن ذلك هو الصحيح المشهور ( 2 ) . . وبه أخذ النووي في ( التقريب ) وقال هو الصحيح ( 3 ) . .  
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) أنظر الجرح والتعديل لجمال الدين القاسمي . .
( 2 )
أنظر مقدمة ابن الصلاح والنظر الجرح والتعديل . وانظر الرفع والتكميل في الجرح والتعديل للكنوي . .
( 3 )
أنظر السيوطي في شرحه التدريب وانظر المراجع السابقة . . وانظر شرح مسلم للنووي المقدمة . . ( * )

 

 

 ص 15

ويروى أن أكثر الحفاظ على قبول التعديل بلا سبب وعدم قبول الجرح إلا بذكر السبب ( 1 ) . .

وقال القاري : التجريح لا يقبل ما لم يبين وجهه . بخلاف التعديل فإنه يكتفي فيه أن يقول : عدل أو ثقة مثلا ( 2 ) . .

وقال ابن الصلاح : أنه يثبت - أي التعديل والجرح - في الرواية بواحد لأن العدد لم يشترط في قبول الخبر . فلم يشترط في جرح راويه وتعديله بخلاف الشهادة ( 3 ) . .

ويجمع الفقهاء على أن تقبل تزكية كل عدل وجرحه ذكرا كان أو أنثى حرا كان أو عبدا . وخالف بعضهم في عدم قبول النساء في التعديل لا في الرواية ولا في الشهادة ( 4 ) . . وإذا تعارض الجرح والتعديل في راو واحد فجرحه بعضهم وعدله بعضهم ففيه ثلاثة أقوال :

 الأول : أن الجرح مقدم مطلقا ولو كان المعدلون أكثر . .

 الثاني : إن كان عدد المعدلين أكثر قدم التعديل . .

 الثالث : أنه يتعارض الجرح والتعديل فلا يترجح أحدهما إلا بمرجح ( 5 ) . .

ويقول الصنعاني : قد يختلف كلام إمامين من أئمة الحديث في الراوي الواحد . فيضعف هذا حديثا وهذا يصححه . ويرمي
هذا رجلا من الرواة بالجرح وآخر يعدله وذلك مما يشعر بأن التصحيح ونحوه من مسائل الاجتهاد التي اختلفت فيها الآراء .

فقد قال مالك في ابن إسحاق : إنه دجال من الدجاجلة . وقال فيه شعبة : إنه أمير المؤمنين في الحديث . وشعبة إمام لا كلام في ذلك . 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) أنظر إمعان النظر شرح نخبة الفكر لأكرم عبد الرحمن السندي .
( 2 )
المرجع السابق بشرح علي القاري . .
( 3 )
أنظر مقدمة ابن الصلاح . .
( 4 )
أنظر الرفع والتكميل والسيوطي وابن الصلاح ومقدمة مسلم .
( 5 )
الرفع والتكميل وانظر مقدمة ابن الصلاح والمراجع السابقة . ( * )

 

 

 ص 16

وإمامة مالك في الدين معلومة لا تحتاج إلى برهان . فهذان إمامان كبيران اختلفا في رجل واحد من رواة الأحاديث ( 1 ) . . وينبني على خلاف الأئمة خلاف الأتباع كما أشار الصنعاني فرفض أتباع مالك قبول رواية ابن إسحاق . ويأخذ أصحاب شعبة بروايته . .

ويحدد الفقهاء ألفاظ الجرح والتعديل فيما يلي :

 1 - في الرواة المقبولين : ثبت حجت وثبت حافظ وثقة متقن . وثقة ثقة . . ثم ثقة . . ثم صدوق . ولا بأس به . وليس به بأس . . ثم محله الصدق وجيد الحديث وصالح الحديث وشيخ وسط . . وشيخ حسن الحديث . وصدوق إن شاء الله وصويلح ونحو ذلك .

 2 - في الرواة المجروحين : دجال . كذاب . وضاع . يضع الحديث . . ثم متهم بالكذب . ومتفق على تركه . . ثم متروك . وليس بثقة . وسكتوا عنه . وذاهب الحديث . وفيه نظر . وهالك . وساقط . . ثم واه بمرة . وليس بشئ . وضعيف جدا .

وضعفوه . وضعيف وواه . . ثم يضعف . وفيه ضعف . وقد ضعف . ليس بالقوي . ليس بحجة . ليس بذلك . يعرف وينكر . فيه مقال . تكلم فيه . لين . سئ الحفظ . لا يحتج به . اختلف فيه . صدوق لكنه مبتدع ونحو ذلك من العبارات التي تدل

بوضعها على اطراح الراوي بالأصالة أو على ضعفه . أو على التوقف فيه . أو على عدم جواز أن يحتج به ( 2 ) . .
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) إرشاد النقاط إلى تيسر الاجتهاد . .
( 2 )
أنظر ميزان الاعتدال للذهبي . وانظر شرح الألفية للعراقي . ومقدمة ابن الصلاح . والجرح والتعديل والرفع والتكميل وغيرها من كتب الرجال . . ( * )

 

 

 ص 17

وإذا قال أهل الحديث : هذا حديث صحيح أو حسن فمرادهم فيما ظهر لنا عملا بظاهر الإسناد . لا أنه مقطوع بصحته في نفس الأمر لجواز الخطأ والنسيان على الثقة . .

وكذا قولهم : هذا حديث ضعيف فمرادهم أنه لم تظهر لنا فيه شروط الصحة . لا أنه كذب في نفس الأمر لجواز صدق الكاذب وإصابة من هو كثير الخطأ ( 1 ) . .

ويقول المحدثون أنه لا يلزم من عدم ثبوت صحة الحديث وجود الوضع ولا يلزم من عدم صحته وضعه ( 2 ) . .

وقول آخر : بين قولنا موضوع وبين قولنا لا يصح بون كثير . فإن الأول إثبات الكذب والاختلاق . والثاني إخبار عن عدم الثبوت ( 3 ) . .

وقال ابن حجر : لا يلزم من كون الحديث لم يصح أن يكون موضوعا ( 4 ) . .

ويفرق فقهاء الحديث بين الحديث المنكر . وبين الراوي المنكر . . فإن قيل هذا حديث منكر لا يقصد به أن راويه غير ثقة . . وإن قيل فلان روى المناكير أو حديثه هذا منكر ونحو ذلك : لا يقصد أنه ضعيف ( 5 ) . .

قال الحاكم : قلت للدارقطني : فسليمان ابن بنت شرحبيل ؟ قال : ثقة . قلت : أليس عنده مناكير ؟ قال : يحدث بها عن قوم ضعفاء أما هو فثقة ( 6 ) . .

 

* ( هامش ) *
( 1 ) الرفع والتكميل . وانظر المراجع السابقة . .
( 2 )
الرفع والتكميل وانظر المراجع الأخرى . .
( 3 )
الزركشي . النكت على مقدمة ابن الصلاح . .
( 4 )
القول المسدد في الذب عن مسند أحمد . ( 5 ) الرفع والتكميل . ( 6 ) فتح المغيث للسخاوي . . ( * )

 

 

 ص 18

وقال الذهبي في ترجمة عبد الله بن معاوية الزبيري : قولهم منكر الحديث لا يعنون به أن كل ما رواه منكر بل إذا روى الرجل جملة وبعض ذلك مناكير فهو منكر الحديث . . وقال : ما كل من روى المناكير يضعف ( 1 ) . .

وقال ابن حجر في ترجمة ثابت بن عجلان الأنصاري . قال العقيلي : لا يتابع على حديثه . وتعقب ذلك أبو الحسن بن القطان بأن ذلك لا يضره إلا إذا كثرت منه رواية المناكير ومخالفة الثقات ( 2 ) . .

وقال السيوطي عن الذهبي : أنكر ما للوليد بن مسلم من الأحاديث حديث حفظ القرآن وهو عند الترمذي وحسنه . وصححه الحاكم على شرط الشيخين ( 3 ) . .


وعن أحوال الرواة نذكر ما يلي : في ترجمة عبد العزيز بن المختار البصري قال ابن حجر : ذكر ابن القطان الفاسي أن مراد ابن معين من قوله ( ليس بشئ ) يعني أن أحاديثه قليلة . . وقد وثق ابن معين عبد العزيز هذا في رواية . وفي رواية أخرى قال فيه : ليس بشئ . . وقال ابن حجر : احتج به الجماعة ( 4 ) . .

وفي ترجمة محمد بن عمر الواقدي صاحب المغازي يقول ابن حجر : قال معاوية بن صالح : قال لي أحمد بن حنبل : الواقدي كذاب . وقال لي يحيى بن معين : ضعيف . وقال مرة : ليس بشئ . وقال مرة : كان يقلب الحديث عن يونس يغيره عن معمر . ليس بثقة ( 5 ) . . وجاء في ترجمة داود بن الزبرقان الرقاش البصري . قال ابن معين : ليس  بشئ .  )
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) ميزان الاعتدال . .
( 2 )
مقدمة فتح الباري شرح البخاري . .
( 3 )
تدريب الراوي شرح تقريب النواوي . ( 4 ) مقدمة فتح الباري . . ( 5 ) تهذيب التهذيب  ح 9 / 364 . . ( * )

 

 

 ص 19

وقال ابن المديني : كتبت عنه شيئا يسيرا ورميت به . وضعفه جدا . وقال الجوزجاني : كذاب . وقال يعقوب بن شيبة وأبو زرعة : متروك . وقال أبو داود : ضعيف . وقال مرة : ليس بشئ . وقال النسائي : ليس بثقة . وقال ابن حبان : اختلف فيه الشيخان . أما أحمد فحسن القول فيه ويحيى بن معين وهاه ( 1 ) . .


وفي ترجمة محمد بن ميسر الصنعاني البلخي الضرير يقول ابن حجر : قال يحيى بن معين : كان جهميا شيطانا ليس بشئ . وقال النسائي : متروك ( 2 ) . .

وينقل ابن الصلاح : قيل ليحيى بن معين : إنك تقول ( فلان ليس به بأس ) و ( فلان ضعيف ) قال : إذا قلت لك ليس به بأس . فثقة . وإذا قلت لك ضعيف فهو ليس بثقة ولا تكتب حديثه ( 3 ) . .

وفي مقدمة فتح الباري ذكر ابن حجر عن يونس البصري قال ابن الجنيد عن ابن معين : ليس به بأس . وهذا توثيق من ابن معين . . وقال ابن عدي : إذا لم يعرف ابن معين الرجل فهو مجهول ولا يعتمد على معرفة غيره ( 4 ) . .

وقال الذهبي في ترجمة أبان بن حاتم الأملوكي : اعلم أن كل من أقول فيه ( مجهول ) ولا أسنده إلى قائله فإن ذلك هو قول أبي حاتم . فإن عزوته إلى قائله كابن المديني وابن معين فذلك بين ظاهر . وإن قلت : فيه جهالة أو نكرة أو يجهل أو لا

يعرف وأمثال ذلك ولم أعزه إلى قائل فهو من قبلي . وكما إذا قلت : ثقة أو صدوق أو صالح أو لين أو نحوه ولم أضفه إلى قائل فهو من قولي واجتهادي ( 5 ) . .
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) المرجع السابق ح 3 / 305
( 2 ) لسان الميزان  ح 3 / 142
( 3 ) مقدمة ابن الصلاح . وانظر لسان الميزان ح 1 / 13
( 4 ) تهذيب التهذيب 6 / 218
( 5 ) ميزان الاعتدال ح 1 / 5 ( * )

 

 

 ص 20

ويقصد أكثر المحدثين بكلمة مجهول في حق الراوي أي جهالة العين بالا يروي عنه إلا واحد . أما أبو حاتم فيريد به جهالة الوصف ( 1 ) . .

ويعد فقهاء الحديث سكوت المتكلمين في الرجال عن الراوي الذي لم يجرح ولم يأت بمتن منكر يعد توثيقا له ( 2 ) . .

وفي ترجمة حفص بن بغيل قال ابن القطان : لا يعرف له الحال ولا يعرف . وقال الذهبي : لم أذكر هذا النوع في كتابي هذا . فإن ابن القطان يتكلم في كل من لم يقل فيه إمام عاصر ذاك الرجل أو أخذ عمن عاصره ما يدل على عدالته . وهذا شئ كثير ففي ( الصحيحين ) من هذا النمط خلق كثير مستورون ما ضعفهم أحد ولا هم بمجاهيل ( 3 ) . .

ويرجح الفقهاء العمل بالرأي القائل بقبول رواية المستور لأنه قد تعذرت الخبرة في كثير من رجال القرن الأول والثاني والثالث ولم يعلم عنهم مفسق . ولا تعرف في رواياتهم نكارة . فلو ردت أحاديثهم أبطلت سننا كثيرة وقد أخذت الأمة بأحاديثهم ( 4 ) . .

ويقول الذهبي في ميزانه في ترجمة مالك بن الخير الزبادي المصري . قال فيه ابن القطان : هو ممن لم تثبت عدالته . يريد أن ما نص أحد على أنه ثقة .

وفي رواة الصحيحين عدد كثير ما علمنا أن أحدا نص على توثيقهم . والجمهور على أن من كان من المشايخ قد روى عنه جماعة ولم يأت بما ينكر عليه أن حديثه صحيح ( 5 ) . .

ويذكر في كثير من كتب الرجال في حق كثير من الرواة ( تركه يحيى القطان ) وهذا يعني إخراج الراوي من حيز الاحتجاج بروايته .

 

* ( هامش ) *
( 1 ) الرفع والتكميل . . ويرى الفقهاء أن الجهالة ترتفع عن الراوي إذا ما روى عنه اثنان . .
( 2 )
المرجع السابق وانظر الجرح والتعديل لأبي حاتم الرازي .
( 3 )
ميزان الاعتدال ح 1 / 556
( 4 )
أنظر المرجع السابق ومقدمة ابن الصلاح ..
( 5 )
ح 3 / 426 . ( * )

 

 

 ص 21

وقال الترمذي : ذكر عن يحيى بن سعيد القطان أنه كان إذا رأى الرجل يحدث عن حفظه مرة هكذا ومرة هكذا ولا يثبت على رواية واحدة تركه ( 1 ) . .

وقال ابن معين في ترجمة بكر بن خنيس الكوفي العابد : ليس بشئ . وقال مرة : ضعيف . وقال مرة : شيخ صالح لا بأس به ( 2 ) . .

وقال ابن حجر في ترجمة هدبة بن خالد القيسي الذي لقيه الشيخان وأبو داود ورووا عنه : قواه النسائي مرة . وضعفه أخرى . . قال ابن حجر : لعله ضعفه في شئ خاص ( 3 ) . .

وفي ترجمة عبد الرحمن بن سليمان بن عبد الله بن حنظلة المعروف بابن الغسيل . بعد حكاية توثيقه عن ابن معين وغيره . قال ابن حجر : تضعيفهم له بالنسبة إلى غيره ممن هو أثبت منه من أقرانه وقد احتج به الجماعة سوى النسائي ( 4 ) . .

وفي ترجمة محارب بن دثار وترجمة نافع بن عمر الجمحي يقول ابن حجر : إن تضعيف ابن سعد فيه نظر لأنه يقلد الواقدي ويعتمد عليه . والواقدي على طريقة أهل المدينة في الانحراف على أهل العراق فاعلم ذلك ( 5 ) . .

وقد جعل ابن حجر في شرحه للبخاري بابا تحت عنوان : أسماء من طعن فيهم من رجال البخاري وأورد فيه عدد ( 417 ) طعنا سوف نورد هنا نماذج منها : في ترجمة الجعد بن عبد الرحمن المدني يقول : احتج به الخمسة وشذ الأزدي فقال : فيه نظر وتبع في ذلك السباجي لأنه ذكره في الضعفاء وقال : لم يرو عنه مالك . وهذا تضعيف مردود . .

 

* ( هامش ) *
( 1 ) شرح سنن الترمذي المسمى تحفة الأحوزي ح 4 / 390
( 2 ) ميزان الاعتدال ج 1 / 344
( 3 ) مقدمة فتح الباري ج 2 / 168
( 4 ) المرجع السابق ج 2 / 141 ..
( 5 ) المرجع السابق 2 / 164  وما بعدها .. ( * )

 

 

 ص 22

وفي ترجمة سعيد بن سليمان الواسطي يقول : قال عبد الله بن أحمد عن أبيه : كان صاحب تصحيف ما شئت . وقال الدارقطني : يتكلمون فيه . قلت : هذا تليين منهم لا يقبل . .

وفي ترجمة عبد الأعلى بن عبد الأعلى يقول : وثقة ابن معين وغيره . وقال أحمد : كان يرمى بالقدر . وقال محمد بن سعد : لم يكن بالقوي . قلت هذا جرح مردود وغير مبين ولعله بسبب القدر . .

وفي ترجمة عبد الملك بن الصباح المسمعي وذكره الذهبي ونقل عن الخليلي أنه قال فيه : كان متهما بسرقة الحديث . قال ابن حجر : وهذا جرح مبهم . .

وفي ترجمة عمر بن نافع مولى بن عمر قال ابن سعد : كان ثبتا قليل الحديث ولا يحتجون بحديثه . قلت : وهو كلام متهافت كيف لا يحتجون به وهو ثبت . .

وفي ترجمة عمرو بن سليم الزرقي قال ابن خراش : ثقة في حديثه اختلاط . قلت : ابن خراش مذكور بالرفض والبدعة فلا يلتفت إليه . .

وفي ترجمة أبي سلمة موسى بن إسماعيل المنقري . قال ابن خراش فيه : صدوق وتكلم الناس فيه . قلت : نعم تكلموا فيه بأنه ثقة يا رافضي .وابن خراش هذا الذي يذمه ابن حجر ويتهمه بالرفض قال فيه الذهبي : حافظ بارع ناقد جوال ( ت 283 ه‍ )

ذكر بشئ من التشيع . . ويروى أنه خرج مثالب الشيخين - أبو بكر وعمر - وكان ينكر حديث " إنا معشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة " الذي احتج به أبو بكر على فاطمة حين طالبته بميراث أبيها بعد وفاته ( ص ) . وكان يطعن في سلسلته .

وقيل له من تتهم به ؟ قال : مالك بن أوس . قال ابن حجر : وهو - أي مالك - أحد التابعين الأجلة وقيل إن له صحبة والحديث صحيح متفق عليه ومروي عن أكثر من عشرة من الصحابة . .

 ص 23

وفي ترجمة بهز بن أسد العمي البصري . قال ابن حجر وثقة ابن معين والقطان وأبو حاتم وابن سعد والعجلي . وقال أحمد : إليه المنتهى في التثبت . وشذ الأزدي فذكره في الضعفاء . وقال : إنه كان يتحامل على علي . قلت : اعتمده الأئمة ولا يعتمد على الأزدي ( 1 ) . .

وقال الذهبي في ميزانه في ترجمة سفيان بن عيينة : يحيى بن سعيد القطان متعنت في الرجال . . وقال أيضا في ترجمة سيف بن سليمان المكي : حدث - مع تعنته - عن سيف . . وقال الذهبي : وأما ابن حبان فإنه تقعقع كعادته وقال فيه : يروي عن الضعفاء أشياء كثيرة ويدلسها عن الثقات حتى إذا سمعها المستمع لا يشك في وضعها ( 2 ) . .


وقال ابن حجر : ابن حبان ربما جرح الثقة حتى كأنه لا يدري ما يخرج من رأسه ( 3 ) . .

وقال الذهبي في ترجمة الفقيه أبي ثور : إبراهيم بن خالد الكلبي أحد الأعلام : وثقة النسائي والناس . أما أبو حاتم فتعنت وقال : يتكلم بالرأي فيخطئ ويصيب ليس محله محل المستعين في الحديث . فهذا غلوا من ابن حاتم ( 4 ) . .


وقد قسم الذهبي من تكلم في الرجال إلى ثلاثة أقسام :

 الأول : من تكلموا في سائر الرواة كابن معين وأبي حاتم . .

 الثاني : من تكلموا في كثير من الرواة كما لك وشعبة . .

 الثالث : من تكلموا في الرجل بعد الرجل كابن عيينة والشافعي . .

 

* ( هامش ) *
( 1 ) أنظر نماذج أخرى من هؤلاء الرجال في هدى الساري مقدمة فتح الباري . .
( 2 )
ميزان الاعتدال ج 2 / 185
( 3 ) القول المسدد في الذب عن مسند أحمد بن الحنبل ..
( 4 ) ميزان الاعتدال ج 1 / 29 ( * )

 

 

 ص 24

والكل على ثلاثة أقسام : قسم متعنت في الجرح متثبت في التعديل يغمز الراوي بالغلطين والثلاث . وقسم متسمح كالترمذي والحاكم . . وقسم معتدل كأحمد والدارقطني وابن عدي ( 1 ) . . وقد وقع الذهبي في كثير من المتوصفة وجرحهم ( 2 ) . .

ووقع الجوزجاني في الحوفيين ( 3 ) . . ووقع ابن حجر في الشيعة ( 4 ) . . ووقع جميع الفقهاء في المخالفين من المعتزلة والجهمية والقدرية ورفضوا رواياتهم . . كما هو واضح مما سبق . .


ويبقى لنا بعد هذا السرد عن حال السند والرواة أن نذكر أن الفقهاء والمحدثين أجمعوا على جواز إخضاع سند الحديث لقواعد
الجرح والتعديل وتتبع سلسلة الرواة ونقدها إن كان حالها يوجب النقد والتوقف عند الصحابي . . وابتدعوا لذلك قاعدة تقول :

من ثبتت صحبته ثبتت عدالته . . فالصحابة في نظر الفقهاء والمحدثين جميعهم عدول لا يخضعون للنقد والتجريح وإنما الذي يخضع لهذا التابعين وتابعيهم ومن بعدهم من الرواة ( 5 ) . . وهم يعرفون الصحابي بأنه كل من شاهد رسول الله أو سلم

عليه أو ولد في حياته أو عاصره ولو ساعة ويدخل في ذلك التعريف الجن أيضا ( 6 ) . . من هنا فعندما يذكر فقهاء علم الرجال كلمة ( له صحبة ) وهم يناقشون حال الرواة فإنما يقصدون من ذلك الكف عن الخوض فيه . ونقد من بعده من الرواة
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) فتح المغيث للسخاوي وانظر الرفع والتكميل . .
( 2 )
أنظر ميزان الاعتدال . .
( 3 )
أنظر تهذيب التهذيب . .
( 4 )
أنظر مقدمة فتح الباري . .
( 5 )
أنظر كتب الجرح والتعديل . .
( 6 )
أنظر مقدمة الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر العسقلاني . ( * )

 

 

 ص 25

ومن هنا أيضا أصبح لكل هؤلاء الذين يدخلون في تعريف الصحبة حق الرواية عن الرسول ( ص ) في مشروعية تامة . . وهذا الأمر يدفعنا إلى إلقاء الضوء على قضية هامة تتعلق بأمر الأحاديث والرواية عن رسول الله ( ص ) . .

إن الحقيقة الأولى التي يجب تأكيدها في هذا المضمار هي أن الصحابة انقسموا بعد وفاة الرسول ( ص ) إلى قسمين :

قسم ارتد إلى نهجه القبلي . . وقسم ثبت على نهج الرسول . .

القسم الأول هو الذي تحالف مع أبي بكر وعمر وعثمان ثم معاوية من بعدهم .

والقسم الثاني هو الذي تحالف مع الإمام علي وآل البيت . .
 

القسم الأول هو الكثرة . . والقسم الثاني هو القلة . .
 

القسم الأول حوى جميع الذين شملهم هذا التعريف العائم الذي ذكرناه . .

والقسم الثاني حوى الصحابة الذين لهم باع ووزن وقيمة ومكانة وعلما وبذلا في سبيل الدعوة طوال حياة الرسول . .

القسم الأول سادت رواياته . . والقسم الثاني ضربت رواياته . .
 

وقد انعكس هذا الموقف على التابعين وتابعيهم فأصبحوا قسمين :

قسم سار مع بني أمية وبني العباس . .

وقسم مع أبناء الإمام علي الأئمة مثل الحسن والحسين وعلي بن الحسين ومحمد الباقر وجعفر الصادق . .

وانعكس هذا الموقف أيضا على حركة تدوين الحديث وجمعه . . وبدا أثره واضحا على علم الجرح والتعديل . .

 ص 26

الجانب الغالب والسائد يشكك في أنصار آل البيت أو من يسمونهم بالشيعة والرافضة ولا يروون لهم ويجرحوهم تحت ضغط الحكام الذين يجدون في هذا الخط - خط آل البيت - خطرا على وجودهم ونفوذهم وسلطانهم .

ومن جانب آخر هم يروون لخصومهم وأعدائهم ويعدلونهم . . وهذه نماذج من هؤلاء الرواة الخصوم :

 - مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية ابن عم عثمان بن عفان . قال فيه ابن حجر : يقال إن له رؤية - أي صحبة للرسول - فإن ثبتت فلا يعرج على من تكلم فيه . وقال عروة بن الزبير كان مروان لا يتهم في الحديث . وقد روى عنه سهل

بن سعد الساعدي الصحابي اعتمادا على صدقه . وإنما نقموا عليه أنه رمى طلحة - أحد العشرة المبشرين بالجنة - يوم الجمل
بسهم فقتله ثم شهر السيف في طلب الخلافة حتى جرى ما جرى . قال ابن حجر : فأما قتل طلحة فكان متأولا فيه كما قرره

الإسماعيلي وغيره . وأما ما بعد ذلك فإنما حمل عنه سهل بن سعد وعروة وعلي بن الحسين وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحرث وهؤلاء أخرج البخاري أحاديثهم عنه في صحيحه لما كان أميرا عندهم بالمدينة قبل أن يبدو منه في الخلاف على ابن الزبير ما بدا ( 1 ) . .


 - عمران بن حطان السدوسي الشاعر المشهور كان يرى رأي الخوارج وكان شاعرهم ويدعو لمذهبهم . قال ابن حجر : وهو الذي رثى عبد الرحمن بن ملجم قاتل علي عليه السلام بتلك الأبيات السائرة وقد وثقه العجلي وقال قتادة كان لا يتهم في الحديث . وقال أبو داود ليس في أهل الأهواء أصح حديثا من الخوارج ثم ذكر عمران هذا وغيره ( 2 ) . .


 - معاوية بن أبي سفيان من الطلقاء الذين دخلوا الإسلام بعد فتح مكة روى له أصحاب السنن باعتباره صحابي عدل . وروى له البخاري ثمانية أحاديث ( 3 ) . .
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) مقدمة فتح الباري . أسماء من طعن فيهم من رجال البخاري . .
( 2 )
المرجع السابق . .
( 3 )
لم تثبت أية فضائل لمعاوية على لسان الرسول ( ص ) قال بذلك إسحاق بن راهويه أستاذ البخاري . ورفض النسائي كتابة شئ في معاوية وقتل بسبب ذلك . أنظر فتح الباري ح‍ 7 باب ذكر معاوية . وانظر ترجمة النسائي في كتب التراجم ومقدمة سننه . ( * )

 

 

 ص 27

 - أبو هريرة الدوسي أورده ابن حجر في باب من لا يعرف اسمه واختلف فيه وقال فيه : روى له البخاري ( 446 ) حديثا
( 1 )
. .

 - بسر بن أرطأة قال فيه ابن معين : كان رجل سوء . وبسر هذا كان من قادة معاوية الذين قادوا حملات الإبادة والتصفية الجسدية لمعارضي معاوية وأنصار على في الحجاز واليمن . وكان الإمام علي قد دعا عليه . . وقد روى له أبو داود والترمذي والنسائي ( 2 ) . .

 - يزيد بن زياد الكلاعي الحمصي . نهى أحمد عن مجالسته وكان الأوزاعي سئ القول فيه . وكان يكره الإمام علي لقتله جده في صفين . روى له البخاري وغيره ( 3 ) . .

 - طارق بن عمرو المكي مولى عثمان بن أبي عفان . ولي المدينة من قبل عبد الملك بن مروان وكان من ولاة الجور . روى له مسلم وأبو داود ( 4 ) . .

 - عمرو بن سعيد بن العاص الأموي المعروف بالأشدق . كان واليا على المدينة من قبل معاوية ويزيد خرج على عبد الملك بن مروان فقتله . من ولاة الجور . روى له مسلم والنسائي وابن ماجة والترمذي ( 5 ) . .

 - مجالد بن سعيد الهمداني الكوفي . قال فيه أحمد : ليس بشئ . وقال الدارقطني : لا يعتبر به . ونقل البخاري أن ابن مهدي لم يكن يروي عنه . روى له مسلم وغيره ( 6 ) .
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) اختلف في اسم أبو هريرة أكثر من عشرين خلافا . أنظر تاريخ الصحابة لابن حبان . وطبقات ابن سعد والإصابة وأسد الغابة .
      في معرفة الصحابة والاستيعاب في معرفة الأصحاب . .
( 2 )
مقدمة فتح الباري .
( 3 )
أنظر مقدمة فتح الباري ومقدمة مسلم . .
( 4 )
المرجعين السابقين وانظر كتب الرجال . .
( 5 )
المراجع السابقة . ( 6 ) المراجع السابقة . ( * )

 

 

 ص 28

وقال ابن المديني سئل يحيى بن سعيد القطان عن جعفر الصادق فقال : في نفسي منه شئ ومجالد أحب إلي منه ( 1 ) . .

 - حريز بن عثمان الرحبي الحمصي . متهم بسبب الإمام علي والكذب على رسول الله ( ص ) . روى له البخاري وغيره
( 2 ) . .

 - عمر بن سعد بن أبي وقاص . قاد الجيش الذي قتل الحسين وأبناء الرسول ( ص ) في كربلاء . روى له البخاري وغيره ( 3 ) . .

ويروي مسلم عن ابن سيرين قوله : لم يكونوا - أي الفقهاء - يسألون عن الإسناد فلما وقعت الفتنة قالوا سموا لنا رجالكم فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم وينظر إلى أهل البدع - الشيعة والمعتزلة ومن لم يساير الوضع القائم في عصر التدوين - فلا يؤخذ حديثهم ( 4 ) . .

ويقول ابن حجر : فأكثر من يوصب بالنسب - أي معاداة علي وأهل البيت - يكون مشهورا بصدق اللهجة والتمسك بأمور الديانة . بخلاف من يوصف بالرفض فإن غالبهم كاذب ولا يتورع في الأخبار ( 5 ) . .


ومن نماذج القسم الأول الذي ساير النهج القبلي بعد وفاة الرسول عائشة وأبو هريرة وعبد الله بن عمر وعمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة وأنس بن مالك . . وهؤلاء الستة أسهموا بدور كبير في التحدث بلسان الرسول وقد اعتمدت كتب السنن

على رواياتهم خاصة عائشة وابن عمر وأبو هريرة . وأغلب الروايات التي سوف نتعرض لها في هذا الكتاب منقولة عنهم . . فقد روت عائشة في البخاري ( 442 ) حديثا . .
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) تهذيب التهذيب . ( 2 ) المراجع السابقة . ( 3 ) المراجعة السابقة . ( 4 ) مقدمة مسلم . ( 5 ) مقدمة فتح الباري . ( * )

 

 

 ص 29

وروى أبو هريرة ( 446 ) حديثا . . وروى ابن عمر ( 270 ) حديثا ( 1 ) . . هذا بينما لم يرو البخاري بنت الرسول سوى حديث واحد . . وروى لعلي بن أبي طالب ( 29 ) حديثا فقط ( 2 ) . .

وهؤلاء الثلاثة على وجه الخصوص ( عائشة أبو هريرة ابن عمر ) من خصوم الإمام علي الذين أعلنوا انحيازهم بالكامل إلى صف معاوية وبني أمية . . وتجد الروايات المنسوبة للرسول ( ص ) والخاصة بالحكام وطاعتهم والصبر على أذاهم وظلمهم وتبرير الوضع السائد قد جاءت عن طريق هذا القسم خاصة هؤلاء الثلاثة ( 3 ) . .


ويقسم فقهاء الحديث الرواية إلى متواترة وآحاد . وأكثر الروايات تدخل في دائرة الآحاد بينما المتواترة قليلة ومعدودة ( 4 ) . . وجرى العمل من قبل الفقهاء على الأحاديث الآحاد وقبولها وبناء الأحكام والعقائد على أساسها . .

قال ابن عبد البر : أجمع أهل العلم من أهل الفقه والأثر في جميع الأمصار فيما علمت على قبول خبر الواحد العدل وإيجاب العمل به إلا الخوارج وطوائف من أهل البدع . .
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) مقدمة فتح الباري . وهذا الحصر خاص بالبخاري أما الكتب السنن الأخرى فقط روى فيها هؤلاء الثلاثة الكثير . ومجموع ما رواه أبو هريرة وحده أكثر من خمسة آلاف وما روته عائشة ( 2300 ) حديثا . وما رواه ابن عمر ( 2600 ) حديثا . .
( 2 )
المرجع السابق .

( 3 ) من هذه الروايات : من خرج من الطاعة وفارق الجماعة فمات . مات ميتة جاهلية . ومن رأى من أميره شيئا فليصبر . ومن يطع الأمير فقد أطاعني . واسمع وأطع وإن جلد ظهرك وأخذ مالك . . إنما الإمام جنة يقاتل من ورائه ويتقي به . . أنظر مسلم كتاب الإمارة . والبخاري كتاب الأحكام . . أنظر كتابنا السيف والسياسة . وكتابنا الخدعة . . وانظر باب الرسول الظالم من هذا الكتاب . .

( 4 ) يقسم فقهاء الحديث الخبر - أي الحديث - إلى متواتر وآحاد . ويقسمون الآحاد إلى أقسام منها المشهور والعزيز والغريب والحسن والمرسل والمعلق وغير ذلك . أنظر كتب مصطلح الحديث . . ( * )

 

 

 ص 30

وقال : وكلهم يدين بخبر الواحد العدل في الاعتقادات ويجعلها شرعا ودينا في معتقده . على ذلك جماعة أهل السنة ( 1 ) . .

ويقول ابن الصلاح : أهل الحديث كثيرا ما يطلقون على ما أخرجه البخاري ومسلم جميعا صحيح متفق عليه ويعنون به اتفاق البخاري ومسلم جميعا صحيح متفق عليه ويعنون به اتفاق البخاري ومسلم لا اتفاق الأمة عليه . لكن اتفاق الأمة عليه لازم من

ذلك وحاصل معه . لاتفاقهما على تلقي ما اتفقا عليه بالقبول . وهذا القسم جميعه مقطوع بصحته والعلم اليقيني النظري واقع به خلافا لمن نفي ذلك محتجا بأنه لا يفيد من أصله إلا الظن ( 2 ) . .


ورد النووي على هذا الكلام بقوله : وهذا الذي ذكره الشيخ خلاف ما قاله المحققون والأكثرون فإنهم قالوا : أحاديث الصحيحين التي ليست بمتواترة تفيد الظن . فإنها آحاد . والآحاد إنما تفيد الظن لما تقرر . . ولا فرق بين البخاري ومسلم وغيرهما في ذلك ( 3 ) . .


ويدور نزاع بين القدامى والمعاصرين حول حجية حديث الآحاد وكونه يفيد العلم أم الظن . . ؟ ففقهاء الوضع السائد يدافعون عن حديث الآحاد ويشككون في ناقديه والمترددين في الأخذ به لأن عقائدهم وأحكامهم تقوم عليه وآي محاولة للنيل منه سوف تهدم مذهبهم بأكمله ( 4 ) . .

وذهب الشافعي وغيره من المحدثين إلى أن الحديث إذا كان صحيحا على شرط المحدثين لا يكون مخالفا للكتاب أبدا ( 5 ) . . وقال : ولم نجد عنه حديثين مختلفين إلا ولهما مخرج . أو على أحدهما
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) التمهيد ج 1 / 3 وما بعدها . .
( 2 )
علوم الحديث . .
( 3 )
شرح مسلم ج 1 / 20
( 4 ) أنظر كتب علوم الحديث وكتب أصول الفقه . . ( 5 ) بغية الفحول . . ( * )

 

 

 ص 31

دلالة بأحد ما وصفت . أما بموافقة الكتاب أو غيره من السنة أو بعض الدلائل ( 1 ) . .

وقال ابن خزيمة : لا أعرف أنه روى عن النبي ( ص ) حديثان بإسنادين صحيحين متضادين . فمن كان عنده فليأتني به
لأؤلف بينهما ( 2 ) . . وذهب البعض إلى جواز نسخ القرآن بالحديث ( 3 ) . . وليس هناك من يجزم من بين فقهاء الحديث

أن جميع الروايات التي بين أيديهم إنما هي بلفظها الذي نطق به الرسول ( ص ) وإنما يقولون إن هذه الروايات رويت بالمعنى . . ولو كانوا قد قالوا بغير ذلك لساووا هذه الروايات بالقرآن وهذا أمر يوقع في دائرة الحرج الشرعي . . إلا أنهم

مجمعون على أن البخاري هو أصح الكتب بعد كتاب الله تعالى وهذا الكلام فيه نظر إذ من الممكن أن يؤدي إلى نفس النتيجة وهي مساواة القرآن بالأحاديث . . والحق أن مغالاة فقهاء الحديث في أمر الرواية والذي وصل بهم إلى الحكم بكفر منكر

السنة أو المشكك فيها أو حتى كفر منكر الحديث المتواتر - وبعضهم وسع دائرة هذا الحكم ليشمل الآحاد - أن هذه المغالاة تضع السنة في مصاف القرآن . . وهم إذا ما عبدوا الأمة بهذا فإنما يكونوا قد أوقعوها في عبادة الرجال فإن قرن القرآن

بالسنة يعد صورة من صور الشرك بين كلام الله وكلام البشر التي سوف تكون نتيجتها الحتمية هي طغيان كلام البشر على كلام الله وهو ما حدث . . ويمكن تحديد الفروق بين القرآن والسنة فيما يلي :

 - إن القرآن كلامه معجز والسنة ليست كذلك

 

* ( هامش ) *
( 1 ) الرسالة . . ( 2 ) الأجوبة الفاضلة للكندي . . ( 3 ) أنظر كتب أصول الفقه وعلوم القرآن والناسخ والمنسوخ . . ( * )

 

 

 ص 32

 - إن القرآن قطعي أي لا مجال للتشكيك فيه . أما السنة فإن نسبة الأحاديث إلى الرسول ( ص ) ليست قطعية . .

 - إن القرآن كلام الله يجوز التعبد به شرعا . بينما السنة لا يجوز التعبد بكلامها . .

 - إن من الممكن الكذب في السنة ونسبة القول إلى الرسول زيفا وبهتانا . ولا يمكن ذلك بالنسبة للقرآن . . وجملة السنة موضع شك . والقرآن ليس كذلك . . الحديث موضع شك من حيث المتن ومن حيث السند . وإن كان الفقهاء قد أجازوا الشك

في الرواية من ناحية السند فقط . فإن عدم إجازة الطعن في الرواية من حيث المتن فيه إلغاء للعقل وامتهان لدوره ونتيجته الحتمية هي القضاء على الرأي وحرية التلقي والتناول لأحكام الدين وتعبيد الأمة لأقوال الرجال .


وهو ما تؤكده تلك الحقائق التي عرضناها بخصوص السند وكونه موضع شك . . إن الفقهاء أرادوا تعبيد الأمة للرجال حكاما وكهانا وإلزامهم بقبول الوضع السائد اعتمادا على الأحاديث وليس على نصوص القرآن . . وهذه الأحاديث قد أجازوا

الخوض فيها من ناحية السند وحده . لأن الخوض فيها من هذه الناحية لن يؤدي إلى شئ لأنهم هم الذين اخترعوا قواعد البحث في أمر السند وعلم التعديل والجرح . فمن ثم فإن النتيجة في النهاية سوف تصب في دائرتهم . لأن الباحث لن يستطيع

أن يقول هذا عدل وهذا غير عدل إلا وفق هذه القواعد . . من هنا فإن الفقهاء يتصدون وبشدة المحاولة الخروج عن هذه القواعد والتي تتمثل في محاولة البعض إنكار حديث الآحاد وعدم الاستدلال به في مجال العقائد . وذلك لأن السنة بكاملها

تعتمد على حديث الآحاد . وهدمه يعني هدم السنة . أما الحديث المتواتر فهو قليل فمن ثم لا يمكن الاعتماد عليه في بناء هذا الصرح الكبير الذي أقاموه تحت رعاية بني أمية وبني العباس . .

 ص 33

وهناك رواية أنزلها الفقهاء منزلة المتواتر وهي قول الرسول ( ص ) : " من كذب علي معتمدا فليتبوا من النار " ( 1 ) . .

وهذه الرواية التي هي محل إجماع تدل دلالة قاطعة على أن هناك كذب واختلاق وتزييف سوف يتم باسم الرسول ( ص ) . . وهناك رواية أخرى تقول : " يكون في آخر الزمان دجالون كذابون يأتونكم من الأحاديث بما لم تسمعون " ( 2 ) . .

ويروى عن ابن عباس قوله : إنا كنا نحدث عن رسول الله إذ لم يكن يكذب عليه فلما ركب الناس الصعب والذلول تركنا الحديث عنه ( 3 ) .


وعلى ضوء هذه الروايات وما سبق ذكره لا يمكن القول إن علم السند وحده كاف لتمييز الخبيث من الطيب . وإنما الأمر يحتاج إلى إدخال علم المتن إلى جواره حتى يمكن ضبط ذلك الكم الهائل من الروايات المنسوبة للرسول ( ص ) والتي

شكلت شخصية الأمة وعقلها وصاغت دينا جديدا يتناقص مع القرآن . . إن محاولة التفريق بين السند والمتن . وإباحة هذا وتحريم هذا إنما هي مؤامرة على دين الله صاغها الحكام من بعد الرسول وتبعهم الفقهاء فيها وقاموا بتقنينها وإضفاء

المشروعية عليها . . وبالأمس واليوم كانت هناك عقول راشدة تنكر الحديث من متنه فيتصدى لها الفقهاء بدعوى صحة السند وإن رجاله رجال الصيح وأن وأن . . ولما كان هذا الكلام لا يرح العقل ولا يسكت المعارضة . كان قرار الفقهاء هو تكفير أمثال هؤلاء الرافضين وزندقتهم تحت دعوى التشيع أو التجهم أو القدرية . فينهض الحكام ليعملوا السيوف في رقابهم ( 4 )
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) أنظر مقدمة مسلم . . ( 2 ) المرجع السابق . . ( 3 ) المرجع السابق . . ( 4 ) أنظر لنا كتاب الكلمة والسيف . . ( * )

 

 

 ص 34

وقد يكون هناك تجاوز من الفقهاء في نقد كتب السنن مثل الترمذي والنسائي وابن ماجة وأبو داود ومسند أحمد . إلا أنهم لا يتسامحون في محاولة توجيه أي نقد للبخاري ومسلم . فهذين الكتابين فوق النقد والاستدلال بأحاديثهما كالاستدلال بنصوص القرآن . وذلك بدعوى أن الأمة أجمعت على صحتهما وتلقتهما بالقبول والأمة معصومة عن الخطأ ( 1 ) . .

والبخاري هو أول من نقح كتب الأحاديث والمسانيد التي كانت منتشرة في عصره ( العصر العباسي ) واستخلص منها الحديث الصحيح الذي لا يرتاب فيه أمين ( 2 ) . .

والبخاري ولد عام 194 ه‍ بمدينة بخاري وكان جده الثالث مجوسيا مات على دينه وله الكثير من الفتاوى الغريبة ( 3 ) . .

أما مسلم فهو تلميذ البخاري وينتمي إلى نيسابور وهناك خلاف في ضبط تاريخ مولده ووفاته . ويرجح ابن خلكان أنه توفي سنة إحدى وسنين ومائتين وهو ابن خمس وخمسين سنة فتكون ولادته في سنة ست ومائتين ( 4 ) . . بينما يشير الذهبي إلى أن مولده كان في سنة 204 ه‍ ( 5 ) . . وقد خالف مسلم البخاري في نهجه وجمعه للأحاديث فمن ثم قد حوى
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) أنظر الباعث الحثيث لابن كثير . ويقول ابن القيم الجوزية : إن ما تلقاه أهل الحديث وعلماؤه بالقبول والتصديق فهو محصل للعلم مفيد لليقين ولا عبرة بمن عداهم من المتكلمين والأصوليين . ( مختصر الصواعق ج 2 / 373 . .
( 2 ) مقدمة فتح باري . وقال البخاري ما جمعته صحيح وما تركت من الصحيح أكثر . .

( 3 )
من هذه الفتاوى جواز قيام المرأة باستضافة الرجل عندها والقيام بخدمته . وجواز ترك الصلاة في حالة الضرورة . لا يجب الغسل في الجماع الذي لا إنزال فيه . يجوز دهن البدن بدهن الميتة . أحكام الرضاع تترتب على لبن الحيوان أيضا . . أنظر مقدمة البخاري ط مكة . .
( 4 )
وفيات الأعيان ح‍ 4 / 280 ويقال إنه مات بسبب سلة تمر أكل منها فوق طاقته . . ( 5 ) تذكرة الحفاظ ج 2 / 59 . . ( * )

 

 

 ص 35

الكثير من الأحاديث التي فاتت البخاري أو هو تجنبها خاصة الأحاديث المتعلقة بفضل الإمام علي وآل البيت والتي خلا منها البخاري ( 1 ) . . ومن بعد مسلم جاء ابن ماجة القزويني ( ت 273 ه‍ ) ودون سننه المعروفة بسنن ابن ماجة . . وجاء بعده

أبو داود السجستاني ( ت 275 ه‍ ) ووضع كتابه سنن أبو داود . . ومن بعده جاء الترمذي ( ت 279 ه‍ ) وصنف كتابه جامع الترمذي . . وعاصره النسائي ( ت 279 ه‍ ) ودون سننه التي أطلق عليها سنن النسائي ( 2 ) . .

وجاء الحاكم النيسابوري ( ت 405 ه‍ ) فاستدرك على البخاري ومسلم الكثير من الأحاديث الصحيحة بطرقهم ورجالهم والتي تجنبوا تدوينها في كتابيهما .


والمتأمل في مستدرك الحاكم يكشف أن هناك الكثير من الروايات الهامة التي تغير الكثير من المواقف والأحكام والرؤى اهملت أو ضربت حتى لا تؤدي إلى حدوث بلبلة في أوساط المسلمين وتدفع بهم إلى الشك في الأطروحة السائدة والخروج

من دائرة عبادة الرجال التي وضعهم فيها الفقهاء والحكام . . وعلى رأس هذه الروايات التي استدركها الحاكم الروايات المتعلقة بالإمام علي وآل البيت وسلوك بعض الصحابة ومواقفهم بعد وفاة النبي ( ص ) . . وكذلك ما يتعلق ببعض الأحكام

ومن هذه الروايات رواية تقول : " قيدوا العلم بالكتاب " . .

ورواية : " كل سبب ونسب منقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي " . .

ورواية : " إذا بلغ بنو ابن العاص ثلاثين رجلا اتخذوا عباد الله خولا ومال الله دولا وكتاب الله دغلا " . .

ورواية : " إن الجنة لتشتاق إلى ثلاثة : علي وعمار وسلمان " . .
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) أنظر مسلم كتاب الفضائل باب فضل الإمام علي وباب فضل آل البيت . وقارن بينه وبين البخاري . .
( 2 )
أنظر تراجم هؤلاء في وفيات الأعيان وتذكرة الحفاظ وكتب الرجال وكتب التاريخ . . ( * )

 

 

 ص 36

ورواية : " إنه لا تتم الصلاة أحدكم حتى يسبغ الضوء كما أمره الله فيغسل وجهه ويديه إلى المرفقين ويمسح رأسه ورجليه إلى الكعبين " . .

ورواية : " قاتل عمار وسالبيه في النار " . .

ورواية : " ملئ عمار إيمانا إلى بشاشة " . .

ورواية : " من آذى عليا فقد آذاني " . .

ورواية : " مثل أهل بيتي كسفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق " . .

ونفس الأمر ينطبق على كتب السنن الأخرى التي اهملت واستبعدت مثل مسند أحمد ومسند ابن حبان وأبي يعلى والطبراني والبيهقي والدارمي وموطأ مالك وغيرهم . فهذه الكتب تحوي الكثير من النصوص النبوية التي تكشف تناقض الفقهاء وتعمدهم التركيز على البخاري ومسلم ( 1 ) . .


قال الشافعي : ما على ظهر الأرض كتاب بعد كتاب الله أصح من كتاب مالك ( الموطأ ) ( 2 ) . . وقال : إذ جائك الحديث عن مالك فشد يدك عليه ( 3 ) . . وما قيل في سنن أبي داود كان أكثر . . قال أبو سليمان الخطاب : كتاب السنن لأبي داود

كتاب شريف لم يصنف في علم الدين كتاب مثله ( 4 ) . . وقال إبراهيم بن إسحاق الحزبي : ألين لأبي داود الحديث كما ألين لداود الحديد . . وقال ابن حبان : أبو داود أحد أئمة الدنيا فقها وعلما وحفظا ونسكا وورعا واتقانا . .
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) المتأمل يكتشف أن التركيز على البخاري أكثر لكونه لا يحوي نصوصا تنصر عليا وأصحابه . . أنظر ميزان الاعتدال للذهبي
      وتهذيب التهذيب لابن حجر وتأمل هجومهما على أبي داود والنسائي وابن ماجة وغيرهم . .
( 2 )
مقدمة إسعاف المبطأ في شرح الموطأ . وانظر مقدمة طبعات الموطأ . .
( 3 )
أنظر مقدمات الموطأ . . ( 4 ) مقدمة سنن أبو داود بتحقيق محيي الدين عبد الحميد . . وانظر معالم السنن للخطابي . . ( * )

 

 

 ص 37

وقال ابن القيم : كتاب السنن لأبي داود من الإسلام بالموضع الذي خصه الله به بحيث صار حكما بين أهل الإسلام وفصلا في
موارد النزاع والخصام فإليه يتحاكم المنصفون وبحكمه يرضى المحقون فإنه جمع شمل أحاديث الأحكام ورتبها أحسن ترتيب

ونظمها أحسن نظام مع انتقائها أحسن انتقاء وإطراحه منها أحاديث المجروحين والضعفاء ( 1 ) . . وقد مال له أهل العراق ومصر وبلاد المغرب وكثير من أقطار الأرض . أما أهل خراسان فقد أولع أكثرهم بكتاب محمد بن إسماعيل البخاري ومسلم بن حجاج النيسابوري ومن نحا نحوهما في جمع الصحيح على شرطهما ( 2 ) . .

أما سنن النسائي فقد قالوا فيها : النسائي أحفظ من مسلم وأن سننه أقل السنن حديثا ضعيفا بعد البخاري ومسلم . .

وقال الدارقطني : كل ما في سنن النسائي صحيح غير تساهل صريح . . وقالوا إن النسائي له شرط في الرجال أشد من شرط مسلم ولذلك كان بعض علماء المغاربة يفضله على البخاري ( 3 ) . . وقيل في الترمذي ما شابه ذلك ( 4 ) . .

أما ابن ماجة القزويني فهو كما قالوا دون الكتب الخمسة في المرتبة ولذلك أخرجه كثير من جملة الصحاح الستة . . إلا أن المتأخرين عدوه ضمن الستة ( 5 ) . .

 - نهج التأويل : يتخذ الفقهاء موقفا معاديا من قضية التأويل فيما يتعلق بالأحاديث النبوية الخاصة بصفات الله سبحانه . .
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) المرجع السابق . .
( 2 )
معالم السنن . .
( 3 )
مقدمة سنن النسائي بشرح السيوطي وحاشية السندي . .
( 4 )
أنظر مقدمة سنن الترمذي وكتب التراجم . .
( 5 )
مقدمة سنن ابن ماجة شرح السندي . . ( * )

 

 

 ص 38

وقد أعلن هؤلاء الفقهاء الحرب على الشيعة والمعتزلة والجهمية وغيرهم من الخلف لكونهم فسروا هذه الأحاديث بما يفيد غير ظاهرها من الوصف . . وقرر الفقهاء أن مثل هذه الأحاديث تؤخذ كما هي دون التأويل فالله تعالى له يد ورجل ويضحك

ويغار ويهبط من السماء إلى الأرض ومكانه في السماء ويتكلم ويتعجب ويرى يوم القيامة وغير هذه الصفات التي أشارت إليها الأحاديث يؤمنون بها ويعتقدونها غير أنهم يلحقون هذا الاعتقاد بقولهم : له يد ليست كيدنا . . وله رجل ليست كرجلنا . .

وله عين ليست كعيننا . . ويتكلم ليس ككلامنا . . ويهبط إلى الأرض ليست كهبوطنا . . وهكذا . . ويتزعم هذا الاعتقاد من يسمون أنفسهم بأهل السنة والجماعة وهو الاتجاه الذي ساد بين المسلمين اليوم بتأثير المد النفطي الوهابي ( 1 ) . . أما قبل

ذلك فكان هذا الاتجاه ينحصر في دائرة الحنابلة الذين قدر لهم بعض الانتشار في عصر المتوكل العباس بعده كبتوا ولم تقم
لهم قائمة حتى ظهر ابن تيمية وحاول بعث أفكارهم إلا أنه ضرب وطوى التاريخ صفحته حتى ظهرت حركة محمد بن

عبد الوهاب في الجزيرة العربية والتي تبنت الطرح الحنبلي وأحيت مذهب ابن تيمية وفرضته على المسلمين بسيف آل سعود لتصبح له دولة تمكنت ببركات النفط أن تنشر هذا الاعتقاد بين المسلمين في كل مكان ( 2 ) . . وقد وقف في مواجهة أهل

السنة الكثير من فقهاء الخلف وفقهاء الاتجاهات الأخرى التي تحترم العقل وتعطى له مكانته . أولئك الذين رأوا في هذا الاعتقاد صورة من صور التجسيم الغير مباشر .
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) أنظر لنا كتاب : أهل السنة شعب الله المختار . وفكرة أهل السنة ظهرت في العصر العباسي على يد أحمد بن حنبل وتلاميذه لقبوا بأهل الحديث . .
( 2 )
أنظر المرجع السابق . وانظر فتن الحنابلة في الكامل في التاريخ لابن الأثير . . ( * )

 

 

 ص 39

فما معنى وصف الله سبحانه أن له يد ليست كيدنا . . وعين ليست كعيننا ورجل ليست كرجلنا . . الخ . والعقل البشري لا يتصور اليد أو العين أو الرجل إلا صورة واحدة وهي ما تجسم في مخيلته . . ؟

وكيف للعقل أن يتصور اليد والعين والرجل بصورة أخرى . إن ذلك خارج طاقته وما جبل عليه . . من هنا فعند ذكر اليد أو العين أو الرجل فسوف يتصورها العقل كما هي عند سماعه مثل هذه الأحاديث التي تصف الله سبحانه بمثل هذه الصفات . .

ولما كان هؤلاء الفقهاء لا يملكون القدرة على الطعن في مثل هذه الأحاديث وإنكارها لاعتقادهم في صحتها بطرق الإسناد التي تعلموها . فلم يكن أمامهم سوى أن يقوموا بتأويلها وصرف ظاهرها عن معنى التجسيم . . فقالوا إن اليد تعني القدرة . .

والعين تعني الإحاطة . . والسماء تعني العلو . . والهبوط هبوط الرحمة . . والتكلم يكون بواسطة . . وهكذا ( 1 ) . . وهذا ما عليه الشيعة والمعتزلة والجهمية . غير أن هؤلاء تحلوا بقدر أكبر من الشجاعة وقاموا برفض مثل هذه الأحاديث

ونبذها . . والشئ الغريب والذي يفرض الكثير من التساؤلات أن فقهاء أهل السنة الذين تبنوا هذا الموقف المتشدد من أحاديث الصفات تبنوا عكس هذا الموقف تماما في مواجهة الأحاديث المتعلقة بالسياسة والحكام والرسول ( ص ) والتي سوف نعرض لها في هذا الكتاب . .

 

* ( هامش ) *
( 1 ) أنظر مقالات الإسلاميين للأشعري . وشرح العقيدة الطحاوية والملل والنحل للشهرستاني والفصل في الملل والنحل لابن حزم والعقيدة الواسطية لابن تيمية وغيرها من كتب العقائد . . وانظر باب الرسول المجسم من هذا الكتاب . . ( * )

 

 

 ص 40

فهم في مواجهة قول الرسول ( ص ) في معاوية بن أبي سفيان : " لا أشبع الله بطنا " ( 1 ) . .

قالوا : لعل هذه منقبة لمعاوية لقول النبي ( ص ) : " اللهم من لعنته أو شتمته فاجعل ذلك له زكاة ورحمة " ( 2 ) . .

وقال ابن كثير : وقد انتفع معاوية بهذه الدعوة في دنياه وأخراه ( 3 ) . . وفي مواجهة قول الرسول ( ص ) : " لا يزال الإسلام عزيزا إلى اثنى عشر خليفة . . أو لا يزال أمر الناس ماضيا ما وليهم اثنا عشر رجلا " ( 4 ) . .

قالوا : الاثنا عشر هم : الخلفاء الراشدون الأربعة ومعاوية وابنه يزيد وعبد الملك بن مروان وأولاده الأربعة وبينهم عمر بن عبد العزيز ثم أخذ الأمر في الانحلال ( 5 ) . .

وفي مواجهة قول الرسول ( ص ) لعلي : " أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي " ( 6 ) . . قالوا : والمستدل بهذا الحديث على أن الخلافة له بعد الرسول الله زائغ عن نهج الصواب فإن الخلافة في الأهل لا تقتضي الخلافة في الأمة بعد مماته ( 7 ) . .


 وفي مواجهة قول الرسول ( ص ) : " ألا وإني تارك فيكم ثقلين أحدهما كتاب الله عز وجل هو حبل الله من اتبعه كان على الهدى ومن تركه كان على ضلالة وأهل بيتي . أذكركم الله في أهل بيتي . أذكركم الله في أهل بيتي . . أذكركم الله في أهل بيتي " ( 8 ) . .

 

* ( هامش ) *
( 1 ) رواه مسلم . كتاب البر والصلة . وكان الرسول قد طلب معاوية فاعتذر بسبب الأكل .
( 2 )
تذكرة الحفاظ ترجمة النسائي . .
( 3 )
البداية والنهاية ج 8 / 119
( 4 )
مسلم . كتاب الإمارة .
( 5 )
شرح النووي على مسلم . .
( 6 )
البخاري ومسلم باب من فضائل علي . .
( 7 )
شرح مسلم للنووي . .
( 8 )
مسلم . باب من فضائل علي . . ويلاحظ أن التأويل يتركز حول الروايات الخاصة بالإمام علي وآل البيت . . ( * )

 

 

 ص 41

قالوا : إن أهل البيت نساء النبي أو بني هاشم أو بني العباس أو قريش وإن المقصود بالتذكير هنا هو الاحترام والتوقير ( 1 ) . . وسوف نعرض لنماذج أخزى من هذه التأويلات ضمن بحوث الكتاب . .

 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) أنظر شرح النووي وشرح العقيدة الواسطية لابن تيمية . وفضل آل البيت للمقريزي . ( * )

 

 

 

الصفحة الرئيسية

 

مكتبة الشبكة

 

فهرس الكتاب