|
الرسول الخاتم لا
يهتم بمستقبل الدين والأمة |
|
|
الرسول المهمل الرسول الخاتم لا يهتم بمستقبل الدين والأمة . .
يأتي الرواة بروايات تؤكد تناقض الرسول مع هذه الحقيقة وجهله بها . وجاء الفقهاء من بعدهم فباركوا هذا التناقض وأكدوا هذا الجهل . . ولقد كانت الكتب السابقة تحمل البشري للمؤمنين بقدوم نبي جديد يجدد أمر الدين وينهض بالأمة . وهذا يعني أن مستقبل الدعوات الإلهية لم يكن موضع إهمال . . وجاء القرآن بعشرات النصوص التي تتعلق بالمستقبل ليس في حدود الحياة الدنيا وحدها وإنما في حدود الحياة الأخرى أيضا ( 1 ) . .
والنبوية يأتي الرواة والفقهاء فينسبون للرسول التقصير
والاهمال في أخطر القضايا التي يتعلق بها مستقبل الدين الخاتم . . ينسبون إليه
تقصيره في جمع القرآن وترتيبه وتركه مهملا متفرقا في صدور الناس هذا يحمل سورة
وهذا يحمل آية وهذا يحمل كلاما ينسبه للقرآن . .
وينسبون إليه إهماله وصية أمته ووضع الخطوط العريضة التي تحفظ الدعوة بعد وفاته . . والسبب المباشر في نسبة هذا الاهمال للنبي ( ص ) يعود إلى أن الخوض في هاتين القضيتين يصطدم اصطداما مباشرا بالوضع الذي ساد بعد وفاة الرسول خاصة الوضع السائد زمن تدوين الروايات وجمعها . . إن الخوض في هاتين القضيتين سوف يفتح الباب لطرح المناوئ للوضع السائد ألا وهو طرح آل البيت الذي ينادي به الشيعة والذي يقول بالوصية لعلي وأبنائه ويقول بأن القرآن كان بحوزة آل البيت مجموعا ومرتبا وأن الرسول لم يهمل أمر القرآن والوصية . .
يروى عن زيد بن ثابت أن أبا بكر استدعاه أثناء حرب اليمامة . فإذا عمر عنده . قال أبو بكر : إن عمر أتاني فقال إن القتل استحر يوم اليمامة بقراء القرآن وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء بالمواطن فيذهب كثير من القرآن وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن . قلت لعمر : كيف تفعل شيئا لم يفعله رسول الله ( ص ) . قال عمر : هذا والله خير . فلم يزل عمر يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك ورأيت في ذلك الذي رأى عمر . وإنك رجل شاب - أي زيد - عاقل لا نتهمك وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله فتتبع القرآن فأجمعه . قال زيد : فوالله لو
كانوا كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل علي مما أمرني شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر فتتبعت القرآن
أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال حتى الله . ثم عند عمر حياته . ثم عند حفصة بنت عمر ( 1 ) . .
قال ابن حجر : المراد بالجمع هنا جمع مخصوص وهو جمع متفرقة في صحف ثم جمع تلك الصحف في مصحف واحد مرتب السور ( 1 ) . . وقال الخطابي وغيره : يحتمل أن يكون ( ص ) إنما لم يجمع القرآن في المصحف لما كان يترقبه من ورود ناسخ لبعض أحكامه أو تلاوته فلما انقضى نزوله بوفاته ألهم الله الخلفاء الراشدين بذلك وفاء لوعد الصادق بضمان حفظه على هذه الأمة ( 2 ) . . ومجمل ما ذكره الفقهاء حول قيام أبو بكر بجمع القرآن لا يخرج عن كونه يدور في حدود الثناء تارة والتبرير تارة أخرى . . وتعد هذه الرواية المذكورة عاليا هي الرواية الوحيدة حول هذا الحدث الخطير . فمن ثم سوف نكتفي بها في هذا الباب وهي على كل حال تعتبر شافية وكافية لإلقاء الضوء على
هذا الحدث وإبداء الملاحظات عليه تلك الملاحظات التي يمكن أن نوجزها فيما يلي : الملاحظة الأولى : لماذا كلف أبو بكر زيدا وحده بهذا الأمر الخطير . . ؟ إن مثل هذا الموقف يشير وكان زيد هو كاتب الوحي الوحيد أو هو على الأقل المتفوق على كتاب الوحي الآخرين . فهل هذا صحيح . . ؟ لنترك الروايات تجيب على ذلك . . يروى عن الرسول ( ص ) قوله : " خذوا القرآن من أربعة : من عبد الله بن مسعود وسالم ومعاذ وأبي بن كعب " ( 3 ) . . ومن الواضح أن هؤلاء الأربعة ليس فيهم زيد بن ثابت . . ويروى عن ابن مسعود قوله : " والله لقد علم أصحاب رسول الله ( ص ) أني من أعلمهم بكتاب الله وما أنا بخيرهم " ( 4 )
ويروى عنه أيضا قوله : " والله الذي لا إله غيره ما أنزلت سورة من كتاب الله إلا أنا أعلم أين نزلت . ولا أنزلت آية من كتاب الله إلا أنا أعلم فيمن نزلت " ( 1 ) . . والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو : لماذا لم يستعن أبو بكر بعبد الله بن مسعود وهل كان أبو بكر وعمر لا يعرفان أمر الرسول بأخذ القرآن من هؤلاء الأربعة . . ؟
أمر رجع لإحصائه وحفظه فهو واجب على الكفاية وكل ذلك من
النصيحة لله ورسوله وكتابه وأئمة المسلمين وعامتهم . وقد فهم عمر أن ترك النبي
جمعه لا دلالة فيه على المنع ورجع إليه أبو بكر لما رأى وجه الإصابة في ذلك
وأنه ليس
في المنقول ولا المعقول ما ينافيه وما يترتب من ترك جمعه من ضياع بعضه ثم تابعهما زيد بن ثابت وسائر الصحابة على تصويب ذلك ( 1 ) . . ويظهر لنا من كلام ابن الباقلاني أنه يلتزم نهج التبرير لموقف أبي بكر ويحاول توفيق هذا الموقف مع النصوص القرآنية الصريحة والتي تؤكد أن أمر الجمع والبيان والترتيب هي مهمة الوحي ويقوم بتنفيذها الرسول واعترافه أن عملية جمع القرآن من قبل أبي بكر هي فرض كفاية كما أشار إلى مثل ذلك ابن حجر يعني أن هذه العملية لم تكن ضرورية وكان يمكن تركها . وفي هذا اعتراف صريح أن القرآن موجود ومجموع . .
وجناحاه وأقرب الناس إليه وخير صحابته . وقد كان القرآن يتنزل موافقا لرأي عمر كما تصور الروايات على ما سوف نبين فيما بعد . . فما داما في هذه المكانة فأين القرآن الذي ورثاه عن الرسول . . ؟ إننا في مواجهة رواية جمع القرآن بين أمرين : إما أن نكذب الرواية وننفيها من أساسها . . وإما أن نقر ونعترف بجهل أبي بكر وعمر وعدم ارتباطهما بالقرآن وبالتالي التشكيك في قدرهما ومكانتهما من الرسول ( ص ) . . وتبني أي من الموقفين يضع الرواة والفقهاء في مازق حرج . .
إلى أشخاص بعينهم حتى أنه لم يجد آخر التوبة إلا عند أبي خزيمة الأنصاري مع وجود أبي مسعود وأبي بن كعب وعلي بن أبي طالب . . ومثل هذا الموقف يشكك في عملية الجمع ويكشف لنا أن المسألة لها أهداف أخرى لصالح الخليفتين ( 1 ) . . وهذا الموقف من جهة أخرى يشكك في القرآن ذاته إذ كيف يعقل أن خزيمة هو الوحيد الذي عنده آخر التوبة دون غيره ؟ وهو يشكك في الرسول أيضا ويؤكد إهماله وتقصيره في إبلاغ آيات الله للناس وتوزيعه نصوص القرآن على هواه وكان هواه مع خزيمة فخصه بهذه الآية ولو قدر لخزيمة أن يموت لضاعت الآية معه وبالتالي كأنها ما نزلت . . ومثل هذا لا يعقل وهو يدعونا إلى الشك في رواية الجمع لا الشك في القرآن أو في الرسول ( ص ) . .
الأول : أن هذا الجمع خاص بأبي بكر وعمر وليس للمسلمين . . الثاني : أن أبا بكر وعمر تراجعا عن هذا الأمر وقررا الاحتفاظ بما جمعاه . .
كما يفتح الباب لتحريفها . . ولما كان الرسول هو خاتم الرسل
ولن يأتي رسول من بعده يصحح عقائد الناس ويتصدى إشراف الرسول في حياته وقبل مماته وهو ما تؤكده الروايات الذي
عرضنا لبعضها والتي سوف نعرضها فيما بعد . .
يقول ابن حجر : وإذا تأمل المنصف ما فعله أبو بكر من ذلك جزم بأنه يعد في فضائله وينوه بعظيم منقبته لثبوت قوله ( ص ) : " من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها " . فما جمع القرآن أحد بعده إلا وكان له مثل أجره إلى يوم القيامة وقد كان لأبي بكر من الاعتناء بقراءة القرآن ما اختار معه جوار الله ورسوله وقد أعلم الله تعالى في القرآن بأنه مجموع في الصحف في قوله : ( يتلو صحفا مطهرة ) وكان القرآن مكتوبا في الصحف لكن كانت مفرقة فجمعها أبو بكر في مكان واحد ثم كانت محفوظة إلى أن أمر عثمان بالنسخ منها فنسخ منها عدة مصاحف وأرسل بها إلى الأمصار ( 1 ) . . وكلام ابن حجر هذا الذي يدافع به عن أبي بكر ويحاول أن يوجد
له منقبة وفضيلة بفعله هذا الذي من أبرز نتائجه التشكيك إلا أن ابن حجر لم يجيبنا كيف عاش المسلمون بدون القرآن الذي ظل محفوظا حتى نسخه عثمان ؟ وفيما يتعلق بوصية الرسول يروى القوم على لسان عائشة قولها حين سئلت : هل كان عليا وصيا - أي للرسول - ؟ قالت : متى أوصى إليه ؟ وقد كنت مسندته إلى صدري أو حجري . فدعا بالطست . فلقد انخنثت في حجري فما شعرت أنه قد مات . فمتى أوصى إليه ( 2 ) . . ويروى : سئل عبد الله بن أبي أوفى : هل كان النبي ( ص ) أوصى ؟ قال : لا . فقلت : أي السائل - : كيف كتب على الناس وصية أو أمروا بالوصية ؟ قال : أوصى بكتاب الله ( 3 ) . . ؟ ويروى عن عائشة قولها : ما ترك رسول الله دينارا ولا درهما
ولا شاة ولا بعيرة ولا أوصى بشئ ( 4 ) . .
ويروى أن الإمام علي سئل : هل خصكم رسول الله ( ص ) بشئ ؟ فقال : كتاب الله وهذه الصحيفة . فقيل وما في هذه الصحيفة ؟ قال : العقل وفكاك الأسير ولا يقتل مسلم بكافر ( 1 ) . . وفي رواية أخرى : ما عهد إلى رسول الله ( ص ) شيئا خاصا من دون الناس ( 2 ) . .
مهب الريح معرض للضياع والنسيان . فإذا كان هذا موقفهم من
كتاب الله الذي يعني وجوده وجود الدين وضياعه ضياع
أن مات في حجرها فلا يرد ما قيل إن هذا لا يمنع الوصية قبل
ذلك ولا يقتضي أنه مات فجأة بحيث لم يتمكن من الايصاء الايصاء لادعاه الموصى له ولم يدع ذلك علي لنفسه ولا بعد أن ولي الخلافة ولا ذكره أحد من الصحابة يوم السقيفة ( 3 )
أراد نفي الوصية مطلقا لأنه أثبت بعد ذلك أنه أوصى بكتاب الله أي بدينه أو به وبنحوه ليشمل السنة ( 1 ) . . ويقولون عن الرواية الثالثة : قولها - أي عائشة - ولا أوصى بشئ أي في المال لعدم تركه مالا وإن أوصى بالكتاب والسنة ولا أوصى لأحد بالخلافة فإنه مقصودها بالانكار ( 2 ) . .
من حولها التساؤلات . وأن هذه التساؤلات كانت تتركز حول علي . . وباستعراض رواية عائشة التي تتحدث فيها عن موت الرسول في حجرها ومناقشتها على ضوء الروايات الأخرى التي تتحدث عن موت الرسول بين يدي علي يتبين لنا أن نفي عائشة للوصية محل شك ( 4 ) . .
وهذا الاعتراف بوصية الرسول بالكتاب إنما هو محاولة للتهرب من
إلقاء الضوء على آل البيت بزعامة علي الذين أوصى بهم الرسول في حجة الوداع كما
أشرنا إلى النصوص الخاصة بذلك سابقا ( 5 ) . .
كذلك قول عائشة ما ترك رسول الله . هو قول صادر عنها كرد فعل للصدام
الذي وقع بين الإمام علي وفاطمة وبين أبي بكر بخصوص الإمامة وميراث الرسول . وعائشة خصم لعلي وآل البيت فمن ثم فإن الرواة والفقهاء يتلقفون أقوالها تلقف الكرة كي يدعمون بها موقفهم في مواجهة خط الإمام علي وآل البيت المناوئ للخط السائد الذي يتحالفون معه وينصرونه برواياتهم وأقوالهم . . ونفس النتيجة نصل إليها باستعراض رواية علي وهي إدانة القوم واتهامهم بالتضليل وطمس الحقائق . فكون أن الإمام يسئل هذا السؤال هل خصكم رسول الله بشئ من دون الآخرين يعني أن في الأمر شئ يتعلق به دون الناس . وكونه يشير إلى الكتاب فهذا يعني أن القرآن موجود ومجموع وبحوزته هو . . وكونه يشير إلى الصحيفة فهذا يعني أنه قد كتب شيئا عن الرسول ( ص ) غير القرآن . . وإذا كان الرواة والفقهاء يعترفون أن هناك من كان يدون أحاديث رسول الله في حياته مثل عبد الله بن عمرو بن العاص ( 1 ) . .
وما دامت الكتابة مألوفة في الرسائل والأحاديث أفلا تكون مألوفة في الوحي . . ؟ وماذا كانت وظيفة كتاب الوحي إذن ؟ هل كان الرسول يترك كل كاتب منهم يكتب ما يسمع منه من آيات في وقت ما وحدث ما . ويترك الآخر يكتب عنه آيات أخرى دون أن يوجه هؤلاء الكتاب إلى تجميع وترتيب ما كتبوه . . ؟ وإذا كان قد ترك ذلك في بداية حركة الوحي فهل يترك حين قرب أجله . . ؟
إن القوم أرادوا بنسبة هذه الرواية للإمام علي أن يضربوا فكرة الوصية المتعلقة به على لسانه حتى يقطعوا دابر الشك في نفوس المسلمين . إلا أن التأمل في الرواية يصل إلى نتيجة عكسية تشكك في أطروحة القوم وفي رواياتهم . . والمتأمل في كم الروايات المنسوبة للرسول المتعلقة بالقرآن والوصية يتبين له أن القوم في حرج بالغ . ففي الوقت الذي يتداولون فيه الروايات التي تنفي جمع القرآن ووجود الوصية يتداولون أيضا كم من الروايات تدحض ها الادعاء وتؤكد جمع القرآن في زمن النبي ووجود الوصية . .
يروى أن ابن عباس سئل : أترك النبي من شئ ؟ فأجاب : ما ترك إلا ما بين الدفتين . . وسئل محمد بن الحنيفة نفس السؤال فأجاب : ما ترك إلا ما بين الدفتين ( 1 ) . . ويروى عن الرسول ( ص ) قوله : " خيركم من تعلم القرآن وعلمه " ( 2 ) . . ويروى عنه ( ص ) : " تعاهدوا القرآن " ( 3 ) . . ويروى أن عائشة جاءها رجل فقال : أريني مصحفك . . فأخرجت له
المصحف فأملت عليه السورة . أي التي يريد ( 4 ) ويروى عن الرسول ( ص ) قوله : " إن جبريل يعارضني بالقرآن كل
سنة وأنه عارضني العام مرتين ولا أراه إلا حضر أجلي " (
5 ) . . ويروى : جمع القرآن على عهد النبي ( ص ) أربعة كلهم من الأنصار : أبي بن كعب ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت وأبو زيد ( 6 ) . .
ويروى عنه ( ص ) : " من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه " ( 1 ) . . ويروى أن رجلا كان يقرأ سورة الكهف وإلى جانبه حصان مربوط . فتغشته سحابة . فلما أصبح أتى النبي ( ص ) فذكر ذلك له . فقال : " تلك السكينة " ( 2 ) . . قال ابن حجر معلقا على الرواية الأولى : قوله ما بين الدفتين أي ما في المصحف وليس المراد أنه ترك القرآن مجموعا بين الدفتين لأن ذلك يخالف ما تقدم من جمع أبي بكر ثم عثمان ( 3 ) . .
وبين موقف من مواقف الصحابة فإنه يجب أن يختار النص لأنه هو الأساس أما الموقف فهو شئ طارئ يرتبط بصاحبه . . ولقد ضرب لنا الرواة والفقهاء مثلا صارخا في عبادة الرجال بميلهم إلى موقف أبي بكر وعمر وعثمان على حساب النصوص الصريحة التي تؤكد وجود القرآن وجمعه في حياة الرسول ( ص ) . . وكان من نتيجة هذا الموقف أن حط من قدر الرسول ووضع القرآن في دائرة الشك . .
قال ابن حجر : فهذا يدل على أن ترتيب السور على ما هو في المصحف الآن كان في عهد النبي ( ص ) ( 1 ) . . وهذا التصريح من ابن حجر أمام تلك الرواية الصريحة التي ذكرناها إنما هو تصريح تشوبه الحيرة والخلل . فالرواية تدل على أن ترتيب القرآن كان موضع اهتمام الصحابة وهذا الاهتمام ينبع من اهتمام الرسول بلا شك ولا يعقل أن يكون هناك ترتيب ولا يكون هناك جمع . إلا أن ابن حجر أراد أن يطوق الرواية باعترافه أن الترتيب كان موجودا على عهد الرسول على ما هو في المصحف الحالي أي مصحف عثمان . أي أنه اعترف بالترتيب ولم يعترف بالجمع بل ربط الجمع بعثمان وكأنه بهذا يشير إلى أن ما فعله عثمان بالمصاحف هو عمل مشروع وأن مصحفه هو مصحف الرسول فهو قد جمعه على ترتيب الرسول . . وهذا كلام مردود بالروايات والوقائع . . فعثمان ليس من كتبه الوحي وحين تصدى لأمر القرآن تصدى له عن طريق السلطة أي لم يكن هذا الموقف موجودا ويتبناه قبل أن يتولى الحكم كما أن هذا الموقف لم يكن محل إجماع الصحابة . .
. . حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف رد عثمان الصحف إلى حفصة وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق .
ويروى أن عثمان سئل عن عدم كتابة بسم الله الرحمن الرحيم في أول سورة التوبة . فأجاب أن قصتها شبيهة بالأنفال فظننت أنها منها فقبض رسول الله ولم يبين لنا أنها منها ( 1 ) . . ونخرج من هاتين الروايتين بما يلي : أولا : أن المصحف الذي نسخه عثمان هو مصحف حفصة الذي جمعه أبو بكر . ثانيا : أن عثمان أوكل بنسخ المصحف إلى زيد بن ثابت وهو نفسه الذي أوكل إليه أبو بكر جمع القرآن . . ثالثا : أن الثلاثة الآخرين المساعدين لزيد ليسوا من كتاب الوحي . رابعا : أنه فقدت من النساخ آية الأحزاب ولم يجدوها إلا عند واحد فقط وهو نفس ما حدث في الجمع الأول . . خامسا : أن ما كان بحوزة حفصة هو صحف فقط وهذا يناقض ما ذكر من أن الجمع كان على أشياء متفرقة مثل العسب والألواح واللخاف . فهل نسخت حفصة المصحف الذي بحوذتها . أم هو تخبط الرواة ؟ سادسا : أن عثمان يجهل آيات القرآن وتاريخه حيث إن الروايات تثبت أن الرسول لم يكن يعلم ختم السورة حتى ينزل بسم الله الرحمن الرحيم وكان من علامة ابتداء السورة نزول البسملة ( 2 ) . . سابعا : أن حال عثمان كحال أبي بكر وعمر من أنهم جميعا تصدوا لمسألة لا خبرة لهم فيها وأوكلوها إلى آخرين . . ثامنا : أن أمر عثمان بإحراق المصاحف دون مصحفه يدل دلالة قاطعة على أن هناك مصاحف موجودة كاملة ومتداولة بين الصحابة من عهد الرسول وعهد أبي بكر وعمر .
وأن عثمان لم يلجأ لأي من هذه المصاحف بل لجأ لمصحف حفصة المخزون ( 1 ) . . تاسعا : أن الصحابة ثاروا على قرار حرقة المصاحف وعلى رأسهم كتاب الوحي بقيادة ابن مسعود . وأدى هذا الأمر إلى إشعال نار الثورة على عثمان والتي أدت إلى مصرعه ( 2 ) . . عاشرا : أن عثمان يتهم الرسول ( ص ) بالاهمال والتقصير حين يذكر أنه قبض ولم يبين للناس أمر سورة التوبة . . ومن هذا كله يتبين لنا أن ما فعله عثمان بالمصاحف هو امتداد لما فعله أبو بكر . وأن الهدف من الجمع الأول هو الهدف من النسخ الثاني . إنها مسألة خاصة بحكم الخلفاء الثلاثة وشرعيتهم . .
ويروى عن ابن مسعود قوله قال تعالى : ( ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة ) غلوا مصاحفكم وكيف تأمروني أن أقرأ على قراءة زيد بن ثابت وقد قرأت من في رسول الله ( 1 ) . .
ومثل هذه الروايات تشير إلى صدام الذي وقع بين عثمان وبين الصحابة بسبب المصاحف . وقد تمكن عثمان من إخضاع المدينة بينما الكوفة تغلي بزعامة ابن مسعود وغيره من الصحابة ( 3 ) . . إن ما استعرضنا من الروايات ونصوص الفقهاء إنما يؤكد لنا أن مصحف أبو بكر ومصحف عثمان كلاهما لم يكونا
محل إجماع المسلمين آنذاك . وإن عمل أبو بكر وعثمان
يروى عن الرسول ( ص ) قوله : " ما حق
امرئ له شئ يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده "
( 4 ) . .
ويروى عن ابن عباس أنه قال : يوم الخميس . وما يوم الخميس . ثم بكى حتى خضب دمعه الحصباء . فقال : اشتد برسول الله ( ص ) وجعه يوم الخميس . فقال : " ائتوني بكتاب أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا " . فتنازعوا ولا ينبغي عند نبي تنازع . فقالوا : هجر رسول الله . قال ( ص ) : " دعوني فالذي أنا فيه خير مما تدعوني إليه " ( 1 ) . .
وقال الخطابي : إنما ذهب عمر إلى أنه لو نص بما يزيل الخلاف لبطلت فضيلة الاجتهاد وعدم العلماء ( 4 ) . . وقال ابن الجوزي : وإنما خاف عمر أن يكون ما يكتبه
- الرسول - في حالة غلبة المرض فيجد بذلك المنافقون سبيلا إلى الطعن في ذلك
المكتوب ( 5 ) . .
وقال ابن حجر : قول ابن عباس الرزية كل الرزية ما حال بين الرسول وبين كتابه . ليس الأمر في الواقع على ما يقتضيه هذا الظاهر وإنما تعين حمله على غير الظاهر لأن عبيد الله بن عبد الله بن عباس راوي الحديث تابعي من الطبقة الثانية لم يدرك القصة في وقتها لأنه ولد بعد النبي بمدة طويلة ثم سمع من ابن عباس بعد ذلك بمدة أخرى ( 1 ) . . وقال عياض : معنى كلمة الهجر التي ذكرها عمر - أفحش يقال هجر الرجل إذا هذى . وأهجر إذا أفحش ( 2 ) . . ويعلق ابن حجر على وصف النبي ( ص ) بالهجر بقوله : وقوع ذلك عن النبي مستحيل لأنه معصوم في صحته ومرضه لقوله تعالى ( وما ينطق عن الهوى ) ( 3 ) . .
ولو كان واجبا لم يتركه لاختلافهم لأنه لم يترك التبليغ لمخالفة من خالف وقد كان الصحابة يراجعونه في بعض الأمور ما لم يجزم بالأمر كما راجعوه يوم الحديبية في الخلاف وفي كتاب الصلح بينه وبين قريش فإذا اعتزم امتثلوا وقد عد هذا من موافقات عمر . واختلف في المراد بالكتاب فقيل كان أراد أن يكتب كتابا ينص فيه على الأحكام ليرتفع الخلاف وقيل بل أراد أن ينص على أسامي الخلفاء حتى لا يقع بينهم الاختلاف ( 4 ) . .
أولا : إن الرواية الأولى
تنص على وجوب الوصية وعدم جواز أن يبيت المرء دون أن يكتب وصيته . فإذا كانت
الوصية واجبة في الأموال فهي أكثر وجوبا في أمور الدين ومستقبل الدعوة الخاتمة
. .
وإذا كان الرسول ( ص ) يقول بهذا . فهو يؤكد أن الوصية كانت موضع اهتمامه في الأموال وغيرها من أمور الدين والدنيا . . والفقهاء بالطبع لم يركزوا على هذه الرواية التي حصروها في شؤون المال والميراث ولم يحاولوا التأكيد على أهمية الوصية من خلالها . أما الرواية الثانية الخاصة بكتابة كتاب يعصم الأمة من الضلال والردة والانحراف بعد الرسول فهي رواية ذات دلالات خطيرة وصريحة تتعلق بوصية الرسول فمن ثم نرى الفقهاء وقد أحاطوا بها من كل جانب محاولين تمييعها تارة وتأويلها على غير المراد تارة وتبرير مواقف الجبهة الرافضة للوصية بزعامة عمر تارة أخرى وهو ما يبدو بوضوح من خلال نصوصهم التي عرضناها . .
- أن الصحابة انقسموا في مواجهة طلب الرسول إلى قسمين : قسم مؤيد لكتابة الوصية . . وقسم معارض لها . . القسم الأول يتزعمه علي والأنصار . . والقسم الثاني يتزعمه عمر والمهاجرين . . - أن الاتجاه المعارض رفع شعار حسبنا كتاب الله . وفي هذا إشارة إلى وجود القرآن كاملا ومجموعا . ومن جهة أخرى هو محاولة للتغطية على الوصية والتقليل من شانها . . - أن رفع هذا الشعار في مواجهة الرسول فيه تجاوز لحد الأدب معه ومساس بشخصه الكريم . إذ أن الرسول هو الذي أنزل عليه الكتاب فليس من اللائق أن ينبه إليه . - أن الاتجاه المعارض لجا إلى الطعن في شخص الرسول
كمحاولة لإثارة الاتجاه الآخر وجذبه نحو الصدام معه دفاعا عن الرسول لا عن
الوصية مما أدى بالرسول إلى حسم الموقف ووقف الصدام بين الطرفين بدلا من
الاصرار على كتابة الوصية وهو ما حدث عندما قرر الرسول طرد الجميع من غرفته . .
ثالثا : إن الفقهاء دافعوا دفاعا مستميتا عن عمر مبررين موقفه بمبررات واهية وساذجة فيها استخفاف بالعقل . وذلك بدلا من أن يدافعوا عن الرسول وعن النص . . رابعا : إن الفقهاء أنزلوا عمر منزلة المجتهد بموقفه هذا الذي تجاوز فيه حد الأدب مع الرسول واتهمه بالتخريف والهذيان خامسا : إن الفقهاء لم ينفوا وجود الوصية وكونها وصية مصيرية
تتعلق بمستقبل الدين والإمامة من بعد الرسول . . ونحن لا نريد هنا أن نخوض في
موقف عمر ودوافعه وأبعاده فذلك ليس مجاله هنا وإنما المجال هنا يتركز في إبراز
دور الرواة والفقهاء في تشويه الرسول والحط من قدره ومكانته العالية والمساس
بدوره ورسالته ( 1 ) . . ولقد أشرنا سابقا إلى الروايات التي تشير إلى وصية الرسول ( ص
) بآل البيت في حجة الوداع والتي تؤكد تأكيدا قاطعا موضع ولعل هذا هو ما جعله لا يكتبها حين وقع الصدام أمامه بسببها لكونها بينة واضحة ولعله يكون قد كتبها وتم التعتيم عليها من قبل الحكام والفقهاء كما تم التعتيم على الكثير من النصوص الهامة . . عندما يقول الرسول ( ص ) في حجة الوداع : " أذكركم الله في أهل بيتي " . . أليست هذه وصية . .
؟ وعندما يقول : " أيها الناس إنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب وأنا
تارك فيكم ثقلين أولها كتاب الله . . وأهل بيتي " . . أليست هذه وصية . . ؟
وعندما يقول : " من كنت مولاه فعلي مولاه . اللهم وال من والاه وعاد من عاداه "
( 2 ) . .
أليست هذه وصية . . ؟ وعندما يقول : " لا يزال أمر الناس ماضيا ما وليهم اثنا عشر رجلا " ( 1 ) . . وفي رواية : " اثنا عشر خليفة " ( 2 ) . . وفي رواية : " لا يزال الإسلام عزيزا إلى اثني عشر خليفة " ( 3 ) . . إلا أن هذه الروايات المحرجة التي أفلتت من الرواة لم تفلت من
الفقهاء الذين وجهوا دفتها بعيدا عن آل البيت بتمييع مفهوم الوداع مرور الكرام دون أن يلقوا الضوء على مدلولاتها . وهم معذورون في هذا بالطبع إذ أن تبني مدلولات مثل هذه الروايات يصطدم بالوضع السائد الذي يستمدون وجودهم منه . . وهذا ما يبدو بوضوح من الرواية الأخيرة التي يبشر فيها الرسول باثني عشر خليفة . فهم قد طبقوا هذه الرواية على الحكام . .
وقال السيوطي : الاثني عشر الخلفاء الأربعة والحسن ومعاوية وابن الزبير وعمر بن عبد العزيز وهؤلاء ثمانية . ويحتمل أن يضم إليهم المهتدي من العباسيين لأنه فيهم كعمر بن عبد العزيز في بني أمية . وكذلك الظاهر لما أوتيه من العدل . وبقي الاثنان المنتظران أحدهما المهدي لأنه من آل بيت محمد ( ص ) ( 1 ) . .
ويروى عن كعب الأحبار قوله : يكون اثنا عشر مهديا ثم ينزل روح الله فيقتل الدجال ( 5 ) . . وقيل : إن المراد وجود اثني عشر خليفة في جميع مدن الإسلام
إلى يوم القيامة . . يعلمون بالحق وإن لم تتوالى أيامهم
( 6 )
ويقول ابن حجر : . . والذي وقع أن الناس اجتمعوا على أبي بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي إلى أن وقع أمر الحكمين في صفين فسمى معاوية يومئذ بالخلافة ثم اجتمع الناس على معاوية عند صلح الحسن ثم اجتمعوا على ولده يزيد ولم ينتظم للحسين أمر بل قتل قبل ذلك ثم لما مات يزيد وقع الخلاف إلى أن اجتمعوا على عبد الملك بن مروان بعد قتل ابن الزبير ثم اجتمعوا على أولاده الأربعة الوليد ثم سليمان ثم يزيد ثم هشام وتخلل بين سليمان ويزيد عمر بن عبد العزيز فهؤلاء سبعة بعد الخلفاء الراشدين والثاني عشر هو الوليد بن يزيد بن عبد الملك اجتمع الناس عليه لما مات عمه هشام فولي نحو أربع سنين ثم قاموا عليه فقتلوه وانتشرت الفتن وتغيرت الأحوال من يومئذ ولم يتفق أن يجتمع الناس على خليفة بعد ذلك ( 1 ) . .
عثمان ومعاوية وولده يزيد وأبناء مروان الذين يشهد التاريخ بفسادهم وإجرامهم ويربط بهم عزة الإسلام . والظاهر أن الفقهاء يريدون أن يربطوا عزة الإسلام بحركة الغزو المسلح والذي قامت به جيوش هؤلاء الحكام والتي كان نتيجتها سيادة دولهم على المشرق والمغرب على أساس أن هذه السيادة هي سيادة الإسلام .
لقد أغفل الفقهاء تماما آل البيت تحت ضغط السياسة وتوجهوا بأبصارهم نحو الحكام . . أهملوا الإمام علي . . وأهملوا الإمام الحسن . . وأهملوا الإمام الحسين . . وأهملوا زين العابدين . . وأهملوا محمد الباقر . . وأهملوا جعفر الصادق . . وأهملوا موسى الكاظم . . وأهملوا علي الرضا . . وأهملوا محمد الجواد . . وأهملوا علي الهادي . . وأهملوا الحسن العسكري . . وأهملوا المهدي المنتظر . . أهملوا هؤلاء واهتموا بالحكام . . إن المتتبع لتاريخ هؤلاء الاثني عشر سوف يتبين له أنهم هم المقصودون بوصية الرسول وهم ورثة علمه وحججه
على الناس وقد تم التعتيم عليهم وعلى سيرتهم في بعد أن سلطت الأضواء على الأئمة الزائفين الذين حلوا محلهم ( 1 ) . .
على قوله تعالى ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ) بأن صرفوا معناه على نساء النبي ( 1 ) . . إن تخصيص آل البيت بالتطهير من دون بقية فئات الأمة يعني أنهم الفئة المؤهلة لقيادة الأمة وحفظ الدين من بعد الرسول . فمهمة الحفظ والقيادة لا بد وأن تكون لفئة تحمل مواصفات النبي ( ص ) . . وهذا دليل قاطع على كونهم هم الذين أوصى بهم الرسول ويدل على
ذلك ربطهم بالكتاب . .
|
|