|
وكان الغناء منتشرا في المدينة بين الرجال والنساء في عهد الرسول |
|
|
قبح كفره ومن لم يقصد ذلك فهو صاحب كبيرة . لكن الأولى أن يحمل على التهديد لأن قوله ( ص ) عند الله تلويح إلى أنه يستحق أن يكون كذا لكنه محل العفو . . قال أصحابنا وغيرهم من العلماء تصوير صورة الحيوان حرام شديد التحريم وهو من الكبائر لأنه متوعد عليه بهذا الوعيد الشديد المذكور في الروايات وسواء صنعه بما يمتهن أو بغيره فصنعته حرام بكل حال لأن فيه مضاهاة لخلق الله تعالى . وأما اتخاذ المصور فيه صورة حيوان فإن كان معلقا على حائط أو ثوبا ملبوسا أو عمامة ونحو ذلك مما لا يعد ممتهنا فهو حرام . ولا فرق في هذا كله بين ما له ظل وما لا ظل له . هذا تلخيص مذهبنا في المسألة . وبمعناه قال جماهير العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم وهو مذهب الثوري ومالك وأبو حنيفة وغيرهم ( 1 ) . .
هل هذا الرسام الذي يصمم صورة طائر أو حيوان أو إنسان على قطعة قماش أو وسادة أو لباس يعتبر متحديا لله وتدخل في أخص خصائصه وهي الخلق . . ؟ وبالطبع مثل هذا التصور فيه سذاجة بالغة واستخفاف كبير بالعقل وبالرسول الذي يروي مثل هذه الروايات . . ؟ إن العقل يقول إن الرسول ( ص ) لا يمكن أن يروي مثل هذه
الروايات وأن هذه السذاجة والسطحية هي من صنع الرواة . وإذا ما سلمنا أن هذا هو
حال التصوير في زمن الرسول ( ص ) وأن هناك صلة وثيقة بينه وبين العبادات
الشركية السائدة آنذاك . فهل هذا هو حال التصوير والصور اليوم . . ؟
إن الصور اليوم أصبحت ركيزة أساسية في المدينة المعاصرة . فهي دخلت في صناعة ( السينما ) وأدوات كشف الجريمة ونشرات الأخبار ووسائل الاتصال المختلفة ونشر العلوم . . الخ . والاستغناء عن ذلك كله فيه مفسدة عظيمة ليس فقط للناس وللمدينة ولكن للإسلام ذاته الذي سوف يعجز عن مواكبة العصر وينزوي في ركن مظلم من أركانه . .
إما أن نرفضها كلية لعدم موافقتها للقرآن والعقل . . وإما أن نقرها وبالتالي يتهم الإسلام بالتخلف والرجعية . . وإما أن نحملها على مدلول آخر غير ما توحي به ظاهرها . . والخيار الثاني اختارته التيارات الإسلامية المتشددة ورأسها التيار الوهابي الحنبلي . . والخيار الثالث تبناه الفقهاء العصر فأباحوا الصور الفوتوغرافية واختلفوا في الصور اليدوية ( الرسم ) فبعضهم أباحها وبعضهم حرمها في كل ذي روح أي رسم الحيوانات والطيور والإنسان وخلافه . كما اختلفوا أيضا في التماثيل بين الحظر والإباحة . . ونحن نختار الخيار الأول باعتبار أن هذه الروايات لا تخرج عن كونها رد فعل لظروف زمنية وواقع لا صلة لنا به . .
وفيما يتعلق بالغناء والموسيقى يروون أن الرسول ( ص ) قال : " ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الخز والحرير والخمر والمعازف " ( 1 ) . . ويفسرون قوله تعالى ( ومن الناس من يشتري لهو الحديث . . ) على لسان بعض الصحابة مثل ابن مسعود وابن عمر أن لهو الحديث هو الغناء ( 2 ) . . ويقول الفقهاء إن مذهب مالك ينهى عن الغناء ويعتبره من فعل الفساق . وينقل عن مالك قوله : إذا اشتريت جارية ووجدتها مغنية كان لك ردها بالعيب . وكان أبو حنيفة يكره الغناء مع إباحته للنبيذ ويجعل سماع الغناء من الذنوب وكذلك مذهب سائر أهل الكوفة والمدينة . وقال الشافعي : الغناء مكروه يشبه الباطل ومن استكثر منه فهو سفيه ترد شهادته . . وبذلك أفتى أحمد بن حنبل ( 3 ) . . ونقل القرطبي عن بعضهم قوله : لا تقبل شهادة المغني والرقاص . قلت - أي القرطبي - : وإذ ثبت أن هذا الأمر لا يجوز فأخذ الأجرة عليه لا تجوز ( 4 ) . . وينقل عنهم اتفاق أهل العلم على المنع من إجارة الغناء والنوح وإبطال المغنية والنائحة كره الشعبي والنخعي ومالك ( 5 ) وينقل عنهم عدم جواز قطع يد السارق لآلات اللهو لكونه متفق على تحريم اتخاذها ( 6 ) . .
الغناء والموسيقى من أحاديث نبوية فكلها مثخنة بالجراح لم يسلم منها حديث عن طعن عند فقهاء الحديث وعلمائه ( 1 ) . . إلا أنه رغم هذه الروايات وهذا الموقف المتشدد تجاه الغناء والموسيقى من قبل أصحاب المذاهب الأربعة . فإن هناك من الفقهاء من شذ عن هذا الموقف وأفتى بإباحة الغناء والموسيقى وعلى رأس هؤلاء الغزالي وابن حزم . . ويعود هذا الموقف من قبل الغزالي وابن حزم وغيرهما إلى وجود عدد من الروايات التي تشير إلى إباحة الغناء والموسيقى . .
ويروى : جاء النبي ( ص ) فدخل حين بنى على - أي حين تزوجت الراوية - فجلس على فراش فجعلت جويريات لنا يضربن بالدف ويضربن من قتل آبائي يوم بدر . إذ قالت إحداهن : وفينا نبي يعلم ما في غد . فقال ( ص ) : " دعي هذه وقولي بالذي كنت تقولين " ( 4 ) . .
ويروى عن عائشة قالت : إنها زفت امرأة إلى رجل من الأنصار . فقال النبي ( ص ) " يا عائشة ما كان معكم لهو ؟ فإن الأنصار يعجبهم اللهو " ( 1 ) . . ويروى أن عائشة أنكحت ذات قرابة لها من الأنصار . فجاء الرسول ( ص ) فقال : " أهديتم الفتاة " ؟ قالوا : نعم . قال : " أرسلتم معهما من يغني " ؟ قالت : لا . فقال الرسول : " إن الأنصار قوم فيهم غزل فلو بعثتم معهما من يقول : أتيناكم . أتيناكم . فحيانا وحياكم " ( 2 ) . .
وإن كان أكثر الفقهاء قد أقاموا بإزالة هذا التناقض عن طريق التأويل والتبرير وادعاء النسخ وغير ذلك . . وكان فقهاء التحريم بموقفهم هذا يريدون تحريم الغناء لذاته وهذا موقف ضد الفطرة والعقل . إذ أن الغناء أمر مواكب لمسيرة الإنسان في كل زمان ومكان كل يغني بطريقته وبما يلائم عصره وظروفه ومتطلباته . . وقد كان الغناء عادة موجودة عند العرب وعندما جاء الإسلام أقرها وقام بتهذيبها وفق معطيات جديدة .
ويبدو من هذا الموقف المتشدد الذي يحاول الفقهاء والمحدثون نسبته إلى الرسول . أنه نابع من رد فعل لواقع وسلوكيات محددة ارتبطت بالعصر الأموي والعباسي وليس نابعا من نص صريح محدد من القرآن . إذ أن محاولتهم تفسير قوله تعالى ( ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل به عن سبيل الله . . ) على أن المقصود به هو الغناء . محاولة استنتاجية وليست قطعية يشوبها قصر نظر فالنص يتحدث عن الناس وليس عن المؤمنين . ولفظ الناس يرتبط دائما بالنصوص المكية مثلما يرتبط لفظ ( المؤمنون ) بالنصوص المدنية . والفترة المكية فترة صراع عقائدي وليست فترة تشريع مما يمكن على ضوئه الحكم - باعتبار أن النص مكي والسورة مكية - أن هذا النص لا صلة له بالغناء بدليل ربطه اللهو بالضلال عن سبيل الله وهذه إشارة إلى المفاصلة بين سبيل الله وسبيل الطاغوت والكفر والضلال . وكون اللهو المقصود به هنا هو شئ آخر يرتبط بالكفر والضلال عن سبيل الله والغناء بإجماع الفقهاء ليس هكذا إن صح تجريمه فهو صورة من صور الفسق التي لا تخرج عن دائرة الإيمان . . من هنا يمكن القول إن تحريم الغناء ليس إلا صورة من صور عبادة الرجال لكونه تحريم منسوب للرجال وليس للنصوص . . وهناك بالإضافة إلى ما ذكرنا عدة صور أخرى من المحرمات المنسوبة للرسول بعضها يشم منه رائحة السياسة . وبعضها يتعلق بعادات وسلوكيات سائدة . والبعض الآخر منها يتعلق بظروف الواقع . . أما لتحريم الذي يتعلق بالسياسة فهو تحريم سب الصحابة . .
قال القاضي عياض : ذهب الجمهور إلى أنه يعزر وعن بعض المالكية يقتل . وخص بعض الشافعية ذلك بالشيخين والحسنين وقواه السبكي في حق من كفر الشيخين - أبو بكر وعمر -
وكذا من كفر من صرح النبي ( ص ) بإيمانه أو تبشيره بالجنة إذا تواتر الخبر بذلك عنه لما تضمن من تكذيب رسول الله ( 1 ) . . وقال النووي : إعلم أن سب الصحابة حرام من فواحش المحرمات سواء من لابس الفتن منهم وغيره لأنهم مجتهدون في تلك الحروب - أي الحروب التي وقعت بين الصحابة - متأولون . قال القاضي وسب أحدهم من المعاصي الكبائر ومذهبنا ومذهب الجمهور أنه يعزر ولا يقتل ( 2 ) . . وقبل أن نعلق على هذا الكلام لا بد لنا من أن نعرف من هو الصحابي . . ؟ يقول ابن حجر : وأصح ما وقفت عليه من ذلك أن الصحابي من لقى النبي ( ص ) مؤمنا به ومات على الإسلام فيدخل فيمن لقيه من طالت مجالسته أو قصرت ومن روى عنه أو لم يرو ومن غزا معه أو لم يغز ومن رآه رؤية ولو لم يجالسه ومن لم يرو لعارضه كالعمى . ويدخل في قولنا مؤمنا به كل مكلف من الجن والإنس ( 3 ) . .
وقال أحمد بن حنبل : أصحاب رسول الله ( ص ) كل من صحبه شهرا أو يوما أو ساعة أو رآه ( 5 ) . . وقال البخاري : من صحب رسول الله ( ص ) أو رآه من المسلمين فهو من أصحابه ( 6 ) . .
وقال الواقدي : أهل العلم يقولون كل من رأى رسول الله ( ص ) وقد أدرك الحلم فأسلم وعقل أمر الدين ورضيه فهو عندنا ممن صحب رسول الله ولو ساعة من نهار . ولكن أصحابه على طبقاتهم وتقدمهم في الإسلام ( 1 ) . . ويبدو من هذا التعريف العائم للصحابي أنه يخالف القرآن والعقل والعرف فقد حشد القرآن الكثير من النصوص التي تتحدث عن المنافقين والفاسقين وأصحاب الإفك والصحاب المسجد الضرار والأعراب وغيرهم . وجميع هؤلاء الذين ذمهم القرآن وحذر منهم يدخلون في عداد الصحابة من منظور الفقهاء ( 2 ) . .
قال القاضي أبو بكر : قد تقرر للأمة عرف أنهم لا يستعملون هذه التسمية إلا فيمن كثرت صحبته لا على من لقيه ساعة أو مشى معه خطا أو سمع منه حديثا فوجب لذلك أن لا يجري هذا الاسم إلا على من هذه حاله . ومع هذا فإن خبر الثقة الأمين عنه - أي عن الرسول - مقبول ومعمول به . وإن لم تطل صحبته ولا سمع منه إلا حديثا واحدا . ولو رد قوله إنه صحابي لرد خبره عن رسول الله ( 3 ) . .
وقد شهدت معه تبول من الخلق الكثير ما لا يحصيهم ديوان وكذلك حجة الوداع . وكلهم له صحبة ولم يذكروا إلا هذا القدر . مع أن كثيرا منهم ليست له صحبة ( 1 ) . . ويقول سعيد بن المسيب : الصحابة لا نعدهم إلا من أقام مع رسول
الله ( ص ) سنة أو سنتين وغزا معه غزوة أو غزوتين ونخرج من هذا كله أن هذا التعريف المائع للصحابي سوف يؤدي إلى دخول من هب ودب في مفهوم الصحبة وبالتالي يحق له الرواية عن الرسول بعد حصوله على درجة العدالة التي وضع الفقهاء الصحابة فيها . . وإذا كان هناك من الفقهاء من رفض هذا التعريف إلا أنه استسلم للأمر الواقع وبارك موقف الآخرين وجاراه .
وصفة العدالة . وإنما الخطورة تمكن في توجهاتهم وولاءاتهم . وفي كم الروايات التي نسبوها للرسول ( ص ) . . وكما ذكرنا فإن معاوية هو أول من وضع هذه القاعدة وجاء بركش الناس والأعراب والمنافقين وضمهم إلى صفوفه ومنحهم سلطة الرواية باسم الرسول تحت شعا الصحبة . . وجاء التابعون ومن بعدهم فباركوا هذا الخط وتلقوا هذا الكم من الروايات بتأثير السلطة وعلى أساس أنها جاءت عن طريق موثوق به وهو طريق الصحابة . . ومن هنا فإن التصدي لمثل هذا الأمر يعني التصدي للنهج الأموي ومن يعده النهج العباسي . وحتى لا تكون
المواجهة مباشرة بين المسلمين وهؤلاء الحكام
فقد جعلوا الصحابة حائلا بينهم . . وأصبح التصدي للروايات يعني التصدي للصحابة والعكس بالعكس . . وهو أمر يشكل خطورة كبيرة على هؤلاء الذين يحتمون بهؤلاء الصحابة ورواياتهم . . وهذا هو السبب المباشر لاختراع فكرة النهي عن سب الصحابي ونسبة النهي للرسول . . إن باب النقد والتقويم لو قدر له أن يفتح على الصحابة لأدى هذا إلى انهيار كثير من الرموز المقدسة في أعين المسلمين . ومع انهيارهم تنهار رواياتهم . ومع انهيار رواياتهم تنهار القوى الحاكمة التي تتحصن بهذه الروايات وتفرض سلطانها على المسلمين بواسطتها . وإذا ما قدر لنا أن نسلم بصحة هذه الرواية ( لا تسبوا أصحابي ) فإن مناقشة مضمونها يفيد بعكس المراد وذلك لما يلي : أولا : أن قول الرسول ( ص ) لا تسبوا أصحابي يعني الخصوص . أي أن له مجموعة خاصة من المؤمنين تطاول عليها البعض الذين لا يدخلون في دائرة الصحبة فنهاهم عن ذلك . . يقول ابن حجر : المراد بقوله ( أصحابي ) أصحاب مخصوصون وإلا فالخطاب كان للصحابة ( 1 ) . .
ثانيا : إن هناك الكثير من حوادث السب التي وقعت بين الصحابة ولم يقل فيها الرسول ( ص ) هذا الكلام . ومنها حادثة سب أبو بكر لعمر . . روي أن أبا بكر جاء الرسول شاكيا من عمر بقوله : إني كان بيني وبين ابن الخطاب شئ فأسرعت إليه - أي تتطاولت عليه - ثم ندمت . فسألته أن يغفر لي فأبى علي . فأقبلت إليك ( 1 ) . .
رابعا : أن الفقهاء عند تناولهم لهذه الرواية يربطونها بالمعارك التي وقعت بين الصحابة . وهم بذلك يقصدون سد باب الطعن والهجوم في العناصر التي شاركت في وقعة الجمل مع عائشة أو التي شاركت في وقعة صفين مع معاوية والهدف من ذلك هو الحفاظ على صورة عائشة ومعاوية وابن عمر وعمرو بن العاص وأبو هريرة والمغيرة بن شعب وأنس بن مالك وغيرهم ممن ساند معاوية والخط الأموي وأسهم في رواية هذا الكم الهائل من الروايات المنسوبة للرسول . . ومن صور التحريم التي نسبت إلى الرسول ( ص ) والتي تدور في محيط العادات تحريم كشف المرأة وجهها ويديها . .
ويروى عن أم سلمة قالت : لما نزلت يدنين عليهن من جلابيبهنز
خرج نساء الأنصار كان على رؤوسهن الغربان من الأكسية ( 3
) . .
ويروى عن عائشة أيضا : لا تلثم المرأة ولا تتبرقع ولا تلبس ثوبا بورس ولا زعفران ( 1 ) . وروي أن فاطمة بنت قيس لما طلقت . أمرها الرسول أن تعتد في بيت ابن عمها ابن أم مكتوم لكونه ضرير البصر وإذا وضعت خمارها لا يراها ( 2 ) . . وروي أن الرسول ( ص ) قال : " لا تنتقب المرأة المحرمة ولا تلبس القفازين " ( 3 ) . . هذه الروايات التي اعتمد عليها الفقهاء في حرمة وجه المرأة ويديها وأن جسدها بكامله عورة . . وأمام هذه الروايات لنا هذه الملاحظات : أولا : هل النساء قبل نزول آية الحجاب كن متبرجات في المدينة ؟ ثانيا : ما هو نوع اللباس الذي كانت ترتديه نسوة المدينة آنذاك ؟ ثالثا : هل هذه الروايات تنطق بحرمة كشف وجه المرأة ويديها . . ؟ يقول الفقهاء إن النساء كن يخرجن في المدينة بالجلباب أو بلا جلباب يرى الرجل وجهها ويديها وذلك قبل نزول آية الحجاب . . فلما نزلت آية الحجاب سترت وجهها وكفيها ( 4 ) . . وحسب هذا القول فإن التبرج الذي كان سائدا في المدينة هو كشف الوجه والكفين فقط . . لنترك الروايات تكشف لنا الحقيقة
يروى أن أسماء بنت أبي بكر دخلت على رسول الله ( ص ) وعليها ثياب رقاق . فأعرض عنها الرسول وقال " يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم تصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا " . وأشار إلى وجهه وكفيه ( 1 ) . . ويروى : أن النبي ( ص ) أردف الفضل بن العباس خلفه يوم النحر . فجاءت امرأة تسأل الرسول . فطفق الفضل ينظر إليها ويطيل الالتفات إليها . فجعل النبي يصرف وجهه إلى الشق الآخر ( 2 ) . . ويروى : أن الرسول ( ص ) قال : " لا تتبع النظرة النظرة . فإنما لك الأولى وليست لك الآخرة " ( 3 ) . . ويروى عن الرسول ( ص ) قوله : " إياكم والجلوس على الطرقات " . فقالوا : ما لنا بد . إنما هي مجالسنا نتحدث فيها . قال : " فإذا أبيتم إلا المجالس فأعطوا الطريق حقها " قالوا : وما حق الطريق ؟ قال : " غض البصر . وكف الذي ورد السلام " ( 4 ) . . ويروى أن الرسول قال : " لعن الله الواشمات والموتشمات والمتنمصات . والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله " ( 5 ) . . ويروى أن رسول الله ( ص ) رأى امرأة فأتى امرأته زينب وهي
تمعس منيئة لها فقضى حاجته ثم خرج إلى أصحابه فقال ويروى قول النبي في بيعة النساء : " إني لا أصافح النساء " ( 7 ) . .
ويروى عن عائشة قولها : لا والله ما مست يد رسول الله ( ص ) يد امرأة قط ( 1 ) . . ويروى عن عائشة أيضا قولها : إن هند بنت عتبة قالت : بايعني يا رسول الله ؟ قال : " لا أبايعك حتى تغيري كفيك . كأنهما كف سبع " ( 2 ) . . وما يتضح لنا من خلال هذا الكم من الروايات أن المجتمع المدني كان يعايش المرأة سافرة الوجه ظاهرة الكفين وأن هذا هو العرف السائد الذي تعامل معه الرسول . . فإذا تبين لنا هذا فإنه يمكن القول إن آيات الحجاب نزلت لمواجهة حالة أخرى ونمط آخر من سلوكيات النساء . ولم تنزل لتحريم الوجه والكفين . . وإذا كانت نسوة المدينة قد بالغن في التستر بعد نزول آيات الحجاب كما أشارت الروايات التي يستند إليها أنصار تحريم كشف الوجه واليدين فتلك مسألة سلوكية تعكس اهتمامهن بأمر الله وتحوطهن في تطبيقه وليس هذا تشريعا للأمة . . وقوله تعالى : ( قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون . وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن . . ) ( 3 ) وهذا النص الصريح الذي ينهى عن غض البصر يدل دلالة صريحة على أن هناك شئ ظاهر من المرأة يستدعي جذب بصر الرجل نحوها . ألا وهو الوجه والكفين . وهو ما دفع ببعض فقهاء المذاهب الإسلامية إلى القول بأن الوجه والكفين من المرأة ليسا بعورة فلا يجب سترهما وحملوا الروايات التي تشير
إلى خلاف ذلك على الندب دون الوجوب مؤكدين أن الوجه والكفين هما المقصودان من
قوله تعالى ( إلا ما ظهر
منها ) ( 4 ) . .
أما أصحاب الاتجاه المتشدد الذي يلصق بالرسول التحريم فيتجه إلى أن الزينة المقصودة هنا ليست هي الوجه والكفين وإنما هي زينة المرأة الخارجة عن أصل خلقتها والتي لا يؤدي النظر إليها رؤية شئ من بدنها مثل الثياب أو الحلي . وقد اعترف إمام التشدد والذي تتعبد بأقواله التيارات الإسلامية والإتجاه الوهابي عموما بأن الزينة في هذه الآية تنقسم إلى قسمين : زينة ظاهرة وقد تنازع فيها السلف على قولين : قال ابن مسعود ومن وافقه هي الثياب . . وقال ابن عباس ومن وافقه هي ما في الوجه والكفين مثل الكحل والخاتم . ثم علق على هذا الكلام بقوله : وحقيقة الأمر أن الله قد جعل الزينة زينتهن زينة ظاهرة . وزينة غير ظاهرة . وجوز لها - أي المرأة - إبداء زينتها الظاهرة لغير الزوج وذوي المحارم . وأما الباطنة فلا تبديها إلا للزوج وذوي المحارم ( 1 ) . .
ويبدو أيضا أن لباس المرأة في تلك الفترة لم يكن مثيرا وشاذا
كما هو الحال في صورة اللباس المعاصرة . فقد كانت المرأة ترتدي الجلاب وهو لباس
طويل واسع يغطي معظم جسدها . ويطلق على الجلباب أيضا اسم الملاءة ويسميه البعض
الرداء ويطلق عليه العامة اسم الإزار . . يروى أن أم سلمة زوج النبي ( ص ) قالت له حين ذكر الإزار .
فالمرأة يا رسول الله ؟ قال : ترخي شبرا . قالت أم سلمة : إذا ينكشف عنها . قال
: فذراعا لا تزيد عليه ( 2 ) . .
ويروى أن رسول الله ( ص ) أتى بقباطي . فأعطى منها قبطية لأحد أصحابه وقال له : اصدعها صدعين فاقطع أحدهما قميصا وأعط الآخر امرأتك تختمر به . فلما أدبر قال له الرسول : " وأأمر امرأتك أن تجعل تحته ثوبا لا يصفها " ( 1 ) . . ويروى : لعن رسول الله الرجل يلبس لبس المرأة . والمرأة تلبس لبسة الرجل ( 2 ) . . ومن الرواية الأولى تتضح لنا الحقائق التالية : - أن أم سلمة تستشير الرسول في أن تطيل ثوبها فيجيبها بأن تطيله شبرا . . - أن أم سلمة استدركت على الرسول أن الشبر لا يكفي لستر الساقين . . - أن الرسول تراجع عن رأيه وقال بذراعا بدلا من الشبر . . ومن الحقيقة الأولى يتبين لنا أن اللباس الخاص بالمرأة مسألة اختيارية وليست محددة في هيئة خاصة . كما يتبين لنا أن الرسول لا علم له بلباس النساء وما يحقق الستر لهن وما لا يحققه وهو ما يؤكده توجيه أم سلمة له . كما يتبين لنا أيضا بالتأمل أن كشف جزء من الساق كان عادة سائدة من قبل النساء وهو ما يوحي به قولها : إذا ينكشف عنها من الحقيقة الثانية يتبين لنا أن مسألة ستر الساقين ليست ذات أهمية شرعا ولو كانت كذلك ما قال الرسول : " ترخي شبرا " من الحقيقة الثالثة يتبين لنا أن تراجع الرسول يفيد عدم
التشدد في مسألة اللباس ومرونته تجاه هذه المسألة . . وإذا كانت هذه الاستنتاجات لا ترضي القوم وتخالف المألوف فهذا يضعنا بين أمرين : إما أن نرفض الرواية . . وإما أن نقبلها على ما فيها من مساس بشخص الرسول واتهامه بالجهل والتهاون . . أما الرواية الثانية فتكشف لنا الحقائق التالية : - أن الرسول أهدى واحدا من أصحابه ثوبا شفافا ( القباطي ) . .
- أن هذا الثوب يصلح للرجال والنساء . . - أن الرسول أمر الصحابي أن تختمر زوجته بهذا الثوب الشفاف شريطة أن ترتدي تحته ما لا يصف جسدها . . وهذا كله يشير إلى مرونة الرسول ( ص ) في مسألة اللباس وقبوله مشاركة النساء للرجال في نوع اللباس . كما أنه يشير إلى حقيقة هامة وهي أن مثل هذا الثوب الشفاف كان معروفا في المدينة وترتديه النساء ولعلهن أسرفن في لباسه مما اعتبر صورة من صور التبرج الفاضحة التي استدعت نزول آيات الحجاب وارتداء النسوة الخمر وضربها على الجيوب ( أي الصدور ) من ثياب ثقيلة لا تشف ولا تجسم . .
ومثل مسألة ارتداء النساء نعال الرجال تكشف لنا أن المرأة كانت تكشف قدميها ومما سبق ذكر يمكن القول إن تلك الروايات التي استند إليها فقهاء التحريم لا تفيد بالضرورة هذا الحكم ولا تقطع به وذلك من وجوه عدة : أولا : أن ما فعلته نساء الأنصار بنفسها بعد نزول آية الحجاب مجرد اجتهاد شخص وليس دليلا على وجوب ستر الوجه واليدين . .
ثانيا : أن نهي الرسول ( ص ) المرأة أن تتبرقع أو تلبس القفار أثناء الاحرام لا يفيد بالضرورة أن الحكم الشرعي السائد كان ستر الوجه واليدين فإنه يحتمل أن التبرقع ولبس القفاز كان عادة سائدة من قبل بعض النسوة اللاتي يبالغن في الامتثال لأحكام الشرع وكان الرسول ( ص ) ينهاهن عن ذلك أثناء الاحرام . .
يرى جسدها ؟ إن من العجب العجاب أن يستدل الفقهاء بمثل هذه الرواية على وجوب ستر وجه المرأة ويديها . فالرواية لا تفيد شيئا يتعلق بالأمر . فابن أم مكتوم رجل ضرير لا يرى
شيئا من الأصل ووجود فاطمة عنده من باب ستر نفسها والحصول على حرية الحركة في
البيت دون حجاب لا الحصول على حريتها في كشف وجهها ويديها . .
وهناك رواية أخرى حول هذه الحادثة تعطينا دلالة على أنها لا تصلح للاستدلال في هذا الأمر . يروى أن الرسول ( ص ) قال لفاطمة حين طلقت : " اعتدي عند ابن أم مكتوم فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك عنده " ( 1 ) . . وهذه الرواية تكشف لنا أن الاستدلال بها في موضوعنا ليس
استدلالا في محله . وهو يدل على تخبط الرواة وتخبط الفقهاء وتناقضهم وهو ما
نحاول إثباته دوما في محيط هذا الكتاب . . ومن بين صور التحريم التي رفع لوائها
الفقهاء وهي من باب العادات تحريم لعبة الشطرنج . إلا أننا لن نخوض فيه هنا لأن
القوم من فرط تقواهم وورعهم لم ينسبوا تحريمه إلى الرسول
ويروى أن الرسول ( ص ) قال : " من نذر أن يطع الله فليطعه . ومن نذر أن يعصى الله فلا يعصه " ( 3 ) . . ويروى عنه ( ص ) : " لا نذر في معصية " ( 4 ) . . ويروى أن الرسول استفتى فقال المستفتي : إن أمي ماتت وعليها نذر . فقال الرسول : " اقضه عنها " ( 5 ) . .
به تحصيل غرض أو دفع مكروه على ظن أن النذر يرد عن القدر شيئا
وليس مطلق النذر منهيا إذ لو كان كذلك لما لزم بين الروايات وتقييد النهي الوارد فيها . إلا أن قولهم في النهاية قاد إلى الإباحة وهو ما يؤدي إلى ضرب رواية النهي المطلق وانعدام قيمتها وأهميتها . . ومثل هذا مسألة السفر بالقرآن إلى بلاد الكفار . . يروى أن رسول الله ( ص ) نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو ( 2 ) . .
وقال النووي : فإن أمنت هذه العلة بأن يدخل في جيش المسلمين الظاهرين - المنتصرين على العدو فلا كراهة ولا منع منه حينئذ لعدم العلة هذا هو الصحيح وبه قال أبو حنيفة والبخاري وآخرون وقال مالك وجماعة من أصحابنا بالنهي مطلقا ( 3 ) ومثل هذه الرواية وكلام الفقهاء فيها لا يستقيم مع العصر .
فهي رواية ظرفية ترتبط بزمن الرسول ( ص ) والأزمان السابقة من هنا يمكن القول إن مثل هذه الروايات . رواية النهي عن النذر ورواية النهي عن السفر بالمصحف . ورواية النهي عن الصور ونكاح الشفار ونكاح المتعة لا حاجة لنا بها اليوم ومن الواجب نبذها والخلاص منها ليس فقط لكونها لا تتفق مع روح العصر ولكن لكونها تضفي على الرسول صفة المشرع فيما لا فائدة فيه فمن ثم فهي تزيد من إحراج الرسول شرعا وعقلا
والفائدة الوحيدة التي يمكن تحصيلها من وراء رواية النهي عن السفر بالمصحف هي إثبات أن القرآن كان موجودا في زمن الرسول ومكتوبا وهو ما يناقض عقيدة القوم من الفقهاء والمحدثين والتي تنص على أن القرآن لم يكن مجموعا في زمن النبي ومات وهو على هذا الحال من التفرق في صدور الناس . وهو ما يؤدي إلى إحراج الشيخين - أبو بكر وعمر - اللذين تصديا لجمع القرآن بعد وفاة الرسول . .
ويروى : لعن رسول الله ( ص ) زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج ( 2 ) . . ويروى : لعن رسول الله زوارات القبور ( 3 ) . . ويبدو من الرواية الأولى أن الرسول ( ص ) كان قد نهى عن زيارة القبور ثم رجع عن ذلك وأباحها بهدف العظة والتذكرة . . وهذه الإباحة تشمل الرجال والنساء فالخطاب الشرعي لا يخص الرجل وحده . فإذا تبين لنا ذلك فما معنى الرواية الثانية التي تلعن زائرات القبور ؟ والإجابة تفرض علينا إما أن نأخذ برواية الإباحة . وإما أن نأخذ برواية النهي . . فكلا الروايتين محل تصديق الرواة والفقهاء رجحوا رواية الإباحة واعتبروا رواية النهي منسوخة وبهذه الطريقة تم حل التناقض بين الروايتين . .
قال السيوطي : كان ذلك حين النهي ثم أذن لهن حيث نسخ النهي . وقيل بقين تحت النهي لقلة صبرهن وكثرة جزعهن . قلت وهو الأقرب إلى تخصيصهن بالذكر ( 1 ) . . ومثل هذه المسألة إنما تدور في محيط الأمور السلوكية التي تتغير بتغير الواقع والتي لا تدخل في دائرة المحرمات . فهي أشبه بالعادات التي لا يجوز إقحام الدين فيها . فمن ثم فإن نسبة التحريم في مثل هذه المسألة للرسول أمر مشكوك فيه . .
وما ينطبق على المسألة السابقة ينطبق على مسألة تحريم بيع الكلاب ووصل المرأة شعرها والشرب في آنية الذهب والفضة روي أن رسول الله ( ص ) نهى عن ثمن الكلب ( 2 ) . . وروي أن امرأة جاءت إلى النبي ( ص ) فقالت يا رسول الله إن لي ابنة عريسا أصابتها حصبة فتمرق شعرها أفأصله . فقال الرسول : " لعن الله الواصلة والمستوصلة " ( 3 ) . . ويقول الفقهاء عن ثمن الكلب أن ذلك لا يقصد به الكلب المعلم . ويقولون عن وصل الشعر إن هذا حكم يعم الرجل والمرأة . وقال النووي الأحاديث صريحة في تحريم الوصل مطلقا وهو الظاهر المختار . وقال آخر : الرجل والمرأة في ذلك سواء هذا إذا كان المتصل شعرا لآدمي لكرامته وأما غيره فلا بأس بوصله فيجوز اتخاذ النساء القراميل من الوبر - رباط تربط به المرأة شعرها من الوبر - ( 4 ) . .
فإذا كان التحريم يقصد هذا النوع من الكلاب فلا مبرر له . خاصة وأن كلاب الزينة لم تكن تعرف في زمان الرسول . وهذا الاستنتاج يثير الشك حول الرواية من أساسها . . أما وصل المرأة التي يتساقط شعرها بشعر غيرها وهو ما يشبه ( الباروكة ) اليوم فقد جزم الفقهاء بتحريمه رغم أن الرواية لا تنطق بذلك . إنما هي تنطق بالزجر والتخويف من هذا الفعل . ثم هم أباحوا الوصل إذا كان من غير شعر الآدمي فكيف ذلك ؟ أيجوز للمرأة أن تصل شعرها بشعر الحيوانات ولا يجوز لها أن تصله بشعر الآدمي ؟ وهل من المصلحة أن يتساقط شعر المرأة فتسوء في عين زوجها ولا تتحرك لعلاجه بشئ يعيد إليها زينته . . ؟ وما هو الضرر من وصل الشعر . . ؟ هل هو الغش . وغش من ؟ هل هو غش الزوج . وهل الزوج لا يعلم بحال زوجته . . ؟ أم هو غش الخاطب . وهل الخاطب يرى شعر مخطوبته . . ؟ هل كانت النساء تمضي في الطرقات حاسرات كاشفات رؤوسهن فيمكن
للواصلة أن ينخدع بها الناس . . ؟ أما ما يتعلق بتحريم آنية الذهب والفضة فيقول الفقهاء : إن الاجماع منعقد على تحريم استعمال إناء الذهب وإناء الفضة في الأكل والشرب والطهارة والأكل بملعقة من أحدهما والتجمر بمجمرة منها والبول في الإناء منهما وجميع وجوه الاستعمال ومنها المكحلة والميل وظرف الغالية وغير ذلك ( 1 ) . . إن حكم هذه الآنية هو حكم الذهب والفضة .
هل هو الاسراف ؟ فما هو الحال إذا كان متخذ هذه الآنية يرعى حق الله في ماله ولا يظلم أحدا . . ؟ وإذا ما سلمنا بصحة هذا النهي فإنه يحمل على النهي الظرفي الخاص بواقع الرسول وتركيبة المجتمع المدني . ثم إذا كانت الفضة مباحة فلماذا تحرم آنيتها . . ؟ ويبقى بعد هذا مسألة النهي عن إلقاء السلام على أهل الكتاب . .
يقول الفقهاء : قوله ( ص ) لا تبدأوا اليهود . . الخ قيل النهي للتنزيه وضعفه النووي وقال الصواب إن ابتداءهم بالسلام حرام لأنه إعزاز ولا يجوز إعزاز الكافر . وقال الطيبي : المختار أن المبتدع لا يبدأ بالسلام ولو سلم على من لا يعرفه فظهر ذميا أو مبتدعا يقول استرجعت سلامي تحقيرا له وأما إذا سلموا على المسلم فقد جاء في حديث آخر أنه يردهم ( 2 ) . .
فإذا ما تبين لنا هذا فمن أين جاء الفقهاء بهذا الموقف المتشدد . . ؟ وإذا كان بعض الفقهاء قد أجاز بدء اليهود والنصارى بالسلام واعتبر النهي للتنزيه لا للتحريم فلماذا لم يحترم الفقهاء هذا الرأي وضعفوه ؟ والجواب أن فقهاء التشدد ونسبة التحريم للرسول ضد التسامح
وحرية الرأي على الدوام . وهم يعتبرون المواجهة بينهم وبين المخالفين لهم
مواجهة مصيرية تحتم إزالة أحد أطراف الصراع . وهم قد اختاروا أنفسهم وقرروا
إزالة الطرف
الآخر الذي يهدد وجودهم ومستقبلهم المرهون بهذه الروايات وهذه الفتاوى . فمن ثم فهم يطلقون على المخالفين لهم لفظ المبتدعة . وهم هنا قد ساووهم بأهل الكتاب وحرموا إلقاء السلام عليهم كما حرموه على أهل الكتاب . . وهؤلاء الفقهاء إنما استنبطوا موقفهم المتشدد هذا من خلال واقعهم الذي كان يعامل أهل الكتاب معاملة مواطني الدرجة الثانية ويحرمون عليهم إشهار شعائرهم أو ارتداء أزياء المسلمين أو بناء معابد لهم أو حتى المرور في أحياء المسلمين فضلا عن دفع الجزية وخراج الأراضي التي يملكونها في ذلة وصغار ممنوع عليهم محاولة الدخول في الإسلام حتى لا يقل إيراد الدولة ( 1 ) . .
|
|