|
الرسول المشرع |
|
|
الحكام في تاريخ المسلمين مشروعيتها وتصورها وكأنها حركات قطاع طرق . وهي من جانب آخر تضفي المشروعية على الحاكم وتبرر له سحق هذه الثورات بفرمان رسولي . . وفي منظور الفقهاء وحتى الصحابة من أنصار الخط القبلي مثل أبو هريرة وابن عمر وعمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة أن الأمة اجتمعت على معاوية وولده يزيد من بعده ثم اجتمعت على سائر حكام بني أمية وبني العباس من بعد . فمن ثم فإن هؤلاء هم جماعة المسلمين ومعاوية ويزيد ومن تلاهم هو إمام المسلمين الذي لا يجب الخروج عليه وشق عصا الطاعة وإن من يقع في هذا المحظور فهو حلال الدم . . ولا شك أن مثل هذا الحاكم إنما هو موجه إلى خط الإمام علي وآل البيت وشيعتهم فهؤلاء هم الذين قادوا الثورات ضد هؤلاء الحكام بداية من الحسين بن علي الذي ثار في وجه يزيد بن معاوية . . وقد
اعتبرت روايات أخرى الخروج وشق عصا الطاعة مروق مطالبين بأن يأتونا بنص من كتاب الله يدعم مثل هذه الروايات أو برهان عقلي يجعلنا نطمئن أن جماعة المسلمين هي جماعة معاوية أو يزيد أو أبي جعفر المنصور أو غيرهم من الحكام ؟
اتفق ليزيد صار بمنزلة من حدث فسقه بعد انعقادها له فيمتنع القيام عليه
ويدل على ذلك إنكار ابن عمر على ابن مطيع في قيامه على يزيد وقد احتج من أجاز
القيام بخروج الحسين وابن الزبير وأهل المدينة على بني أمية واحتج الأكثرية على
المنع بأنه الظاهر من الأحاديث ( 1 ) . .
ويروى عن الرسول قوله : " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قالها فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله " ( 1 ) . . وفي رواية : " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله " ( 2 ) . . إن زمن هذه الرواية هو خلافة أبي بكر حين خرجت عليه العرب وأراد ردعهم فتصدى له عمر بقوله : كيف تقاتل الناس وقد قالوا لا إله إلا الله محمد رسول الله . وكان جواب أبي بكر : والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة . وهذا الصدام الذي وقع بين أبي بكر وعمر يعود سببه إلى أن المسألة لا صلة لها بالشرع وأحكامه وإنما هي مسألة قبلية تتلخص في عدم الرضا عن أبي بكر كحاكم . ولو حسبت المسألة بأي حساب آخر كان ذلك مجانبة للحقيقة والصواب . إذ لو حسبناها بالحساب الشرعي فإننا نجد أن موقف عمر سليم من الناحية الشرعية لكونه يتحصن بنص منسوب للرسول . بينما أبو بكر يتحصن برأيه فقط . . من هنا فإن ظهور هذا النص في تلك الفترة من قبل عمر - راويه - في مواجهة أبي بكر إنما يعني أن هذا النص كان موجها للعرب وهم قد دخلوا في دين
الله فمن ثم ليست هناك حاجة لقاتلهم من جديد . وهي عن النص الذي وجه بعد ذلك نحو الشعوب غير العربية . وأصبح سلاحا في يد الحكام يشهرونه ما بين الحين والآخر في وجه أصحاب الديانات الأخرى وفي وجه معارضة الإسلامية والقوى المناوئة لنظامهم والتي كانوا يدفعون بها في جيوشهم الغازية تحت شعار الجهاد في سبيل الله وإدخال الناس في دين
الله . من أجل الخلاص منها ( 3 ) . .
وإن المتأمل في حركة الفتوحات الإسلامية سوف يتبين له أنها لم تسهم في إدخال الناس في دين الله وأنها أسهمت في زيادة ثروات الحكام وكانت في حقيقتها صدام عسكري بين حكم عربي وحكم آخر أسقط بالقوة بينما بقيت الشعوب على حالها وقد فرضت عليها الجزية والخراج ( 1 ) . .
أبو بكر بينما الرواية الثانية تدعم موقفه وتضفي عليه الشرعية . فإذا كان الأمر كذلك فلما عارضه عمر . . ؟
ويروى : " من قال لا إله إلا الله دخل الجنة وإن زنى وسرق " ( 3 ) . .
ويروى : أن أسامة بن زيد قتل رجلا بعد أن نطق بلا إله إلا الله . فعنفه الرسول ( ص ) ( 1 ) . . ومثل هذه الروايات وغيرها إنما تؤكد عصمة الدماء لا استباحتها . وتؤكد من جانب آخر أن مشروعية استباحة الدماء هي مشروعية خاصة بالرسول وحده . فهو الناطق بأمر الله سبحانه المطبق لشرعه كما أمر . فمن ثم فلن تراق على يده دماء بغير حق . لكن هذه الروايات وبدعم الفقهاء منحت هذه المشروعية للحكام من بعد الرسول فاعملوا في حصانتها السيف في رقاب المسلمين . . ولأجل ذلك روي : أن الجهاد ماض إلى يوم القيامة وراء كل إمام برا كان أو فاجرا ( 2 ) . .
أدخل يمينه في الإناء . فمضمض واستنشق ثم غسل وجهه ثلاثا . ويديه إلى المرفقين ثلاثا . ثم مسح برأسه . ثم غسل رجليه ثلاث مرات إلى الكعبين . ثم قال : " من توضأ نحو وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه " ( 1 ) . . ويروى أن الرسول توضأ ومسح على الخفين ( 2 ) . . ويروى أن الرسول قال : " إذا قال الإمام ( غير المغضوب عليهم ولا الضالين ) فقولوا آمين . فإنه من وافق قوله قول الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه " ( 3 ) . . ويروى أن الرسول قال : " إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون .
فإذا نسيت فذكروني وإذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الصواب فليتم عليه ثم ليسلم
ثم ليسجد سجدتين " ( 4 ) . . هذا بعض ما نصب القوم إلى الرسول ( ص ) بشأن الصلاة . . بالنسبة لرواية الوضوء فهي تخالف مخالفة صريحة ما نص عليه القرآن بشأن الوضوء وهو ما يظهر من قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين ) ( 5 ) . . هذا النص القرآني يحدد أن الوضوء ينحصر في حدود الوجه واليدين والرأس والرجلين . وإذا كان هذا ما حدده النص فكيف للرسول أن يضيف المضمضة والاستنشاق . . ؟ ثم إن النص القرآني أوجب مسح الرأس والرجلين بينما الرواية
تنص على أن الرسول مسح الرأس وغسل الرجلين وهو بهذا يكون قد خالف القرآن . .
والرواية الثانية تصطدم بالنص القرآني السابق إذ أن النص أوجب
المسح على الرجلين وهذا يعني عدم وجود حائل . والرسول مقيد بالنص وهذا يعني أن
فكرة الخفين من اختراع الرواة . . أما الرواية الثالثة فهي تضيف على القرآن صراحة ما ليس فيه . فسورة الفاتحة ختامها ( ولا الضالين ) والرواية تضيف كلمة ( آمين ) وتضفي عليها القدسية بجواز تلاوتها في الصلاة بل ومباركة الملائكة لهذه التلاوة . . ولا يعقل أن الرسول ( ص ) يضيف على القرآن ما ليس فيه ثم
يدخله في الصلاة التي هي مناجاة بين العبد والرب . . والرواية الرابعة نسبت إلى الرسول السهو والنسيان في الصلاة وما تنبه لسهوه ونسيانه إلا بتنبيه الناس له بقولهم : يا رسول الله أحدث في الصلاة شئ ؟ قال : " وما ذاك " ؟ قالوا : صليت كذا وكذا ( 1 ) . . وهذا الحديث يشير إلى أن الذين كانوا من خلف الرسول كانوا أكثر تركيزا وتنبها منه في الصلاة . . فهل يعقل مثل هذا الكلام في حق النبي ( ص ) ؟ وماذا كان يشغل الرسول عن ذكر ربه أثناء الصلاة ؟ ثم أليس نسبة النسيان إلى النبي يعد طعنا في قدرته على تلقي الوحي وتبليغه للناس . . ؟ ثم كيف للناس أن يذكروا الرسول في قضايا الشرع والتعبد وهو وظيفته أن يذكر الناس ؟ والله سبحانه يقول له : ( فذكر إنما أنت مذكر . . ) ( 2 ) . وفيما يتعلق بالمعاملات فهم يروون : يروى أن النبي ( ص ) جعل
للجدة - في الميراث - السدس إذا لم يكن دونها أم ( 3 )
ويروى جاءت جدة إلى أبي بكر تسأله ميراثها . فقال : ما لك في
كتاب الله تعالى شئ . وما علمت لك في سنة نبي الله ( ص ) شيئا . فارجعي حتى
أسأل الناس . فشهد المغيرة بن شعبة ومحمد بن مسلمة أنهما حضرا رسول الله
فأعطاها السدس ( 1 ) ويروى أن رجلا جاء إلى النبي ( ص ) فقال إن ابن ابني مات فمالي من ميراثه ؟ فقال : " السدس " . فلما أدبر دعاه فقال : " لك سدس آخر " . فلما أدبر دعاه فقال : " إن السدس الآخر طعمة " . قال قتادة : فلا يدرون مع أي شئ ورثه . أقل شئ ورث الجد السدس ( 2 ) . .
- في الزينة والسلوكيات :
يروى أن الرسول ( ص ) قال : " إن الذي يشرب في إناء الفضة إنما يجرجر في بطنه
نار جهنم " ( 1 ) . . ويروى نهانا رسول الله ( ص ) عن سبع : نهانا عن خواتيم الذهب
وعن الشرب في الفضة أو قال آنية الفضة وعن المياثر والقسي وعن لبس الحرير
والديباج والاستبرق ( 2 ) . . ويروى أن النبي ( ص ) قال : " لا تلبسوا الحرير ولا الديباج
ولا تشربوا في آنية الذهب والفضة ولا تأكلوا في صحافها فإنها لهم في الدنيا
ولنا في الآخرة " ( 3 ) . . ويروى عن الرسول قوله : " من لبس الحرير في الدنيا فلن يلبسه
في الآخرة ( 4 ) . . ويروى عن عمر : أن رسول الله نهى عن الحرير إلا هكذا وأشار بإصبعيه اللتين تليان الابهام ( 5 ) . .
حلة . فقال عمر : يا رسول الله كسوتنيها وقد قلت في حلة عطارد ما قلت . فقال الرسول : " إني لم أكسكها لتلبسها فكساها عمر أخا له بمكة مشركا ( 6 ) . .
ويروى : أهدي إلى النبي ( ص ) مزوج حرير فلبسه فصلى فيه . ثم انصرف فنزعه نزعا شديدا كالكاره له . وقال : " لا ينبغي هذا للمتقين " ( 1 ) . . ويروى أن النبي رخص لعبد الرحمن بن عوف والزبير في قميص من حرير . من حكة كانت بهما ( 2 ) . .
الرواية الأولى تنهى عن لبس الحرير والديباج والاستبرق والمياثر والقسي ولم تنه عن الحرير وحده . وهذا يعني أن التحريم شملهم إلا أن جميع الروايات تركز على تحريم الحرير وحده . فهل هذه الإضافة من الرواة أو أن هذه الأنواع من الملابس ليست حراما ولأجل ذلك أغفلتها الروايات الأخرى . . ؟ وفي كلتا الحالتين هذا أمر يثير الشك في مثل هذه الروايات . . وبالتدقيق في
نصوص القرآن لا نجد أية إشارة إلى تحريم الحرير وهذا يعني أن أمر التحريم خاص
بالروايات وحدها وهو بمثابة إضافة حكم جديد فوق أحكام القرآن . . وفي الرواية الثانية نكتشف أن التحريم خاص بالحياة الدنيا وأنه مباح في الآخرة . . والرواية الثالثة تؤكد أن من لبسه في الدنيا لن يلبسه في
الآخرة ومثل هذا يشير إلى أن المسألة لا تأخذ وضع الحكم الشرعي الذي يؤدي
بمخالفه إلى النار وإنما هي لا تخرج عن طور الكراهة لأسباب اجتماعية أو
اقتصادية خاصة بمجتمع الرسول . .
ويدل على ذلك الاستثناء الذي أشار إليه عمر في روايته بجواز
لبس الملابس التي تحوي قدرا من الحرير . . ويدل على
فهل كان من الممكن للرسول أن يسلك هذا السلوك لو كان الحرير حراما . . ؟ وتدخل بنا رواية لبس الرسول للحرير والصلاة به إلى مدار آخر أكثر صراحة في أن الحرير لا يدخل مجال التحريم ولو كان ذلك صحيحا لنبذه الرسول بداية وما لبسه . وما صلى فيه . . وهو بنزعه له بعد الصلاة وقوله : " لا ينبغي هذا للمتقين " يؤكد لنا أن المسألة لا تخرج عن طور الكراهة ولو تم تأويل الرواية بغير هذه الوجهة لكان فيها اتهام مباشر للرسول بارتكاب المحرم والاصرار عليه بلبسه الحرير ثم الصلاة فيه . .
الأول : أن هناك روايات تنهى عن التداوي بالمحرمات . فإذا كان الحرير حراما فلا يجوز التداوي به . . الثاني : أن النبي يمكن أن يصف لهما دواءا آخر وهو يروي عنه الكثير من الروايات الطبية التي يدين بها القوم . الثالث : أن ابن عوف والزبير من أثرياء الصحابة والحرير كما هو معروف مرتفع الثمن . فهل هذا يعني أنهما اختاراه بأنفسهما ووافقهما عليه الرسول لكونهما
يقدران على ثمنه ؟ أم أن الرسول هو الذي اختاره لهما لكونهما يقدران على نفقته ( 1 ) . . ؟ إن مثل هذه الرواية إنما تثير الشك حول حكم النهي عن لبس الحرير وسواء هما اختاراه أو الرسول اختاره لهما فالنتيجة واحدة وهي أن مسألة الحرير لا تدخل دائرة التحريم . .
ويروى : عشرون نفسا من أصحاب سول الله ( ص ) أو أكثر لبسوا الخز منهم أنس بن مالك والبراء بن عازب ( 3 ) . . ويروى أن رسول الله ( ص ) أرسل حلة استبرق إلى عمر فأرسلها إلى أخيه بمكة وأرسل معها بجبة ديباج وقال له تبيعها وتصيب بها حاجتك ( 4 ) . .
يقول الفقهاء : تحريم الحرير والديباج وذلك للنهي المذكور وهو نهي تحريم عند الكثير من المتقدمين وهو قول الأئمة الأربعة . وقال الشافعي إن النهي فيه كراهة تنزيه في قوله القديم .
تتمتع به المرأة في الدنيا والآخرة فأصدر فتواه هذا من باب المساواة في التكاليف بين الذكر والأنثى . . أو أن ابن الزبير تصور أن إباحة الحرير للمرأة في الدنيا سوف يؤدي إلى حرمانها منه في الآخرة . . إلا أن ما نخرج به من رواية ابن الزبير هذه أن الرواة يتخبطون في أمر التحريم ونتج عن هذا
التخبط تخبط الفقهاء في تأويلاتهم لهذه الروايات وهو ما يبدو بوضوح في خلافاتهم
حول قضية التحريم ( 3 ) . .
وأهم ما تدل عليه رواية ابن الزبير هو أن الحرير كان مشاعا بين الناس في زمانه مما دفع به إلى منعه بالسلطان وهو نفس موقفه من زواج المتعة . . أما عن الذهب فيروى : نهى النبي ( ص ) عن خاتم الذهب ( 1 ) . . ويروى أن رسول الله رأى خاتما من ذهب في يد رجل فنزعه فطرح وقال " يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيجعلها في يده " ( 2 ) . . وينقل عن الفقهاء قولهم : أجمع العلماء شرقا وغربا على تحريم
اتخاذ الخاتم من الذهب للرجال دون النساء وأما اتخاذه من الفضة فمباح لهم وروى
في سنن النسائي والترمذي أن النبي ( ص ) قال : " أحل الذهب والحرير للإناث من
أمتي وحرم على ذكورها " ( 3 ) . . وما ينطبق على الحرير ينطبق على الذهب من كونه لا يطابق القرآن ولم ينص على تحريمه . هذا من جهة . أما من جهة مناقشة الروايات فسوف يتبين لنا أن هذه الروايات حالها كحال سابقتها من الروايات المتناقضة التي تنهى تارة وتبيح تارة أخرى . .
ويروى : كتب النبي كتابا أو أراد أن يكتب . فقيل له : إنهم لا يقرأون كتابا إلا مختوما . فاتخذ خاتما من فضة نقشه ( محمد رسول الله ) ( 1 ) . . ويروى اتخذ رسول الله خاتما من ورق وكان في يده ثم كان بعده في يد أبي بكر . ثم كان بعد في يد عمر . ثم كان بعد في يد عثمان حتى وقع بعد في بئر أريس نقشه ( محمد رسول الله ) ( 2 ) . . وفي رواية : ولم يختلف الناس على عثمان حتى سقط الخاتم من يده ( 3 ) . . ويبدو من خلال الرواية الأولى أن الرسول كان يلبس الذهب ثم قرر فجأة نبذه . فهل كان لا يعلم بتحريمه . . ؟ وإذا كان يعلم فلماذا لبسه ؟ إن هذه الرواية تدل بوضوح على عدم حرمة لبس الذهب وأن نبذ الرسول له لم يكن من باب الترحيم وإنما كان من باب الكراهة . ويدل على ذلك قسمه بألا يلبسه أبدا . وهو قسم خاص به وحده . أي أن القرار الذي اتخذه الرسول بشأن لبس الذهب كان قرارا خاصا به كنبي وليس خاصا بأمته . . ولو أخذنا هذه الرواية كدليل على التحريم لوجوب علينا أن نحرم الفضة أيضا إذ أن الرواية الثانية تحكي نفس القصة ولكن مع خاتم من فضة ( الورق ) . . والمعروف أن الرسول قد أباح لبس الفضة وهو ما عليه إجماع الرواة والفقهاء كما ذكرنا . إذن طرح الرسول خاتمه سواء ذهبا أو فضة مسألة لا صلة لها بالتحريم وإنما لها صلة بظرف ما واجهه الرسول واتخذ في مواجهته هذا القرار . . وما يدل على ذلك هو أن الروايات تشير إلى أن الرسول عاد إلى
لبس خاتم الفضة وكان معه حتى توفي وورثه منه أبو بكر ثم عمر ثم عثمان . . وقد
يكون الرسول نبذ خاتم الذهب والفضة سويا وقام صناع الرواية باختراع
رواية اتخاذ الرسول خاتم الفضة ليراسل به الحكام والملوك من أجل أن يضفوا المشروعية على حكم الخلفاء الثلاثة - أبو بكر عمر عثمان - بوارثتهم خاتم الرسول . ولعل ما يشير إلى ذلك هو تلك الجملة التي أضافها الراوي عن عثمان والتي تريد تبرير انحرافاته وتجاوزاته وإضفاء الشرعية على مواقفه بمحاولة إيهام المسلمين أن ما حدث له كان بسبب فقده خاتم الرسول . . إلا أن حقائق التاريخ تؤكد لنا أن ما حدث في زمن عثمان كان ثورة كاملة المقومات في وجه طاغية تجاوزت انحرافاته حدود الدين والعدل . كما تؤكد لنا أيضا أن فكرة الترتيب الرباعي . أي جعل أبو بكر في مقدمة الخلفاء يليه عمر ويليه عثمان ثم علي . فكرة مختلقة ومن صنع السياسة وليس لها أي سند من الروايات التي يتعبد بها القوم ( 1 ) . .
وقال الزرقاني : طرحه لتحريم لبس الذهب حينئذ على الرجال أو
لكراهة مشاركتهم له أو لما رأى من زهوهم بلبسه وجعل فصه في باطن كفه لأنه أبعد
من الاعجاب والزهو ( 2 ) . . وهذا القول ليس إلا
محاولة للي عنق النص وانتزاع الحرمة
الرسول ( ص ) كما صورت الروايات تلك الرؤية المنقوصة التي تصور الرسول بالانفصام . فمن ثم يمكن حمل مثل هذه السلوكيات - ممارسته الحرام قبل علمه به - على الجانب البشري من شخصيته أي الجانب غير المعصوم . .
وكلا الزرقاني يشير إلى كونه يتردد في الحكم بالتحريم . فهو يتأرجح بين الحكم بالحرمة والحكم بالكراهة ثم هو في النهاية حمل الرسول مسؤولية الحكم بالحرمة نتيجة لرؤيته زهو الناس وافتخارهم بلبسه . .
وهذه الآية المكية تدحض قول الفقهاء وادعاءاتهم أن الرسول لم يكن يعلم بحكم حرمة الذهب . بل ما تؤكده الآية هو الإباحة ومن زمان مكة والرسول كان يتحرك وفق دائرة الإباحة . فمن ثم يمكن الحكم على ضوء هذا النص القرآني أن مثل هذه الروايات قد دست على الرسول أو حرفت بما يفيد التحريم . . إن تحكيم القرآن على دوام سوف يؤدي إلى فضح الرواة وإراحة العقول من متاهات الفقهاء . . ولقد تجاوز الرواة الحدود في نسبة التحريم للرسول حتى في السلوكيات والعادات الأعراف التي يكون نسبة التحريم إليها مصادما للفطرة والعقل فهم قد نسبوا إلى الرسول تحريم إطالة الثوب والتزعفر . . ونسبوا إليه تحريم حلق اللحية . . ونسبوا إليه تحريم الأضرحة وزيارتها . . ونسبوا إليه تحرم الصورة والتماثيل . . ونسبوا إليه تحريم الموسيقى والغناء . . ثم بارك الفقهاء هذا التحريم وجعلوا له أبوابا في كتبهم والزموا الأمة به . . يروى أن الرسول ( ص ) قال : " لا ينظر الله إلى من جر ثوبه
خيلاء " ( 2 ) . .
ويروى : بينما رجل يمشي في حلة تعجبه نفسه مرجل جمته . إذ خسف الله به فهو يتجلجل إلى يوم القيامة ( 1 ) . . ويروى ما كان أسفل من الكعبين فهو في النار ( 2 ) . . ويروى : نهى رسول الله ( ص ) أن يتزعفر الرجل ( 3 ) . . قال الفقهاء : الخيلاء بالمد والمخيلة والبطر والكبر والزهو والتبختر كلها بمعنى واحد وهو حرام . ومعنى لا ينظر أي لا يرحمه ولا ينظر إليه نظر رحمة . وقوله ( ص ) خيلاء إشارة إلى علة التحريم فيستفاد منه إن لم يكن الاسبال - أي إطالة الثوب - من الخيلاء لم يكن حراما لكنه مكروه لوجوه منها السرف ومنها عدم الأمن من التنجس .
ويبدو من هذه الروايات أن الوعيد الذي تبشر به فوق الحالة المجرمة بكثير فإطالة الثوب ليس جريمة يستحق فاعلها هذا التهديد . وإذا كانت هذه المسألة بهذه الخطورة فلم لم تذكر في القرآن . . وإذا كان الفقهاء قد ربطوا الوعيد المذكور في الروايات بالمتعمد المستحل . فإن هذا يعني أن هناك استثناء . والتحريم لا يكون فيه استثناء . فدل ذلك على أن الأمر لا صلة له بالتحريم . ومسألة المستحل هي مرهونة بالنوايا .
وقد روي أن ابن عمر كان يلبس الثوب المصبوغ بالمشق والمصبوغ بالزعفران وفي شرحه للزرقاني عملا بما رواه ابن عمر قال : كان النبي ( ص ) يصبغ بالورس والزعفران
ثيابه حتى عمامته . ولا يعارضه حديث الصحيحين نهى النبي أن
يتزعفر الرجل وفي أن النهي للونه أو لرائحة تردد لأنه للكراهة وفعله البيان
الجواز والنهي محمول على تزعفر الجسد لا الثوب أو على المحرم يحج أو عمرة لأنه
من الطيب وقد نهى المحرم عنه ( 1 ) . . ويظهر من هذا الكلام أن الفقهاء وقع في حرج بين روايات النهى عن التزعفر وبين روايات إباحته . وإن كان الجمهور قد مال إلى الإباحة فإن هذا يعني بطلان رواية البخاري ومسلم . وهذا موقف غير معتاد من الفقهاء . فهم عادة ما ينكرون الروايات خارج دائرة ما يسمونهما بالصحيحين ويميلون إلى ترجيح روايتهما على كتب السنن الأخرى مثل أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وغيرهم . من هنا فإن هذا الموقف من متقدمي الفقهاء قد أوقع متأخريهم في حرج فأرادوا أن يوفقوا بين رواية الإباحة ورواية النهي بأن قالوا ليس هناك تعارض بين رواية البخاري ومسلم التي تقوم بالنهي وبين رواية الإباحة التي رواها ابن عمر . وعملوا على تحميل النهي على لون الزعفران أو رائحته وكون المقصود بالنهي تزعفر الجسد . لا ثوب وأنه خاص بالمحرم كوسيلة للخروج من هذا التناقض . . إلا أن ما يعنينا من هذا كله أن الرواة صوروا الرسول بمظهر المتناقض وجاء الفقهاء فزادوا الطين بلة وإن كانوا مالوا إلى الإباحة لكونها الأصل فهم لم يجيبونا ما هو الموقف من رواية البخاري ومسلم التي تقول بالنهي . . ؟ مثل هذا الموقف يفتح باب الشك في روايات ما يسمونه بصحيح البخاري وصحيح مسلم .
وروي : " خالفوا المشركين وفروا اللحى واحفوا الشوارب " ( 1 ) . . ومن هذين النصين وغيرهما قال الفقهاء بوجوب إطلاق اللحية وتحريم حلقها واختلفوا في مقدارها وطولها . وأخذ البعض بمقياس ابن عمر وهو حد القبضة باليد أي أن طول اللحية لا يجب أن يتجاوز قبضة اليد حسب مذهب ابن عمر . واختلفوا في شعر الوجه هل هو من اللحية أم لا ؟ فأدخل بعضهم شعر الوجه في دائرة اللحية . وقال آخرون بعدم شمول اللحية له .
والجواب أن الفقهاء اعتبروا قول الرسول : وفروا اللحى . واعفوا اللحى أمر والأمر واجب امتثاله ومخالفته تعني الوقوع في الحرمة . وبالتالي دخلت اللحية دائرة التشريع وحمل الرسول أمر تبليغ حكمها للأمة . . وإذا كان الرسول قد بلغ الأمة أمر اللحية عن طريق الوحي فأين هي الإشارات القرآنية التي تدعم هذا الأمر . وما دامت لا توجد نصوص قرآنية تدعم أمر اللحية فإن هذا يعني أن أمرها من اختلاق الرسول وإضافاته . وإذا كان الفقهاء قد باركوا هذا الأمر فإن هذا يعني أيضا أنهم قد أدخلوا الرسول دائرة التشريع . فإن أقروا بغير ذلك . فمعنى هذا أن مسألة اللحية لا صلة لها بحدود الشرع وهي لا تخرج عن كونها عادة وليست عبادة . . إن عادة إطلاق اللحى كانت شائعة في الجاهلية عند العرب وكل ما فعله الرسول هو أنه أقر هذه العادة . إلا أن الرواة اخترعوا لها الروايات لشغل الأمة بالشكليات وإبعادها عن الاهتمام بجوهر الدين حتى يفسحوا الطريق أمام الحكام ثم جاء الفقهاء فاشتقوا لها الأحكام وضخموها لأن مثل تلك الأمور كانت شغلهم الشاغل في ظل واقع عزل فيه الإسلام عن دوره وجوهره . .
وفي رواية : " لولا ذاك لأبرز قبره " ( 1 ) . . وفي رواية : " فلا تتخذوا القبور مساجد إني أنهاكم عن هذا " ( 2 ) . . ويروى عن النصارى قوله : " أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدا . فأولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة " ( 3 ) . . ويروى عن علي قوله : أمرني رسول الله ( ص ) ألا أدع وثنا إلا كسرته ولا قبرا مشرفا إلا سويته ( 4 ) . . ويروى عن النبي ( ص ) قوله : " اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد " ( 5 ) . .
وهل كانت في زمن الرسول ( ص ) حالات مشابهة لحالة اليهود والنصارى . . ؟ إن النهي الوارد في هذه الرويات يتركز في اتخاذ القبور مساجد وليس في القبور ذاتها . ومعنى مساجد لغة أي مكان للسجود لذات القبور . أما السجود لله
سبحانه في القبر أو حوله أو أمامه فليس فيه ضير . هذا على أساس تسليمنا بصحة هذه الروايات وسلامة مضمونها . فهناك شكوك كثيرة تحيط ببواعثها وأهدافها . . والذين يقدسون
الكعبة مثلا ويجعلون من أحجارها شيئا فوق العادة . أو من كسوتها دواء أو بركة
أو ما شابه ذلك . ويحلمون لو اقتطعوا قطعة من الحجر الأسود أو من أحجارها أو من
كسوتها ليتداووا كذلك إذا بدرت بعض السلوكيات من المسلمين حول قبور الأولياء والصالحين اعتبرت شركا في منظور البعض فهل العيب في هذه القبور أم في المسلمين . . ؟ يروى أن النبي ( ص ) مر على قبر منبوذ فأمهم وصفوا عليه ( 1 ) . . ويروى أن رجلا أو امرأة سوداء كانت تقيم بمسجد الرسول ( ص ) ماتت ولم يعلم النبي . فلما علم بوفاتها ودلوه على قبرها أتى القبر فصلى عليها ( 2 ) . .
قال الفقهاء : لما وسع مسجد الرسول ( ص ) جعلت الحجرة الشريفة - أي الحجرة التي تضم قبر النبي - مثلثة الشكل محدودة حتى لا يتأتى لأحد أن يصلي إلى جهة القبر المقدس مع استقبال القبلة ( 3 ) . . وإذا صح هذا الكلام فما معنى صلاة النبي على القبر الذي أشارت إليه الروايتان السابقتان . . ؟ وسوف نعرض هنا لعدد من الشواهد والوقائع التي تثير الشك في مثل هذه الروايات المنسوبة للرسول حول الأضرحة واتخاذ المساجد على القبور . .
أولا : إن الوقائع التاريخية تؤكد أن اليهود الذين كتبت عليهم الذلة والمسكنة بأمر الله سبحانه عاشوا مشردين في الأرض . فمن ثم ليس من الثابت أنهم أقاموا مساجد أو معابد على قبور أنبيائهم الذين قتلوا بعضهم وحازوا على غضب أكثرهم . والمكان الوحيد المعروف تاريخيا الذي اتخذه اليهود موضعا للعبادة هو بيت المقدس . وكان لسليمان ( ع ) هيكلا - أي بلاط - ولم يكن له معبدا . وقد كان مشهورا في زمن الرسول ( ص ) قبر إبراهيم في الخليل وقبر موسى إلا أننا لم نسمع أن الرسول أشار إلى هذين القبرين بشئ يدل على أن اليهود اتخذوهما أوثانا . .
سادسا : أنه يلاحظ تاريخيا وفرق المسلمين لم يتصدوا لبناء المساجد فوق قبور الأولياء والصالحين ولم يعترضوا سبيلها باستثناء فرقة الحنابلة التي تسمت فيما بعد بأهل السنة . تلك الفرقة التي فرخت ابن تيمية والذي دخل في صدام مع فقهاء عصره بسبب القبور وانتهى الأمر بحبسه حتى مات في الحبس . . وقامت الحركة الوهابية في العصر الحديث بإحياء أفكاره المتشددة بشأن
القبور وفرضتها على المسلمين في جزيرة العرب بقوة السيف وفي خارج الجزيرة بتأثير النفط ( 1 ) . .
ويبدو من رواية النهي عن شد الرحال أنها تنهى عن السفر مطلقا إلا لهذه المساجد الثلاثة . ومثل هذا الاستنتاج يثير الشك في الرواية . . وحول الصور والتماثيل وردت العديد من الروايات التي يشيب لها الولدان . .
ويروى عن الرسول ( ص ) قوله : " إن الذين يصنعون هذه الصور يعذبون يوم القيامة . يقال لهم أحيوا ما خلقتم " ( 4 ) ويروى قول الرسول ( ص ) : " لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا صورة تماثيل " ( 5 ) . .
|
|