كيف ينظر الفقهاء إلى شخص الرسول

 

 

- دفاع عن الرسول ضد الفقهاء والمحدثين - صالح الورداني ص 45 :

الرسول : الدور والشخصية

كيف ينظر الفقهاء إلى شخص الرسول ( ص ) ؟ وكيف يحددون دوره . . ؟

إن الإجابة إلى هذين السؤالين ترتبط ارتباطا جوهريا بموضوع البحث الذي نحن بصدده هنا . . وبالطبع لا بد وأن تكون شخصية الرسول ودوره في منظور الفقهاء تتلاءم مع ذلك الكم من الروايات التي يلصقونها به . . ولا بد أن تتوائم مع رواية

طوافه على نسائه التسع في ليلة واحدة وبغسل واحد . . ولا بد وأن تتوائم مع مواقف عمر وتدخله في شأن الوحي . .
ولا بد أن تتوائم مع إهماله جمع القرآن ووصية أمته قبل وفاته . . ولا بد أن تتوائم مع تبشيره بالظلم وإلزام أمته بقبوله

والاستسلام له . . لقد وجد الفقهاء أنفسهم في موقف حرج بين أن يرفضوا هذه الروايات التي تصطدم بالقرآن والعقل وتهين الرسول وتستخف به وتشوه صورته . وبين أن يعطوا للرسول شخصيته ودوره كما حدد كتاب الله . وكان أن اختار الفقهاء

الروايات وقبولها . وهذا يعني أنهم لا بد وأن يصيغوا شخصية جديدة للرسول تتوائم مع هذه الروايات . ودورا جديدا ينسجم معها . . وهم لم يكن أمامهم بديل سوى هذا . . فهم إن رفضوا الروايات سقط صرحهم وضاعت دنياهم وحلت عليهم لعنة

الحكام . . ومن هنا ظهرت فكرة ربط كتاب الله بالسنة . فالسنة وحدها لن تستطيع الصمود والبقاء وتأدية دورها في خدمة الحكام والفقهاء وتخدير المسلمين ما لم ترتبط بالكتاب .

ص 46

فالكتاب هو الذي سوف يضفي عليها القدسية ويربط الناس بها ويرهب الخصوم من محاولة النيل منها والتشكيك فيها . . ومع ظهور هذه الفكرة ظهرت الفتاوي الارهابية التي تهدد كل من تسول له نفسه محاولة التشكيك في السنة وإضعاف الثقة بها . .

حتى أن بعض الفقهاء قال : لا يثبت إسلام من لم يسلم لنصوص الوحيين وينقد لها ولا يعترض عليها ولا يعارضها برأيه ومعقوله وقياسه وقد روى البخاري عن الزهري قوله : من الله الرسالة . ومن الرسول التبليغ وعلينا التسليم ( 1 ) . .

ومن لم يسلم لنصوص الكتاب والسنة واعترض عليها بالشكوك والشبه والتأويلات وادعى أنه يقدم العقل على النقل لم يكن سليم العقيدة ( 2 ) . .
 

وقسم الطحاوي التوحيد إلى قسمين لا نجاة للعبد من عذاب الله إلا بهما : توحيد المرسل . وتوحيد متابعة الرسول ( 3 ) . . ويقول ومن لم يسلم للرسول ( ص ) نقض توحيده . فإنه يقول برأيه وهواه بغير هدى من الله فينقض توحيده بقدر خروجه عما جاء به الرسول ( 4 ) . .


ويقول ابن تيمية : كلما ظهر الإسلام والإيمان وقوي كانت السنة وأهلها أظهر وأقوى ( 5 ) . . ويقول : لا ريب أن عمدة كل زنديق ومناطق إبطال أحاديث رسول الله .

  * ( هامش ) *
( 1 ) أنظر شرح العقيدة الطحاوية ط القاهرة . . وهذه الرواية لا يصح الاستدلال بها هنا فهي ضد ربط الكتاب بالسنة لأنه لا خلاف أن الرسالة من الله والبلاغ من الرسول . والزهري الراوي هو الذي كلف من قبل عبد الملك بن مروان بنشر الروايات في الأمصار وكان ينفق عليه . ويظهر أن الزهري يقصد بالبلاغ هنا السنة لا القرآن . .

( 2 ) المرجع السابق . . ( 3 ) المرجع السابق . . ( 4 ) المرجع السابق . . ( 5 ) نقد المنطق . . ( * )

 

 

ص 47

وهذا القدر بعينه هو عين الطعن في نفس النبوة وإن كان يقر بتعظيمهم وكمالهم ( 1 ) . .

إن فقهاء أهل السنة لا يتورعون عن ربط الكتاب بالسنة والدمج بينهما . حتى أنهم اعتبروا طعن في كتاب الله . . وما داموا يتكلمون بلغة الوحيين . . ولغة التوحيدين . . ولغة الكتابين . . فأي مخرج يمكن أن يكون لأولئك الذين يتسلحون بالعقل في مواجهة الروايات ؟


وهل هناك مسلم يرفض ما جاء به الرسول ( ص ) ؟ والإجابة بالطبع لا . ولكن الفقهاء أوهموا المسلمين أن من يرفض الأحاديث يرفض ما جاء به الرسول . أي يرفض كتاب الله . . وهذه حيلة لا تنطلي على أصحاب العقول الذين جرمهم

الفقهاء وحذروا المسلمين منهم باعتبارهم من أهل البدع . . إن كل من يستخدم ويميل إلى المنطق والفلسفة وعلم الكلام هو مبتدع في نظر الفقهاء . وقد قال بعضهم : العلم بالكلام هو الجهل بالكلام هو العلم ( 2 ) . .

إن مثل هذه التصورات التي يطرحها الفقهاء عن الرسول وأحاديثه فضلا عن كونها مخالفة لنصوص القرآن هي صورة من صور تاليه الرسول ومن يعتقد فيها فقد وقع في عبادة الرجال . . وما دام المسلم لا يرفض الرسول وما جاء به فكيف يضل ويكفر . . ؟

  * ( هامش ) *
( 1 ) المرجع السابق . ( 2 ) أنظر شرح الطحاوية . . ( * )
 

 

ص 48

إن إنكار بعض الأحاديث أو الطعن فيها لا يعني إنكارا أو طعنا في الرسول وإنما يعني الطعن في كلام منسوب للرسول وإنكار نسبته إليه ( ص ) . . يعني دفاعا عن الدين وعن الرسول . . والفقهاء بموقفهم هذا إنما يكررون نفس موقفهم من المؤولة الذين تصدوا لأحاديث الصفات وحملوها على المجاز .


فهذا الموقف لم يعجبهم واعتبروه نفيا لصفات الله . وأعلنوا حربا شعواء على الفقهاء والإتجاهات الإسلامية التي تتبنى نهج التأويل وتهدف إلى تنزيه الله سبحانه عن مشابهة البشر . وهم هنا يتخذون نفس الموقف من أصحاب العقول الذين يدافعون

عن الرسول ( ص ) وينفون عنه ما يشينه أو يشوه صورته . . ليس هناك حرج على فقهاء يؤمنون أن الله سبحانه يظلم العباد وله يد وعين ورجل ويضحك ويغار ويهبط ويجلس على العرش . . ليس عليهم حرج أن ينسبون إلى الرسول مشاركة الله في

الألوهية ومجامعة النساء في المحيض والجهل بأحكام الدين والجبن والتطفل والولع بالنساء وخلافه . . ولو كانت السنة بهذه المكانة فلم لم يدونها الرسول وتركها تتبعثر هنا وهناك أكثر من قرن من الزمان ( 1 ) . . ؟

ومثل هذا السؤال يرد عليه ببساطة : إن الرسول مات وترك القرآن مبعثرا في صدور الرجال ولم يأمر بتدوينه . فكذلك السنة ( 2 ) . . وهذه الإجابة ليست غريبة على قوم يساوون السنة بالقرآن وينسبون للرسول ما ينسبون . .
 

  * ( هامش ) *
( 1 ) هناك من يقول إن السنة دخلت طور الجمع على الزهري الذي يقول : كنا نكره كتابه العلم - السنة - حتى أكرهنا على ذلك . . وهناك من يقول إن بداية التدوية على يد عمر بن عبد العزيز . وهناك من يقول إن التدوين بدأ في العصر العباسي وهو الأرجح - على يد مالك بن أنس تلميذ الزهري الذي قام بتأليف الموطأ بتوجيه من أبي جعفر المنصور . .

( 2 ) أنظر فصل الرسول المهمل من هذا الكتاب . . ( * )

 

 

ص 49

إذ كيف يعقل أن يترك الرسول ( ص ) القرآن مشتتا هنا وهناك في صدور الرجال . إن ذلك يتنافى مع دوره ومهمته كرسول خاتم . . يروى عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال : كنت أكتب كل شئ أسمعه من رسول الله ( ص ) ( فنهتني قريش )
( 1 ) . . قالوا : تكتب كل شئ سمعته عن رسول الله . ورسول الله بشر يتكلم في الغضب والرضا . . ؟

فأمسكت عن الكتابة . فذكرت ذلك لرسول الله فأومأ بإصبعه إلى فيه وقال : " أكتب فوالذي نفسي بيده ما خرج منه إلا حق " ( 2 ) . . وهذه الرواية تكشف لنا عدة دلالات هامة : أولا : أن هناك جبهة كانت تتولى الكتابة عن الرسول . .


ثانيا : أن هناك جبهة كانت ضد كتابة كلام الرسول . .

ثالثا : أن هناك أمر من الرسول بكتابة كلامه .

رابعا : أن هذه الجبهة تنظر إلى الرسول على أنه صاحب أحوال وذو شخصية متقلبة .

ويروي البخاري أنه لما حضر النبي ( ص ) - أي في مرض الموت - وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب . قال ( ص ) : " هلم أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده " . قال عمر : إن النبي - يهجر - وقد غلبه الوجع وعندكم كتاب الله فحسبنا كتاب الله واختلف أهل البيت واختصموا وانقسموا إلى حزبين . حزب مع عمر . وحزب يطالب بكتابة الوصية ( 3 ) . .
 

  * ( هامش ) *
( 1 ) يقصد بقريش هنا المهاجرين أمثال عمر وطلحة . أبي بكر وسعد وعثمان وكانوا ينكلون جبهة مستقلة في المدينة . ومنع ابن عمرو هنا كان يهدف إلى عدم نشر روايات تمس شخصيات محددة وتفضحها . .

( 2 ) رواه الدرامي وأبو داود وأحمد والحاكم . . ( 3 ) كتاب العلم . . ( * )

 

 

ص 50

ومن هذه الرواية نخرج بما يلي :

* أن هناك جبهة ضد الوصية وضد كتابة حديث الرسول . .

* أن هذه الجبهة بزعامة عمر والمهاجرين . .

* أن جبهة كتابة الوصية كانت بزعامة علي وتحوي الأنصار .

* أن هناك كتابة على عهد رسول الله ( 1 ) . .

ويروى عن أبي هريرة قوله : ما من أصحاب النبي ( ص ) أحد أكثر حديثا عنه مني إلا ما كان من عبد الله بن عمرو فإنه كان يكتب ولا أكتب ( 2 ) . .

ومن المعروف أن هناك مجموعة على عهد النبي ( ص ) كانت تكتب الوحي وعلى رأس هذه المجموعة الإمام علي وابن مسعود وأبي بن كعب ( 3 ) . . وما دام الأمر كذلك فكيف يدعي أن الرسول ( ص ) مات وترك القرآن غير مكتوب متفرقا في صدور الرجال كما قال عمر ( 4 ) . .


وكيف يدعي أن سنة الرسول لم تكن مدونة في عصره . . ؟

إن الإجابة على هذا السؤال سوف تتبين لنا إذا استعرضنا حال حديث الرسول في عهد الخلفاء الثلاثة : أبو بكر وعمر وعثمان . . تشير الروايات إلى أن الخلفاء الثلاثة عملوا على منع كتابة الحديث في عهدهم . .

يروي ابن سعد : أن الأحاديث كثرت على عهد عمر بن الخطاب فأنشد الناس أن يأتوه بها فأتوه بها فأمر بإحراقها ( 5 ) . .

ويروي الذهبي أن أبا بكر جمع الناس بعد وفاة النبي ( ص ) فقال : إنكم

  * ( هامش ) *
( 1 ) أنظر تفاصيل الخلاف حول وصية الرسول في كتابنا السيف والسياسة . .
( 2 )
البخاري كتاب العلم . .
( 3 )
أنظر كتب تاريخ القرآن . .
( 4 )
أنظر فصل الرسول المهمل . .
( 5 )
طبقات ابن سعد ج 5 / 140 . . ( * )
 

 

ص 51

رسول الله أحاديث تختلفون فيها . والناس بعدكم أشد اختلافا . فلا تحدثوا عن رسول الله شيئا . فمن سألكم فقولوا بيننا وبينكم كتاب الله فاستحلوا حلاله وحرموا حرامه ( 1 ) . . وحبس عمر بعض الصحابة الذين كانوا يروون حديث الرسول ( 2 )

أما عثمان فقال : لا يحل لأحد يروي حديثا لم يسمع به على عهد أبي بكر ولا على عهد عمر ( 3 ) . .

ويروى أن عثمان حجر على أبي ذر وابن مسعود وعمر وغيرهم من الصحابة وآذاهم واضطهدهم بسبب نشر حديث الرسول ورفض الانصياع لأمره بعدم التحدث إلى الناس ( 4 ) . .

ومن هذه الروايات وغيرها مما لا يتسع المجال لذكره هنا يتبين لنا أن الأحاديث كانت مدونة على عهد الرسول ( ص ) وكانت متداولة بين الصحابة . . ويتبين لنا أيضا أن هذه الأحاديث كانت تشكل حرجا لعدد من الصحابة خاصة تلك التي تتعلق بسلوك ومواقف المنافقين .


وأنه بمجرد أن توفي الرسول عملت جبهة المهاجرين بزعامة عمر على منع نشر الحديث وتداوله وقد كانت لها محاولات في ذلك أثناء حياة الرسول . . وهناك حقيقة هامة أكدتها الروايات الخاصة بأبي بكر وعمر وهي أن كلاهما أصر على نبذ

الأحاديث وحث على التمسك بكتاب الله وحده . ويبدو هذا بوضوح من خلال قول أبو بكر : بيننا وبينكم كتاب الله . . وقول عمر : حسبنا كتاب الله . .

  * ( هامش ) *
( 1 ) تذكرة الحفاظ ترجمة أبي بكر . .
( 2 )
المرجع السابق . ترجمة عمر . ومن الذين حبسهم عمر بن مسعود وأبا الدرداء . .
( 3 )
منتخب كنز العمال . هامش مسند أحمد ج 4 / 64
( 4 )
أنظر ترجمة عثمان في كتب التاريخ . وانظر سنن الدارمي وطبقات ابن سعد . . وانظر نماذج أخرى من هذه الروايات في تذكرة الحفاظ للذهبي وكتب التراجم . ( * )
 

 

ص 52

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا : ما هو موقف الفقهاء من أبي بكر وعمر ؟

وهل هذا الموقف من جهتهما يعد بدعة وضلالة . . ؟

ونحن نجيب بالنيابة عنهم بقولنا : إن أبا بكر وعمر لم يمنعا الحديث كلية وإنما منع الأحاديث التي تشكل خطرا على نهجهما . ويدل على ذلك قول عثمان لا يحل لأحد يروي حديثا لم يسمع به على عهد أبي بكر وعمر . . ويدل عليه أيضا ذلك الحصار الذي فرض على أنصار علي من الصحابة وعلى الأنصار فهؤلاء جميعا كانوا ضد النهج القبلي الذي فرضه الخلفاء الثلاثة
( 1 ) .
 

أما في عصر معاوية فقد اختلف الوضع . فقد وجد معاوية نفسه في مواجهة الإمام علي بقدره ومكانته العالية وعلمه المتميز . فكان لا بد له من وسيلة شرعية يتحصن بها في مواجهته تحقق له التوازن في الصراع الذي دار معه . . فكان أن جمع

حوله المغيرة بن شعبة وعمرو بن العاص وأبو هريرة وغيرهم وأطلق لهم العنان ليرووا باسم الرسول ما يدعم خطه ويقوي صرحه ويسد العجز في الميزان الشرعي الذي أوقعه في حرج أمام الإمام علي . . لقد فتح معاوية الأبواب على مصارعها

لرواية الأحاديث الذي تدعمه وتحط من قدر الإمام علي وتشكك في شخصه ونهجه ( 2 ) . . ونتج عن هذا أن فتحت الأبواب على مصارعها أيضا لأعداء الإسلام كي يرووا باسم الرسول ويشوهوا صورة الإسلام . .
 

  * ( هامش ) *
( 1 ) أنظر لنا السيف والسياسة . .
( 2 )
أنظر لنا السيف والسياسة . وانظر أمر معاوية بسبب علي على المنابر وأمره بمنع التحدث في فضائل علي ومكانته . وأمره بنشر الروايات التي تذمه وتشوه صورته ثم اختراعه الروايات التي ترفع من قدره وتحسن من صورته هو . أنظر كتب التاريخ .

وفتح الباري ح‍ / 7 كتاب فضائل الصحابة . باب ذكر معاوية . . وانظر تطهير الجنان واللسان عن خطورة التفوه بثلب معاوية بن أبي سفيان لابن حجر الهيثمي في ذيل الصواعق المحرقة ط القاهرة والنظر العواصم من القواصم لأبي بكر بن العربي . . ( * )

 

 

ص 53

برز كعب الأحبار وأخذ عنه أبو هريرة وأنس بن مالك وعبد الله بن عمر ومعاوية وعبد الله بن الزبير وغيرهم ( 1 ) . . من هنا كثرت الإسرائيليات وتغلغلت في كتب الأحاديث عن طريق الصحابة الذين عدلهم أهل السنة وحرموا تجريحهم . . وفي وسط هذا المناخ المتناقض والذي يتمثل فيما يلي :

 - أحاديث أخذت من لسان النبي ( ص ) مباشرة انتشرت في حياته وضربت بعد مماته . .

 - أحاديث تمكن من إنقاذها والاحتفاظ بها قطاع من الصحابة على رأسهم الإمام علي . .

 - أحاديث اخترعت في عصر الخلفاء الثلاثة . .

 - أحاديث اخترعت في عصر معاوية . .

 - أحاديث أخذت من كعب الأحبار وغيره من العناصر اليهودية والمسيحية التي اخترقت صفوف المسلمين . . هذا الكم المتناقض من الأحاديث هو الذي وصل إلى المسلمين في العصر العباسي ونم عزبلته وانتقاء الأحاديث التي تدعم خط الخلفاء

والملوك ومن أقوى الأدلة التي يستند عليها الفقهاء في ربط الكتاب بالسنة وربط السند بالكتاب قوله تعالى : ( وما آتاكم الرسول فخذوه . وما نهاكم عنه فانتهوا . ) [ الحشر : 7 ] . . ( ومن يطع الرسول فقد أطاع الله ) [ النساء : 80 ] . .

( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا من أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما ) [ النساء : 65 ] . . ( ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا بعيدا ) [ الأحزاب : 37 ] . .

إن مثل هذه النصوص وغيرها إن كانت تؤكد شراكة الرسول لله سبحانه في أمر الحكم والأمر والنهي - وهو ما يريد تأكيده الفقهاء - فهذا هو الكفر بعينه . إذ

  * ( هامش ) *
( 1 ) أنظر نماذج من هذه الروايات في الفصول القادمة من الكتاب . . ( * )
 

 

ص 54

معني هذا الكلام أن الرسول ( ص ) يشارك الله سبحانه في خاصية الألوهية . وهذا يعني أن الرسول قد منح صفة من صفات الله وأخذ خاصية من خصائصه سبحانه .

وهذا ما قاتله اليهود في عزيز والنصارى في عيسى . . وإذا ما أنكر الفقهاء هذا الادعاء - وهم سوف ينكرونه بالطبع - فإن هذا يعني أن ربط القرآن حكم الله بحكم الرسول وطاعته بطاعته له مدلول آخر وهو أن الرسول هو الذي ينطق بكلام الله عن

طريق الوحي وقد عصم لهذا الغرض فمن ثم هو المصدر الوحيد في الأرض الذي ينطق بكلام الله ويقوم بتبيينه . وهو وفق هذا التصور حكمه هو حكم الله . وطاعته هي طاعة الله لكونه لا يتكلم ولا يحكم ولا يبين إلا وفق ما يرشده الوحي الإلهي . وهذا هو معنى قوله تعالى : ( وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ) [ النجم ] .


وما ينطقه الرسول ( ص ) ينقسم إلى قسمين : الأول هو القرآن . . الثاني هو البيان . . وشتان بين القرآن والبيان . . هذا كلام الله . . وهذا كلام الرسول . . نعم إن كلام الرسول منضبط بالوحي ولكن هل هذا يعني أن نساويه بالقرآن ؟

والجواب بالطبع لا . . والفقهاء أنفسهم يقرون أن القرآن جاء بطريق التواتر القطعي . . أما السنة فجاءت بطرق أخرى ظنية . . فإذا كان الأمر كذلك . فكيف ربطوا السنة بالكتاب وكفروا منكرها أو رافض بعضها أو المشكك فيها . . ؟ لقد حسم القرآن بقوله تعالى :

ص 55

( وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتذكرون ) [ النحل : 44 ] . إن دور الرسول هو التبيين . . ودور الرسول هو البلاغ . . يقول تعالى : ( فإن تولوا فإنما عليك البلاغ المبين ) [ النحل : 82 ] .


ويقول : ( يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك . . ) [ المائدة : 67 ] . . ويقول : ( هذا بلاغ للناس ولينذروا به . . )
[ إبراهيم : 52 ] . . ليس من حق الرسول الإضافة . . وليس من حقه التشريع . . وليس من حقه الاختلاق . . وليس من

حقه الاجتهاد . . وليس من حقه اللهو . . وليس من حقه أن يتسامح في أمر الوحي . . ولا يملك ذلك من الصل . فإنما هو معصوم ومحكوم وفق دائرة التبيين والتبليغ . إلا أن هذه الدائرة التي حدده الله سبحانه لم تعجب الحكام والكهان وأعداء

الإسلام لكونها توصد الأبواب في وجوههم وتحول بينهم بين أن يحرفوا هذا الدين ويشوهوه ويخضعوه لأهوائهم ومصالحهم . فمن ثم كانت الحاجة ماسة إلى اختراع كم هائل من الروايات التي تخرج الرسول من هذه الدائرة لتضعه في دوائر أخرى

تتيح لهم استثمار الدين لصالحهم . ويتحصن الفقهاء في وجوب لزوم السنة برواية منسوبة للرسول تقول : " ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه لا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه . وما وجدتم فيه من حرام فحرموه " ( 1 ) . . وهذه الرواية إنما يعضد بها الفقهاء موقفهم من النصوص القرآنية التي
 

  * ( هامش ) *
( 1 ) أبو داود . كتاب السنة . . وانظر سنن ابن ماجة ج 1 . باب تعظيم حديث رسل الله والتغليظ على من عارضه . . ( * )
 

 

ص 56

ذكرناها من أن القرآن وحده لا يكفي ولا بد من أن تكون السنة إلى جواره . وهي تقود إلى نفس النتيجة من أن القرآن والسنة سواء في التلقي والاعتقاد . وأنه لا فرق بين كلام الله وكلام الرسول . .

وهي تهدف إلى إخراج الرسول من دائرة التبيين والتبليغ إلى دائرة أوسع وهي دائرة التشريع . . إن معنى قول الرسول أوتيت القرآن ومثله معه لا يحتمل إلا شيئا واحدا وهو أن السنة مثل القرآن . وهذا كلام لا يجوز في حق رسول قال فيه

سبحانه : ( ولو تقول علينا بعض الأقاويل . لأخذنا منه باليمين . ثم لقطعنا منه الوتين . فما منكم من أحد منه حاجزين )
[ الحاقة : 44 - 47 ] . . وإذا كان معنى مثله معه هو البيان فهذا يرد الرواية من أصلها إذ ليس هناك تطابق بين التعبيرين

والمسألة لا تحتمل وجها واحدا هو : إما أن يكون الرسول قد قال مثل هذا الكلام . . وإما أن لا يكون قد قاله . . الأرجح أنه لم يقله . لأنه يتناقض مع دوره ورسالته . . ويعضد هذا ما ينسبه القوم إلى الرسول ( ص ) من أنه نهى عن كتابة الأحاديث

وقال : " من كتب عني شيئا فليمحه " . . وقد كان شعار عمر وهو يطارد الأحاديث : الخوف من أن تختلط بالقرآن . . فإذا اعتمدنا روايات النهي عن كتابة الأحاديث . . وكلا الموقفين يقربهما الفقهاء . . فإن هذا يعنى رفض هذه الرواية واعتبارها

مختلقة . . وإذا اعتمدنا رفض الموقفين فإن هذا يعني التشكيك في السنة وتناقضها وهو موقف يتجنبه الفقهاء . وليس أمام الفقهاء من مخرج سوى أن يقروا أن السنة لا تخرج عن كونها جهد بشري وتراث علمي يحوي الغث والسمين والنافع والضار والحق والباطل

ص 57

فمن ثم هو يخضع لقاعدة الأخذ والرد والقبول والرفض . لو أقر الفقهاء بهذا لأمكن للإسلام أن يضل على وجهه النقي الصافي كما تركه الرسول . ولأمكن للقرآن أن يلعب دورا فاعلا في حياة المسلمين ذلك الدور الذي سوف يظل مجمدا بسبب

هذا الكم الهائل من الأحاديث المنسوبة للرسول الذي غطى على القرآن وعزله عن واقع المسلمين . . وبفضل هذه الأحاديث المتناقضة والواهية فتح الباب على مصارعه لأقوال الرجال التي غطت على هذه الأحاديث وأصبحت الأمة تتلقاها بالقبول

وتدين بها لا بالأحاديث . . إن السنة ليست سوى تاريخ للرسول ( ص ) هذا ما يجب أن يعتقده المسلمون . والتاريخ يخضع لقواعد البحث والغربلة لكونه نتاج بشري وليس نتاجا إليها يجب علينا التعبد به . . وإذا كان الفقهاء يقرون أن من الفروق بين

القرآن والسنة . إن القرآن كلام الله يجوز التعبد به شرعا بينما السنة ليست كذلك . فما معنى ربطهم السنة بالكتاب وإضفاء هذه الحالة المقدسة على الأحاديث وتكفير الرافض لها والمشكك فيها . . ؟


إن حكم التكفير في ذاته يرتد على الفقهاء الذين تبنوه لكونهم ساووا ما بين الكتاب والسنة واعتبروا منكر السنة كمنكر القرآن . . يرتد عليهم لكونهم أدخلوا الرسول ( ص ) في دائرة المشاركة مع الله سبحانه في الألوهية وأعطوه حق التشريع والإضافة على القرآن وهو ما يتنافى مع دور الرسول وشخصيته . .


ويروى أن معاذ بن جبل قال : إن من ورائكم فتنا يكثر فيها المال ويفتح فيها القرآن حتى يأخذه المؤمن والمنافق والرجل والمرأة والصغير والكبير والعبد والحر فيوشك أن يقول : ما للناس لا يتبعوني وقد قرأت القرآن ؟ ما هم بمتبعي حتى ابتدع لهم غيره . فإياكم وما ابتدع فإن ما ابتدع ضلالة " ( 1 ) . .

  * ( هامش ) *
( 1 ) أبو داود . كتاب السنة . ( * )
 

 

ص 58

ويروى أن الرسول ( ص ) قال : " بلغوا عني ولو آية " ( 1 ) . . ويتداول الفقهاء الكثير من الروايات التي تحض على القرآن وضرورة تلاوته وحفظه وتعلمه ( 2 ) . .

وهذه الروايات تشير إلى أن القرآن كان مجموعا ومرفوعا ومتداولا في حياة الرسول ( ص ) . . ويبدو لنا مما سبق أن الروايات لا تحدد ملامح واضحة لشخصية الرسول ودوره . . فهي تصور بالشخصية المتناقضة . . فتارة يأمر بكتابة

الأحاديث . . وتارة ينهى عنها . . وتارة أخرى يأمر بالقرآن ويحض عليه . . وتارة يشرك معه أحاديثه . . وهو فوق هذا يضيف أحكاما فوق أحكام القرآن ويجتهد ويخطئ ويتطفل ويسحر ويتعدى عليه عمر في أمر الوحي ويعشق النساء ويهمل دوره ورسالته وغير ذلك ما سوف نبين . .


ولقد قال سبحانه : ( وإنك لعلى خلق عظيم ) . وهذا النص القرآني يبدد كل تلك الروايات التي تحط من قدره وتقود في النهاية إلى التشكيك في اختياره للرسالة . . تروي عائشة عن الرسول ( ص ) : " كان خلقه القرآن " ( 3 ) . .

  * ( هامش ) *
( 1 ) رواه أحمد والترمذي . .
( 2 )
أنظر نماذج من هذه الروايات في كتاب فضل القرآن بالبخاري وكتاب العلم وانظر سنن سنن ابن ماجة وغيرهم من كتب السنن . وانظر لنا كتاب الخدعة . .
( 3 )
مسند أحمد باب ما جاء في خلقه العظيم . وانظر النسائي والترمذي . وطبقات ابن سعد ج 1 / 273 . . ( * )
 

 

ص 59

ويروى عن الرسول قوله : " قيدوا العلم بالكتاب " ( 1 ) . . واحتج عمر على الرسول ( ص ) وهو في مرض الموت يطلب إحضار القلم والقرطاس ليكتب لهم وصيته بقوله : " حسبنا كتاب الله " ( 2 ) . . ومثل هذه الروايات وغيرها التي يتداولها القوم إنما تؤكد أن الرسول ( ص ) كان منضبطا بالقرآن ولا يخالفه في شئ .

 

  * ( هامش ) *
( 1 ) أنظر مستدرك الحاكم والطبراني . . ( 2 ) سوف نعرض لهذه الرواية في باب الرسول المهمل . . ( * )
 

 

 

الصفحة الرئيسية

 

مكتبة الشبكة

 

فهرس الكتاب