وكان الغناء منتشرا في المدينة بين الرجال والنساء في عهد الرسول

 

 

- دفاع عن الرسول ضد الفقهاء والمحدثين - صالح الورداني ص 170 :

قبح كفره ومن لم يقصد ذلك فهو صاحب كبيرة .

لكن الأولى أن يحمل على التهديد لأن قوله ( ص ) عند الله تلويح إلى أنه يستحق أن يكون كذا لكنه محل العفو . . قال أصحابنا وغيرهم من العلماء تصوير صورة الحيوان حرام شديد التحريم وهو من الكبائر لأنه متوعد عليه بهذا الوعيد

الشديد المذكور في الروايات وسواء صنعه بما يمتهن أو بغيره فصنعته حرام بكل حال لأن فيه مضاهاة لخلق الله تعالى . وأما اتخاذ المصور فيه صورة حيوان فإن كان معلقا على حائط أو ثوبا ملبوسا أو عمامة ونحو ذلك مما لا يعد ممتهنا فهو حرام .

ولا فرق في هذا كله بين ما له ظل وما لا ظل له . هذا تلخيص مذهبنا في المسألة . وبمعناه قال جماهير العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم وهو مذهب الثوري ومالك وأبو حنيفة وغيرهم ( 1 ) . .


والذي يظهر من هذه الروايات وتأويلات الفقهاء لها أن المسألة تنحصر في دائرة محددة وهي أن المصورين يضاهون خلق الله ولأجل ذلك اشتد النكير عليهم والوعيد بهم . ولكن مثل هذا الكلام هل يقبل عقلا . ؟
 

هل هذا الرسام الذي يصمم صورة طائر أو حيوان أو إنسان على قطعة قماش أو وسادة أو لباس يعتبر متحديا لله وتدخل في أخص خصائصه وهي الخلق . . ؟

وبالطبع مثل هذا التصور فيه سذاجة بالغة واستخفاف كبير بالعقل وبالرسول الذي يروي مثل هذه الروايات . . ؟

إن العقل يقول إن الرسول ( ص ) لا يمكن أن يروي مثل هذه الروايات وأن هذه السذاجة والسطحية هي من صنع الرواة . وإذا ما سلمنا أن هذا هو حال التصوير في زمن الرسول ( ص ) وأن هناك صلة وثيقة بينه وبين العبادات الشركية السائدة آنذاك . فهل هذا هو حال التصوير والصور اليوم . . ؟
 

  * ( هامش ) *
( 1 ) مسلم هامش باب لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب أو صورة . كتاب اللباس والزينة . ( * )
 

 

ص 171

إن الصور اليوم أصبحت ركيزة أساسية في المدينة المعاصرة . فهي دخلت في صناعة ( السينما ) وأدوات كشف الجريمة ونشرات الأخبار ووسائل الاتصال المختلفة ونشر العلوم . . الخ . والاستغناء عن ذلك كله فيه مفسدة عظيمة ليس فقط للناس وللمدينة ولكن للإسلام ذاته الذي سوف يعجز عن مواكبة العصر وينزوي في ركن مظلم من أركانه . .


وإذا كان فقهاء الماضي قد وقفوا هذا الموقف المتشدد من الصور وحرموها تحريما مطلقا وهي صور جامدة فكيف الحال بها اليوم وقد تحركت ونطقت وصنعت الأعاجيب أليس ذلك هو الأولى بالتحريم لأن الصور بهذه الحالة تكون قد اقتربت أكثر من عملية الخلق ومضاهاة صنع الله . . ؟


وبالطبع لو قدر لفقهاء ذلك الزمان أن يروي ما وصل إليه حال الصور اليوم لرفعوا راية التكفير وأعلنوا الجهاد ضد المصورين . . إلا أننا أمام مثل هذه الروايات مخيرون بين ثلاثة خيارات :

إما أن نرفضها كلية لعدم موافقتها للقرآن والعقل . .

وإما أن نقرها وبالتالي يتهم الإسلام بالتخلف والرجعية . .

وإما أن نحملها على مدلول آخر غير ما توحي به ظاهرها . .

والخيار الثاني اختارته التيارات الإسلامية المتشددة ورأسها التيار الوهابي الحنبلي . .

والخيار الثالث تبناه الفقهاء العصر فأباحوا الصور الفوتوغرافية واختلفوا في الصور اليدوية ( الرسم ) فبعضهم أباحها وبعضهم حرمها في كل ذي روح أي رسم الحيوانات والطيور والإنسان وخلافه .

كما اختلفوا أيضا في التماثيل بين الحظر والإباحة . . ونحن نختار الخيار الأول باعتبار أن هذه الروايات لا تخرج عن كونها رد فعل لظروف زمنية وواقع لا صلة لنا به . .

ص 172

وفيما يتعلق بالغناء والموسيقى يروون أن الرسول ( ص ) قال : " ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الخز والحرير والخمر والمعازف " ( 1 ) . .

ويفسرون قوله تعالى ( ومن الناس من يشتري لهو الحديث . . ) على لسان بعض الصحابة مثل ابن مسعود وابن عمر أن لهو الحديث هو الغناء ( 2 ) . .

ويقول الفقهاء إن مذهب مالك ينهى عن الغناء ويعتبره من فعل الفساق . وينقل عن مالك قوله : إذا اشتريت جارية ووجدتها مغنية كان لك ردها بالعيب . وكان أبو حنيفة يكره الغناء مع إباحته للنبيذ ويجعل سماع الغناء من الذنوب وكذلك مذهب سائر أهل الكوفة والمدينة .

وقال الشافعي : الغناء مكروه يشبه الباطل ومن استكثر منه فهو سفيه ترد شهادته . . وبذلك أفتى أحمد بن حنبل ( 3 ) . .

ونقل القرطبي عن بعضهم قوله : لا تقبل شهادة المغني والرقاص . قلت - أي القرطبي - : وإذ ثبت أن هذا الأمر لا يجوز فأخذ الأجرة عليه لا تجوز ( 4 ) . .

وينقل عنهم اتفاق أهل العلم على المنع من إجارة الغناء والنوح وإبطال المغنية والنائحة كره الشعبي والنخعي ومالك ( 5 )

وينقل عنهم عدم جواز قطع يد السارق لآلات اللهو لكونه متفق على تحريم اتخاذها ( 6 ) . .


وقد حشدت كتب السنن الكثير من الروايات المنسوبة للرسول ( ص ) والتي تنهى عن الغناء . إلا أن هذه الروايات جميعها لا ترقى إلى مستوى الصحة بشهادة فقهاء الحديث أو حسب قول واحد من المعاصرين : وأما ما ورد فيه - أي في
 

  * ( هامش ) *
( 1 ) البخاري باب ما جاء في من يستحل الخمر ويسميه بغير اسمه .
( 2 )
الآية في سورة لقمان رقم 6 . أنظر تفسير الطبري والقرطبي والدر المنثور . . ( 3 ) أنظر القرطبي ج / 14 . وانظر كتب الفقه .
( 4 )
المرجع السابق . . ( 5 ) أنظر الفتاوى الكبرى لابن تيمية ح 30 / 215 . ( 6 ) أنظر الأحكام السلطانية لأبي يعلى . . ( * )
 

 

ص 173

الغناء والموسيقى من أحاديث نبوية فكلها مثخنة بالجراح لم يسلم منها حديث عن طعن عند فقهاء الحديث وعلمائه ( 1 ) . . إلا أنه رغم هذه الروايات وهذا الموقف المتشدد تجاه الغناء والموسيقى من قبل أصحاب المذاهب الأربعة .

فإن هناك من الفقهاء من شذ عن هذا الموقف وأفتى بإباحة الغناء والموسيقى وعلى رأس هؤلاء الغزالي وابن حزم . . ويعود هذا الموقف من قبل الغزالي وابن حزم وغيرهما إلى وجود عدد من الروايات التي تشير إلى إباحة الغناء والموسيقى . .


ومن هذه الروايات رواية عائشة : أن أبا بكر دخل عليها والنبي عندها يوم فطر أو يوم أضحى - أي في عيد الفطر أو عيد أضحى - وعندها قينتان تغنيان بما تقاذفت به الأنصار يوم بعاث . فقال أبو بكر : مزمار الشيطان ؟ مرتين . فقال النبي ( ص ) : " دعهما يا أبا بكر . إن لكل قوم عيدا وإن عيدنا هذا اليوم " ( 2 ) . .


ويروى عن عائشة أيضا قالت : رأيت النبي ( ص ) يسترني بردائه وأنا أنظر إلى الحبشة وهم يلعبون في المسجد . فزجرهم عمر . فقال النبي : " دعهم " . آمنا بني أرفدة . وأنا جارية . فاقدروا قدر جارية الحديثة السن . حريصة على اللهو ( 3 ) .
 

ويروى : جاء النبي ( ص ) فدخل حين بنى على - أي حين تزوجت الراوية - فجلس على فراش فجعلت جويريات لنا يضربن بالدف ويضربن من قتل آبائي يوم بدر . إذ قالت إحداهن : وفينا نبي يعلم ما في غد . فقال ( ص ) : " دعي هذه وقولي بالذي كنت تقولين " ( 4 ) . .

  * ( هامش ) *
( 1 ) الحلال والحرام ليوسف القرضاوي . .
( 2 )
البخاري . كتاب مناقب الأنصار . باب مقدمة النبي وأصحابه المدينة . . وانظر كتاب العيدين . .
( 3 )
المرجع السابق . كتاب المناقب باب قصة الحبشة . وانظر كتاب العيدين وكتاب الصلاة . .
( 4 )
المرجع السابق . كتاب النكاح . باب ضرب الدف والوليمة . . وانظر كتاب الفضائل . . ( * )
 

 

ص 174

ويروى عن عائشة قالت : إنها زفت امرأة إلى رجل من الأنصار . فقال النبي ( ص ) " يا عائشة ما كان معكم لهو ؟ فإن الأنصار يعجبهم اللهو " ( 1 ) . .

ويروى أن عائشة أنكحت ذات قرابة لها من الأنصار . فجاء الرسول ( ص ) فقال : " أهديتم الفتاة " ؟ قالوا : نعم . قال : " أرسلتم معهما من يغني " ؟ قالت : لا . فقال الرسول : " إن الأنصار قوم فيهم غزل فلو بعثتم معهما من يقول : أتيناكم . أتيناكم . فحيانا وحياكم " ( 2 ) . .


وهذه الروايات تقودنا إلى ما أشرنا إليه سابقا من مسألة التناقض في الروايات المنسوبة للرسول . وأن هذا التناقض يقود إلى الشك فيها ويضع المسلم في موقف الحيرة كما هو حال الفقهاء الذين تضاربت اجتهاداتهم نتيجة لتضارب هذه الرويات .

وإن كان أكثر الفقهاء قد أقاموا بإزالة هذا التناقض عن طريق التأويل والتبرير وادعاء النسخ وغير ذلك . . وكان فقهاء التحريم بموقفهم هذا يريدون تحريم الغناء لذاته وهذا موقف ضد الفطرة والعقل . إذ أن الغناء أمر مواكب لمسيرة الإنسان في

كل زمان ومكان كل يغني بطريقته وبما يلائم عصره وظروفه ومتطلباته . . وقد كان الغناء عادة موجودة عند العرب وعندما جاء الإسلام أقرها وقام بتهذيبها وفق معطيات جديدة .


ويروى أن الصحابة كانوا يتغنون بالقرآن ( 3 ) . . وكان الغناء منتشرا في المدينة بين الرجال والنساء في عهد الرسول . . وإذا كانت هناك بعض المنكرات التي ارتبطت بالغناء والموسيقى في عصر ما بعد الرسول ( ص ) فإن هذا لا يدعو إلى تحريم الغناء وإنما يدعو إلى تصفية هذه المنكرات وإعادة الصورة النقية الخالية من الشوائب له . .
 

  * ( هامش ) *
( 1 ) المرجع السابق كتاب النكاح . باب النسوة اللاتي يهدين المرأة إلى زوجها . .
( 2 )
أنظر ابن ماجة باب إعلان النكاح والغناء والدف . .
( 3 )
يروى ابن ماجة باب في حسن الصوت بالقرآن قول الرسول ( ص ) عن القرآن : " تغنوا به فمن لم يتغن به فليس منا " . . وانظر البخاري كتاب فضل القرآن . باب من لم يتغن بالقرآن . وانظر فتح الباري ج 9. . ( * )
 

 

ص 175

ويبدو من هذا الموقف المتشدد الذي يحاول الفقهاء والمحدثون نسبته إلى الرسول . أنه نابع من رد فعل لواقع وسلوكيات محددة ارتبطت بالعصر الأموي والعباسي وليس نابعا من نص صريح محدد من القرآن . إذ أن محاولتهم تفسير قوله تعالى

( ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل به عن سبيل الله . . ) على أن المقصود به هو الغناء . محاولة استنتاجية وليست قطعية يشوبها قصر نظر فالنص يتحدث عن الناس وليس عن المؤمنين . ولفظ الناس يرتبط دائما بالنصوص المكية مثلما

يرتبط لفظ ( المؤمنون ) بالنصوص المدنية . والفترة المكية فترة صراع عقائدي وليست فترة تشريع مما يمكن على ضوئه الحكم - باعتبار أن النص مكي والسورة مكية - أن هذا النص لا صلة له بالغناء بدليل ربطه اللهو بالضلال عن سبيل الله

وهذه إشارة إلى المفاصلة بين سبيل الله وسبيل الطاغوت والكفر والضلال . وكون اللهو المقصود به هنا هو شئ آخر يرتبط بالكفر والضلال عن سبيل الله والغناء بإجماع الفقهاء ليس هكذا إن صح تجريمه فهو صورة من صور الفسق التي لا تخرج

عن دائرة الإيمان . . من هنا يمكن القول إن تحريم الغناء ليس إلا صورة من صور عبادة الرجال لكونه تحريم منسوب للرجال وليس للنصوص . . وهناك بالإضافة إلى ما ذكرنا عدة صور أخرى من المحرمات المنسوبة للرسول بعضها يشم

منه رائحة السياسة . وبعضها يتعلق بعادات وسلوكيات سائدة . والبعض الآخر منها يتعلق بظروف الواقع . . أما لتحريم الذي يتعلق بالسياسة فهو تحريم سب الصحابة . .


يروى عن الرسول ( ص ) قوله " لا تسبوا أصحابي . فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه " ( 1 )
قال الفقهاء : اختلف في ساب الصحابي .

قال القاضي عياض : ذهب الجمهور إلى أنه يعزر وعن بعض المالكية يقتل .

وخص بعض الشافعية ذلك بالشيخين والحسنين وقواه السبكي في حق من كفر الشيخين - أبو بكر وعمر -

  * ( هامش ) *
( 1 ) مسلم والبخاري كتاب فضائل الصحابة . . ( * )
 

 

ص 176

وكذا من كفر من صرح النبي ( ص ) بإيمانه أو تبشيره بالجنة إذا تواتر الخبر بذلك عنه لما تضمن من تكذيب رسول الله ( 1 ) . .

وقال النووي : إعلم أن سب الصحابة حرام من فواحش المحرمات سواء من لابس الفتن منهم وغيره لأنهم مجتهدون في تلك الحروب - أي الحروب التي وقعت بين الصحابة - متأولون . قال القاضي وسب أحدهم من المعاصي الكبائر ومذهبنا ومذهب الجمهور أنه يعزر ولا يقتل ( 2 ) . .

وقبل أن نعلق على هذا الكلام لا بد لنا من أن نعرف من هو الصحابي . . ؟

يقول ابن حجر : وأصح ما وقفت عليه من ذلك أن الصحابي من لقى النبي ( ص ) مؤمنا به ومات على الإسلام فيدخل فيمن لقيه من طالت مجالسته أو قصرت ومن روى عنه أو لم يرو ومن غزا معه أو لم يغز ومن رآه رؤية ولو لم يجالسه ومن لم يرو لعارضه كالعمى . ويدخل في قولنا مؤمنا به كل مكلف من الجن والإنس ( 3 ) . .


وقال ابن حزم : إن الله قد أعلمنا أن نفرا من الجن آمنوا وسمعوا القرآن من النبي ( ص ) فهم صحابة فضلاء ( 4 ) . .

وقال أحمد بن حنبل : أصحاب رسول الله ( ص ) كل من صحبه شهرا أو يوما أو ساعة أو رآه ( 5 ) . .

وقال البخاري : من صحب رسول الله ( ص ) أو رآه من المسلمين فهو من أصحابه ( 6 ) . . 

  * ( هامش ) *
( 1 ) فتح الباري ج 7 / 36 . . ( 2 ) مسلم . هامش باب تحريم سب الصحابة . . ( 3 ) الإصابة في تمييز الصحابة ج / 1 المقدمة . .
( 4 )
المرجع السابق . ( 5 ) أسد الغابة في معرفة الصحابة لابن الأثير . المقدمة . . ( 6 ) المرجع السابق . . ( * )
 

 

ص 177

وقال الواقدي : أهل العلم يقولون كل من رأى رسول الله ( ص ) وقد أدرك الحلم فأسلم وعقل أمر الدين ورضيه فهو عندنا ممن صحب رسول الله ولو ساعة من نهار . ولكن أصحابه على طبقاتهم وتقدمهم في الإسلام ( 1 ) . .

ويبدو من هذا التعريف العائم للصحابي أنه يخالف القرآن والعقل والعرف فقد حشد القرآن الكثير من النصوص التي تتحدث عن المنافقين والفاسقين وأصحاب الإفك والصحاب المسجد الضرار والأعراب وغيرهم . وجميع هؤلاء الذين ذمهم القرآن وحذر منهم يدخلون في عداد الصحابة من منظور الفقهاء ( 2 ) . .


أما العقل والعرف فيصطدمان بهذا التعريف المائع للصحابي . فالصحبة لا تأخذ حكمها بمجرد الاحتكاك بين فرد وفرد لمدة دقائق . . وكذلك اللغة لا تقبل هذا التعريف دون أن تتحقق طول الملازمة . .
 

قال القاضي أبو بكر : قد تقرر للأمة عرف أنهم لا يستعملون هذه التسمية إلا فيمن كثرت صحبته لا على من لقيه ساعة أو مشى معه خطا أو سمع منه حديثا فوجب لذلك أن لا يجري هذا الاسم إلا على من هذه حاله . ومع هذا فإن خبر الثقة الأمين عنه - أي عن الرسول - مقبول ومعمول به . وإن لم تطل صحبته ولا سمع منه إلا حديثا واحدا . ولو رد قوله إنه صحابي لرد خبره عن رسول الله ( 3 ) . .


وقال الغزالي : لا يطلق اسم الصحبة إلا على من صحبه ثم يكفي في الاسم من حيث الوضع الصحبة ولو ساعة . ولكن العرف يخصصه بمن كثرت صحبته ( 4 ) . .


ويقول ابن الأثير : أصحاب رسول الله ( ص ) على ما شرطوه كثيرون . فإن رسول الله شهد حنينا ومعه اثنا عشر ألفا سوى الأتباع والنساء . وجاء إليه هوازن مسلمين فاستنقذوا حريمهم وأولادهم . وترك مكة مملوءة ناسا . وكذلك المدينة أيضا . وكل من اجتاز به من قبائل العرب كانوا مسلمين . فهؤلاء كلهم لهم صحبة
 

  * ( هامش ) *
( 1 ) المرجع السابق . . ( 2 ) أنظر سورة التوبة . وانظر أبواب المنافقين في كتب السنن . .
( 3 )
أسد الغابة . المقدمة . . ( 4 ) المرجع السابق . . ( * )
 

 

ص 178

وقد شهدت معه تبول من الخلق الكثير ما لا يحصيهم ديوان وكذلك حجة الوداع . وكلهم له صحبة ولم يذكروا إلا هذا القدر . مع أن كثيرا منهم ليست له صحبة ( 1 ) . .

ويقول سعيد بن المسيب : الصحابة لا نعدهم إلا من أقام مع رسول الله ( ص ) سنة أو سنتين وغزا معه غزوة أو غزوتين
( 2 ) . .

ونخرج من هذا كله أن هذا التعريف المائع للصحابي سوف يؤدي إلى دخول من هب ودب في مفهوم الصحبة وبالتالي يحق له الرواية عن الرسول بعد حصوله على درجة العدالة التي وضع الفقهاء الصحابة فيها . . وإذا كان هناك من الفقهاء من رفض هذا التعريف إلا أنه استسلم للأمر الواقع وبارك موقف الآخرين وجاراه .


وهو ما يبدو من كلام القاضي أبو بكر والغزالي وابن المسيب . . فهؤلاء على الرغم من موقفهم قبلوا الكثير من الروايات التي جاءت عن طريق من اقحموا في دائرة الصحبة . . وليست الخطورة في هذا التعريف تكمن في منح هؤلاء الصحبة

وصفة العدالة . وإنما الخطورة تمكن في توجهاتهم وولاءاتهم . وفي كم الروايات التي نسبوها للرسول ( ص ) . . وكما ذكرنا فإن معاوية هو أول من وضع هذه القاعدة وجاء بركش الناس والأعراب والمنافقين وضمهم إلى صفوفه ومنحهم سلطة

الرواية باسم الرسول تحت شعا الصحبة . . وجاء التابعون ومن بعدهم فباركوا هذا الخط وتلقوا هذا الكم من الروايات بتأثير السلطة وعلى أساس أنها جاءت عن طريق موثوق به وهو طريق الصحابة . . ومن هنا فإن التصدي لمثل هذا الأمر يعني

التصدي للنهج الأموي ومن يعده النهج العباسي . وحتى لا تكون المواجهة مباشرة بين المسلمين وهؤلاء الحكام
 

  * ( هامش ) *
( 1 ) المرجع السابق . .
( 2 )
المرجع السابق . وسعيد بن المسيب من فقهاء التابعين ولم يكن على وفاق مع الخط الأموي الذي وضع حجر الأساس لهذا التعريف المائع للصحابي . . ( * )
 

 

ص 179

فقد جعلوا الصحابة حائلا بينهم . . وأصبح التصدي للروايات يعني التصدي للصحابة والعكس بالعكس . . وهو أمر يشكل خطورة كبيرة على هؤلاء الذين يحتمون بهؤلاء الصحابة ورواياتهم . . وهذا هو السبب المباشر لاختراع فكرة النهي عن

سب الصحابي ونسبة النهي للرسول . . إن باب النقد والتقويم لو قدر له أن يفتح على الصحابة لأدى هذا إلى انهيار كثير من الرموز المقدسة في أعين المسلمين . ومع انهيارهم تنهار رواياتهم . ومع انهيار رواياتهم تنهار القوى الحاكمة التي تتحصن

بهذه الروايات وتفرض سلطانها على المسلمين بواسطتها . وإذا ما قدر لنا أن نسلم بصحة هذه الرواية ( لا تسبوا أصحابي ) فإن مناقشة مضمونها يفيد بعكس المراد وذلك لما يلي :

 أولا : أن قول الرسول ( ص ) لا تسبوا أصحابي يعني الخصوص . أي أن له مجموعة خاصة من المؤمنين تطاول عليها البعض الذين لا يدخلون في دائرة الصحبة فنهاهم عن ذلك . . يقول ابن حجر : المراد بقوله ( أصحابي ) أصحاب مخصوصون وإلا فالخطاب كان للصحابة ( 1 ) . .


وقال آخر : إن الخطاب بذلك لغير الصحابة وإنما المراد من سيوجد من المسلمين . وقد عقب ابن حجر على هذا القول ورفضه باعتبار أن الخطاب كان بسبب حادثة سب بين خالد بن الوليد وعبد الرحمن بن عوف ( 2 ) . .
 

  * ( هامش ) *
( 1 ) فتح الباري ج 7 / 34 . وهو إشارة من الرسول إلى تصنيف من حوله ودلالة على عدم مساواتهم . .
( 2 )
المرجع السابق . ونذكر القارئ بسب ابن عباس لابن الزبير في رواية المتعة السابقة وقوله له : إنك لجلف جاف . . ( * )
 

 

ص 180

 ثانيا : إن هناك الكثير من حوادث السب التي وقعت بين الصحابة ولم يقل فيها الرسول ( ص ) هذا الكلام . ومنها حادثة سب أبو بكر لعمر . . روي أن أبا بكر جاء الرسول شاكيا من عمر بقوله : إني كان بيني وبين ابن الخطاب شئ فأسرعت إليه - أي تتطاولت عليه - ثم ندمت . فسألته أن يغفر لي فأبى علي . فأقبلت إليك ( 1 ) . .


 ثالثا : أن معاوية فتح باب سب الإمام علي على المنابر ولم يعترض عليه أحد من الصحابة والتابعين ولم يواجهوه بأمر النهي المنسوب للرسول . .

 رابعا : أن الفقهاء عند تناولهم لهذه الرواية يربطونها بالمعارك التي وقعت بين الصحابة . وهم بذلك يقصدون سد باب الطعن والهجوم في العناصر التي شاركت في وقعة الجمل مع عائشة أو التي شاركت في وقعة صفين مع معاوية والهدف من ذلك

هو الحفاظ على صورة عائشة ومعاوية وابن عمر وعمرو بن العاص وأبو هريرة والمغيرة بن شعب وأنس بن مالك وغيرهم ممن ساند معاوية والخط الأموي وأسهم في رواية هذا الكم الهائل من الروايات المنسوبة للرسول . . ومن صور التحريم

التي نسبت إلى الرسول ( ص ) والتي تدور في محيط العادات تحريم كشف المرأة وجهها ويديها . .


يروى عن عائشة قولها إن نساء الأنصار لما نزلت سورة النور عمدن إلى حجور أو حجوز فشققنهن فاتخذنه خمرا ( 2 ) .

ويروى عن أم سلمة قالت : لما نزلت يدنين عليهن من جلابيبهنز خرج نساء الأنصار كان على رؤوسهن الغربان من الأكسية ( 3 ) . .
ويروى عن عائشة قولها : يرحم الله نساء المهاجرات الأول . لما أنزل الله ( وليضربن بخمرهن على جيوبهن ) شققن أكنف مروطهن فاختمرن بها ( 4 ) . .

  * ( هامش ) *
( 1 ) البخاري كتاب فضائل الصحابة باب فضل أبو بكر . .
( 2 )
أبو داود . كتاب اللباس . ( 3 ) المرجع السابق . ( 4 ) المرجع السابق . ( * )
 

 

ص 181

ويروى عن عائشة أيضا : لا تلثم المرأة ولا تتبرقع ولا تلبس ثوبا بورس ولا زعفران ( 1 ) .

وروي أن فاطمة بنت قيس لما طلقت . أمرها الرسول أن تعتد في بيت ابن عمها ابن أم مكتوم لكونه ضرير البصر وإذا وضعت خمارها لا يراها ( 2 ) . .

وروي أن الرسول ( ص ) قال : " لا تنتقب المرأة المحرمة ولا تلبس القفازين " ( 3 ) . .

هذه الروايات التي اعتمد عليها الفقهاء في حرمة وجه المرأة ويديها وأن جسدها بكامله عورة . . وأمام هذه الروايات لنا هذه الملاحظات :

 أولا : هل النساء قبل نزول آية الحجاب كن متبرجات في المدينة ؟

 ثانيا : ما هو نوع اللباس الذي كانت ترتديه نسوة المدينة آنذاك ؟

 ثالثا : هل هذه الروايات تنطق بحرمة كشف وجه المرأة ويديها . . ؟

يقول الفقهاء إن النساء كن يخرجن في المدينة بالجلباب أو بلا جلباب يرى الرجل وجهها ويديها وذلك قبل نزول آية الحجاب . . فلما نزلت آية الحجاب سترت وجهها وكفيها ( 4 ) . .

وحسب هذا القول فإن التبرج الذي كان سائدا في المدينة هو كشف الوجه والكفين فقط . . لنترك الروايات تكشف لنا الحقيقة

 

  * ( هامش ) *
( 1 ) البخاري باب ما يلبس المحرم من الثياب . . ( 2 ) مسلم كتاب الطلاق . .
( 3 )
البخاري . وانظر موطأ مالك . ( 4 ) فتاوى ابن تيمية ج 22 / 109 وما بعدها . ( * )
 

 

ص 182

يروى أن أسماء بنت أبي بكر دخلت على رسول الله ( ص ) وعليها ثياب  رقاق . فأعرض عنها الرسول وقال " يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم تصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا " . وأشار إلى وجهه وكفيه ( 1 ) . .

ويروى : أن النبي ( ص ) أردف الفضل بن العباس خلفه يوم النحر . فجاءت امرأة تسأل الرسول . فطفق الفضل ينظر إليها ويطيل الالتفات إليها . فجعل النبي يصرف وجهه إلى الشق الآخر ( 2 ) . .

ويروى : أن الرسول ( ص ) قال : " لا تتبع النظرة النظرة . فإنما لك الأولى وليست لك الآخرة " ( 3 ) . .

ويروى عن الرسول ( ص ) قوله : " إياكم والجلوس على الطرقات " . فقالوا : ما لنا بد . إنما هي مجالسنا نتحدث فيها . قال : " فإذا أبيتم إلا المجالس فأعطوا الطريق حقها " قالوا : وما حق الطريق ؟ قال : " غض البصر . وكف الذي ورد السلام " ( 4 ) . .

ويروى أن الرسول قال : " لعن الله الواشمات والموتشمات والمتنمصات . والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله " ( 5 ) . .

ويروى أن رسول الله ( ص ) رأى امرأة فأتى امرأته زينب وهي تمعس منيئة لها فقضى حاجته ثم خرج إلى أصحابه فقال
" إن المرأة تقبل في صورة شيطان وتدبر في صورة شيطان فإذا أبصر أحدكم امرأة فليأت أهله . فإن ذلك يرد ما في نفسه " ( 6 ) . .

ويروى قول النبي في بيعة النساء : " إني لا أصافح النساء " ( 7 ) . .

  * ( هامش ) *
( 1 ) أبو داود كتاب اللباس . . ( 2 ) مسلم . . ( 3 ) رواه أحمد والترمذي وأبو داود . . ( 4 ) مسلم . كتاب اللباس والزينة . .
( 5 )
المرجع السابق . . ( 6 ) مسلم كتاب النكاح . . ( 7 ) سنن ابن ماجة . باب بيعة النساء . . ( * )
 

 

ص 183

ويروى عن عائشة قولها : لا والله ما مست يد رسول الله ( ص ) يد امرأة قط ( 1 ) . .

ويروى عن عائشة أيضا قولها : إن هند بنت عتبة قالت : بايعني يا رسول الله ؟ قال : " لا أبايعك حتى تغيري كفيك . كأنهما كف سبع " ( 2 ) . .

وما يتضح لنا من خلال هذا الكم من الروايات أن المجتمع المدني كان يعايش المرأة سافرة الوجه ظاهرة الكفين وأن هذا هو العرف السائد الذي تعامل معه الرسول . . فإذا تبين لنا هذا فإنه يمكن القول إن آيات الحجاب نزلت لمواجهة حالة أخرى

ونمط آخر من سلوكيات النساء . ولم تنزل لتحريم الوجه والكفين . . وإذا كانت نسوة المدينة قد بالغن في التستر بعد نزول آيات الحجاب كما أشارت الروايات التي يستند إليها أنصار تحريم كشف الوجه واليدين فتلك مسألة سلوكية تعكس اهتمامهن

بأمر الله وتحوطهن في تطبيقه وليس هذا تشريعا للأمة . . وقوله تعالى : ( قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون . وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين

زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن . . ) ( 3 )

وهذا النص الصريح الذي ينهى عن غض البصر يدل دلالة صريحة على أن هناك شئ ظاهر من المرأة يستدعي جذب بصر الرجل نحوها . ألا وهو الوجه والكفين . وهو ما دفع ببعض فقهاء المذاهب الإسلامية إلى القول بأن الوجه والكفين من

المرأة ليسا بعورة فلا يجب سترهما وحملوا الروايات التي تشير إلى خلاف ذلك على الندب دون الوجوب مؤكدين أن الوجه والكفين هما المقصودان من قوله تعالى ( إلا ما ظهر منها ) ( 4 ) . .
 

  * ( هامش ) *
( 1 ) المرجع السابق . . ( 2 ) أبو داود كتاب الترجل . ( 3 ) سورة النور آية رقم 31 . .
( 4 )
أنظر كتب الفقه . وكتاب فقه السيرة للبوطي . والحلال والحرام للقرضاوي . . ( * )
 

 

ص 184

أما أصحاب الاتجاه المتشدد الذي يلصق بالرسول التحريم فيتجه إلى أن الزينة المقصودة هنا ليست هي الوجه والكفين وإنما هي زينة المرأة الخارجة عن أصل خلقتها والتي لا يؤدي النظر إليها رؤية شئ من بدنها مثل الثياب أو الحلي .

وقد اعترف إمام التشدد والذي تتعبد بأقواله التيارات الإسلامية والإتجاه الوهابي عموما بأن الزينة في هذه الآية تنقسم إلى قسمين :

زينة ظاهرة وقد تنازع فيها السلف على قولين : قال ابن مسعود ومن وافقه هي الثياب . . وقال ابن عباس ومن وافقه هي ما في الوجه والكفين مثل الكحل والخاتم . ثم علق على هذا الكلام بقوله : وحقيقة الأمر أن الله قد جعل الزينة زينتهن زينة ظاهرة .

وزينة غير ظاهرة . وجوز لها - أي المرأة - إبداء زينتها الظاهرة لغير الزوج وذوي المحارم . وأما الباطنة فلا تبديها إلا للزوج وذوي المحارم ( 1 ) . .


ويبدو من خلال الروايات التي عرضنا لها بخصوص كشف المرأة لوجهها وكفيها أن النساء كن يتجاوزن هذا الكشف ويكشفن المزيد من جسدهن مثل الصدر والرأس والسيقان والذراعين وهذه هي صورة التبرج التي نزلت الآيات بخصوصها . .
 

ويبدو أيضا أن لباس المرأة في تلك الفترة لم يكن مثيرا وشاذا كما هو الحال في صورة اللباس المعاصرة . فقد كانت المرأة ترتدي الجلاب وهو لباس طويل واسع يغطي معظم جسدها . ويطلق على الجلباب أيضا اسم الملاءة ويسميه البعض الرداء ويطلق عليه العامة اسم الإزار . .
 

يروى أن أم سلمة زوج النبي ( ص ) قالت له حين ذكر الإزار . فالمرأة يا رسول الله ؟ قال : ترخي شبرا . قالت أم سلمة : إذا ينكشف عنها . قال : فذراعا لا تزيد عليه ( 2 ) . .
 

  * ( هامش ) *
( 1 ) ابن تيمية . الفتاوى الكبرى ج 22 . . ( 2 ) أبو داود كتاب اللباس . . ( * )
 

 

ص 185

ويروى أن رسول الله ( ص ) أتى بقباطي . فأعطى منها قبطية لأحد أصحابه وقال له : اصدعها صدعين فاقطع أحدهما قميصا وأعط الآخر امرأتك تختمر به . فلما أدبر قال له الرسول : " وأأمر امرأتك أن تجعل تحته ثوبا لا يصفها " ( 1 ) . .

ويروى : لعن رسول الله الرجل يلبس لبس المرأة . والمرأة تلبس لبسة الرجل ( 2 ) . .

ومن الرواية الأولى تتضح لنا الحقائق التالية :

 - أن أم سلمة تستشير الرسول في أن تطيل ثوبها فيجيبها بأن تطيله شبرا . .

 - أن أم سلمة استدركت على الرسول أن الشبر لا يكفي لستر الساقين . .

 - أن الرسول تراجع عن رأيه وقال بذراعا بدلا من الشبر . .

ومن الحقيقة الأولى يتبين لنا أن اللباس الخاص بالمرأة مسألة اختيارية وليست محددة في هيئة خاصة .

كما يتبين لنا أن الرسول لا علم له بلباس النساء وما يحقق الستر لهن وما لا يحققه وهو ما يؤكده توجيه أم سلمة له .

كما يتبين لنا أيضا بالتأمل أن كشف جزء من الساق كان عادة سائدة من قبل النساء وهو ما يوحي به قولها : إذا ينكشف عنها

من الحقيقة الثانية يتبين لنا أن مسألة ستر الساقين ليست ذات أهمية شرعا ولو كانت كذلك ما قال الرسول : " ترخي شبرا "

من الحقيقة الثالثة يتبين لنا أن تراجع الرسول يفيد عدم التشدد في مسألة اللباس ومرونته تجاه هذه المسألة . .
 

وإذا كانت هذه الاستنتاجات لا ترضي القوم وتخالف المألوف فهذا يضعنا بين أمرين :

 إما أن نرفض الرواية . .

 وإما أن نقبلها على ما فيها من مساس بشخص الرسول واتهامه بالجهل والتهاون . .

 أما الرواية الثانية فتكشف لنا الحقائق التالية :

 - أن الرسول أهدى واحدا من أصحابه ثوبا شفافا ( القباطي ) . .

  * ( هامش ) *
( 1 ) المرجع السابق . . ( 2 ) المرجع السابق . . ( * )
 

 

ص 186

 - أن هذا الثوب يصلح للرجال والنساء . .

 - أن الرسول أمر الصحابي أن تختمر زوجته بهذا الثوب الشفاف شريطة أن ترتدي تحته ما لا يصف جسدها . .

وهذا كله يشير إلى مرونة الرسول ( ص ) في مسألة اللباس وقبوله مشاركة النساء للرجال في نوع اللباس . كما أنه يشير إلى حقيقة هامة وهي أن مثل هذا الثوب الشفاف كان معروفا في المدينة وترتديه النساء ولعلهن أسرفن في لباسه مما اعتبر

صورة من صور التبرج الفاضحة التي استدعت نزول آيات الحجاب وارتداء النسوة الخمر وضربها على الجيوب ( أي الصدور ) من ثياب ثقيلة لا تشف ولا تجسم . .


والرواية الثالثة تكشف لنا أن هناك حالة من التنازع في الزينة بين المرأة والرجل في محيط اللباس . فكانت النسوة يرتدين السراويل والنعال ويضعن على رؤوسهن ما يشبه عمائم الرجال . . يروى أن رسول الله ( ص ) دخل على أم سلمة وهي تختمر فقال : " ليلة لا ليتين " ( 1 ) . . أي لا تلف الخمار حول رأسها إلا مرة واحدة لا مرتين كما يفعل الرجال . .


ويروى عن عائشة أنها سألت : المرأة تلبس النعل . فقالت : لن رسول الله الرجلة من النساء ( 2 ) . .

ومثل مسألة ارتداء النساء نعال الرجال تكشف لنا أن المرأة كانت تكشف قدميها ومما سبق ذكر يمكن القول إن تلك الروايات التي استند إليها فقهاء التحريم لا تفيد بالضرورة هذا الحكم ولا تقطع به وذلك من وجوه عدة :

 أولا : أن ما فعلته نساء الأنصار بنفسها بعد نزول آية الحجاب مجرد اجتهاد شخص وليس دليلا على وجوب ستر الوجه واليدين . .

  * ( هامش ) *
( 1 ) أبو داود كتاب اللباس . ( 2 ) المرجع السابق . . ( * )
 

 

ص 187

 ثانيا : أن نهي الرسول ( ص ) المرأة أن تتبرقع أو تلبس القفار أثناء الاحرام لا يفيد بالضرورة أن الحكم الشرعي السائد كان ستر الوجه واليدين فإنه يحتمل أن التبرقع ولبس القفاز كان عادة سائدة من قبل بعض النسوة اللاتي يبالغن في الامتثال لأحكام الشرع وكان الرسول ( ص ) ينهاهن عن ذلك أثناء الاحرام . .


 ثالثا : أنه لو كان ستر الوجه واليدين حكما شرعيا لبينة الرسول وأشار إليه بما لا يوجب هذا الخلاف الواقع بين الفقهاء حول هذه المسألة . .


 رابعا : أن التبرقع كان عادة سائدة في الجاهلية من قبل النساء وهي عادة كانت أكثر ما تلتزم بها الحرائر من النساء بينما الإماء ومحترفات الزنا كن متبرجات . .


 خامسا : إن قصارى ما وصل إليه فقهاء التحريم حول هذه الروايات وحول آية الحجاب لا يخرج كونه مجرد الاستنتاجات واجتهادات وهي بهذا لا تلتزم أحدا إلا أتباعهم . .


 سادسا : إن ما يقود إليه البحث والتأمل في نصوص الحجاب هو أن ستر الوجه واليدين حكم خاص بنساء النبي ( ص ) اللاتي أمرن بالاحتجاب عن الناس كلية وعدم الخروج من بيوتهن . ولا مانع من أن تتأسى بهن بقية النسوة لكن هذا يكون من باب الاقتداء لا من باب التطبيق لحكم شرعي خاص بهم . .


 سابعا : إن رواية فاطمة بنت قيس التي أمرها الرسول ( ص ) أن تعتد في بيت ابن أم مكتوم لكونه ضرير البصر غير مقبولة عقلا لكونها نصت على أنه لا يرى منها شيئا إذا وضعت خمارها . هل المقصود منها أنه لا يرى وجهها ؟ أم لا

يرى جسدها ؟ إن من العجب العجاب أن يستدل الفقهاء بمثل هذه الرواية على وجوب ستر وجه المرأة ويديها . فالرواية

لا تفيد شيئا يتعلق بالأمر . فابن أم مكتوم رجل ضرير لا يرى شيئا من الأصل ووجود فاطمة عنده من باب ستر نفسها والحصول على حرية الحركة في البيت دون حجاب لا الحصول على حريتها في كشف وجهها ويديها . .
 

ص 188

وهناك رواية أخرى حول هذه الحادثة تعطينا دلالة على أنها لا تصلح للاستدلال في هذا الأمر . يروى أن الرسول ( ص ) قال لفاطمة حين طلقت : " اعتدي عند ابن أم مكتوم فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك عنده " ( 1 ) . .

وهذه الرواية تكشف لنا أن الاستدلال بها في موضوعنا ليس استدلالا في محله . وهو يدل على تخبط الرواة وتخبط الفقهاء وتناقضهم وهو ما نحاول إثباته دوما في محيط هذا الكتاب . . ومن بين صور التحريم التي رفع لوائها الفقهاء وهي من باب العادات تحريم لعبة الشطرنج . إلا أننا لن نخوض فيه هنا لأن القوم من فرط تقواهم وورعهم لم ينسبوا تحريمه إلى الرسول
( ص ) وإنما نسبوه إلى بعض الصحابة والتابعين وهذا فيه الكفاية للدلالة على عبادة الرجال . .


ويروى أن الرسول ( ص ) نهى عن النذر . وقال : " إنه لا يرد شيئا وإنما يستخرج به من البخيل " ( 2 ) . .

ويروى أن الرسول ( ص ) قال : " من نذر أن يطع الله فليطعه . ومن نذر أن يعصى الله فلا يعصه " ( 3 ) . .

ويروى عنه ( ص ) : " لا نذر في معصية " ( 4 ) . .

ويروى أن الرسول استفتى فقال المستفتي : إن أمي ماتت وعليها نذر . فقال الرسول : " اقضه عنها " ( 5 ) . .


يقول الفقهاء : عادة الناس تعليق النذور ودفع المضار فنهى عنه فإن ذلك فعل البخلاء إذ السخي إذا أراد أن يتقرب إلى الله تعالى استعجل فيه وأتى به في الحال . وقال ابن عبد الملك : هذا التعليل يدل على أن النذر المنهي عنه ما يقصد
 

  * ( هامش ) *
( 1 ) المرجع السابق . . ( 2 ) البخاري كتاب القدر ومسلم كتاب النذر .
( 3 )
أبو داود كتاب الإيمان والنذر . . ( 4 ) المرجع السابق . . ( 5 ) البخاري كتاب الوصايا ومسلم كتاب النذر . . ( * )
 

 

ص 189

به تحصيل غرض أو دفع مكروه على ظن أن النذر يرد عن القدر شيئا وليس مطلق النذر منهيا إذ لو كان كذلك لما لزم
الوفاء به وقد أجمعوا على لزومه إذا لم يكن المنذور معصية ( 1 ) . . ويبدو من كلام الفقهاء أنه محاولة لإزالة التناقض

بين الروايات وتقييد النهي الوارد فيها . إلا أن قولهم في النهاية قاد إلى الإباحة وهو ما يؤدي إلى ضرب رواية النهي المطلق وانعدام قيمتها وأهميتها . . ومثل هذا مسألة السفر بالقرآن إلى بلاد الكفار . .

يروى أن رسول الله ( ص ) نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو ( 2 ) . .


يقول الفقهاء : العلة في المنع هو خشية إصابة الكفار له ونيلهم إياه .

وقال النووي : فإن أمنت هذه العلة بأن يدخل في جيش المسلمين الظاهرين - المنتصرين على العدو فلا كراهة ولا منع منه حينئذ لعدم العلة هذا هو الصحيح وبه قال أبو حنيفة والبخاري وآخرون وقال مالك وجماعة من أصحابنا بالنهي مطلقا ( 3 )

ومثل هذه الرواية وكلام الفقهاء فيها لا يستقيم مع العصر . فهي رواية ظرفية ترتبط بزمن الرسول ( ص ) والأزمان السابقة
أما اليوم فإن الإسلام ينتشر في بلاد الكفر ويمارس المسلمون شعائرهم بحرية لم يجدوها في بلادهم التي هاجروا منها . .

من هنا يمكن القول إن مثل هذه الروايات . رواية النهي عن النذر ورواية النهي عن السفر بالمصحف . ورواية النهي عن الصور ونكاح الشفار ونكاح المتعة لا حاجة لنا بها اليوم ومن الواجب نبذها والخلاص منها ليس فقط لكونها لا تتفق مع روح

العصر ولكن لكونها تضفي على الرسول صفة المشرع فيما لا فائدة فيه فمن ثم فهي تزيد من إحراج الرسول شرعا وعقلا

  * ( هامش ) *
( 1 ) مسلم . هامش كتاب النذر . . ( 2 ) البخاري وأبو داود كتاب الجهاد ومسلم كتاب الإمارة .
( 3 )
مسلم هامش باب النهي أن يسافر بالمصحف إلى بلاد الكفار . . ( * )
 

 

ص 190

والفائدة الوحيدة التي يمكن تحصيلها من وراء رواية النهي عن السفر بالمصحف هي إثبات أن القرآن كان موجودا في زمن الرسول ومكتوبا وهو ما يناقض عقيدة القوم من الفقهاء والمحدثين والتي تنص على أن القرآن لم يكن مجموعا في زمن النبي

ومات وهو على هذا الحال من التفرق في صدور الناس . وهو ما يؤدي إلى إحراج الشيخين - أبو بكر وعمر - اللذين تصديا لجمع القرآن بعد وفاة الرسول . .


ويروى عن السول ( ص ) : " نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإن في زيارتها تذكرة ( 1 ) . .

ويروى : لعن رسول الله ( ص ) زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج ( 2 ) . .

ويروى : لعن رسول الله زوارات القبور ( 3 ) . .

ويبدو من الرواية الأولى أن الرسول ( ص ) كان قد نهى عن زيارة القبور ثم رجع عن ذلك وأباحها بهدف العظة والتذكرة . . وهذه الإباحة تشمل الرجال والنساء فالخطاب الشرعي لا يخص الرجل وحده .

فإذا تبين لنا ذلك فما معنى الرواية الثانية التي تلعن زائرات القبور ؟ والإجابة تفرض علينا إما أن نأخذ برواية الإباحة . وإما أن نأخذ برواية النهي . .

فكلا الروايتين محل تصديق الرواة والفقهاء رجحوا رواية الإباحة واعتبروا رواية النهي منسوخة وبهذه الطريقة تم حل التناقض بين الروايتين . . 

  * ( هامش ) *
( 1 ) أبو داود . كتاب الجنائز . . ( 2 ) المرجع السابق . .
( 3 )
ابن ماجة . باب النهي عن زيارة النساء القبور . وهذه الرواية تثير الشك في الإضافة التي لحقت بالرواية التي سبقتها والتي تتعلق ببناء المساجد على القبور وإنارتها . . ( * )
 

 

ص 191

قال السيوطي : كان ذلك حين النهي ثم أذن لهن حيث نسخ النهي . وقيل بقين تحت النهي لقلة صبرهن وكثرة جزعهن . قلت وهو الأقرب إلى تخصيصهن بالذكر ( 1 ) . .

ومثل هذه المسألة إنما تدور في محيط الأمور السلوكية التي تتغير بتغير الواقع والتي لا تدخل في دائرة المحرمات . فهي أشبه بالعادات التي لا يجوز إقحام الدين فيها . فمن ثم فإن نسبة التحريم في مثل هذه المسألة للرسول أمر مشكوك فيه . .

 

وما ينطبق على المسألة السابقة ينطبق على مسألة تحريم بيع الكلاب ووصل المرأة شعرها والشرب في آنية الذهب والفضة

روي أن رسول الله ( ص ) نهى عن ثمن الكلب ( 2 ) . .

وروي أن امرأة جاءت إلى النبي ( ص ) فقالت يا رسول الله إن لي ابنة عريسا أصابتها حصبة فتمرق شعرها أفأصله . فقال الرسول : " لعن الله الواصلة والمستوصلة " ( 3 ) . .

ويقول الفقهاء عن ثمن الكلب أن ذلك لا يقصد به الكلب المعلم . ويقولون عن وصل الشعر إن هذا حكم يعم الرجل والمرأة . وقال النووي الأحاديث صريحة في تحريم الوصل مطلقا وهو الظاهر المختار . وقال آخر : الرجل والمرأة في ذلك سواء

هذا إذا كان المتصل شعرا لآدمي لكرامته وأما غيره فلا بأس بوصله فيجوز اتخاذ النساء القراميل من الوبر - رباط تربط به المرأة شعرها من الوبر - ( 4 ) . .


وقول الفقهاء هذا إنما يؤكد مسألة التحريم في مثل هذه الأمور التي لا تخرج عن كونها من العادات النافعة للناس . وإذا كان الرسول قد نهى عن بيع الكلب غير المعلم فما قيمة هذا النهي إذن ؟ إذ من المعروف أن الكلب غير المعلم لا قيمة له وهو أشبه بالكلاب الضالة .
 

  * ( هامش ) *
( 1 ) ابن ماجة بشرح السندي . هامش باب ما جاء في النهي عند زيارة النساء القبور . .
( 2 )
البخاري كتاب البيوع . ومسلم كتاب المساقاة .
( 3 )
مسلم كتاب اللباس والزينة . . ( 4 ) مسلم كتاب اللباس والزينة . هامش باب تحريم فعل الواصلة . ( * )
 

 

ص 192

فإذا كان التحريم يقصد هذا النوع من الكلاب فلا مبرر له . خاصة وأن كلاب الزينة لم تكن تعرف في زمان الرسول . وهذا الاستنتاج يثير الشك حول الرواية من أساسها . .

أما وصل المرأة التي يتساقط شعرها بشعر غيرها وهو ما يشبه ( الباروكة ) اليوم فقد جزم الفقهاء بتحريمه رغم أن الرواية لا تنطق بذلك . إنما هي تنطق بالزجر والتخويف من هذا الفعل . ثم هم أباحوا الوصل إذا كان من غير شعر الآدمي فكيف ذلك ؟

أيجوز للمرأة أن تصل شعرها بشعر الحيوانات ولا يجوز لها أن تصله بشعر الآدمي ؟

وهل من المصلحة أن يتساقط شعر المرأة فتسوء في عين زوجها ولا تتحرك لعلاجه بشئ يعيد إليها زينته . . ؟

وما هو الضرر من وصل الشعر . . ؟

هل هو الغش . وغش من ؟

هل هو غش الزوج . وهل الزوج لا يعلم بحال زوجته . . ؟

أم هو غش الخاطب . وهل الخاطب يرى شعر مخطوبته . . ؟

هل كانت النساء تمضي في الطرقات حاسرات كاشفات رؤوسهن فيمكن للواصلة أن ينخدع بها الناس . . ؟
 

أما ما يتعلق بتحريم آنية الذهب والفضة فيقول الفقهاء : إن الاجماع منعقد على تحريم استعمال إناء الذهب وإناء الفضة في الأكل والشرب والطهارة والأكل بملعقة من أحدهما والتجمر بمجمرة منها والبول في الإناء منهما وجميع وجوه الاستعمال ومنها المكحلة والميل وظرف الغالية وغير ذلك ( 1 ) . . إن حكم هذه الآنية هو حكم الذهب والفضة .


ومثل هذا السلوك إنما يعكس حالة اجتماعية خاصة للقادرين على فعله دون إلحاق ضرر بالمجتمع وبالآخرين فما دام المرء ثريا من وجوه الحلال واتخذ لنفسه مثل هذه الآنية فما هو الضرر في هذا ؟

  * ( هامش ) *
( 1 ) مسلم كتاب اللباس والزينة . هامش باب تحريم استعمال إناء الذهب والفضة . . ( * )
 

 

ص 193

هل هو الاسراف ؟

فما هو الحال إذا كان متخذ هذه الآنية يرعى حق الله في ماله ولا يظلم أحدا . . ؟

وإذا ما سلمنا بصحة هذا النهي فإنه يحمل على النهي الظرفي الخاص بواقع الرسول وتركيبة المجتمع المدني . ثم إذا كانت الفضة مباحة فلماذا تحرم آنيتها . . ؟

ويبقى بعد هذا مسألة النهي عن إلقاء السلام على أهل الكتاب . .


يروى عن الرسول ( ص ) قوله : " لا تبدأوا اليهود ولا النصارى بالسلام فإذا لقيتم أحدهم في الطريق فاضطروهم إلى أضيقه " ( 1 ) . .

يقول الفقهاء : قوله ( ص ) لا تبدأوا اليهود . . الخ قيل النهي للتنزيه وضعفه النووي وقال الصواب إن ابتداءهم بالسلام حرام لأنه إعزاز ولا يجوز إعزاز الكافر .

وقال الطيبي : المختار أن المبتدع لا يبدأ بالسلام ولو سلم على من لا يعرفه فظهر ذميا أو مبتدعا يقول استرجعت سلامي تحقيرا له وأما إذا سلموا على المسلم فقد جاء في حديث آخر أنه يردهم ( 2 ) . .


إن المتأمل في هذه الرواية يتبين له أنها تتنافى مع خلق الرسول الذي جذب نحوه المشرك قبل الكتابي . . وتتنافى مع نصوص القرآن التي تبيح طعام أهل الكتاب ومناكحة نساءهم . وإذا كان الإسلام يبيح هذا . أفلا يبيح إلقاء السلام عليهم . . ؟

فإذا ما تبين لنا هذا فمن أين جاء الفقهاء بهذا الموقف المتشدد . . ؟

وإذا كان بعض الفقهاء قد أجاز بدء اليهود والنصارى بالسلام واعتبر النهي للتنزيه لا للتحريم فلماذا لم يحترم الفقهاء هذا الرأي وضعفوه ؟

والجواب أن فقهاء التشدد ونسبة التحريم للرسول ضد التسامح وحرية الرأي على الدوام . وهم يعتبرون المواجهة بينهم وبين المخالفين لهم مواجهة مصيرية تحتم إزالة أحد أطراف الصراع . وهم قد اختاروا أنفسهم وقرروا إزالة الطرف
 

  * ( هامش ) *
( 1 ) مسلم كتاب السلام . ( 2 ) مسلم هامش باب النهي عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام . كتاب السلام . ( * )
 

 

ص 194

الآخر الذي يهدد وجودهم ومستقبلهم المرهون بهذه الروايات وهذه الفتاوى .

فمن ثم فهم يطلقون على المخالفين لهم لفظ المبتدعة . وهم هنا قد ساووهم بأهل الكتاب وحرموا إلقاء السلام عليهم كما حرموه على أهل الكتاب . .

وهؤلاء الفقهاء إنما استنبطوا موقفهم المتشدد هذا من خلال واقعهم الذي كان يعامل أهل الكتاب معاملة مواطني الدرجة الثانية ويحرمون عليهم إشهار شعائرهم أو ارتداء أزياء المسلمين أو بناء معابد لهم أو حتى المرور في أحياء المسلمين فضلا عن دفع الجزية وخراج الأراضي التي يملكونها في ذلة وصغار ممنوع عليهم محاولة الدخول في الإسلام حتى لا يقل إيراد الدولة ( 1 ) . .


هذا هو واقع الفقهاء الذي لا يجرؤ أهل الكتاب على مخاطبة المسلمين . . وهو واقع لا صلة بواقعنا المعاصر الذي يعيش فيه المسلم كمواطن من الدرجة أولى في ظل دول النصارى في أوروبا ولا يتحقق له هذا العيش في البلاد التي تدعي الإسلام . .

  * ( هامش ) *
( 1 ) أنظر لنا كتاب الكلمة والسيف . . وانظر أحكام أهل الذمة لابن القيم الجوزية . ( * )
 

 

 

الصفحة الرئيسية

 

مكتبة الشبكة

 

فهرس الكتاب