|
خيال الرسول وعقله
ودينه ملك عائشة |
|
|
الرسول العاشق . . ( 1 ) خيال الرسول وعقله ودينه ملك عائشة . . يعتبر الفقهاء حياة الرسول قبل البعثة تخرج من دائرة العصمة . أي أن العصمة ترتبط بفترة بعثته فقط . وحتى هذه العصمة لها دائرة محددة هي دائرة التبليغ كما أشرنا . . وعلى ضوء هذا التفسير يمكن ربط الرسول ( ص ) بعلاقات نسائية سواء قبل البعثة أو بعدها دون حرج . على أساس أن هذه العلاقة إنما هي في محيط الجانب البشري من شخصيته . . وفي المرحلة المكية ارتبط الرسول بعلاقة حب والزواج بالسيدة خديجة رغم فارق السنة بينهما . ورغم كونها ثيبا وتكبره في السن . . ورغم وجود عشرات الأبكار اللاتي يحلمن الزواج من رجل كمحمد بن عبد الله تتوافر فيه جميع الخصال التي تحلم بها أية امرأة وزيادة . . إلا أن الرسول ارتبط بخديجة وانجب منها فاطمة . وكان زواجا مباركا من قبل الله سبحانه . وتحققت للدعوة مكاسب كثيرة من وراء هذا الزواج . . من هنا يمكن القول إن الرسول اختار خديجة بتوجيه من الوحي . . والله سبحانه وجه عاطفة الرسول نحو خديجة حتى يقبلها زوجة له . . وخديجة كانت تحمل المواصفات التي تؤهلها للارتباط بالرسول في هذه المرحلة . .
لقد كان من الممكن للرسول أن يميل بعاطفته نحو فتاة بكر وهو بشر له نوازعه .
لكن الله سبحانه يريد أن يبين لنا أن عصمة الرسول لا تعني إلغاء عواطفه ومشاعره
بل توظيف هذه المشاعر وتوجيهها . . وهذا ما حدث بين الرسول وخديجة . .
وهو ما غاب عن الفقهاء حين فسروا العصمة هذا التفسير الضيق
وفق الروايات التي تبنوها وصاغوا للرسول شخصية ولا يتناقض معها إن العصمة لا تلغي عواطف الرسول ونوازعه البشرية ولكنها تضبط هذه العواطف والنوازع وفق مصلحة الرسالة . . والفقهاء تحت ضغط الروايات اضطروا إلى فصل العصمة عن النوازع واعتبروا أن للرسول مطلق الحرية في إطلاق نوازعه والتصرف في شهواته وأن ذلك كله لا يصطدم بأهداف
الرسالة . . وإذا كانت حياة القادة ملكا لأمتهم . فكيف الحال بحياة الرسول
المبعوث للعالمين وهو خاتم الرسل . . ؟ إن القائد الذي يهب نفسه لقضية يتفرق ويتجرد لها ولا يأتي بما يناقضها ويصطدم بمصالحها وأهدافها . والرسول نبي وقائد . فكيف له أن يطلق العنان لشهواته ونوازعه ويأتي من السلوكيات والممارسات ما يثير الشبهات حوله ويشكك في دعوته . . ودفاع الفقهاء عن هذه السلوكيات والممارسات التي ألصقت
بالرسول يعد صورة من صور الانحراف والتزييف التي لحقت بالدين بعد وفاة الرسول
وهي قاعدة عامة مرت بها جميع الرسالات الإلهية . غير أن الصورة اختلفت مع
الإسلام . فإن التزييف والتحريف جاء من جهة الروايات المخترعة التي باركها الفقهاء ودعموها بتفسيراتهم حتى كانت النتيجة هي تشويه الرسول . . ولا شك أن تشويه الرسول هو تشويه للدين الذي جاء به . . والفقهاء بهذه الصورة يكونوا قد أعادوا سيرة الأحبار والرهبان في أقوامهم . بأن جعلوا هذه الروايات حكما على الرسول وعلى القرآن . ثم جعلوا أقوالهم حكما على هذه الروايات . وبالتالي أصبحت أقوالهم وتفسيراتهم هي الدين وتبعهم المسلمون على هذا . وهذه هي متاهة الأحبار والرهبان . .
ومن خلال كم الروايات التي رويت حول علاقة الرسول بعائشة وتفسيرات الفقهاء لهذه الروايات وتبريراتهم لها سوف تتضح الصورة . . ويتبين لنا كيف أن هؤلاء الفقهاء جنوا على الرسول وسفهوا عقول المسلمين . .
وأعرس بي في شوال على رأس ثمانية أشهر من المهاجر . وكنت يوم دخل بي ابنة تسع سنين ( 1 ) . . ولقد أجمع الفقهاء على أساس هذه الرواية وغيرها أن الرسول ( ص ) تزوج عائشة وهي ابنة ست . ودخل بها وهي ابنة تسع ( 2 ) . . وعلى هذا الأساس تكون عائشة من مواليد السنة الرابعة من البعثة وهو تاريخ يتناقض مع سيرة عائشة قبل أن يقترن بها الرسول .
يقول ابن حجر : كان مولدها في الإسلام قبل الهجرة بثمان سنين
أو نحوها ومات النبي ( ص ) ولها نحو ثمانية عشر عاما
إلا أنه بعملية حسابية بسيطة يتبين لنا أنه ما دامت عائشة تقول إنها تزوجت الرسول قبل الهجرة بثلاث سنوات سنة عشر من البعثة وكان عمرها ست ودخل بها بعد الهجرة بحوالي العام وكان عمرها تسع . فإن تاريخ ميلاد عائشة حسب روايتها يكون في السنة الثالثة من البعثة لا الرابعة وتكون قد تزوجت الرسول في سن العاشرة لا التاسعة . .
وهذه الرواية تكشف لنا عدة معالم جديدة في تاريخ عائشة قبل زواجها بالرسول . وهذه المعالم هي : - متى تزوج جبير عائشة . . ؟ إذ كان القوم يقولون حسبما تروي عائشة عن نفسها أنها تزوجت الرسول في السنة السادسة من عمرها . فمعنى هذا أن مطعما تزوجها قبل ذلك . أي قبل السادسة . ولما كان هذا الكلام لا يعقل فلا بد وأن يتجه الشك نحو تاريخ ميلاد عائشة . .
- والمعلم الرابع هو الشك في تاريخ زواج عائشة بالرسول . فمع هذه الرواية يكون سن عائشة أكبر من ذلك بكثير . ويكون تاريخ زواجها من الرسول بعد ذلك بكثير أيضا . . ومثل هذا التصور هو الذي يتلاءم مع دور عائشة وتاريخها وهو التبرير الوحيد لذلك الكم الهائل من الروايات والعلم الذي ورثته عن
الرسول ( ص ) حسبما تشير الروايات . . ذلك الكم الذي لم ينسب لفاطمة بنت النبي
والتي ولدت قبل البعثة بخمس سنوات أي حين ولدت عائشة - حسب الروايات - كان
عمرها حوالي تسع سنوات . . يروي أبو داود عن عائشة قالت : تزوجني رسول الله ( ص ) وأنا بنت سبع . قال سليمان : أو ست . ودخل بي وأنا بنت تسع ( 1 ) . . ويروي النسائي عن عائشة قالت : تزوجني رسول الله ( ص ) لسبع سنين ودخل علي لتسع سنين ( 2 ) . . ويروي ابن ماجة عن عبد الله قال :
تزوج النبي ( ص ) عائشة وهي بنت سبع وبنى بها وهي بنت تسع وتوفي عنها وهي هذا على الرغم من أن جميع كتب السنن تؤكد أن العقد تم في السادسة . حتى هذه الكتب الذي ذكرت رواية وقوع العقد في السابعة ذكرت أيضا رواية وقوع العقد في السادسة . . وقد ذكرنا هذه الروايات كنموذج لتخبط القوم وعدم دقتهم في أمر النقل وهو ما يؤكد ضرورة خضوع الرواية للنقد والتحليل للتثبت منها ويؤكد من جهة أخرى أن وقوع الدس والتحريف أمر وارد . .
وبجمع هذه الروايات مع الروايات السابقة التي تتحدث عن التاريخ ميلاد عائشة وتاريخ اقتران الرسول بها يتبين لنا أن الأصل هي تلك الروايات التي تتحدث عن تاريخ عائشة قبل زواجها بالرسول . وأن الروايات التي تحاول ربط تاريخها بالرسول مباشرة بمعنى ربطها من طفولتها بالنبي مباشرة هي روايات إلى الوضع أقرب . . يروي ابن سعد عن عائشة قالت : قلت يا رسول الله إن النساء قد اكتنين فكنني . قال : تكني بابنك عبد الله ( 1 ) . . وكانت عائشة تتباهى على بقية نساء النبي ( ص ) بأنها البكر الوحيدة بينهن ( 2 ) . . إلا أن هناك روايات تؤكد أن هذا الادعاء غير صحيح . .
وهذه الرواية تشير إلى أن الرسول تزوج أكثر من بكر فلو كان قد تزوج واحدة وهي عائشة كما تدعي لما كانت هناك حاجة أن يعلن أن من سنته الإقامة عند البكر سبعا وعند الثيب ثلاثا . فاعلان السنة إشارة إلى التكرار . .
- أرجوحة ودمى . . تروي كتب السنن أن رسول الله ( ص ) أصيب بحالة من الحزن والاكتئاب بعد وفاة خديجة فأراد الله أن يسري عنه فزوجه عائشة . . يروي ابن سعد : وجد رسول الله ( ص ) على خديجة حتى خشي عليه حتى تزوج عائشة ( 1 ) . . ويروي مسلم عن عائشة قالت : قال رسول الله ( ص ) أريتك في المنام ثلاث ليال جاءني بك الملك في سرقة من حرير فيقول هذه امرأتك فاكشف عن وجهك فإذا أنت هي . فأقول إن يك هذا من عند الله يمضه ( 2 ) . . ويروي ابن سعد عن عائشة قالت : إن رسول الله قال لها : رايتك في المنام مرتين . أرى رجلا يحملك في سرقة من حرير فيقول هذه امرأتك . فاكشف عنها فإذا هي أنت . فأقول إن يك هذا من الله يمضه ( 3 ) . .
أم رومان - والدتها وهي أم رومان بنت عمير بن عامر - وأنا على
أرجوحة ومعي صواحب فصرخت بي فأتيتها وما أدري ما تريدني فأخذت بيدي فأوقفتني
على الباب فقلت هه هه . حتى ذهب نفسي فأدخلتني بيتا فإذا نسوة من الأنصار
فقلن على الخير والبركة وعلى خير طائر . فأسلمتني إليهن وأصلحنني فلم يرعني إلا ورسول الله ضحى فأسلمتني إليه ( 1 ) ويروى عن عائشة أنها كانت تلعب بالبنات - العرائس - عند رسول الله قالت : وكانت تأتيني صواحبي فكن ينقمعن من رسول الله - يهربن منه - فكان يسربهن إلي ( 2 ) . . قال النووي تعليقا على هاتين الروايتين بعد أن وصف الأرجوحة : المراد هذه اللعب المسماة بالبنات التي تلعب بها الجواري الصغار . ومعناه التنبيه على صغر سنها . قال القاضي : وفيه جواز اتخاذ اللعب وإباحة لعب الجواري بهن وقد جاء في الحديث أن النبي رأى ذلك فلم ينكره . قالوا وسببه تدريبهن لتربية الأولاد وإصلاح شأنهن وبيوتهن . هذا كلام القاضي . ويحتمل أن يكون مخصوصا من أحاديث النهي عن اتخاذ الصور لما ذكره من المصلحة . ويحتمل أن يكون مخصوصا من أحاديث النهي عن اتخاذ الصور لما ذكره من المصلحة . ويحتمل أن يكون هذا منهيا عنه وكانت قصة عائشة هذه ولعبها في أول الهجرة قبل تحريم الصور ( 3 ) . . وقولها : وكن ينقمعن أي يتغيبن في البيت حياء وهيبة له عليه
السلام . ومعنى يسربهن يرسلهن . قال النووي : وهذا من لطفه عليه السلام وحسن
معاشرته ( 4 ) . . ومما ذكر الفقهاء حول هاتين الروايتين يتبين لنا أن الفقهاء
إنما يتعاملون مع الروايات بمنطق التسليم المطلق خاصة إذا كانت هذه الروايات من
جهة البخاري ومسلم . فهم لا يعنيهم أن يعملوا عقولهم في هذه الروايات لأن ذلك
من المحظورات وإنما واجبهم ووظيفتهم أن يفسروها ويبرروها كي تدين الأمة بها .
وفوق ذلك يستنبطون منها الأحكام . .
لقد انشغل الفقهاء بدمي عائشة هل هي حرام أم حلال ؟ ولم ينشغلوا بالرسول وشخصه وهل يليق به هذا الوضع أم لا . . ؟ ويروي ابن سعد عن عائشة قالت : دخل علي رسول الله ( ص ) يوما وأنا ألعب بالبنات . فقال : ما هذا يا عائشة . . ؟ فقلت خيل سليمان . فضحك ( 1 ) . . ويروي أن النبي إذا دخل عليها وهي تلعب استتر بثوبه منها ( 2 ) . . إن الرواة لم يكتفوا بتزويج الرسول طفلة لم تبلغ الحلم بل زادوا الطين بلة بإضافة روايات أخرى تؤكد أن الرسول تفاعل مع هذا الوضع واندمج فيه وأخذ يلاعب عائشة تارة يجمع لها صواحبها وتارة يستتر منها . .
وهل كان لدى الرسول من الوقت ليلهو مع عائشة . . ؟ أو السؤال الذي يجب أن يسبق هذه الأسئلة جميعا : ما الذي يضطر الرسول إلى الاقتران بطفلة وأمامه نساء العرب . . ؟ وأما هذه التساؤلات ليس إمامنا سوى أن نقر بأن مثل هذه
الروايات اخترعت من قبل السياسة . والهدف هو تضخيم عائشة . . والذين استمدوا شرعيتهم من نظام أبي بكر . . وهذه اللعبة من أساسها هي من صنع معاوية الذي عجز عن إيجاد الدعم الشرعي لنظامه فعمل على تضخيم أبي بكر وعمر ليواجه بهما علي وخطه . . ولما كان أبو بكر وعمر كلاهما في حاجة إلى نصوص لدعمهما برز دور عائشة . وما دور عائشة ليبرز دون أن تكون لها هذه المكانة التي خلقتها الروايات . .
ولو كان الفقهاء مالوا إلى جانب الرسول ( ص ) ورفضوا هذه الروايات لفقدت عائشة دورها ومكانتها ولكشفت لنا الحقيقة جلية واضحة . لكنهم اتبعوا الآباء وقدسوا ما ورثوه عنهم . وبالتالي رفعت عائشة على حساب الرسول وأسهمت رواياتها في بناء الصرح القبلي الذي ساد بعد وفاة الرسول والذي ورثه معاوية في النهاية ليفرض على الأمة دينا ونهجا جديدا غير الذي جاء به الرسول ( 1 ) . .
يروي مسلم عن عائشة قولها : ما غرت على امرأة ما غرت علي خديجة ولقد هلكت قبل أن يتزوجني بثلاث سنين لما كنت أسمعه يذكرها . ولقد أمره ربه أن يبشرها ببيت في الجنة وإن كان ليذبح الشاة ثم يهديها إلى خلائلها ( 2 ) . . وفي رواية أخرى قالت : فأغضبته يوما فقلت خديجة ؟ فقال الرسول ( ص ) : " إني قد رزقت حبها " ( 3 ) . . وفي رواية قالت : وما تذكر من عجوز من عجائز قريش حمراء الشدقين هلكت في الدهر فأبدلك الله خيرا منها ( 4 ) . . وفي رواية قالت : كأنه لم يكن في الدنيا امرأة إلا خديجة . . ؟ فيقول الرسول ( ص ) : " إنها كانت وكانت . وكان لي منها ولد " ( 5 ) . .
قال القسطلاني عن الغيرة : فيه - أي الحديث - ثبوت الغيرة . وأنها غير مستنكر وقوعها من فاضلات النساء فضلا عن من دونهن ( 6 ) . .
وقال ابن حجر : إن عائشة كانت تغار من نساء النبي وكانت تغار من خديجة أكثر . . وخلائلها جمع خليلة أي صديقة . وهي أيضا من أسباب الغيرة لما فيه من الإشعار باستمرار حبه لها حتى كان يتعاهد صواحباتها ( 1 ) . . وقول الرسول ( ص ) إني قد رزقت حبها هو تصريح كاف من الرسول يبرر هذا الموقف العدائي من عائشة تجاه خديجة . وحين قالت عائشة للرسول إنها بديل خديجة الأفضل والخير . كان رده عليها حاسما بقوله : لا والله ما أبدلني الله خيرا منها آمنت بي إذ كفر الناس وصدقتني إذ كذبني الناس . وواستني بما لها إذ حرمني الناس . ورزقني الله ولدها إذ حرمني أولاد النساء . . وهذا الرد من الرسول لم يذكره البخاري ومسلم في رواياتهما التي انتهت بقول عائشة فأبدلك الله خيرا منها . وإنما ذكر في رواية أحمد وغيره . . والبخاري ومسلم إنما قدما على سائر كتب الحديث لمثل هذا . فهما قد اختارا الروايات المبهمة والمبتورة فضلا عن الروايات التي تضفي المشروعية على الخط القبلي الذي ساد بعد وفاة الرسول . . وإذا كان مسلم قد احتضن بعض الروايات التي تخص آل البيت والإمام علي خصوم هذا الخط . فإن البخاري أغلق الباب في وجهها تماما ولعل هذا هو سبب تقديمه على مسلم وتسليط الأضواء عليه . . فقول الرسول ( ص ) عن خديجة إنها كانت وكانت . هي رواية البخاري الذي رفض قبول الروايات الأخرى التي
تفصل مآثر خديجة ومكانتها العالية واختار هذه الرواية المبهمة . . قال القرطبي : كان حبه ( ص ) لها - أي لخديجة - لما تقدم ذكره من الأسباب - في رواية أحمد - وهي كثيرة كل منها كان سببا في إيجاد المحبة . ومما كافأ النبي به خديجة في الدنيا أنه لم يتزوج في حياتها غيرها ( 2 ) . .
وقول القرطبي هذا كما هو شأن سائر أقوال الفقهاء فيما يتعلق
بحياة الرسول خاصة . إنما يهدف إلى تسطيح علاقة الرسول بخديجة وترفيغ هذه
العلاقة من مضمونها الحقيقي وتصويرها بأنها علاقة شخصية بين رجل وامرأة . بين
امرأة محضية مخلصة وهي خديجة . . ورجل وفي هو الرسول . احترم خديجة وكبح جماح شهوته وعشقه للنساء طوال حياته حتى إذا ما ماتت أصبح يرتع في النساء . . هكذا يصور لنا قول القرطبي . . ولا شك أن مثل هذه الروايات إنما تقطع بأفضلية خديجة وعلو مقامها وأن عائشة لا توزن أمامها بشئ . وهذا هو سبب كراهيتها لها . . يقول الرسول ( ص ) : " خير نسائها مريم . وخير نسائها خديجة " ( 1 ) . . ويقول ( ص ) على لسان جبريل عن خديجة : " اقرأ عليها السلام من ربها ومني وبشرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب " ( 2 ) . .
تقول الرواية : كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء غير
مريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون . وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على
سائر الطعام ( 3 ) . .
قال القاضي : فضل الثريد لسرعة استساغته والتذاذه وإشباعه وتقديمه على غيره من الأطعمة التي لا تقوم مقامه وليس هو بنص في تفضيلها على مريم وآسية ويحتمل أن المراد نساء وقتها وليس فيه أيضا ما يشعر بترجيحها على فاطمة إذ يمكن أن يمثل فاطمة بما هو أرفع . وبالجملة يدل أن لعائشة فضلا كثيرا على النساء لا على قوم النساء ( 1 ) . .
ومثل هذا القول المتناقض إنما يعود سببه إلى تخبط القوم في الروايات الواردة في السيدة خديجة وفاطمة . وعائشة وعدم محاولة تمييزها عن بعضها . فهم تحت ضغط السياسة يحاولون رفع عائشة وتلميعها رغم عدم وجود روايات صريحة في حقها . . إلا أن الأمر الملفت للنظر هنا هو أن الرسول الذي
أوتي جوامع الكم لم يجد تعبيرا يعبر به عن فضل عائشة سوى مقارنتها بالطعام . .
وهذا ادعى للشك في أن هذه القول منسوب للرسول . إذ أن تأمل الرواية من أولها
يقود إلى اليقين أن جملة ( فضل عائشة على النساء ) الخ . .
قد ألصقت بالرواية التي لا يظهر من نصها ما يفيد وجود ترابط في المعنى بين النص الخاص بمريم وآسية . والنص الخاص بعائشة . . وليس هنا مقام بحث أفضلية خديجة على عائشة وإنما ما نريد إثباته هو مواقف عائشة ومدى شرعيتها . . أما عن موقف عائشة من حفصة بنت عمر بن الخطاب زوجة النبي ( ص ) فيروى أن النبي كان إذا خرج أقرع بين نسائه فطارت القرعة لعائشة وحفصة . وكان النبي إذا كان بالليل سار مع عائشة يتحدث . فقالت حفصة : ألا تركبين الليلة بعيري وأركب بعيرك تنظرين وأنظر . فقالت : بلى . فركبت . فجاء النبي إلى جمل عائشة وعليه حفصة فسلم عليها ثم سار حتى نزلوا . وافتقدته عائشة . فلما نزلوا جعلت رجليها بين الإذخر - نبات بري - وتقول : يا رب سلط علي عقربا أو حية تلدغني . ولا أستطيع أن أقول شيئا ( 1 ) . .
إذ كيف لعائشة الغيورة أن تتسامح مع حفصة لهذا الحد وتعطيها بعيرها لتستأثر بالرسول وحدها . . ؟ وكيف للرسول لا يميز بين حفصة وعائشة وقد سلم عليها وسمع صوتها . . ؟ هل كشف الرسول أمر حفصة وأراد أن يتمادى معها في هذه اللعبة
وهذا ما
أثار عائشة ودفع بها نحو محاولة الانتحار . . ؟ وحفصة وعائشة هما اللتان أفشيتا سر الرسول ( ص ) وتظاهرتا عليه ونزلت فيهما آيات سورة التحريم . . ويروى أن ابن عباس سأل عمر بن الخطاب عن المرأتين من أزواج النبي اللتين قال الله تعالى فيهما : ( إن تتوبا إلى الله فقد صفت قلوبكما ) . . فقال عمر : هما حفصة وعائشة ( 1 ) . . وكان الرسول ( ص ) قد قرر اعتزالهما شهرا كاملا من شدة موجدته - أي ضيقه وغضبه - عليهن ( 2 ) . .
فقال لها الرسول : أي بنية ألست تحبين ما أحب ؟ فقالت : بلى . قال : فأحبي هذه - أي عائشة - فقامت فاطمة حين سمعت ذلك من أبيها ورجعت إلى أزواج النبي فأخبرتهن بالذي قال الرسول . فقلن لها ما نراك أغنيت عنا من شئ فارجعي إلى رسول الله فقولي له إن أزواجك ينشدنك العدل في ابنة أبي قحافة
. فقالت فاطمة : الله لا أكلمه فيها أبدا . فأرسل أزواج رسول الله . فاستأذنت - أي زينب - على الرسول وهو مع عائشة في
مرطها على الحالة التي دخلت فاطمة عليها وهو بها فأذن لها الرسول فقالت : يا
رسول الله إن أزواجك أرسلنني إليك يسألنك العدل في ابنة أبي قحافة . .
قالت عائشة : ثم وقعت بي فاستطالت علي وأنا أرقب رسول الله
وأرقب طرفه هل يأذن لي فيها . فلم تبرح زينب حتى وفي رواية أخرى : فلما وقعت بها لم أنشبها أن أثخنتها غلبة ( 1 ) . .
هل يتلاءم مثل هذا السلوك مع أدب النبوة . . ؟ وهل يمكن أن تكون زوجات النبي بمثل هذا الخلق . . ؟ هل من أدب النبوة أن لا يحترم النبي مشاعر زوجاته ولا يكلمهن أو يجيبهن وهو مضطجع بجوار عائشة في مرطها ( لحافها ) لا يتحرك من مكانه ؟ ثم هو في النهاية يبارك فعل عائشة وسبها لزينب . . ؟ والغريب أن النسائي قبل أن يروي هذا الحديث جاء بحديث مناقض له على لسان الرسول ( ص ) يقول : " من كان له امرأتان يميل لأحدهما على الأخرى جاء يوم القيامة أحد شقية مائل " ( 2 ) . .
قال النووي : قولها يسألنك العدل معناه يسألنك التسوية بينهن في محبة القلب وكان ( ص ) يسوي بينهن في الأفعال والمبيت ونحوه . أما محبة القلب فكان يحب عائشة أكثر منهن وأجمع المسلمون على أن محبتهن لا تكليف فيها ولا يلزمه التسوية فيها لأنه لا قدرة لأحد عليها إلا الله سبحانه ( 1 ) . . والنووي بقوله هذا إما أنه ساذج أو يستغفلنا . لأن الرواية من أساسها تتهم الرسول بعدم التسوية بين أزواجه في الأفعال والمبيت وهو ما سبب هذا الصدام بين زينب وعائشة . . وكان النووي يريد أن يؤكد لنا أن سبب ثورة أزواج النبي هو غيرتهن من ميل الرسول بقلبه نحو عائشة وهو تأكيد تدحضه الروايات التي تؤكد أن عائشة هي معشوقة الرسول الوحيدة . . ومن زينب إلى أم سلمه ومثال جديد لتطرف عائشة في حضرة الرسول ( ص ) . . يروي أن أم سلمة زوج النبي ( ص ) أرسلت بقصعة فيها طعام إلى الرسول وهو عند عائشة . فضربت عائشة يد الرسول فسقطت القصعة فانكسرت . فجعل النبي يجمع بين فلقتي القصعة وهو يقول : " غارت أمكم " ( 2 ) . .
هذا التصرف الذي حدث على ما يظهر من الرواية على الملأ في
حضور جمع من الصحابة وهم الذين خاطبهم الرسول
وأنهما بمعنى الفلقتين . وكان الرسول قد عوض أم سلمة بقصعة
جديدة . فكان تعليقه هو : الظاهر أن القصعتين كانتا ملكا له
تروي عائشة خلالا ما أعطيتها امرأة . ملكني رسول الله ( ص ) وأنا بنت سبع سنين . وأتاه الملك بصورتي في كفه فنظر إليها وبنا بي لتسع سنين . ورأيت جبريل ولم تره امرأة غيري . وكنت أحب نسائه إليه . وكان أبي أحب أصحابه إليه . ومرض رسول الله في بيتي فمرضته . فقبض ولم يشهده غيري والملائكة ( 2 ) . .
وإذا كنا قد ناقشنا سابقا مسألة سن عائشة وتاريخ ارتباطها بالرسول . ومسألة أفضلية خديجة عليها وأنا أحب النساء إلى النبي لا عائشة . فبهذا تكون عائشة قد فقدت ميزتان من مميزات القوامة التي تدعيها لنفسها . وبقيت ميزة رؤية جبريل ومكانة أبيها عند الرسول ومرضه في بيتها . وهذه ادعاءات تدحضها روايات أخرى . .
وأما مسألة مكانة أبيها فالكم الهائل من الروايات الواردة في الإمام علي تؤكد أنه صاحب المقام العال والمكانة من الرسول لا أبي بكر . . وقد شهدت عائشة بذلك . . روي أن أبا بكر استأذن على النبي ( ص ) فسمع صوت عائشة عاليا وهي تقول : والله لقد علمت أن عليا أحب إليك من أبي ( 1 ) . .
روي : قبض رسول الله ورأسه في حجر علي ( 2 ) . . وروي " توفى رسول الله ( ص ) ورأسه في حجر علي وغسله علي والفضل محتضنه ( 3 ) . . وسئل ابن عباس أن عائشة تقول : توفى رسول الله بين سحري ونحري
. فقال : أتعقل ؟ والله لتوفى رسول الله وإنه لمستند إلى صدر علي وهو الذي غسله
وأخي الفضل بن عباس ( 4 ) . .
وفيما يتعلق ببراءة عائشة من السماء في حادثة الإفك التي ارتبطت بغزوة بني المصطلق فمن حيث التحقيق التاريخي هناك شك في ارتباط عائشة بهذه الحادثة ( 1 ) . . أما ما ادعته عائشة من مميزات أخرى مثل اغتسالها مع الرسول في إناء واحد ونزول الوحي في لحافها واعتراضها صلاة الرسول وهي نائمة فذلك سوف نعرض له فيما بعد . . تقول عائشة عن سودة بنت زمعة زوج النبي ( ص ) : ما من الناس امرأة أحب إلى أن أكون في مسلاخها من سودة بنت زعمة إلا أنها امرأة فيها حسد ( 2 ) . .
فقالت : لا والله إن هذه إلا الغيرة . ما هي كما تقولين .
فتلطفت لها حفصة حتى رأتها . فقالت : قد رأيتها . لا والله ما هي كما تقولين
ولا قريب وإنها لجميلة . قالت - أي عائشة - : فرأيتها بعد فكانت لعمري كما قالت
حفصة ولكني كنت غيري
وتقول عن زينب بنت جحش : لم أر امرأة قط خيرا في الدين من زينب . . ما عدا سورة من حدة وكانت فيها تسرع ( 1 ) وتقول عن زينب وأم سلمة : كانت زينب وأم سلمة لهما عنده مكان . وكانتا أحب نسائه إليه فيما أحسب بعدي ( 2 ) . . ويروى أن عائشة لما رأت صفية بنت حيي زوج النبي - وكانت
يهودية من سبى خيبر - قال لها رسول الله ( ص ) : " كيف
يروى أن رسول الله ( ص ) كانت له أمة يطؤها فلم تزل به عائشة وحفصة
حتى حرمها على نفسه . فأنزل الله عز وجل
|
|