الرسول المشرع

 

 

- دفاع عن الرسول ضد الفقهاء والمحدثين - صالح الورداني ص 147 :

الحكام في تاريخ المسلمين مشروعيتها وتصورها وكأنها حركات قطاع طرق . وهي من جانب آخر تضفي المشروعية على الحاكم وتبرر له سحق هذه الثورات بفرمان رسولي . . وفي منظور الفقهاء وحتى الصحابة من أنصار الخط القبلي مثل

أبو هريرة وابن عمر وعمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة أن الأمة اجتمعت على معاوية وولده يزيد من بعده ثم اجتمعت على سائر حكام بني أمية وبني العباس من بعد . فمن ثم فإن هؤلاء هم جماعة المسلمين ومعاوية ويزيد ومن تلاهم هو إمام

المسلمين الذي لا يجب الخروج عليه وشق عصا الطاعة وإن من يقع في هذا المحظور فهو حلال الدم . . ولا شك أن مثل هذا الحاكم إنما هو موجه إلى خط الإمام علي وآل البيت وشيعتهم فهؤلاء هم الذين قادوا الثورات ضد هؤلاء الحكام بداية

من الحسين بن علي الذي ثار في وجه يزيد بن معاوية . . وقد اعتبرت روايات أخرى الخروج وشق عصا الطاعة مروق
من الدين كالرواية التي ذكرناها والتي نصت على الربط بين المارق من الدين والمفارق للجماعة . ونحن نتوجه إلى الفقهاء

مطالبين بأن يأتونا بنص من كتاب الله يدعم مثل هذه الروايات أو برهان عقلي يجعلنا نطمئن أن جماعة المسلمين هي جماعة معاوية أو يزيد أو أبي جعفر المنصور أو غيرهم من الحكام ؟


يقول الفقهاء : وفي هذا دليل على أن مذهب عبد الله بن عمر كمذهب الأكثرين في منع القيام على الإمام وخلعه إذا حدث
فسقه . أما إذا كان فاسق قبل عقدها - أي البيعة - فاتفق على أنها لا تنعقد له لكن إذا انعقدت له تغلبا أو اتفاقا ووقعت كما

اتفق ليزيد صار بمنزلة من حدث فسقه بعد انعقادها له فيمتنع القيام عليه ويدل على ذلك إنكار ابن عمر على ابن مطيع في قيامه على يزيد وقد احتج من أجاز القيام بخروج الحسين وابن الزبير وأهل المدينة على بني أمية واحتج الأكثرية على المنع بأنه الظاهر من الأحاديث ( 1 ) . .
 

  * ( هامش ) *
( 1 ) مسلم . هامش باب حكم من فرق أمر المسلمين وهو مجتمع . كتاب الإمارة . . ( * )
 

 

ص 148

ويروى عن الرسول قوله : " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قالها فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله " ( 1 ) . .

وفي رواية : " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله " ( 2 ) . .

إن زمن هذه الرواية هو خلافة أبي بكر حين خرجت عليه العرب وأراد ردعهم فتصدى له عمر بقوله : كيف تقاتل الناس وقد قالوا لا إله إلا الله محمد رسول الله . وكان جواب أبي بكر : والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة .

وهذا الصدام الذي وقع بين أبي بكر وعمر يعود سببه إلى أن المسألة لا صلة لها بالشرع وأحكامه وإنما هي مسألة قبلية تتلخص في عدم الرضا عن أبي بكر كحاكم . ولو حسبت المسألة بأي حساب آخر كان ذلك مجانبة للحقيقة والصواب .

إذ لو حسبناها بالحساب الشرعي فإننا نجد أن موقف عمر سليم من الناحية الشرعية لكونه يتحصن بنص منسوب للرسول . بينما أبو بكر يتحصن برأيه فقط . . من هنا فإن ظهور هذا النص في تلك الفترة من قبل عمر - راويه - في مواجهة أبي بكر

إنما يعني أن هذا النص كان موجها للعرب وهم قد دخلوا في دين الله فمن ثم ليست هناك حاجة لقاتلهم من جديد . وهي
وجهة نظر عمر . إلا أن أبا بكر أصر على موقفه لأسباب تتعلق بمستقبل نظامه واقتنع بها من نفس المنظور عمر متخليا

عن النص الذي وجه بعد ذلك نحو الشعوب غير العربية . وأصبح سلاحا في يد الحكام يشهرونه ما بين الحين والآخر في وجه أصحاب الديانات الأخرى وفي وجه معارضة الإسلامية والقوى المناوئة لنظامهم والتي كانوا يدفعون بها في جيوشهم

الغازية تحت شعار الجهاد في سبيل الله وإدخال الناس في دين الله . من أجل الخلاص منها ( 3 ) . .
 

  * ( هامش ) *
( 1 ) مسلم كتاب الإيمان والبخاري كتاب الزكاة . . ( 2 ) مسلم والبخاري كتاب الإيمان . .
( 3 )
أنظر قصة الحجاج بن يوسف مع عبد الرحمن بن الأشعث في غزوة دير الجماجم بكتب التاريخ . ( * )
 

 

ص 149

وإن المتأمل في حركة الفتوحات الإسلامية سوف يتبين له أنها لم تسهم في إدخال الناس في دين الله وأنها أسهمت في زيادة ثروات الحكام وكانت في حقيقتها صدام عسكري بين حكم عربي وحكم آخر أسقط بالقوة بينما بقيت الشعوب على حالها وقد فرضت عليها الجزية والخراج ( 1 ) . .


والمتأمل في نص الروايتين يكتشف أن الرواية الأولى اقتصرت على عصمة الدم والمال بمجرد القول لا إله إلا الله . بينما الرواية الثانية زادت عليها إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وهذا يدعونا إلى الشك في الروايتين . فالرواية الأولى لا تدعم رؤية

أبو بكر بينما الرواية الثانية تدعم موقفه وتضفي عليه الشرعية . فإذا كان الأمر كذلك فلما عارضه عمر . . ؟


إن القوم يناقضون أنفسهم بتبني روايات تناقض بعضها وتضعهم في موطن الحرج وسوف نعرض لنماذج من هذه الروايات التي تقودنا إلى نتيجة محددة وهي عدم شرعية موقف أبو بكر وقتاله للمخالفين له . .


يروى عن الرسول قوله : " ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صدقا من قلبه إلا حرمه الله على النار " ( 2 ) . .

ويروى : " من قال لا إله إلا الله دخل الجنة وإن زنى وسرق " ( 3 ) . .


ويروى : " من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمة ألقاها إلى مريم وروح منه . والجنة حق والنار حق أدخله الله الجنة على ما كان من عمل " ( 4 ) . .
 

  * ( هامش ) *
( 1 ) كان معاوية ومن تلاه من الحكام يصادرون نفائس الغنائم من الجنود ويأخذونها لأنفسهم ويحولون بين الناس وبين الدخول في الإسلام خوفا من تدني دخل الدولة من الجزية والخراج حتى جاء عمر بن عبد العزيز . أنظر الطبري وكتب التاريخ . .

( 2 ) مسلم كتاب الإيمان والبخاري كتاب العلم .
( 3 )
البخاري كتاب اللباس ومسلم كتاب الإيمان . ( 4 ) مسلم كتاب الإيمان والبخاري كتاب الأنبياء . ( * )

 

 

ص 150

ويروى : أن أسامة بن زيد قتل رجلا بعد أن نطق بلا إله إلا الله . فعنفه الرسول ( ص ) ( 1 ) . .

ومثل هذه الروايات وغيرها إنما تؤكد عصمة الدماء لا استباحتها . وتؤكد من جانب آخر أن مشروعية استباحة الدماء هي مشروعية خاصة بالرسول وحده . فهو الناطق بأمر الله سبحانه المطبق لشرعه كما أمر . فمن ثم فلن تراق على يده دماء

بغير حق . لكن هذه الروايات وبدعم الفقهاء منحت هذه المشروعية للحكام من بعد الرسول فاعملوا في حصانتها السيف في رقاب المسلمين . . ولأجل ذلك روي : أن الجهاد ماض إلى يوم القيامة وراء كل إمام برا كان أو فاجرا ( 2 ) . .


وروي : من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من شعب النفاق ( 3 ) . . فمثل هذه الروايات التي باركها الفقهاء هي التي دفعت بالمسلمين للقتال تحت راية الحكام بدعوى الجهاد . .


 - في العبادات والمعاملات : ولقد نسب الرواة للرسول الكثير من الأحكام التي تتعلق بالعبادات والمعاملات والتي تحولت بمرور الزمن إلى أمور مسلم بها يتعبد بها المسلمون ويحتكمون إليها خاصة بعد أن اعتمد الفقهاء هذه الروايات وتنافسوا فيما بينهم على الاجتهاد واستنباط الأحكام على ضوئها . .


ومن هذه الروايات : يروى أن رسول الله ( ص ) دعا بإناء فأفرغ على كفيه ثلاث مرات فغسلها ثم
 

  * ( هامش ) *
( 1 ) البخاري كتاب المغازي ومسلم كتاب الإيمان . ومثله حدث مع خالد بن الوليد حين قتل رجالا من بني خزيمة بعد أن استأمنهم . وقال فيه الرسول : " اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد " . أنظر سيرة ابن هشام . .
( 2 )
أنظر كتب العقائد مثل العقيدة الطحاوية وشرحها والعقيدة الواسطية وغيرهما . .
( 3 )
مسلم كتاب الإمارة باب ذم من مات ولم يغز . . ( * )
 

 

ص 151

أدخل يمينه في الإناء . فمضمض واستنشق ثم غسل وجهه ثلاثا . ويديه إلى المرفقين ثلاثا . ثم مسح برأسه . ثم غسل رجليه ثلاث مرات إلى الكعبين . ثم قال : " من توضأ نحو وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه " ( 1 ) . .

ويروى أن الرسول توضأ ومسح على الخفين ( 2 ) . .

ويروى أن الرسول قال : " إذا قال الإمام ( غير المغضوب عليهم ولا الضالين ) فقولوا آمين . فإنه من وافق قوله قول الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه " ( 3 ) . .

ويروى أن الرسول قال : " إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون . فإذا نسيت فذكروني وإذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الصواب فليتم عليه ثم ليسلم ثم ليسجد سجدتين " ( 4 ) . .
 

هذا بعض ما نصب القوم إلى الرسول ( ص ) بشأن الصلاة . . بالنسبة لرواية الوضوء فهي تخالف مخالفة صريحة ما نص عليه القرآن بشأن الوضوء وهو ما يظهر من قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم

إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين ) ( 5 ) . . هذا النص القرآني يحدد أن الوضوء ينحصر في حدود الوجه واليدين والرأس والرجلين . وإذا كان هذا ما حدده النص فكيف للرسول أن يضيف المضمضة والاستنشاق . . ؟

ثم إن النص القرآني أوجب مسح الرأس والرجلين بينما الرواية تنص على أن الرسول مسح الرأس وغسل الرجلين وهو بهذا يكون قد خالف القرآن . .
 

  * ( هامش ) *
( 1 ) مسلم كتاب الطهارة والبخاري كتاب الوضوء . .
( 2 )
البخاري كتاب الوضوء ومسلم كتاب الطهارة . . ( 3 ) البخاري كتاب الآذان . ومسلم كتاب الصلاة . .
( 4 )
مسلم كتاب المساجد . والبخاري كتاب الصلاة . . ( 5 ) سورة المائدة آية رقم 6 . . ( * )
 

 

ص 152

والرواية الثانية تصطدم بالنص القرآني السابق إذ أن النص أوجب المسح على الرجلين وهذا يعني عدم وجود حائل . والرسول مقيد بالنص وهذا يعني أن فكرة الخفين من اختراع الرواة . .
 

أما الرواية الثالثة فهي تضيف على القرآن صراحة ما ليس فيه . فسورة الفاتحة ختامها ( ولا الضالين ) والرواية تضيف كلمة ( آمين ) وتضفي عليها القدسية بجواز تلاوتها في الصلاة بل ومباركة الملائكة لهذه التلاوة . .

ولا يعقل أن الرسول ( ص ) يضيف على القرآن ما ليس فيه ثم يدخله في الصلاة التي هي مناجاة بين العبد والرب . .
 

والرواية الرابعة نسبت إلى الرسول السهو والنسيان في الصلاة وما تنبه لسهوه ونسيانه إلا بتنبيه الناس له بقولهم : يا رسول الله أحدث في الصلاة شئ ؟ قال : " وما ذاك " ؟ قالوا : صليت كذا وكذا ( 1 ) . .

وهذا الحديث يشير إلى أن الذين كانوا من خلف الرسول كانوا أكثر تركيزا وتنبها منه في الصلاة . . فهل يعقل مثل هذا الكلام في حق النبي ( ص ) ؟

وماذا كان يشغل الرسول عن ذكر ربه أثناء الصلاة ؟

ثم أليس نسبة النسيان إلى النبي يعد طعنا في قدرته على تلقي الوحي وتبليغه للناس . . ؟ ثم كيف للناس أن يذكروا الرسول في قضايا الشرع والتعبد وهو وظيفته أن يذكر الناس ؟ والله سبحانه يقول له : ( فذكر إنما أنت مذكر . . ) ( 2 ) .

وفيما يتعلق بالمعاملات فهم يروون : يروى أن النبي ( ص ) جعل للجدة - في الميراث - السدس إذا لم يكن دونها أم ( 3 )
 

  * ( هامش ) *
( 1 ) مسلم كتاب المساجد . والبخاري كتاب الصلاة . . ( 2 ) سورة الغاشية آية رقم 22 . . ( 3 ) أبو داود . كتاب الفرائض . . ( * )
 

 

ص 153

ويروى جاءت جدة إلى أبي بكر تسأله ميراثها . فقال : ما لك في كتاب الله تعالى شئ . وما علمت لك في سنة نبي الله ( ص ) شيئا . فارجعي حتى أسأل الناس . فشهد المغيرة بن شعبة ومحمد بن مسلمة أنهما حضرا رسول الله فأعطاها السدس ( 1 )
 

ويروى أن رجلا جاء إلى النبي ( ص ) فقال إن ابن ابني مات فمالي من ميراثه ؟ فقال : " السدس " . فلما أدبر دعاه فقال : " لك سدس آخر " . فلما أدبر دعاه فقال : " إن السدس الآخر طعمة " . قال قتادة : فلا يدرون مع أي شئ ورثه . أقل شئ ورث الجد السدس ( 2 ) . .


وهذه الروايات تضيف إلى أحكام المواريث التي نص عليها القرآن حكما جديدا على لسان الرسول وهو ما يتضح من الرواية الأولى . . أما الرواية الثاية فهي تكشف لنا أن هذا الحكم قضى به أبو بكر على أساس شهادة اثنين نسباه إلى الرسول ولم يكن هو على علم به . .


أما الرواية الثالثة فهي تكشف لنا أن الرسول حكم للجد بالسدس أيضا . وهو ما لا يجوز شرعا لأن الذكر له مثل حض الأنثيين وفإما أن يكون السدس للجد وللجدة نصف السدس . وأما يكون الرسول قد أخطأ في الحكم . وأما أن يكون هذا الحكم هو من اختراع الرواة . .


والاحتمال الثالث هو الأقرب . فلا يعقل أن يساوي الرسول بين الذكر والأنثى في الميراث . كما لا يعقل أيضا أن يتردد الرسول في الحكم عدة مرات يضيف فيها سدسا آخر للسائل . .


يروى أن رجلا سأل النبي ( ص ) : كيف أصنع في مالي . . ؟ كيف أقضي في مالي ؟ فلم يجب النبي بشئ حتى نزلت آية الميراث ( 3 ) . .

  * ( هامش ) *
( 1 ) المرجع السابق . . ( 2 ) المرجع السابق . . ( 3 ) مسلم . كتاب الفرائض . والبخاري كتاب المرضى . . ( * )
 

 

ص 154

 - في الزينة والسلوكيات : يروى أن الرسول ( ص ) قال : " إن الذي يشرب في إناء الفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم " ( 1 ) . .
 

ويروى نهانا رسول الله ( ص ) عن سبع : نهانا عن خواتيم الذهب وعن الشرب في الفضة أو قال آنية الفضة وعن المياثر والقسي وعن لبس الحرير والديباج والاستبرق ( 2 ) . .
 

ويروى أن النبي ( ص ) قال : " لا تلبسوا الحرير ولا الديباج ولا تشربوا في آنية الذهب والفضة ولا تأكلوا في صحافها فإنها لهم في الدنيا ولنا في الآخرة " ( 3 ) . .
 

ويروى عن الرسول قوله : " من لبس الحرير في الدنيا فلن يلبسه في الآخرة ( 4 ) . .
 

ويروى عن عمر : أن رسول الله نهى عن الحرير إلا هكذا وأشار بإصبعيه اللتين تليان الابهام ( 5 ) . .


ويروى عن عمر أيضا أنه رأى حلة سبراء عند باب المسجد . فقال يا رسول الله لو اشتريت هذه فلبستها يوم الجمعة وللوفد إذا قدموا . فقال الرسول : " إنما يلبس هذه من لا خلاق له في الآخرة " . ثم جاءت رسول الله منها حلل فأعطى عمر منها

حلة . فقال عمر : يا رسول الله كسوتنيها وقد قلت في حلة عطارد ما قلت . فقال الرسول : " إني لم أكسكها لتلبسها فكساها عمر أخا له بمكة مشركا ( 6 ) . .

  * ( هامش ) *
( 1 ) مسلم كتاب اللباس والزينة . والبخاري كتاب الأشربة . ( 2 ) المرجعين السابقين . .
( 3 )
البخاري كتاب الأطعمة . ومسلم كتاب اللباس والزينة . . ( 4 ) مسلم والبخاري كتاب اللباس والزينة . .
( 5 )
المرجعين السابقين . . ( 6 ) البخاري كتاب الجمعة ومسلم كتاب اللباس والزينة . . ( * )
 

 

ص 155

ويروى : أهدي إلى النبي ( ص ) مزوج حرير فلبسه فصلى فيه . ثم انصرف فنزعه نزعا شديدا كالكاره له . وقال : " لا ينبغي هذا للمتقين " ( 1 ) . .

ويروى أن النبي رخص لعبد الرحمن بن عوف والزبير في قميص من حرير . من حكة كانت بهما ( 2 ) . .


إن ما تهدف إليه هذه الروايات الوصول إلى الحكم بتحريم الحرير وأن الفقهاء قد قاموا على ضوء هذه الروايات بتقنين هذا التحريم . لكن السؤال هنا : هل هذه الروايات تفيد التحريم وتقطع به . . ؟


والإجابة سوف تتضح لنا من خلال استعراض الروايات . .

الرواية الأولى تنهى عن لبس الحرير والديباج والاستبرق والمياثر والقسي ولم تنه عن الحرير وحده . وهذا يعني أن التحريم شملهم إلا أن جميع الروايات تركز على تحريم الحرير وحده . فهل هذه الإضافة من الرواة أو أن هذه الأنواع من الملابس ليست حراما ولأجل ذلك أغفلتها الروايات الأخرى . . ؟

وفي كلتا الحالتين هذا أمر يثير الشك في مثل هذه الروايات . . وبالتدقيق في نصوص القرآن لا نجد أية إشارة إلى تحريم الحرير وهذا يعني أن أمر التحريم خاص بالروايات وحدها وهو بمثابة إضافة حكم جديد فوق أحكام القرآن . .
 

وفي الرواية الثانية نكتشف أن التحريم خاص بالحياة الدنيا وأنه مباح في الآخرة . .

والرواية الثالثة تؤكد أن من لبسه في الدنيا لن يلبسه في الآخرة ومثل هذا يشير إلى أن المسألة لا تأخذ وضع الحكم الشرعي الذي يؤدي بمخالفه إلى النار وإنما هي لا تخرج عن طور الكراهة لأسباب اجتماعية أو اقتصادية خاصة بمجتمع الرسول . .
 

  * ( هامش ) *
( 1 ) مسلم كتاب اللباس والزينة . والبخاري كتاب الصلاة . .
( 2 )
البخاري كتاب الجهاد . ومسلم كتاب اللباس والزينة . وانظر أبو داود وكتب السنن . . ( * )
 

 

ص 156

ويدل على ذلك الاستثناء الذي أشار إليه عمر في روايته بجواز لبس الملابس التي تحوي قدرا من الحرير . . ويدل على
ذلك أيضا أن الحرير كان يباع في المدينة وعلى باب مسجد رسول الله أية كما تشير رواية عمر الثانية والتي عرض فيها عمر على الرسول أن يشتري حلة من حرير فقال إنما يلبس هذه من لا خلاق له في الآخرة .


وهذا النص لا يشير إلى التحريم وإنما يشير إلى الكراهة . . ثم إن الرسول بعد ذلك جاءته حلل من حرير فقبلها - كما ذكرت الرواية وأهدى منها واحدة لعمر مما دفع بعمر إلى الاستفسار من الرسول عن سبب هذا التناقض في موقفه .

فهل كان من الممكن للرسول أن يسلك هذا السلوك لو كان الحرير حراما . . ؟

وتدخل بنا رواية لبس الرسول للحرير والصلاة به إلى مدار آخر أكثر صراحة في أن الحرير لا يدخل مجال التحريم ولو كان ذلك صحيحا لنبذه الرسول بداية وما لبسه . وما صلى فيه . . وهو بنزعه له بعد الصلاة وقوله : " لا ينبغي هذا للمتقين

" يؤكد لنا أن المسألة لا تخرج عن طور الكراهة ولو تم تأويل الرواية بغير هذه الوجهة لكان فيها اتهام مباشر للرسول بارتكاب المحرم والاصرار عليه بلبسه الحرير ثم الصلاة فيه . .


أما رواية إباحة الحرير لعبد الرحمن بن عوف والزبير لإصابتهما بالجرب فهي مردودة لعدة أوجه :

 الأول : أن هناك روايات تنهى عن التداوي بالمحرمات . فإذا كان الحرير حراما فلا يجوز التداوي به . .

 الثاني : أن النبي يمكن أن يصف لهما دواءا آخر وهو يروي عنه الكثير من الروايات الطبية التي يدين بها القوم .

 الثالث : أن ابن عوف والزبير من أثرياء الصحابة والحرير كما هو معروف مرتفع الثمن . فهل هذا يعني أنهما اختاراه بأنفسهما ووافقهما عليه الرسول لكونهما

ص 157

يقدران على ثمنه ؟ أم أن الرسول هو الذي اختاره لهما لكونهما يقدران على نفقته ( 1 ) . . ؟ إن مثل هذه الرواية إنما تثير الشك حول حكم النهي عن لبس الحرير وسواء هما اختاراه أو الرسول اختاره لهما فالنتيجة واحدة وهي أن مسألة الحرير لا تدخل دائرة التحريم . .


يروى أنه شوهد رجلا ببخارى على بغلة بيضاء عليه عمامة خز سوداء . فقال : كسانيها سول الله ( ص ) ( 2 ) . .

ويروى : عشرون نفسا من أصحاب سول الله ( ص ) أو أكثر لبسوا الخز منهم أنس بن مالك والبراء بن عازب ( 3 ) . .

ويروى أن رسول الله ( ص ) أرسل حلة استبرق إلى عمر فأرسلها إلى أخيه بمكة وأرسل معها بجبة ديباج وقال له تبيعها وتصيب بها حاجتك ( 4 ) . .


ويروى أن جبة رسول الله ( ص ) كانت مكفوفة الجيب والكمين والفرجين بالديباج ( 5 ) . .


ويروى عن الرسول أنه نهى عن لبس القسي وعن لبس المعصفر وعن تختم الذهب وعن القراءة في الركوع . قال الراوي : ولا أقول أنهاكم ( 6 ) . .


وهذه الروايات إنما تصطدم بروايات النهي وتشير إلى تخبط الرواة في النقل وإن كان الفقهاء قد أولوها كعادتهم بما يفيد وجهتهم وهي التحريم فإن قاعدة الأصل في الأشياء الإباحة التي يتبنوها تقول بأن من الأولى أن يحمل الأمر على الإباحة لا التحريم ما دام ليس هناك نص قطعي بالتحريم . .

  * ( هامش ) *
( 1 ) في رواية أبو داود أنهما كانا في السفر . . ( 2 ) أبو داود كتاب اللباس . .
( 3 )
المرجع السابق . . ( 4 ) المرجع السابق . . ( 5 ) المرجع السابق . . . . ( 6 ) المرجع السابق . . ( * )
 

 

ص 158

يقول الفقهاء : تحريم الحرير والديباج وذلك للنهي المذكور وهو نهي تحريم عند الكثير من المتقدمين وهو قول الأئمة الأربعة . وقال الشافعي إن النهي فيه كراهة تنزيه في قوله القديم .


وقال القسطلاني : نهي النبي لبس الحرير نهى تحريم على الرجال وعلة التحريم أما الفخر والخيلاء أو كونه ثوب رفاهية وزينة يليق بالنساء لا الرجال أو التشبه بالمشركين . وقد حكى القاضي عياض أن الاجماع انعقد بعد ابن الزبير وموافقيه على تحريم الحرير على الرجال ( 1 ) . .


وكان ابن ابن الزبير قد قال بمنع النساء من لبس الحرير على أساس ظاهر رواية النهي . وأن الخطاب موجه للذكر والأنثى . . يروى أن ابن زبير خطب يقول : ألا لا تلبسوا نساءكم الحرير فإنه من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة ( 2 ) . .


وهذه الرواية التي تدل على سطحية ابن الزبير إنما هي تعيد نفس موقفه من رواية إباحة المتعة التي واجهه بها ابن عباس . ففيها دلالة على أنه لم يكن من أهل الفقه والدراية . . ولعل ابن الزبير استصعب أن الرجل يحرم من الحرير في الدنيا بينما

تتمتع به المرأة في الدنيا والآخرة فأصدر فتواه هذا من باب المساواة في التكاليف بين الذكر والأنثى . . أو أن ابن الزبير تصور أن إباحة الحرير للمرأة في الدنيا سوف يؤدي إلى حرمانها منه في الآخرة . . إلا أن ما نخرج به من رواية ابن

الزبير هذه أن الرواة يتخبطون في أمر التحريم ونتج عن هذا التخبط تخبط الفقهاء في تأويلاتهم لهذه الروايات وهو ما يبدو بوضوح في خلافاتهم حول قضية التحريم ( 3 ) . .
 

  * ( هامش ) *
( 1 ) مسلم . هامش كتاب اللباس والزينة . . ( 2 ) مسلم . كتاب اللباس والزينة . .
( 3 )
أنظر مسلم شرح النووي وفتح الباري شرح كتاب اللباس . وانظر كتب الفقه . ( * )
 

 

ص 159

وأهم ما تدل عليه رواية ابن الزبير هو أن الحرير كان مشاعا بين الناس في زمانه مما دفع به إلى منعه بالسلطان وهو نفس موقفه من زواج المتعة . .

أما عن الذهب فيروى : نهى النبي ( ص ) عن خاتم الذهب ( 1 ) . .

ويروى أن رسول الله رأى خاتما من ذهب في يد رجل فنزعه فطرح وقال " يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيجعلها في يده " ( 2 ) . .

وينقل عن الفقهاء قولهم : أجمع العلماء شرقا وغربا على تحريم اتخاذ الخاتم من الذهب للرجال دون النساء وأما اتخاذه من الفضة فمباح لهم وروى في سنن النسائي والترمذي أن النبي ( ص ) قال : " أحل الذهب والحرير للإناث من أمتي وحرم على ذكورها " ( 3 ) . .
 

وما ينطبق على الحرير ينطبق على الذهب من كونه لا يطابق القرآن ولم ينص على تحريمه . هذا من جهة . أما من جهة مناقشة الروايات فسوف يتبين لنا أن هذه الروايات حالها كحال سابقتها من الروايات المتناقضة التي تنهى تارة وتبيح تارة أخرى . .


يروى أن رسول الله ( ص ) اصطنع خاتما من ذهب وكان يلبسه فيجعل فصه في باطن كفه . فصنع الناس . ثم إنه جلس على المنبر فنزعه . فقال : " إني كنت ألبس هذا الخاتم واجعل فصه من داخل " . فرمى به ثم قال : " والله لا ألبسه أبدا " . فنبذ الناس خواتيمهم ( 4 ) . .


ويروى أنه رأى في يد رسول الله ( ص ) خاتما من ورق - فضة - يوما واحدا . ثم إن الناس اصطنعوا الخواتيم من ورق ولبسوها . فطرح رسول الله خاتمه . فطرح الناس خواتيمهم ( 5 ) . .
 

  * ( هامش ) *
( 1 ) مسلم كتاب اللباس والزينة . والبخاري كتاب اللباس . .
( 2 )
مسلم كتاب اللباس والزينة . باب في طرح خاتم الذهب . .
( 3 )
مسلم . هامش باب في طرح خاتم الذهب . .
( 4 )
البخاري كتاب الإيمان والنذور . وأبو داود كتاب الخاتم . ومسلم كتاب اللباس والزينة . .
( 5 )
مسلم والبخاري كتاب اللباس . . ( * )
 

 

ص 160

ويروى : كتب النبي كتابا أو أراد أن يكتب . فقيل له : إنهم لا يقرأون كتابا إلا مختوما . فاتخذ خاتما من فضة نقشه ( محمد رسول الله ) ( 1 ) . .

ويروى اتخذ رسول الله خاتما من ورق وكان في يده ثم كان بعده في يد أبي بكر . ثم كان بعد في يد عمر . ثم كان بعد في يد عثمان حتى وقع بعد في بئر أريس نقشه ( محمد رسول الله ) ( 2 ) . .

وفي رواية : ولم يختلف الناس على عثمان حتى سقط الخاتم من يده ( 3 ) . .

ويبدو من خلال الرواية الأولى أن الرسول كان يلبس الذهب ثم قرر فجأة نبذه .

فهل كان لا يعلم بتحريمه . . ؟

وإذا كان يعلم فلماذا لبسه ؟

إن هذه الرواية تدل بوضوح على عدم حرمة لبس الذهب وأن نبذ الرسول له لم يكن من باب الترحيم وإنما كان من باب الكراهة . ويدل على ذلك قسمه بألا يلبسه أبدا . وهو قسم خاص به وحده . أي أن القرار الذي اتخذه الرسول بشأن لبس

الذهب كان قرارا خاصا به كنبي وليس خاصا بأمته . . ولو أخذنا هذه الرواية كدليل على التحريم لوجوب علينا أن نحرم الفضة أيضا إذ أن الرواية الثانية تحكي نفس القصة ولكن مع خاتم من فضة ( الورق ) . . والمعروف أن الرسول قد أباح

لبس الفضة وهو ما عليه إجماع الرواة والفقهاء كما ذكرنا . إذن طرح الرسول خاتمه سواء ذهبا أو فضة مسألة لا صلة لها بالتحريم وإنما لها صلة بظرف ما واجهه الرسول واتخذ في مواجهته هذا القرار . .

وما يدل على ذلك هو أن الروايات تشير إلى أن الرسول عاد إلى لبس خاتم الفضة وكان معه حتى توفي وورثه منه أبو بكر ثم عمر ثم عثمان . . وقد يكون الرسول نبذ خاتم الذهب والفضة سويا وقام صناع الرواية باختراع
 

  * ( هامش ) *
( 1 ) البخاري كتاب العلم . ومسلم كتاب اللباس والزينة .
( 2 )
البخاري ومسلم كتاب اللباس وانظر ابن سعد ح 1 . ( 3 ) أبو داود وكتاب الخاتم . . ( * )
 

 

ص 161

رواية اتخاذ الرسول خاتم الفضة ليراسل به الحكام والملوك من أجل أن يضفوا المشروعية على حكم الخلفاء الثلاثة - أبو بكر عمر عثمان - بوارثتهم خاتم الرسول . ولعل ما يشير إلى ذلك هو تلك الجملة التي أضافها الراوي عن عثمان والتي

تريد تبرير انحرافاته وتجاوزاته وإضفاء الشرعية على مواقفه بمحاولة إيهام المسلمين أن ما حدث له كان بسبب فقده خاتم الرسول . . إلا أن حقائق التاريخ تؤكد لنا أن ما حدث في زمن عثمان كان ثورة كاملة المقومات في وجه طاغية تجاوزت

انحرافاته حدود الدين والعدل . كما تؤكد لنا أيضا أن فكرة الترتيب الرباعي . أي جعل أبو بكر في مقدمة الخلفاء يليه عمر ويليه عثمان ثم علي . فكرة مختلقة ومن صنع السياسة وليس لها أي سند من الروايات التي يتعبد بها القوم ( 1 ) . .


يقول الفقهاء : قوله إن رسول الله اصطنع خاتما من ذهب لا شك أن ذلك قبل أن يعلم ( ص ) حرمته ثم لما علم أن لبسه حرام نزعه ونبذه وحلف أن لا يلبسه أبدا .

وقال الزرقاني : طرحه لتحريم لبس الذهب حينئذ على الرجال أو لكراهة مشاركتهم له أو لما رأى من زهوهم بلبسه وجعل فصه في باطن كفه لأنه أبعد من الاعجاب والزهو ( 2 ) . . وهذا القول ليس إلا محاولة للي عنق النص وانتزاع الحرمة
منه ولو كان ذلك على حساب الرسول .


فالفقهاء بقولهم هذا قد طعنوا في الرسول واتهموه بالجهل وعدم معرفة الحلال والحرام . وحسب قولهم هذا يكون الرسول قد شرب الخمر وأكل الربا وفعل سائر المحرمات قبل أن يعلم حرمتها . . ومثل هذا القول إنما هو ناتج من رؤيتهم لشخص

الرسول ( ص ) كما صورت الروايات تلك الرؤية المنقوصة التي تصور الرسول بالانفصام . فمن ثم يمكن حمل مثل هذه السلوكيات - ممارسته الحرام قبل علمه به - على الجانب البشري من شخصيته أي الجانب غير المعصوم . .

  * ( هامش ) *
( 1 ) أنظر لنا كتاب السيف والسياسة . وانظر الفتنة الكبرى لطه حسين . وانظر كتب التاريخ .
( 2 )
مسلم . هامش باب في طرح خاتم الذهب . ( * )
 

 

ص 162

وكلا الزرقاني يشير إلى كونه يتردد في الحكم بالتحريم . فهو يتأرجح بين الحكم بالحرمة والحكم بالكراهة ثم هو في النهاية حمل الرسول مسؤولية الحكم بالحرمة نتيجة لرؤيته زهو الناس وافتخارهم بلبسه . .


ثم أين هذا كله من قوله تعالى : ( قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات للرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون ) ( 1 ) . .

وهذه الآية المكية تدحض قول الفقهاء وادعاءاتهم أن الرسول لم يكن يعلم بحكم حرمة الذهب . بل ما تؤكده الآية هو الإباحة ومن زمان مكة والرسول كان يتحرك وفق دائرة الإباحة . فمن ثم يمكن الحكم على ضوء هذا النص القرآني أن مثل هذه

الروايات قد دست على الرسول أو حرفت بما يفيد التحريم . . إن تحكيم القرآن على دوام سوف يؤدي إلى فضح الرواة وإراحة العقول من متاهات الفقهاء . . ولقد تجاوز الرواة الحدود في نسبة التحريم للرسول حتى في السلوكيات والعادات

الأعراف التي يكون نسبة التحريم إليها مصادما للفطرة والعقل فهم قد نسبوا إلى الرسول تحريم إطالة الثوب والتزعفر . . ونسبوا إليه تحريم حلق اللحية . . ونسبوا إليه تحريم الأضرحة وزيارتها . . ونسبوا إليه تحرم الصورة والتماثيل . .

ونسبوا إليه تحريم الموسيقى والغناء . . ثم بارك الفقهاء هذا التحريم وجعلوا له أبوابا في كتبهم والزموا الأمة به . .

يروى أن الرسول ( ص ) قال : " لا ينظر الله إلى من جر ثوبه خيلاء " ( 2 ) . .
 

  * ( هامش ) *
( 1 ) الأعراف آية رقم 32 . . ( 2 ) مسلم والبخاري كتاب اللباس . ( * )
 

 

ص 163

ويروى : بينما رجل يمشي في حلة تعجبه نفسه مرجل جمته . إذ خسف الله به فهو يتجلجل إلى يوم القيامة ( 1 ) . .

ويروى ما كان أسفل من الكعبين فهو في النار ( 2 ) . .

ويروى : نهى رسول الله ( ص ) أن يتزعفر الرجل ( 3 ) . .

قال الفقهاء : الخيلاء بالمد والمخيلة والبطر والكبر والزهو والتبختر كلها بمعنى واحد وهو حرام . ومعنى لا ينظر أي لا يرحمه ولا ينظر إليه نظر رحمة . وقوله ( ص ) خيلاء إشارة إلى علة التحريم فيستفاد منه إن لم يكن الاسبال - أي إطالة الثوب - من الخيلاء لم يكن حراما لكنه مكروه لوجوه منها السرف ومنها عدم الأمن من التنجس .


وقال النووي : أجمع العلماء على جواز الاسبال للنساء وقد صح عن النبي الإذن لهن ( 4 ) . .

ويبدو من هذه الروايات أن الوعيد الذي تبشر به فوق الحالة المجرمة بكثير فإطالة الثوب ليس جريمة يستحق فاعلها هذا التهديد . وإذا كانت هذه المسألة بهذه الخطورة فلم لم تذكر في القرآن . . وإذا كان الفقهاء قد ربطوا الوعيد المذكور في

الروايات بالمتعمد المستحل . فإن هذا يعني أن هناك استثناء . والتحريم لا يكون فيه استثناء . فدل ذلك على أن الأمر لا صلة له بالتحريم . ومسألة المستحل هي مرهونة بالنوايا .


وكيف لنا أن نعرف أن ذاك الذي يرتدي ثوبا طويلا يرتديه من باب الكبر والخيلاء . . ؟ وفيما يتعلق بالنهي عن التزعفر قال الفقهاء : الجمهور من الصحابة والتابعين ومن بعدهم أباحوا التزعفر وهو مذهب الأحناف والشافعية والمالكية .

وقد روي أن ابن عمر كان يلبس الثوب المصبوغ بالمشق والمصبوغ بالزعفران وفي شرحه للزرقاني عملا بما رواه ابن عمر قال : كان النبي ( ص ) يصبغ بالورس والزعفران

  * ( هامش ) *
( 1 ) المرجعين السابقين . . ( 2 ) أبو داود كتاب اللباس . .
( 3 )
مسلم والبخاري كتاب اللباس . ( 4 ) مسلم . هامش باب تحريم جر الثوب خيلاء . . ( * )
 

 

ص 164

ثيابه حتى عمامته . ولا يعارضه حديث الصحيحين نهى النبي أن يتزعفر الرجل وفي أن النهي للونه أو لرائحة تردد لأنه للكراهة وفعله البيان الجواز والنهي محمول على تزعفر الجسد لا الثوب أو على المحرم يحج أو عمرة لأنه من الطيب وقد نهى المحرم عنه ( 1 ) . .
 

ويظهر من هذا الكلام أن الفقهاء وقع في حرج بين روايات النهى عن التزعفر وبين روايات إباحته . وإن كان الجمهور قد مال إلى الإباحة فإن هذا يعني بطلان رواية البخاري ومسلم . وهذا موقف غير معتاد من الفقهاء .

فهم عادة ما ينكرون الروايات خارج دائرة ما يسمونهما بالصحيحين ويميلون إلى ترجيح روايتهما على كتب السنن الأخرى مثل أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وغيرهم . من هنا فإن هذا الموقف من متقدمي الفقهاء قد أوقع متأخريهم في

حرج فأرادوا أن يوفقوا بين رواية الإباحة ورواية النهي بأن قالوا ليس هناك تعارض بين رواية البخاري ومسلم التي تقوم بالنهي وبين رواية الإباحة التي رواها ابن عمر . وعملوا على تحميل النهي على لون الزعفران أو رائحته وكون المقصود

بالنهي تزعفر الجسد . لا ثوب وأنه خاص بالمحرم كوسيلة للخروج من هذا التناقض . . إلا أن ما يعنينا من هذا كله أن الرواة صوروا الرسول بمظهر المتناقض وجاء الفقهاء فزادوا الطين بلة وإن كانوا مالوا إلى الإباحة لكونها الأصل فهم لم

يجيبونا ما هو الموقف من رواية البخاري ومسلم التي تقول بالنهي . . ؟ مثل هذا الموقف يفتح باب الشك في روايات ما يسمونه بصحيح البخاري وصحيح مسلم .


ومن جهة أخرى يفتح باب الشك فيما يسمى بالإجماع الذي هو السند الوحيد في الحكم بصحة هذين الكتابين . . وحول اللحية يروى أن الرسول ( ص ) قال : " أنهكوا الشوارب واعفوا اللحى " ( 2 ) . .

  * ( هامش ) *
( 1 ) مسلم . هامش باب النهي عن التزعفر للرجال . كتاب اللباس والزينة . . وحديث ابن عمر رواه أبو داود . كتاب الترجل . .
( 2 )
البخاري كتاب اللباس . باب إعفاء اللحية . ومسلم كتاب الطهارة . . ( * )
 

 

ص 165

وروي : " خالفوا المشركين وفروا اللحى واحفوا الشوارب " ( 1 ) . .

ومن هذين النصين وغيرهما قال الفقهاء بوجوب إطلاق اللحية وتحريم حلقها واختلفوا في مقدارها وطولها . وأخذ البعض بمقياس ابن عمر وهو حد القبضة باليد أي أن طول اللحية لا يجب أن يتجاوز قبضة اليد حسب مذهب ابن عمر .

واختلفوا في شعر الوجه هل هو من اللحية أم لا ؟ فأدخل بعضهم شعر الوجه في دائرة اللحية . وقال آخرون بعدم شمول اللحية له .


إلا أن ما يستوقفنا هنا هو : كيف استنبط الفقهاء من روايات اللحية حكم تحريم حلقها ؟

والجواب أن الفقهاء اعتبروا قول الرسول : وفروا اللحى . واعفوا اللحى أمر والأمر واجب امتثاله ومخالفته تعني الوقوع في الحرمة . وبالتالي دخلت اللحية دائرة التشريع وحمل الرسول أمر تبليغ حكمها للأمة . . وإذا كان الرسول قد بلغ الأمة

أمر اللحية عن طريق الوحي فأين هي الإشارات القرآنية التي تدعم هذا الأمر . وما دامت لا توجد نصوص قرآنية تدعم أمر اللحية فإن هذا يعني أن أمرها من اختلاق الرسول وإضافاته . وإذا كان الفقهاء قد باركوا هذا الأمر فإن هذا يعني أيضا أنهم

قد أدخلوا الرسول دائرة التشريع . فإن أقروا بغير ذلك . فمعنى هذا أن مسألة اللحية لا صلة لها بحدود الشرع وهي لا تخرج عن كونها عادة وليست عبادة . . إن عادة إطلاق اللحى كانت شائعة في الجاهلية عند العرب وكل ما فعله الرسول هو

أنه أقر هذه العادة . إلا أن الرواة اخترعوا لها الروايات لشغل الأمة بالشكليات وإبعادها عن الاهتمام بجوهر الدين حتى يفسحوا الطريق أمام الحكام ثم جاء الفقهاء فاشتقوا لها الأحكام وضخموها لأن مثل تلك الأمور كانت شغلهم الشاغل في ظل واقع عزل فيه الإسلام عن دوره وجوهره . .


وفيما يتعلق بالأضرحة وزيارتها يروى أن رسول الله ( ص ) قال : " لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " ( 2 ) . .

  * ( هامش ) *
( 1 ) مسلم كتاب الطهارة . والبخاري كتاب اللباس . . وانظر النسائي كتاب الزينة . . ( 2 ) مسلم كتاب المساجد . . ( * )
 

 

ص 166

وفي رواية : " لولا ذاك لأبرز قبره " ( 1 ) . .

وفي رواية : " فلا تتخذوا القبور مساجد إني أنهاكم عن هذا " ( 2 ) . .

ويروى عن النصارى قوله : " أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدا . فأولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة " ( 3 ) . .

ويروى عن علي قوله : أمرني رسول الله ( ص ) ألا أدع وثنا إلا كسرته ولا قبرا مشرفا إلا سويته ( 4 ) . .

ويروى عن النبي ( ص ) قوله : " اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد " ( 5 ) . .


يقول الفقهاء حول صور الكنائس وقبورها : إن تصوير أوائلهم الصور ليتأسوا بها ويتذاكروا أفعالهم الصالحة فيجتهدون كاجتهادهم ويعبدون الله عند قبورهم ثم خلفهم قوم جهلوا مرادهم ووسوس لهم الشياطن أن أسلافهم كانو يعبدون هذه الصور ويعظمونها فحذر النبي ( ص ) عن مثل ذلك سدا للذريعة المؤدية إلى ذلك ( 6 ) . .


ويبدو من هذه الروايات ومن أقوال الفقهاء أن النهي والوعيد المرتبط ببناء القبور في المساجد يرتبط بعلة عبادة هذه القبور كما حدث في بني إسرائيل وفي قوم عيسى .


إلا أن السؤال الذي يفرض نفسه هنا : هل وقع هذا في تاريخ المسلمين ؟

وهل كانت في زمن الرسول ( ص ) حالات مشابهة لحالة اليهود والنصارى . . ؟

إن النهي الوارد في هذه الرويات يتركز في اتخاذ القبور مساجد وليس في القبور ذاتها . ومعنى مساجد لغة أي مكان للسجود لذات القبور . أما السجود لله

  * ( هامش ) *
( 1 ) المرجع السابق . . ( 2 ) المرجع السابق . . ( 3 ) المرجع السابق . وانظر البخاري كتاب الجنائز وكتاب الصلاة . .
( 4 )
مسند أحمد . ( 5 ) المرجع السابق . ( 6 ) مسلم . هامش باب النهي عن بناء المساجد على القبور . كتاب المساجد . . ( * )
 

 

ص 167

سبحانه في القبر أو حوله أو أمامه فليس فيه ضير . هذا على أساس تسليمنا بصحة هذه الروايات وسلامة مضمونها .

فهناك شكوك كثيرة تحيط ببواعثها وأهدافها . . والذين يقدسون الكعبة مثلا ويجعلون من أحجارها شيئا فوق العادة . أو من كسوتها دواء أو بركة أو ما شابه ذلك . ويحلمون لو اقتطعوا قطعة من الحجر الأسود أو من أحجارها أو من كسوتها ليتداووا
أو يتبركوا بها إذا ما اعتبرنا هذا خلالا في الاعتقاد أو اعوجاجا في الفكر . فهل العيب في الكعبة أم في سلوك المسلمين .

كذلك إذا بدرت بعض السلوكيات من المسلمين حول قبور الأولياء والصالحين اعتبرت شركا في منظور البعض فهل العيب في هذه القبور أم في المسلمين . . ؟

يروى أن النبي ( ص ) مر على قبر منبوذ فأمهم وصفوا عليه ( 1 ) . .

ويروى أن رجلا أو امرأة سوداء كانت تقيم بمسجد الرسول ( ص ) ماتت ولم يعلم النبي . فلما علم بوفاتها ودلوه على قبرها أتى القبر فصلى عليها ( 2 ) . .


وما تشير إليه هاتين الروايتين هو أن القبور يجوز الصلاة فيها وعليها وهو ما يناقض الروايات السابقة والتي استنبط منها الفقهاء أحكاما بعدم جواز الصلاة في القبور أو في المساجد التي بها قبور . .

قال الفقهاء : لما وسع مسجد الرسول ( ص ) جعلت الحجرة الشريفة - أي الحجرة التي تضم قبر النبي - مثلثة الشكل محدودة حتى لا يتأتى لأحد أن يصلي إلى جهة القبر المقدس مع استقبال القبلة ( 3 ) . .

وإذا صح هذا الكلام فما معنى صلاة النبي على القبر الذي أشارت إليه الروايتان السابقتان . . ؟

وسوف نعرض هنا لعدد من الشواهد والوقائع التي تثير الشك في مثل هذه الروايات المنسوبة للرسول حول الأضرحة واتخاذ المساجد على القبور . .

  * ( هامش ) *
( 1 ) مسلم . كتاب الجنائز . باب الصلاة على القبر . والبخاري كتاب الجنائز . .
( 2 )
مسلم والبخاري كتاب الجنائز . . ( 3 ) مسلم . باب النهي عن بناء المساجد على القبور . . ( * )
 

 

ص 168

 أولا : إن الوقائع التاريخية تؤكد أن اليهود الذين كتبت عليهم الذلة والمسكنة بأمر الله سبحانه عاشوا مشردين في الأرض . فمن ثم ليس من الثابت أنهم أقاموا مساجد أو معابد على قبور أنبيائهم الذين قتلوا بعضهم وحازوا على غضب أكثرهم . والمكان الوحيد المعروف تاريخيا الذي اتخذه اليهود موضعا للعبادة هو بيت المقدس .

وكان لسليمان ( ع ) هيكلا - أي بلاط - ولم يكن له معبدا . وقد كان مشهورا في زمن الرسول ( ص ) قبر إبراهيم في الخليل وقبر موسى إلا أننا لم نسمع أن الرسول أشار إلى هذين القبرين بشئ يدل على أن اليهود اتخذوهما أوثانا . .


 ثانيا : أن المسلمين منذ قرون طويلة في جزيرة العرب وخارجها يتخذون من مقام إبراهيم مصلى كما نصت الآية في سورة البقرة . ومقام إبراهيم هو رمز حجري .


 ثالثا : أن السيدة هاجر وولدها نبي الله إسماعيل ( ع ) دفنا في الكعبة ويطوف من حولهم ملايين المسلمين كل عام بل ويتمسحون بجدار قبرهما المسمى حجر إسماعيل ( 1 ) . .


 رابعا : أن القرآن نص على بناء المساجد على القبور حين تم اكتشاف أهل الكهف . . ( قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجدا ) [ الكهف : 21 ] . .


 خامسا : أن القبور والقباب ظلت مقامة بالبقيع في المدينة وفي سائر أنحاء الجزيرة العربية حتى ظهرت الحركة الوهابية الحنبلية فهدمت هذه القبور والقباب باعتبارها في منظورهم رمزا من رموز الشرك بالله ( 2 ) . .
 

 سادسا : أنه يلاحظ تاريخيا وفرق المسلمين لم يتصدوا لبناء المساجد فوق قبور الأولياء والصالحين ولم يعترضوا سبيلها باستثناء فرقة الحنابلة التي تسمت فيما بعد بأهل السنة .

تلك الفرقة التي فرخت ابن تيمية والذي دخل في صدام مع فقهاء عصره بسبب القبور وانتهى الأمر بحبسه حتى مات في الحبس . . وقامت الحركة الوهابية في العصر الحديث بإحياء أفكاره المتشددة بشأن

  * ( هامش ) *
( 1 ) أنظر تاريخ نبي الله إسماعيل في سيرة ابن هاشم وكتب التاريخ . .
( 2 )
أنظر لنا كتاب فقهاء النفط . وكتاب مدافع الفقهاء . وكتاب ابن باز فقيه آل سعود . . ( * )
 

 

ص 169

القبور وفرضتها على المسلمين في جزيرة العرب بقوة السيف وفي خارج الجزيرة بتأثير النفط ( 1 ) . .


 سابعا : أنهم يروون عن الرسول ( ص ) قوله : " لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد : المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى " . وذلك حتى يقطعون الطريق على المسلمين الذين يزورون مقامات الأولياء والصالحين في البلاد المختلفة والثابت أن الرسول ( ص ) شد الرحال من المدينة وزار قبر أمه وبكى عند قبرها . ولم يأمر بهدم هذا القبر ( 2 )

ويبدو من رواية النهي عن شد الرحال أنها تنهى عن السفر مطلقا إلا لهذه المساجد الثلاثة . ومثل هذا الاستنتاج يثير الشك في الرواية . . وحول الصور والتماثيل وردت العديد من الروايات التي يشيب لها الولدان . .


يروى أن الرسول ( ص ) قال : " إن أشد الناس عذابا عند الله يوم القيامة المصورون " ( 3 ) . .

ويروى عن الرسول ( ص ) قوله : " إن الذين يصنعون هذه الصور يعذبون يوم القيامة . يقال لهم أحيوا ما خلقتم " ( 4 )

ويروى قول الرسول ( ص ) : " لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا صورة تماثيل " ( 5 ) . .


يقول الفقهاء : قوله أشد الناس عذابا هذا محمول على من فعل الصورة لتعبد أو على من قصد به مضاهاة خلق الله واعتقد ذلك فهو كافر يزيد عذابه بزيادة

  * ( هامش ) *
( 1 ) أنظر تاريخ الحركة الوهابية وانظر المراجع السابقة . .
( 2 )
الرواية الأولى لمسلم كتاب الحج . والبخاري كتاب الصلاة في مسجد مكة والمدينة . والرواية الثانية رواها النسائي وأبو داود وابن ماجة كتاب الجنائز . .
( 3 )
مسلم والبخاري كتاب اللباس . . ( 4 ) المرجعين السابقين . .
( 5 )
البخاري كتاب بدء الخلق . ومسلم كتاب اللباس والزينة . وانظر أبو داود وكتب السنن . ( * )
 


 

   

الصفحة التالية

   

 

 

الصفحة الرئيسية

 

مكتبة الشبكة

 

فهرس الكتاب