الرسول يضيف على القرآن . . ويخالفه

 

 

- دفاع عن الرسول ضد الفقهاء والمحدثين - صالح الورداني ص 127 :

الرسول المشرع : الرسول يضيف على القرآن . . ويخالفه أيضا . .
 

جاء الرسل بعقيدة واحدة . . لكنهم جاؤوا بشرائع مختلفة . . وانحصرت مهمة التبليغ في دائرة العقيدة . . وانحصرت مهمة التبيين في محيط الشرائع . . هذه هي مهمة الرسل . وهذه هي حقيقة الرسالة . . والرسل لم يكن لهم علم مسبق بالشرائع وإنما كان لديهم علم بالوحدانية . .


ومن خلال هذا التصور يمكن القول إن الرسل ليس لديهم صلاحيات الاجتهاد أو الإضافة على الأحكام التي يوحى بها إليهم . . وكيف يمكنهم الاجتهاد أو الإضافة في شئ لا يفقهونه وليس لديهم رصيد سابق عنه . . ؟


من هنا فإن ربط الرسل بالاجتهاد أو الإضافة بعد صورة من صور الانحراف العقائدي الذي وقعت فيه الأمم والذي أدى بالناس في النهاية إلى تاليه الرسل وعبادتهم وتولدت من خلال هذه العبادة عبادة حواريهم ثم أحبارهم ورهبانهم . .


وما ينطبق على الرسل ينطبق على رسولنا ( ص ) الذي نص القرآن على أميته أي خلوه من الرصيد الثقافي قبل تسلمه مهام البعثة . . إلا أن الفقهاء والمحدثين تجاوزوا هذه القاعدة ونسبوا إلى الرسول الكثير من الروايات التي تدخله في دائرة

الاجتهاد والإضافة وهم بذلك قد تحققت فيهم سنن الأمم السابقة من المغالاة في الرسل وتأليههم . . وما سوف نعرضه هنا هو ذلك الكم من الروايات التي تصطدم بالقرآن والعقل والتي جاء بها المحدثون وألصقوها بالرسول وما أضافه إليها الفقهاء من

تحسينات وتأويلات وتبريرات بهدف دعمها وتبريرها وإضفاء المشروعية عليها حتى يتلقاها المسلمون بالقبول . .
 

ص 128

ولقد نقل المحدثون عن الرسول ( ص ) الكثير من الروايات التي تحض على القرآن ووجوب تعهده والالتزام بأحكامه وتوجيهاته وأن الرسول أوصى به . .

روى : أن رسول الله ( ص ) قال : " إنما مثل صاحب القرآن كمثل صاحب الإبل المعقلة . إن عاهد عليها أمسكها . وإن أطلقها ذهبت " ( 1 ) . .
 

ويروى : " تعاهدوا القرآن فوالذي نفسي بيده لهو أشد تفصيا من الإبل في عقلها " ( 2 ) . .
 

ويروى : " مثل الذي يقرأ القرآن وهو حافظ له مع السفرة والكرام . ومثل الذي يقرأ وهو يتعاهده وهو عليه شديد فله أجران " ( 3 ) . .
 

ويروى أن النبي ( ص ) أوصى بكتاب الله ( 4 ) . .

ويروى أن الرسول ( ص ) أوصى في حجة الوداع كتاب الله كما أوصى بعترته أهل بيته ( 5 ) . .

ويروى عن الرسول قوله : " الحال ما أحله الله في كتابه . والحرام ما حرمه الله في كتابه " ( 6 ) . .


ومن هذه الروايات وغيرها يتبين لنا أن الرسول لم يوصي بسنته لاستحالة حفظها فهي علم وليست نصوصا . والعلم له أهله ممن يمتلكون مؤهلاته من الصحابة . ولأن القرآن يحتاج إلى البيان والبيان يحتاج إلى أمانة فمن ثم فإن الرسول قد انتخب

آل البيت وعلى رأسهم الإمام علي ليكونوا حملة علمه وبيانه وبعده . إلا أن الأمة من بعد الرسول لم تلزم خط الإمام علي وسارت على النهج القبلي الذي قام بدوره باختراع كم من الروايات التي تدعم مشروعيته وتوطن في أذهان المسلمين أن هذا الخط هو خط الرسول وحامل علمه وبيانه . .
 

  * ( هامش ) *
( 1 ) البخاري كتاب فضائل القرآن ومسلم كتاب صلاة المسافرين . . ( 2 ) المرجعين السابقين . .
( 3 )
مسلم . والبخاري كتاب التفسير . ( 4 ) مسلم والبخاري . كتاب الوصايا . .
( 5 )
مسلم كتاب الفضائل باب فضل الإمام علي . وانظر مسند أحمد . . ( 6 ) سنن ابن ماجة ( * )
 

 

ص 129

ولا شك أن هذه الروايات لا بد وأن تحوي أحكاما جديدا فوق أحكام القرآن أو لم ترد فيه وذلك حسب حاجة هذه الخط لها . . من هنا برزت هذه الروايات المنسوبة للرسول ( ص ) والتي تضيف على لسانه أحكاما جديدا وتخترع أحكاما لا وجود لها

في القرآن وتضع الرسول في دائرة المشرع . . إن الرسول إنما كان يدعوا دائما إلى التمسك بهدي القرآن وحكمه لا بهديه وحكمه هو . فهو وظيفته التبيين والتبليغ فقط . وسوف نعرض هنا لمثل هذه الروايات ونصوص الفقهاء المتعلقة بها ليتبين لنا مدى مصادمتها للقرآن والعقل . .


 - في النكاح ومتعلقاته : يروى أن رسول الله ( ص ) قال : " لا يجمع بين المرأة وعمتها ولا بين المرأة وخالتها " ( 1 )

ويروى أن النبي ( ص ) تزوج ميمونة وهو محرم ( 2 ) . .

ويروى أن رسول الله ( ص ) نهى عن متعة النساء يوم خيبر وعن أكل الحمر الإنسية ( 3 ) . .

ويروى أن رسول الله ( ص ) نهى عن الشغار . أي يزوج الرجل ابنته مقابل أن يزوجه الآخر ابنته ليس بينهما صداق ( 4 )
 

ويروى عن عائشة قالت جاءت سهلة بنت سهيل إلى رسول الله ( ص ) فقالت يا رسول الله إني لأرى في وجه أبي حذيفة - زوجها - من دخول سالم فقال الرسول : " ارضعيه " . فقالت : إنه ذو لحية . فقال : " ارضعيه يذهب ما في وجه أبي حذيفة " . فأرضعته فذهب الذي في نفس أبي حذيفة ( 5 ) . .
 

  * ( هامش ) *
( 1 ) مسلم . والبخاري كتاب النكاح . وانظر كتب السنن . . ( 2 ) مسلم كتاب النكاح . والبخاري كتاب الصيد . وابن سعد ج 8 . .
( 3 )
مسلم كتاب النكاح . البخاري كتاب المغازي . . ( 4 ) مسلم والبخاري كتاب النكاح . . ( 5 ) مسلم كتاب الرضاع والنسائي . . ( * )
 

 

ص 130

وبالنظر في الرواية الأولى يتبين لنا أنها تصطدم صراحة بالقرآن وتضيف حكما جديدا فوق أحكامه المتعلقة بالمحرمات من النساء . . يقول سبحانه : ( ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا . حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف إن الله كان غفورا رحيما . والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم كتاب الله عليكم وأحل لكم ما وراء ذلكم ) ( 1 ) . .


ويبدو من خلال هذا النص القرآني الصريح القطعي أن هناك خمسة عشر نوعا من النساء يدخلن في دائرة التحريم على الرجال وهن : * ما نكح الآباء . . * الأمهات . . * بناتكم . * أخواتكم . * عماتكم . * خالاتكم . . * بنات الأخ . . * بنات الأخت . . * أمهاتكم في الرضاعة . . * أخواتكم في الرضاعة . . * أمهات نسائكم . .
 

  * ( هامش ) *
( 1 ) سورة النساء آية رقم 23 و 24 . . ( * )
 

 

ص 131

* ربائبكم من المدخول بها . . * بنات الابن . . * الأختين . . * المحصنات ( المتزوجات ) . .

ومن الواضح أنه ليس بينهن عمة الزوجة أو خالتها . . قال الفقهاء : قوله ( ص ) " لا تنكح العمة على بنت الأخ ولا ابنة الأخت على الخالة " أي لا يجوز الجمع بينهما في النكاح وإن علت العمة أو الخالة وإن سفلت الابنة لأن ذلك يفضي إلى قطيعة الرحم وكذلك لا يجوز الجمع بينهما في الوطء بملك اليمين .


قيل هذا الحديث مشهور يجوز تخصيص عموم الكتاب به وهو قوله تعالى ( وأحل لكم ما وراء ذلكم ) ( 1 ) . . وبهذا
يتضح لنا أن الفقهاء لا يعنيهم مدى مطابقة الرواية لنصوص القرآن فما دامت هي صحيحة بطرق الإسناد التي ألفوها وأضفوا عليها العصمة .


فهي إذن صحيحة وما تتضمنه من أحكام يجب الأخذ بها كما تؤخذ أحكام القرآن . . وعلى ضوء هذه النتيجة يستوي حكم رافض الأخذ بهذه الرواية مع رافض الأخذ بحكم القرآن . فإذا حكم بكفر الثاني حكم بكفر الأول .

وبالتالي أنزلت الرواية منزلة القرآن . . ولقد تجاوز الفقهاء هذا الحد بأن جعلوا الروايات حكما على القرآن ومخصصة
لعامة ومقيدة لمطلقة وناسخة لأحكامه . . وهنا قد جعل الفقهاء رواية تحريم نكاح عمة الزوجة أو خالتها مخصصة لقوله

تعالى ( وأحل لكم ما وراء ذلكم ) . وهذه هي الطامة الكبرى . فهل يمكن للرسول أن يضيف أحكاما جديدة على أحكام القرآن . وهل يملك ذلك من الأصل . . ؟
 

  * ( هامش ) *
( 1 ) مسلم . كتاب النكاح . هامش باب تحريم نكاح المرأة على عمتها أو خالتها . وانظر فتح الباري ج 9 / كتاب النكاح . وكتب الفقه ( * )
 

 

ص 132

إن نصوص القرآن لا تعطه هذه الصلاحية . ولو صح عن الرسول ذلك لكان ذريعة للمنافقين وأعداء الإسلام في زمانه ليطعنوا في هذا الدين ويشككوا في أحكامه . .

أما الرواية الثانية فتشير إلى أن الرسول ( ص ) يحرم على الناس ما يبيحه لنفسه . كما تشير إلى أن شهوة الرسول الطاغية نحو النساء دفعت به إلى انتهاك الشعائر المقدسة والدخول بامرأة في وقت الاحرام . .
 

يروى عن الرسول قوله : " لا ينكح المحرم ولا ينكح ولا يخطب " ( 1 ) . . قال الفقهاء : السنة ناطقة بجواز نكاح المحرم بنكاحه ( ص ) ميمونة حال إحرامه وذلك في عمرة القضاء في ذي القعدة سنة سبع من الهجرة .

والأصل في الأفعال العموم . والحلال لا يمنع من شئ من المباحات فأي فائدة في إخبار تزوجه ميمونة في حله . والإخبار بهذا - أي بجواز نكاح المحرم - فيه فائدة الخبر وهي بيان جواز النكاح في الاحرام . فإنما الممنوع للمحرم النكاح بمعنى

الوطء لا العقد ولا سبب لمنع عقدة النكاح له . فإن قلت أنت تريد حمل لفظ النكاح الوارد في الحديث على معناه الحقيقي لغة لكن قوله ( ص ) " ولا يخطب يؤدي خلافه " . قلنا نعم .
 

ولكن ذكر الطحاوي أنه لم يوجد في كل الروايات وإنما الموجود لا ينكح ولا ينكح . والمراد بالنكاح الواطئ . وبالمنكوح الموطوءة والمحرم من في الاحرام ( 2 ) . . والظاهر من هذا الكلام أن الفقهاء في حيرة ما بين الروايات الواردة بالنهي

عن نكاح المحرم والروايات الأخرى التي تبيحه على ضوء فعل الرسول . . ومسألة وجود الروايات المتناقضة التي تأمر بالحظر والإباحة في آن واحد هي مشكلة المشاكل في السنة المنسوبة للرسول . وهي إن دلت على شئ فإنما تدل على

تخبط النقل أو عدم أمانة في الحفظ والرواية . وهي تدل على جانب آخر أهم وهو أن فكرة عصمة الرواية محل شك . .
 

  * ( هامش ) *
( 1 ) مسلم . كتاب النكاح . ( 2 ) مسلم . كتاب النكاح . هامش باب ترحيم نكاح المحرم . ( * )
 

 

ص 133

وهناك كثير من الأمثلة على الأحاديث المتناقضة في كتب السنن والتي سوف نعرض لصورة منها عند حديثنا عن نهي الرسول عن زواج المتعة ( 1 ) . . وإذا كان الفقهاء هنا قد رجحوا أحاديث إباحة نكاح المحرم فإنهم بهذا يكونوا قد ردوا أحاديث النهي .


والسؤال هنا : إذن لماذا أبقوا على أحاديث النهي وصححوها ؟ إن الفقهاء في مواجهة أصحاب العقول - في زمانهم - والذين وجدوا من المبررات الشرعية ما يدفعهم إلى التمسك بالنهي عن النكاح المحرم - واضطروا إلى تفتيت المسألة وفصل النكاح

العملي عن النكاح النظري ومحاولة التأكيد أن الرسول تزوج ميمونة نظريا أي عقدا ولم يدخل بها وهذه فزلكة لغوية لم تقبل واعترض عليها على ما هو واضح من قول البعض لكن لفظه ( ص ) " ولا يخطب يؤدي خلافه " أي إن الرسول لو كان

يقصد النكاح بمعنى العقد فقط دون الوطء ما كان يجب أن ينهى عن الخطبة أيضا . لأن الخطبة صورة من صور العقد ثم إن رد الفقهاء على هذا الاعتراض يعطينا دليلا جديدا على مدى تعبدهم بأقوال الرجال ونبذ العقل . فهم اعترفوا بصحة هذا الاعتراض بقولهم : قلنا نعم .


لكنهم عادوا وتعلقوا بقول الطحاوي أن لفظة ( ولا يخطب ) . لا توجد في جميع الروايات الواردة حول القضية المثارة . ومعنى كلامهم هذه أنهم يميلون إلى الروايات التي ليس فيها ذكر للفظة ( ولا يخطب ) وينبذون الأخرى . ولا يوجد دليل

أكبر من هذا على أن هؤلاء إنما يحكمهم هواهم لا دينهم . وحكم الهوى هذه هو الذي يدفع بهم إلى السير في ركاب الحكام وعشاق الدنيا ومناصرة مثل هذه الروايات التي تشكك في أحكام الدين وفي الرسول . وكان الأجدر بهم على الأقل أن يميلوا إلى روايات الحظر نصرة للدين وللرسول . .


ونأتي إلى نهي الرسول ( ص ) عن متعة النساء ولحوم الحمر الأهلية يوم خيبر . . وهذه النهي دليل على أنه كان هناك ما يبيح متعة النساء ولحوم الحمر . أي أن الرسول نهي عن شئ كان موجودا ويمارس من قبل الصحابة . وواقع الإباحة
 

  * ( هامش ) *
( 1 ) أنظر تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة . ومشكل الحديث لابن الجوزي . . ( * )
 

 

ص 134

لا يفرض وجود دليل لأن الأصل في الأفعال الإباحة . . أما واقع النهي فيفرض وجود دليل . . وبتتبع الأمر في كتب السنن يتبين لنا أن هناك روايات عن الرسول تبيح متعة النساء - أي زواج المتعة - وروايات تنهى عنه .


وأن الإباحة كانت سيرا مع نص قرآني . أما الحظر فليس له دليل سوى الروايات أي لم يوجد دليل قرآني ينهى عن زواج المتعة . . يروى عن ابن مسعود قوله : رخص لنا رسول الله ( ص ) أن ننكح المرأة بالثوب إلى أجل ثم قرأ قوله تعالى :
(
يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ) ( 1 ) . .
 

ويروى عن جابر بن عبد الله قوله : استمتعنا على عهد رسول الله ( ص ) وأبي بكر وعمر ( 2 ) . .

وفي رواية أخرى : ثم نهانا عنها عمر ( 3 ) . .

وفي رواية : قال رجل - أي عمر - برأيه ما شاء ( 4 ) . .


إن مثل هذه النصوص وغيرها تؤكد أن نكاح المتعة كان مستمرا ومطبقا بعد وفاة الرسول . وفي هذا إشارة إلى أن الرسول
لم ينه عنه . ومثل هذه النتيجة تدفعنا إلى الشك في روايات النهي . . إلى أن الفقهاء هذه المرة ساروا على العكس من

القضية السابقة وناصروا روايات الحظر وضربوا روايات الإباحة على الرغم من قوتها وموافقتها للقرآن للعقل والفطرة . لكن هذه الأمور ليست بذات أهمية لدى الفقهاء فالمهم هو السند والتوافق المذهبي .
 

  * ( هامش ) *
( 1 ) مسلم كتاب النكاح . والبخاري كتاب التفسير . . ( 2 ) مسلم . ( 3 ) مسلم . ( 4 ) البخاري كتاب التفسير . ومسلم كتاب الحج . ( * )
 

 

ص 135

والإشكال هنا كالإشكال السابق وهو أن كلا من الروايات الحظر وروايات الإباحة صحيحة سندا إلا أن روايات الإباحة
لا توافق مذهبهم وإنما توافق مذهب خصومهم من الشيعة ولأجل ذلك نبذوها وقالوا بنسخها . .

يقول الفقهاء وهو حرام بالكتاب والسنة .

أما السنة فلما في الصحيحين من نهيه ( ص ) عنه . وتحريمه تحريما مؤبدا .

وأما الكتاب فقوله تعالى : ( إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم . . ) والمتمتع بها ليست واحدة منهما أما أنها ليست
مملوكة فظاهر وأما أنها ليست بزوجة فلان الزواج له أحكام كالإرث وغيره وهي منعدمة فيه باتفاق منا ومن المبتدعة المخالفين لنا لا ميراث فيها ولا نسب ولا طلاق والفراق فيه يحصل بانقضاء الأجل .


وقول ابن مسعود واستدلاله بقوله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم . . ) فيه إشارة إلا أن
ابن مسعود كان يعتقد إباحتها ولعله رجع بعد ذلك أو استمر لعدم بلوغ النص إياه . أو يقول كما قال ابن عباس بأنها
رخصة عند الاضطرار ؟ ( 1 ) . .


ويبدو من هذا كلام أن الفقهاء لم يعملوا عقولهم في نصوص الإباحة فهم يقرأون بعين واحدة هي عين التحيز للرواة على مذهبهم ويدافعون بمنطق الخصومة لا الموضوعية . فمن ثم يمكن القول إن استدلالهم على تحريم نكاح المتعة ونبذ نصوص الإباحة وتحميل الرسول ( ص ) أمر تحريم ما أحل الله - هو أمر واه وسقطه من سقطاتهم وذلك لأسباب التالية :

 أن قولهم إن نصوص التحريم في الصحيحين يرد عليه بأن نصوص الإباحة في الصحيحين أيضا . .

 أن قولهم تحريما مؤبدا مردود لثبوت استمرار الصحابة على تطبيق نكاح المتعة بعد الرسول وفي عهد أبي بكر وعمر . .

 إن استدلالهم بقوله تعالى ( إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم . . ) على أن الإسلام لا يعترف إلا بنوعين من العلاقة الجنسية نص عليما القرآن وهما :

 الزواج الدائم وملك اليمين - هذا الاستدلال مردود أيضا لكون حكم إباحة المتعة نزل في المدينة . والآية السابقة المستدل بها مكية - سورة المؤمنون -

  * ( هامش ) *
( 1 ) مسلم . كتاب النكاح . هامش باب نكاح المتعة وبيان أنه أبيح ثم نسخ ثم أبيح ثم نسخ ثم استقر تحريمه إلى يوم القيامة . . وانظر كتب الفقه . . ( * )
 

 

ص 136

والمكي لا ينسخ المدني حسب قواعد الناسخ والمنسوخ التي يعمل بها الفقهاء ويعتقدونها . . .

 أن هذا الاستدلال من قبل الفقهاء يعني أن ملك اليمين بالإضافة إلى الزواج الدائم يمكن أن يكونا بديلا عن زواج المتعة .

ونحن نفهم أن زواج الدائم إذا تيسرت أسبابه لن تكون هناك حاجة للزواج المؤقت . لكن الذي لا يمكن فهمه هو كيف يكون ملك اليمين بديلا عن زواج المتعة . . ؟


هل هذا يعني أن الفقهاء ينادون بإشاعة ملك اليمين بين المسلمين بدلا من إشاعة زواج المتعة . . لقد وجد الفقهاء أنفسهم في مازق حرج . أما أن يقروا بإباحة زواج المتعة وبالتالي ينصرون الشيعة خصومهم . وأما أن يوجدوا بديلا لهذا الزواج وكان

هذا البديل في نظرهم هو ملك اليمين . وهو بديل أدهى وأمر . . وهم مع اختيارهم هذا لم يبينوا لنا أحكام ملك اليمين . وكيف يمكن تطبيقه . . ؟


 أن الفقهاء قد أعماهم الحقد على خصومهم الشيعة ولم يكلفوا أنفسهم الاطلاع على مصادرهم ليعرفوا منها كيف يطبق نكاح المتعة وما هي شروطه ؟ فهم قد نسبوا إلى القائلين بإباحته أن هذا الزواج لا ميراث فيه ولا نسب وهذا غير صحيح فهذا

الزواج يتعامل معه الشيعة كزواج شرعي إذا حدث من ورائه إنجاب فإن الابن ينسب لأبيه ويحصل على كافة حقوقه الشرعية وهو زواج يقوم على الايجاب والقبول بين طرفي الزواج وبهذا يكون مستكملا لأركانه الشرعية . .


 إن استدلال ابن مسعود بقوله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا لم تحرموا طيبات ما أحل الله لكم . . ) قد أوقع الفقهاء في حرج وأدى إلى اعترافهم أن ابن مسعود كان يعتقد إباحة زواج المتعة . محاولين التشويش على هذا الاعتراف بقولهم ولعله رجع

بعد ذلك أو استمر لعدم بلوغه نص النهي وهذا مردود لأنه ابن مسعود من فقهاء الصحابة . ومحاولتهم ربط موقفه بموقف
ابن عباس مردود أيضا لعدم ثبوته وثبوت ابن عباس على القول بإباحة زواج المتعة ( 1 ) . .
 

  * ( هامش ) *
( 1 ) أنظر تفاصيل أقوال الفقهاء حول زواج المتعة ومناقشتها في كتابنا : زواج المتعة حلال . ط دار الأضواء . بيروت . . ( * )
 

 

ص 137

يروى أن عبد الله بن الزبير قام بمكة - حين استولى عليها أثناء صراعه مع الأمويين - فقال : إن ناسا أعمى الله قلوبهم كما أعمى أبصارهم يفتون بالمتعة يعرض برجل - أي ابن عباس - فناداه - أي ابن عباس - فقال : إنك لجلف جاف فلعمري لقد كانت المتعة تفعل على عهد إمام المتقين - الرسول - فقال له ابن الزبير : فجرب بنفسك لئن فعلتها لأرجمنك بأحجارك ( 1 )


ونخرج من هذه الرواية بما يلي : أن ابن عباس كان مستمرا على موقفه بإباحة زواج المتعة حتى كف بصره وحتى عصر خلافة ابن الزبير . . أن ابن الزبير سب ابن عباس وهدده ولم يواجهه بنص شرعي يبطل موقفه . . أن ابن عباس لم يتراجع

عن موقفه ورد على ابن الزبير . . أن ابن الزبير أصدر حكما تهديديا برجم ابن عباس وهو ما له سند شرعي سوى السلطان . . أي أن ابن عباس كان يواجه ابن الزبير بالنص . وكان ابن الزبير يواجهه بالسلطان وهو نفس موقف عمر فقد نهى عن المتعة بالسلطان . .


يقول الفقهاء : قوله - أي ابن عباس - إنك لجلف جاف أي غليظ الطبع قليل الفهم . وقوله - أي ابن الزبير - لئن فعلتها لأرجمنك بأحجارك لعل فيه مبالغة في الوعيد لمنع المتعة ( 2 ) . .

وهذا التعليق من قبل الفقهاء على هذه الحادثة جانب حقيقة الأمر وموه عليه وهو أن هذه الحادثة دليل على استمرار زواج المتعة بعد نهي عمر . وهو على كل حال اعتراف صريح منهم بجهل ابن الزبير وأنه لا شأن له بمثل هذه الأمور حتى أن

قوله لأرجمنك لم يجد قبولا لديهم واعتبروه من نوع المبالغة في العقاب إذن أن رواياتهم تنص على أن حكم الرجم خاص بالزاني المحصن ( 3 ) . .
 

  * ( هامش ) *
( 1 ) مسلم . باب نكاح المتعة . . ( 2 ) المرجع السابق . هامش . . ( 3 ) اعتبر بعض الفقهاء قول ابن الزبير هذا دليل على جواز رجم ناكح المتعة . وقال آخرون بعدم جواز ذلك . أنظر كتب الفقه . وانظر كتابنا زواج المتعة حلال . . ( * )
 

 

ص 138

 أما تحريم الحمر الأنسية - أي الأهلية - الذي ألصقه الرواة برواية تحريم زواج المتعة فهو كشأ الأحكام السابقة التي ابتدعتها الروايات على لسان الرسول ( ص ) .

فمن المعروف أن الإسلام قد حرم كل ذي ناب من الحيوانات والطيور . والحمر لا تدخل في دائرة الحيوانات المفترسة . صحيح أنها خلقت للركوب وقضاء الحوائج لكن هذا لا ينفي جواز أكلها . . وبالطبع هناك حيوانات أخرى خلقها الله سبحانه

لكي تؤكل لحومها وتكون طعاما للإنسان وهي أولى بالأكل من الحمر . إلا أن ما يجب تأكيده هنا هو مبدأ التحليل والتحريم أن الحمر في دائرة الإباحة . أما النهي فإنه يساويها ببقية الحيوانات الأخرى المحظورة . .


يروى أن رسول الله ( ص ) نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع ( 1 ) . .

ويروى أنه في غزوة خيبر نحروا الحمر الأهلية فلما غلت القدور نادى منادي الرسول : اكفئوا القدور فلا تطعموا من لحوم الحمر شيئا . فقلنا : إنما نهى عنها النبي لأنها لم تخمس . وقال آخرون حرمها البتة ( 2 ) . .
 

ويروى عن ابن عباس قوله : لا أدري أنهى عنه رسول الله ( ص ) من أجل أنه كان حمولة الناس فكره أن تذهب حمولتهم . أو حرمه في يوم خيبر ( 3 ) . .

ويروى : نهى رسول الله ( ص ) يوم خيبر عن لحوم الحمر ورخص في الخيل ( 4 ) . .

ويروى : نحرنا على عهد النبي ( ص ) فرسا فأكلناه ( 5 ) . .

ويظهر من هذه الروايات أنها جميعها تضرب رواية النهي عن أكل الحمر وتشكك فيها .

فالرواية الأولى تحرم كل ذي ناب والحمر لا تدخل في هذا . .

  * ( هامش ) *
( 1 ) مسلم كتاب الصيد والذبائح والبخاري كتاب الذبائح والصيد . .
( 2 )
مسلم كتاب الصيد والذبائح . والبخاري كتاب الخمس . .
( 3 )
البخاري كتاب المغازي ومسلم كتاب الصيد والذبائح . .
( 4 )
المرجعين السابقين . . ( 5 ) مسلم والبخاري كتاب الصيد والذبائح . . ( * )
 

 

ص 139

والرواية الثانية تشكك في أسباب النهي أهو بسبب أن هذه الحمر لم تقسم ويؤخذ خمسها قبل أن تؤكل . أو هو بسبب التحريم القطعي . .

والرواية الثالثة تشكك في سبب النهي أهو وقتي أم دائم . فابن عباس لا يدري سبب التحريم أهو بسبب خوف الرسول من ألا يجد الناس ما يحملون عليه متاعهم . أم هي حرمت يوم خيبر لسبب آخر .

والرواية الرابعة والخامسة تتناقض مع الروايات السابقة خاصة رواية النهي . فهي تنهى عن لحوم الحمر وتبيح لحم الخيل مع أن الحمر لا تختلف عن الخيل في شئ . فكلاهما من أكلة الحشائش . وكلاهما يستخدم في الركوب . بل أن أهمية الخيل

أكبر بكثير من أهمية الحمير . . وإذا كان قد نحر الفرس في هد النبي لضرورة . فإن الضرورة تحكم أيضا أن تتطلب
الحاجة نحر حمار كما حدث في خيبر . فهم قد نحروا حمارا ولم ينحروا فرسا مع أن الخيل كانت موجودة . .


ومثل هذا التناقض الذي نراه في الروايات المنسوبة للرسول إنما يدعونا إلى إعادة النظر في مثل هذه الروايات وعدم التسرع في بناء حكم شرعي عليها سواء أكان بالحظر أو بالإباحة . فسلطة التشريع هذه من خصائص الله سبحانه وليست من

صلاحيات البشر . . وكان يجب على الفقهاء أن يكون أول الممتثلين لهذا لكنها عبادة الرجال . . أما نكاح الشغار الذي أدخل في دائرة التحريم أيضا فينطبق عليه ما ينطبق على نكاح عمة الزوجة أو خالتها ونكاح المتعة من أن آية سورة النساء لم

تشمله فمن ثم هو يناقض القرآن ويضيف حكما جديدا فوق الأحكام القطعية التي نصت عليها . .


يقول الفقهاء : الشغار أن يزوج الرجل ابنته لرجل على أن يزوجه الآخر ابنته . والشغار كما يكون على البنت يكون على الأخت وعلى غيرهما . وليس بينهما صداق أي مهر على أن يضع كل واحد منهما صداق الأخرى ولا مهر سوى

ص 140

ذلك وكان سائغا في الجاهلية وحكم هذا العقد عندنا صحته وفساد التسمية فيجب مهر المثل فبلزومه يخرج من كونه شغارا لأنه مأخوذ فيه عدم الصداق وحكمه عند غيرنا بطلانه والمسألة من مباحث النهي في أصول الفقه . قيل الخلاف فيما إذا ذكر

كون بضع كل منهما صداق الأخرى وأما إذ لم يذكر بل قال زوجتك ابنتي على أن تزوجني ابنتك ولم يزد عليه فقبل . فالعقد جائز اتفاقا ولا يكون شغارا . ولو قوله على أن يكون بضع ابنتي صداقا لابنتك كان نكاح الثاني صحيحا اتفاقا والأول على خلاف . ويبطل العقد عند الثلاثة وقال أبو حنيفة يصح بمهر ( 1 ) . .


ويبدو من هذا الكلام أن جوهر المسألة هو الصداق . أي لو كان هناك صداق جاز هذا الزواج . إذن المسألة ليست في حركة التبادل بين شخصين هذا يزوج هذا ابنته أو أخته أو عمته مقابل أن يزوجه الآخر ابنته أو أخته أو عمته . فالزواج الصحيح

في ذاته . والفقهاء حائرون ما بين الحكم ببطلان هذا الزواج وما بين الحكم بإباحته . وهذه الحيرة دليل على أن هذه الرواية
لا تفيد بشئ قطعي أو هي تصطدم بزواج مستكمل شروطه الشرعية . وإذا كان الصداق هو الذي يضفي المشروعية على

هذا الزواج فإن ذلك يفتح باب التحايل بأن يسمى كل من طرفي الزواج أي مهر دفعا للحرج . .


لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا : هل الصداق ركنا من أركان الزواج ؟ والجواب لا . وهذا ما عليه الفقهاء ( 2 ) . .

إذن كيف جعل الصداق وسيلة لإخراج زواج الشغار من دائرة الحرمة إلى دائرة الإباحة . . ؟
 

  * ( هامش ) *
( 1 ) مسلم . كتاب النكاح . هامش باب ترحيم نكاح الشفار وبطلانه . .
( 2 )
يجمع الفقهاء على أن ركني الزواج الايجاب والقبول . وهذا ما دلت عليه النصوص . . ( * )
 

 

ص 141

لقد بارك الفقهاء الرواية لكونها صادرة عن البخاري ومسلم وأدوا دورهم بوضعها في مصاف نصوص التحريم . . في الدماء : يروى أن رسول الله ( ص ) قال : " لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث : النفس بالنفس . والثيب الزاني والمارق من الدين المفارق للجماعة " ( 1 ) . .


ويروى عن عمر قوله : الرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء . إذا قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف ( 2 ) . .

وسئل عبد الله بن أبي أوفى : هل رجم رسول الله ( ص ) ؟ قال : نعم . . قلت : قبل سورة النور أم بعد ؟ قال : لا أدري
( 3 )
. .

ويروى عن الرسول قوله : " من بدل دينه فاقتلوه " ( 4 ) . .

ويروى أن عبد الله بن سعد بن أبي سرح كان يكتب لرسول الله ( ص ) فأزله الشيطان - أي ارتد - ولحق بالكفار . فأمر به رسول الله أن يقتل يوم الفتح . فاستجار له عثمان بن عفان فأجاره رسول الله ( 5 ) . .

ويروى عن الرسول ( ص ) قوله : " إذا أبق العبد إلى الشرك فقد حل دمه " ( 6 ) . .

ويروى عن الرسول ( ص ) قوله : " من أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع فاضربوه بالسيف كائنا من كان ( 7 ) . .


ومن خلال هذه الروايات يتبين لنا أن هناك ثلاثة مبررات لإباحة دماء المسلمين نسبت إلى الرسول ( ص ) وهي : الثيب الزاني ( الزاني المحصن ) . . المرتد . . المفارق للجماعة . .

  * ( هامش ) *
( 1 ) مسلم كتاب القسامة . والبخاري كتاب الديات . . ( 2 ) مسلم والبخاري كتاب الحدود . . ( 3 ) المرجعين السابقين . .
( 4 )
أبو داود كتاب الحدود والبخاري كتاب استتابة المرتدين . باب حكم المرتد . وانظر فتح الباري ج 12 / 267 . .
( 5 )
أبو داود المرجع السابق . . ( 6 ) المرجع السابق . . ( 7 ) مسلم كتاب الإمارة . . ( * )
 

 

ص 142

وهذه الأحكام الثلاثة لم ينص عليها القرآن أما النفس بالنفس فهي من باب القصاص الذي نص عليه القرآن وربط هذا الحكم القرآني بحكمين آخرين لم ينص عليهما القرآن كما في الرواية الأولى هو من مكر الرواة الذين يحاولون إضفاء الشرعية على

أحكام ما أنزل الله بها من سلطان . . وفيما يتعلق بحكم الرجم فقد نصت رواية عمر على أن حكم الرجم في كتاب الله بينما
هو لا وجود له في كتاب الله . وهذا التصريح من عمر يعطينا دلالة هامة وهي أن الناس لا تتقبل بفطرتها إلا أحكام القرآن وهو ما دفع بعمر إلى التأكيد على أن حكم الرجم موجود في القرآن . .


وحتى تتضح لنا الصورة لا بد من تتبع رواية عمر من أولها . . تقول الرواية : إن الله قد بعث محمدا ( ص ) بالحق وأنزل عليه الكتاب فكان مما أنزل عليه آية الرجم قرأناها ووعيناها وعقلناها فرجم رسول الله ورجمنا بعده . فأخشى إن طال بالناس

زمان أن يقول قائل ما نجد الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله . وأن الرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف . . ويبدو من خلال كلام عمر أنه شم رائحة

معارضة لحكم الرجل فصعد المنبر ليحذر من ذلك . . والغريب في كلام عمر أنه قد اعتبر الرجم فريضة تركها ضلال . وكيف يكون فريضة وهو ليس في كتاب الله . وكيف يضل من يعمل بكتاب الله ؟


قال النووي : قوله - أي عمر - آية الرجم أراد بها الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموها البتة . وهذا مما نسخ لفظه وبقي حكمه .

والتعليق على قول النووي هذا والذي هو رأي جميع الفقهاء - يجرنا إلى مناقشة قضية الناسخ والمنسوخ وهل هناك نسخ في القرآن . . ؟


يعرف الفقهاء النسخ بقولهم : هو نسخ حكم شرعي سابق بحكم شرعي لا حق . . وهو أنواع ثلاثة : ما نسخ لفظا وبقي حكما . . ما نسخ لفظا وحكما . . ما نسخ حكما وبقي لفظا . .

ص 143

والنوع الأول هو ما يتعلق بحكم الرجم .

والنوع الثاني مثل رواية عائشة قالت : كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن ثم نسخن بخمس معلومات فتوفى رسول الله ( ص ) وهن فيما يقرأ من القرآن ( 1 ) . .


وقول عائشة هذا يشير إلى جهلها بالقرآن إذ لا توجد آية تتحدث عن خمس رضعات في القرآن . ولو كانت موجودة فأين تكون قد ذهبت ؟

وقد رد أحد الفقهاء على عائشة بقوله : لا حجة في خمس لأن عائشة أحالتها على أن قرآن وقالت : ولقد كانت في صحيفة تحت سريري فلما مات رسول الله وتشاغلنا بموته دخل داجن فأكلها وقد ثبت أنه ليس من القرآن لعدم التواتر ولا تحل

القراءة به ولا إثباته في المصحف ولا يجوز القيد به لأنا إنما نجوز التقيد بالمشهور من القراءة ولم يشتهر ولأنه لو كان قرآنا لكان متلو اليوم إذ لا نسخ بعد النبي ( ص ) ( 2 ) . . ومال تؤكده لنا هذه الرواية التي تتحدث عن صحيفة عائشة هو أن

عائشة كتبت شيئا عن الرسول على أنه قرآن وما هو بقرآن . وهذا مؤداه الشك في فقه عائشة وفي رواياتها أيضا . .


أما النوع الثالث فمثله قوله تعالى : ( واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم . فإن شهدوا فامسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا ) ( 3 ) . . فهذه الآية قد نسخت بآية سورة النور التي حددت حكم الزاني بالجلد مائة جلدة علنا ( 4 ) . .
 

  * ( هامش ) *
( 1 ) مسلم كتاب الرضاع . . ( 2 ) هامش مسلم . كتاب الرضاع باب التحريم بخمس رضعات . وهو مذهب الشافعي . .
( 3 )
النساء آية رقم 15 . . ( 4 ) أنظر سورة النور آية رقم 2 . . ( * )
 

 

ص 144

وبالتأمل في فكرة النسخ وأنواعه يتبين لنا أنها فكرة تضر بالقرآن وتعتدي على نصوصه . إذا أن تبنيها يعني تعطيل الكثير من الأحكام المنصوص عليها في القرآن التي من الممكن أن تسهم في حل الكثير من المشكلات المعاصرة . . ويكفي القول إن فكرة النسخ هي من ابتداع الرواة وقام الفقهاء بتأصيلها ولا يوجد ما يعضدها من نصوص القرآن ( 1 ) . .


وهل يقبل العقل أن يعطل نص من نصوص القرآن يتلى على الملأ بينما يلزم المسلمون بحكم لا وجود له في القرآن ويدعي أنه كان موجودا فيه . . ؟


الفقهاء لم يتوقفوا عند حد تبني فكرة نسخ القرآن بالقرآن بالتجاوز وهذا الحد بتبنيهم نسخ القرآن بالروايات وهو ما أشرنا إلى صورة منه فيما يتعلق بزواج المتعة حين قرروا نسخ قوله تعالى ( . . فما استمتعتم به فآتوهن أجورهن ) الخاص بإباحة زواج المتعة . برواية النهي التي ذكرناها ( 2 ) . .


أما الرواية الثانية حول الرجم فهي تشكك في الرجم ولا تجزم بقطعيته فراويها لا يدري إن كان حكم الرجم قد طبق قبل
نزول آيات سورة النور أم لا . . إلا أن ما تؤكده هذه الرواية هو أن السؤال الذي توجه به السائل يحمل دلالة قوية على أن آيات سورة النور نسخت حكم الرجم وهو مبرر سؤال السائل : قبل سورة النور أم بعد . . ؟


أما رواية : من بدل ينه فاقتلوه . فأقل ما يقال فيها أنها رواية من منع السياسة لضرب التيارات المعارضة لأنظمة الحكم التي كانت سائدة في تلك الفترة واتهامها بالردة والزندقة وإضفاء المشروعية على عملية تصفيتها والقضاء على رؤوسها . . وهذه الرواية تصطدم بعدة نصص قرآنية صريحة منها : ( لا إكراه في الدين . . ) ( 3 ) .
 

  * ( هامش ) *
( 1 ) يعتمد الفقهاء على قولهم بالنسخ على قوله تعالى ( ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها . . ) [ البقرة : آية رقم 106 ] . وهو ما يقول به المفسرون أيضا . إلا أنه بالتأمل في النص يتبين أن الآية المقصودة هنا هي آيات الكون لا الآيات القرآنية . .

( 2 ) النساء آية رقم 24 . وانظر تفاصيل مناقشة نسخ هذه الآية في كتابنا : زواج المتعة حلال . . ( 3 ) البقرة آية رقم 256 . ( * )

 

 

ص 145

( لست عليهم بمسيطر . . ) ( 1 ) .

( . . أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين ) ( 2 ) .

( ومن يرتد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) ( 3 ) .

( وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر . . ) ( 4 ) .

ومن هذه النصوص وغيرها يحدد القرآن أن حرية الاعتقاد مطلب انساني وحق من الحقوق التي يجب احترامها في ظل الحياة الدنيا التي هي دار اختبار .

فمن ثم لم يحدد عقوبة للمرتد في الدنيا وهذا ينص عليه صراحة قوله تعالى ( ومن يتردد عنكم من دينه . . ) ( 5 ) .


وهذا دليل قاطع وبرهان ساطع على بطلان رواية من بدل دينه فاقتلوه . . وكونها مختلفة . فليس من أن الممكن أن يصل الحال بالرسول إلى أن يتحدى القرآن بهذه الصورة الفجة . . وإذا كان الفقهاء قد تنبوا هذه الرواية وبنو على أساسها أحكاما

تتعلق بالردة والمرتدين وكيفية تطبيق حد الردة عليهم . إلا أنهم لم يجيبونا على حكم اليهودي الذي ينتقل إلى المسيحية أو المسيحي الذي ينتقل إلى اليهودية فهذه الرواية على ما يبدو عامة وليست خاصة . فهل يعني هذا أن حكم الردة يشملهم . . ؟


والرواية التي تلي رواية قتل المرتد تكشف لنا بعدا جديدا حول مسألة إباحة دم المرتد . فهذه الرواية تنص على أن الرسول أباح دم عبد الله بن أبي سرح بعد أن ارتد إلا أن عثمان شفع له فقبل الرسول شفاعته . . فإذا كان قتل المرتد حكما شرعيا واحدا من حدود الله فهل يجوز أن تقبل الشفاعة فيه ؟
 

  * ( هامش ) *
( 1 ) الغاشية آية رقم 22 . ( 2 ) يونس آية رقم 99 .
( 3 )
البقرة آية رقم 217 . . ( 4 ) الكهف آية رقم 29 . . ( 5 ) أنظر لنا كتاب الكلمة والسيف . ( * )
 

 

ص 146

والجواب هو الرواية التالية : تروي عائشة قالت : إن قريشا أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت فقالوا : ومن يكلم فيها رسول الله ( ص ) ؟ فقالوا : ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد حب رسول الله ؟ فكلمه أسامة . فقال رسول الله : " أتشفع في حد من حدود الله " ؟ ثم قام فاختطب ( 1 ) . .


والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو : كيف يقبل الرسول الشفاعة في حد المرتد ويرفضها في حد السرقة . . ؟

والجواب أن هذا التناقض هو من صنع الرواة ولا شأن للرسول به فرواية عثمان وابن أبي سرح لها أبعاد سياسية وتهدف
إلى دعم عثمان وخطه وإبعاد الشبهة عنه في حمايته وتأمينه لابن أبي السرح الذي فر من وجه الرسول والمؤمنين ولم يظهر

إلا في عهد عثمان كما نصت على ذلك الكثير من الروايات التي يتداولها القوم . فالرواية تهدف إلى تأكيد أن عثمان حصل على عفو من الرسول مباشرة بشأن ابن أبي السرح لا كما تقول الروايات الأخرى التي استثمرها خصوم عثمان ( 2 ) . .


أما رواية المخزومية فحادثة جنائية عادية لا تمت من قريب أو بعيد بأي من الرموز القبلية التي يراد تضخيمها وإحاطتها بهالة مقدسة . . ورواية إذا أبق العبد إلى الشرك فقد حل دمه . هي دعم للروايات السابقة بشأن حكم المرتد .

إلا أن الخلاف في التعبير والألفاظ هنا يؤكد ما طرحناه سابقا من أن الروايات إنما تروى بالمعنى لا بالنص الحرفي الذي نطق به الرسول إن صح نسبتها إليه . وهي تخضع لأهواء الرواة ومذاهبهم مما يعها في دائرة الشك والتمحيص . .


أما رواية من أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع فاضربوه بالسيف كائنا من كان . فمن الواضح أن الذي نطق بها هو معاوية أو حاكم من الحكام وليس رسول الله ( ص ) . وهذه الرواية تفقد جميع الثورات التي هبت في وجه الطغاة من
 

  * ( هامش ) *
( 1 ) مسلم كتاب الحدود . والبخاري كتاب الأنبياء . . ( 2 ) أنظر كتب التاريخ وترجمة عثمان في الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر العسقلاني والاستيعاب لابن عبد البر . وأسد الغالبة لابن الأثير . . ( * )
 

 

   

الصفحة التالية

   

 

 

الصفحة الرئيسية

 

مكتبة الشبكة

 

فهرس الكتاب