|
الرسول يضيف على
القرآن . . ويخالفه |
|
|
الرسول المشرع : الرسول يضيف على القرآن
. . ويخالفه أيضا . . جاء الرسل بعقيدة واحدة . . لكنهم جاؤوا بشرائع مختلفة . . وانحصرت مهمة التبليغ في دائرة العقيدة . . وانحصرت مهمة التبيين في محيط الشرائع . . هذه هي مهمة الرسل . وهذه هي حقيقة الرسالة . . والرسل لم يكن لهم علم مسبق بالشرائع وإنما كان لديهم علم بالوحدانية . .
الاجتهاد والإضافة وهم بذلك قد تحققت فيهم سنن الأمم السابقة من المغالاة في الرسل وتأليههم . . وما سوف نعرضه هنا هو ذلك الكم من الروايات التي تصطدم بالقرآن والعقل والتي جاء بها المحدثون وألصقوها بالرسول وما أضافه إليها الفقهاء من تحسينات وتأويلات وتبريرات بهدف دعمها وتبريرها وإضفاء
المشروعية عليها حتى يتلقاها المسلمون بالقبول . .
ولقد نقل المحدثون عن الرسول ( ص ) الكثير من الروايات التي تحض على القرآن ووجوب تعهده والالتزام بأحكامه وتوجيهاته وأن الرسول أوصى به . . روى : أن رسول الله ( ص ) قال : " إنما مثل صاحب القرآن كمثل
صاحب الإبل المعقلة . إن عاهد عليها أمسكها . وإن أطلقها ذهبت "
( 1 ) . . ويروى : " تعاهدوا القرآن فوالذي نفسي بيده لهو أشد تفصيا من
الإبل في عقلها " ( 2 ) . . ويروى : " مثل الذي يقرأ القرآن وهو حافظ له مع السفرة
والكرام . ومثل الذي يقرأ وهو يتعاهده وهو عليه شديد فله أجران "
( 3 ) . . ويروى أن النبي ( ص ) أوصى بكتاب الله ( 4 ) . . ويروى أن الرسول ( ص ) أوصى في حجة الوداع كتاب الله كما أوصى بعترته أهل بيته ( 5 ) . . ويروى عن الرسول قوله : " الحال ما أحله الله في كتابه . والحرام ما حرمه الله في كتابه " ( 6 ) . .
آل البيت وعلى رأسهم الإمام علي ليكونوا حملة علمه وبيانه
وبعده . إلا أن الأمة من بعد الرسول لم تلزم خط الإمام علي وسارت على النهج
القبلي الذي قام بدوره باختراع كم من الروايات التي تدعم مشروعيته وتوطن في
أذهان المسلمين أن هذا الخط هو خط الرسول وحامل علمه وبيانه . .
ولا شك أن هذه الروايات لا بد وأن تحوي أحكاما جديدا فوق أحكام القرآن أو لم ترد فيه وذلك حسب حاجة هذه الخط لها . . من هنا برزت هذه الروايات المنسوبة للرسول ( ص ) والتي تضيف على لسانه أحكاما جديدا وتخترع أحكاما لا وجود لها في القرآن وتضع الرسول في دائرة المشرع . . إن الرسول إنما كان يدعوا دائما إلى التمسك بهدي القرآن وحكمه لا بهديه وحكمه هو . فهو وظيفته التبيين والتبليغ فقط . وسوف نعرض هنا لمثل هذه الروايات ونصوص الفقهاء المتعلقة بها ليتبين لنا مدى مصادمتها للقرآن والعقل . .
ويروى أن النبي ( ص ) تزوج ميمونة وهو محرم ( 2 ) . . ويروى أن رسول الله ( ص ) نهى عن متعة النساء يوم خيبر وعن أكل الحمر الإنسية ( 3 ) . . ويروى أن رسول الله ( ص ) نهى عن الشغار . أي يزوج الرجل
ابنته مقابل أن يزوجه الآخر ابنته ليس بينهما صداق ( 4 ) ويروى عن عائشة قالت جاءت سهلة بنت سهيل إلى رسول الله ( ص )
فقالت يا رسول الله إني لأرى في وجه أبي حذيفة - زوجها - من دخول سالم فقال
الرسول : " ارضعيه " . فقالت : إنه ذو لحية . فقال : " ارضعيه يذهب ما في وجه
أبي حذيفة " . فأرضعته فذهب الذي في نفس أبي حذيفة ( 5 )
. .
وبالنظر في الرواية الأولى يتبين لنا أنها تصطدم صراحة بالقرآن وتضيف حكما جديدا فوق أحكامه المتعلقة بالمحرمات من النساء . . يقول سبحانه : ( ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا . حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف إن الله كان غفورا رحيما . والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم كتاب الله عليكم وأحل لكم ما وراء ذلكم ) ( 1 ) . .
* ربائبكم من المدخول بها . . * بنات الابن . . * الأختين . . * المحصنات ( المتزوجات ) . . ومن الواضح أنه ليس بينهن عمة الزوجة أو خالتها . . قال الفقهاء : قوله ( ص ) " لا تنكح العمة على بنت الأخ ولا ابنة الأخت على الخالة " أي لا يجوز الجمع بينهما في النكاح وإن علت العمة أو الخالة وإن سفلت الابنة لأن ذلك يفضي إلى قطيعة الرحم وكذلك لا يجوز الجمع بينهما في الوطء بملك اليمين .
وبالتالي أنزلت الرواية منزلة القرآن . . ولقد تجاوز الفقهاء
هذا الحد بأن جعلوا الروايات حكما على القرآن ومخصصة تعالى (
وأحل لكم ما وراء ذلكم )
. وهذه هي الطامة الكبرى . فهل يمكن للرسول أن يضيف أحكاما جديدة على أحكام
القرآن . وهل يملك ذلك من الأصل . . ؟
إن نصوص القرآن لا تعطه هذه الصلاحية . ولو صح عن الرسول ذلك لكان ذريعة للمنافقين وأعداء الإسلام في زمانه ليطعنوا في هذا الدين ويشككوا في أحكامه . . أما الرواية الثانية فتشير إلى أن الرسول ( ص ) يحرم على
الناس ما يبيحه لنفسه . كما تشير إلى أن شهوة الرسول الطاغية نحو النساء دفعت
به إلى انتهاك الشعائر المقدسة والدخول بامرأة في وقت الاحرام . . يروى عن الرسول قوله : " لا ينكح المحرم ولا ينكح ولا يخطب " ( 1 ) . . قال الفقهاء : السنة ناطقة بجواز نكاح المحرم بنكاحه ( ص ) ميمونة حال إحرامه وذلك في عمرة القضاء في ذي القعدة سنة سبع من الهجرة . والأصل في الأفعال العموم . والحلال لا يمنع من شئ من المباحات فأي فائدة في إخبار تزوجه ميمونة في حله . والإخبار بهذا - أي بجواز نكاح المحرم - فيه فائدة الخبر وهي بيان جواز النكاح في الاحرام . فإنما الممنوع للمحرم النكاح بمعنى الوطء لا العقد ولا سبب لمنع عقدة النكاح له . فإن قلت أنت
تريد حمل لفظ النكاح الوارد في الحديث على معناه الحقيقي لغة لكن قوله ( ص ) "
ولا يخطب يؤدي خلافه " . قلنا نعم . ولكن ذكر الطحاوي أنه لم يوجد في كل الروايات وإنما الموجود لا ينكح ولا ينكح . والمراد بالنكاح الواطئ . وبالمنكوح الموطوءة والمحرم من في الاحرام ( 2 ) . . والظاهر من هذا الكلام أن الفقهاء في حيرة ما بين الروايات الواردة بالنهي عن نكاح المحرم والروايات الأخرى التي تبيحه على ضوء فعل الرسول . . ومسألة وجود الروايات المتناقضة التي تأمر بالحظر والإباحة في آن واحد هي مشكلة المشاكل في السنة المنسوبة للرسول . وهي إن دلت على شئ فإنما تدل على تخبط النقل أو عدم أمانة في الحفظ والرواية . وهي تدل على
جانب آخر أهم وهو أن فكرة عصمة الرواية محل شك . .
وهناك كثير من الأمثلة على الأحاديث المتناقضة في كتب السنن والتي سوف نعرض لصورة منها عند حديثنا عن نهي الرسول عن زواج المتعة ( 1 ) . . وإذا كان الفقهاء هنا قد رجحوا أحاديث إباحة نكاح المحرم فإنهم بهذا يكونوا قد ردوا أحاديث النهي .
العملي عن النكاح النظري ومحاولة التأكيد أن الرسول تزوج ميمونة نظريا أي عقدا ولم يدخل بها وهذه فزلكة لغوية لم تقبل واعترض عليها على ما هو واضح من قول البعض لكن لفظه ( ص ) " ولا يخطب يؤدي خلافه " أي إن الرسول لو كان يقصد النكاح بمعنى العقد فقط دون الوطء ما كان يجب أن ينهى عن الخطبة أيضا . لأن الخطبة صورة من صور العقد ثم إن رد الفقهاء على هذا الاعتراض يعطينا دليلا جديدا على مدى تعبدهم بأقوال الرجال ونبذ العقل . فهم اعترفوا بصحة هذا الاعتراض بقولهم : قلنا نعم .
أكبر من هذا على أن هؤلاء إنما يحكمهم هواهم لا دينهم . وحكم الهوى هذه هو الذي يدفع بهم إلى السير في ركاب الحكام وعشاق الدنيا ومناصرة مثل هذه الروايات التي تشكك في أحكام الدين وفي الرسول . وكان الأجدر بهم على الأقل أن يميلوا إلى روايات الحظر نصرة للدين وللرسول . .
لا يفرض وجود دليل لأن الأصل في الأفعال الإباحة . . أما واقع النهي فيفرض وجود دليل . . وبتتبع الأمر في كتب السنن يتبين لنا أن هناك روايات عن الرسول تبيح متعة النساء - أي زواج المتعة - وروايات تنهى عنه .
ويروى عن جابر بن عبد الله قوله : استمتعنا على عهد رسول الله ( ص ) وأبي بكر وعمر ( 2 ) . . وفي رواية أخرى : ثم نهانا عنها عمر ( 3 ) . . وفي رواية : قال رجل - أي عمر - برأيه ما شاء ( 4 ) . .
القضية السابقة وناصروا روايات الحظر وضربوا روايات الإباحة
على الرغم من قوتها وموافقتها للقرآن للعقل والفطرة . لكن هذه الأمور ليست بذات
أهمية لدى الفقهاء فالمهم هو السند والتوافق المذهبي .
والإشكال هنا كالإشكال السابق وهو أن كلا من الروايات الحظر
وروايات الإباحة صحيحة سندا إلا أن روايات الإباحة يقول الفقهاء وهو حرام بالكتاب والسنة . أما السنة فلما في الصحيحين من نهيه ( ص ) عنه . وتحريمه تحريما مؤبدا . وأما الكتاب فقوله تعالى : (
إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم . .
) والمتمتع بها ليست واحدة منهما أما
أنها ليست
أن قولهم إن نصوص التحريم في الصحيحين يرد عليه بأن نصوص الإباحة في الصحيحين أيضا . . أن قولهم تحريما مؤبدا مردود لثبوت استمرار الصحابة على تطبيق نكاح المتعة بعد الرسول وفي عهد أبي بكر وعمر . . إن استدلالهم بقوله تعالى ( إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم . . ) على أن الإسلام لا يعترف إلا بنوعين من العلاقة الجنسية نص عليما القرآن وهما : الزواج الدائم وملك اليمين - هذا الاستدلال مردود أيضا لكون حكم إباحة المتعة نزل في المدينة . والآية السابقة المستدل بها مكية - سورة المؤمنون -
والمكي لا ينسخ المدني حسب قواعد الناسخ والمنسوخ التي يعمل بها الفقهاء ويعتقدونها . . . أن هذا الاستدلال من قبل الفقهاء يعني أن ملك اليمين بالإضافة إلى الزواج الدائم يمكن أن يكونا بديلا عن زواج المتعة . ونحن نفهم أن زواج الدائم إذا تيسرت أسبابه لن تكون هناك حاجة للزواج المؤقت . لكن الذي لا يمكن فهمه هو كيف يكون ملك اليمين بديلا عن زواج المتعة . . ؟
هذا البديل في نظرهم هو ملك اليمين . وهو بديل أدهى وأمر . . وهم مع اختيارهم هذا لم يبينوا لنا أحكام ملك اليمين . وكيف يمكن تطبيقه . . ؟
الزواج يتعامل معه الشيعة كزواج شرعي إذا حدث من ورائه إنجاب فإن الابن ينسب لأبيه ويحصل على كافة حقوقه الشرعية وهو زواج يقوم على الايجاب والقبول بين طرفي الزواج وبهذا يكون مستكملا لأركانه الشرعية . .
بعد ذلك أو استمر لعدم بلوغه نص النهي وهذا مردود لأنه ابن
مسعود من فقهاء الصحابة . ومحاولتهم ربط موقفه بموقف
يروى أن عبد الله بن الزبير قام بمكة - حين استولى عليها أثناء صراعه مع الأمويين - فقال : إن ناسا أعمى الله قلوبهم كما أعمى أبصارهم يفتون بالمتعة يعرض برجل - أي ابن عباس - فناداه - أي ابن عباس - فقال : إنك لجلف جاف فلعمري لقد كانت المتعة تفعل على عهد إمام المتقين - الرسول - فقال له ابن الزبير : فجرب بنفسك لئن فعلتها لأرجمنك بأحجارك ( 1 )
عن موقفه ورد على ابن الزبير . . أن ابن الزبير أصدر حكما تهديديا برجم ابن عباس وهو ما له سند شرعي سوى السلطان . . أي أن ابن عباس كان يواجه ابن الزبير بالنص . وكان ابن الزبير يواجهه بالسلطان وهو نفس موقف عمر فقد نهى عن المتعة بالسلطان . .
وهذا التعليق من قبل الفقهاء على هذه الحادثة جانب حقيقة الأمر وموه عليه وهو أن هذه الحادثة دليل على استمرار زواج المتعة بعد نهي عمر . وهو على كل حال اعتراف صريح منهم بجهل ابن الزبير وأنه لا شأن له بمثل هذه الأمور حتى أن قوله لأرجمنك لم يجد قبولا لديهم واعتبروه من نوع المبالغة في
العقاب إذن أن رواياتهم تنص على أن حكم الرجم خاص بالزاني المحصن
( 3 ) . .
أما تحريم الحمر الأنسية - أي الأهلية - الذي ألصقه الرواة برواية تحريم زواج المتعة فهو كشأ الأحكام السابقة التي ابتدعتها الروايات على لسان الرسول ( ص ) . فمن المعروف أن الإسلام قد حرم كل ذي ناب من الحيوانات والطيور . والحمر لا تدخل في دائرة الحيوانات المفترسة . صحيح أنها خلقت للركوب وقضاء الحوائج لكن هذا لا ينفي جواز أكلها . . وبالطبع هناك حيوانات أخرى خلقها الله سبحانه لكي تؤكل لحومها وتكون طعاما للإنسان وهي أولى بالأكل من الحمر . إلا أن ما يجب تأكيده هنا هو مبدأ التحليل والتحريم أن الحمر في دائرة الإباحة . أما النهي فإنه يساويها ببقية الحيوانات الأخرى المحظورة . .
ويروى أنه في غزوة خيبر نحروا الحمر الأهلية فلما غلت القدور
نادى منادي الرسول : اكفئوا القدور فلا تطعموا من لحوم الحمر شيئا . فقلنا :
إنما نهى عنها النبي لأنها لم تخمس . وقال آخرون حرمها البتة
( 2 ) . . ويروى عن ابن عباس قوله : لا أدري أنهى عنه رسول الله ( ص ) من أجل أنه كان حمولة الناس فكره أن تذهب حمولتهم . أو حرمه في يوم خيبر ( 3 ) . . ويروى : نهى رسول الله ( ص ) يوم خيبر عن لحوم الحمر ورخص في الخيل ( 4 ) . . ويروى : نحرنا على عهد النبي ( ص ) فرسا فأكلناه ( 5 ) . . ويظهر من هذه الروايات أنها جميعها تضرب رواية النهي عن أكل الحمر وتشكك فيها . فالرواية الأولى تحرم كل ذي ناب والحمر لا تدخل في هذا . .
والرواية الثانية تشكك في أسباب النهي أهو بسبب أن هذه الحمر لم تقسم ويؤخذ خمسها قبل أن تؤكل . أو هو بسبب التحريم القطعي . . والرواية الثالثة تشكك في سبب النهي أهو وقتي أم دائم . فابن عباس لا يدري سبب التحريم أهو بسبب خوف الرسول من ألا يجد الناس ما يحملون عليه متاعهم . أم هي حرمت يوم خيبر لسبب آخر . والرواية الرابعة والخامسة تتناقض مع الروايات السابقة خاصة رواية النهي . فهي تنهى عن لحوم الحمر وتبيح لحم الخيل مع أن الحمر لا تختلف عن الخيل في شئ . فكلاهما من أكلة الحشائش . وكلاهما يستخدم في الركوب . بل أن أهمية الخيل أكبر بكثير من أهمية الحمير . . وإذا كان قد نحر الفرس في هد
النبي لضرورة . فإن الضرورة تحكم أيضا أن تتطلب
صلاحيات البشر . . وكان يجب على الفقهاء أن يكون أول الممتثلين لهذا لكنها عبادة الرجال . . أما نكاح الشغار الذي أدخل في دائرة التحريم أيضا فينطبق عليه ما ينطبق على نكاح عمة الزوجة أو خالتها ونكاح المتعة من أن آية سورة النساء لم تشمله فمن ثم هو يناقض القرآن ويضيف حكما جديدا فوق الأحكام القطعية التي نصت عليها . .
ذلك وكان سائغا في الجاهلية وحكم هذا العقد عندنا صحته وفساد التسمية فيجب مهر المثل فبلزومه يخرج من كونه شغارا لأنه مأخوذ فيه عدم الصداق وحكمه عند غيرنا بطلانه والمسألة من مباحث النهي في أصول الفقه . قيل الخلاف فيما إذا ذكر كون بضع كل منهما صداق الأخرى وأما إذ لم يذكر بل قال زوجتك ابنتي على أن تزوجني ابنتك ولم يزد عليه فقبل . فالعقد جائز اتفاقا ولا يكون شغارا . ولو قوله على أن يكون بضع ابنتي صداقا لابنتك كان نكاح الثاني صحيحا اتفاقا والأول على خلاف . ويبطل العقد عند الثلاثة وقال أبو حنيفة يصح بمهر ( 1 ) . .
في ذاته . والفقهاء حائرون ما بين الحكم ببطلان هذا الزواج
وما بين الحكم بإباحته . وهذه الحيرة دليل على أن هذه الرواية هذا الزواج فإن ذلك يفتح باب التحايل بأن يسمى كل من طرفي الزواج أي مهر دفعا للحرج . .
إذن كيف جعل الصداق وسيلة لإخراج زواج الشغار من دائرة الحرمة
إلى دائرة الإباحة . . ؟
لقد بارك الفقهاء الرواية لكونها صادرة عن البخاري ومسلم وأدوا دورهم بوضعها في مصاف نصوص التحريم . . في الدماء : يروى أن رسول الله ( ص ) قال : " لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث : النفس بالنفس . والثيب الزاني والمارق من الدين المفارق للجماعة " ( 1 ) . .
وسئل عبد الله بن أبي أوفى : هل رجم رسول الله ( ص ) ؟ قال :
نعم . . قلت : قبل سورة النور أم بعد ؟ قال : لا أدري
ويروى عن الرسول قوله : " من بدل دينه فاقتلوه " ( 4 ) . . ويروى أن عبد الله بن سعد بن أبي سرح كان يكتب لرسول الله ( ص ) فأزله الشيطان - أي ارتد - ولحق بالكفار . فأمر به رسول الله أن يقتل يوم الفتح . فاستجار له عثمان بن عفان فأجاره رسول الله ( 5 ) . . ويروى عن الرسول ( ص ) قوله : " إذا أبق العبد إلى الشرك فقد حل دمه " ( 6 ) . . ويروى عن الرسول ( ص ) قوله : " من أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع فاضربوه بالسيف كائنا من كان ( 7 ) . .
وهذه الأحكام الثلاثة لم ينص عليها القرآن أما النفس بالنفس فهي من باب القصاص الذي نص عليه القرآن وربط هذا الحكم القرآني بحكمين آخرين لم ينص عليهما القرآن كما في الرواية الأولى هو من مكر الرواة الذين يحاولون إضفاء الشرعية على أحكام ما أنزل الله بها من سلطان . . وفيما يتعلق بحكم الرجم
فقد نصت رواية عمر على أن حكم الرجم في كتاب الله بينما
زمان أن يقول قائل ما نجد الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله . وأن الرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف . . ويبدو من خلال كلام عمر أنه شم رائحة معارضة لحكم الرجل فصعد المنبر ليحذر من ذلك . . والغريب في كلام عمر أنه قد اعتبر الرجم فريضة تركها ضلال . وكيف يكون فريضة وهو ليس في كتاب الله . وكيف يضل من يعمل بكتاب الله ؟
والتعليق على قول النووي هذا والذي هو رأي جميع الفقهاء - يجرنا إلى مناقشة قضية الناسخ والمنسوخ وهل هناك نسخ في القرآن . . ؟
والنوع الأول هو ما يتعلق بحكم الرجم . والنوع الثاني مثل رواية عائشة قالت : كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن ثم نسخن بخمس معلومات فتوفى رسول الله ( ص ) وهن فيما يقرأ من القرآن ( 1 ) . .
وقد رد أحد الفقهاء على عائشة بقوله : لا حجة في خمس لأن عائشة أحالتها على أن قرآن وقالت : ولقد كانت في صحيفة تحت سريري فلما مات رسول الله وتشاغلنا بموته دخل داجن فأكلها وقد ثبت أنه ليس من القرآن لعدم التواتر ولا تحل القراءة به ولا إثباته في المصحف ولا يجوز القيد به لأنا إنما نجوز التقيد بالمشهور من القراءة ولم يشتهر ولأنه لو كان قرآنا لكان متلو اليوم إذ لا نسخ بعد النبي ( ص ) ( 2 ) . . ومال تؤكده لنا هذه الرواية التي تتحدث عن صحيفة عائشة هو أن عائشة كتبت شيئا عن الرسول على أنه قرآن وما هو بقرآن . وهذا مؤداه الشك في فقه عائشة وفي رواياتها أيضا . .
وبالتأمل في فكرة النسخ وأنواعه يتبين لنا أنها فكرة تضر بالقرآن وتعتدي على نصوصه . إذا أن تبنيها يعني تعطيل الكثير من الأحكام المنصوص عليها في القرآن التي من الممكن أن تسهم في حل الكثير من المشكلات المعاصرة . . ويكفي القول إن فكرة النسخ هي من ابتداع الرواة وقام الفقهاء بتأصيلها ولا يوجد ما يعضدها من نصوص القرآن ( 1 ) . .
( لست عليهم بمسيطر . . ) ( 1 ) . ( . . أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين ) ( 2 ) . ( ومن يرتد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) ( 3 ) . ( وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر . . ) ( 4 ) . ومن هذه النصوص وغيرها يحدد القرآن أن حرية الاعتقاد مطلب انساني وحق من الحقوق التي يجب احترامها في ظل الحياة الدنيا التي هي دار اختبار . فمن ثم لم يحدد عقوبة للمرتد في الدنيا وهذا ينص عليه صراحة قوله تعالى ( ومن يتردد عنكم من دينه . . ) ( 5 ) .
تتعلق بالردة والمرتدين وكيفية تطبيق حد الردة عليهم . إلا أنهم لم يجيبونا على حكم اليهودي الذي ينتقل إلى المسيحية أو المسيحي الذي ينتقل إلى اليهودية فهذه الرواية على ما يبدو عامة وليست خاصة . فهل يعني هذا أن حكم الردة يشملهم . . ؟
والجواب هو الرواية التالية : تروي عائشة قالت : إن قريشا أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت فقالوا : ومن يكلم فيها رسول الله ( ص ) ؟ فقالوا : ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد حب رسول الله ؟ فكلمه أسامة . فقال رسول الله : " أتشفع في حد من حدود الله " ؟ ثم قام فاختطب ( 1 ) . .
والجواب أن هذا التناقض هو من صنع الرواة ولا شأن للرسول به
فرواية عثمان وابن أبي سرح لها أبعاد سياسية وتهدف إلا في عهد عثمان كما نصت على ذلك الكثير من الروايات التي يتداولها القوم . فالرواية تهدف إلى تأكيد أن عثمان حصل على عفو من الرسول مباشرة بشأن ابن أبي السرح لا كما تقول الروايات الأخرى التي استثمرها خصوم عثمان ( 2 ) . .
إلا أن الخلاف في التعبير والألفاظ هنا يؤكد ما طرحناه سابقا من أن الروايات إنما تروى بالمعنى لا بالنص الحرفي الذي نطق به الرسول إن صح نسبتها إليه . وهي تخضع لأهواء الرواة ومذاهبهم مما يعها في دائرة الشك والتمحيص . .
|
|