|
|
|
|
مقدمة المحقق بسم الله الرحمن الرحيم الحمد الله فدك في التأريخ بقلم الأمام الشهيد السيد محمد باقر الصدر قدس سره رب العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين و صحبه المنتجبين . بين يدي الكتاب والمؤلف : ( فدك في التاريخ ) باكورة النتاج العلمي الخطب للأمام الشهيد الصدر قدس سره . وهذه الدراسة تعد بحق بلحاظ الفترة التاريخية التي كتبت فيها دراسة رائدة وأصيلة ، وذلك لاعتمادها المنهج ا لعلمي الحديث ليس في الاستقصاء و التتبع لحيثيات القضية ، ومستنداتها فحسب ، بل في عمق التحليل ، ورضانة الاسلوب ، ودقة المناقشة ، وقوم المنطق . إن النظر إلى الدراسات سواء منها التي صدرت في تلك الفترة أي قبل نصف قرن تقريبا أو الفترة اللاحقة فيما يتعلق بمثل هذه الموضوعات الحساسة ، سيتبين منها مدى السبق العلمي والأنجاز التا ريخي الذي حققه الأمام الشهيد في دراسته التي بين يديك أيها القارئ العزيز . ولا غرابة في ذلك فالسيد الشهيد تفجرت عبقريته منذ وقت مبكر ، ثم تطورت مواهبه سريعا ليرفد المكتبة الأسلامية بدراساته المبتكرة في
مختلف حقول المعرفة الأنسانية وعلوم الشريعة الأسلامية . لقد كان الأمام الشهيد
الصدر عالما ربانيا ومجتهدا ورعا وعبقريا فذا ، وقد أغنى الفكر الأسلامي
المعاصر ، وأمده بعناصر الحيوية والاستمرار ، حتى ليصح القول : إن الأمام
الشهيد كان اطروحة الأسلام المتجدد . يدلك على ذلك أنه قدس سره قد نهض بمسؤوليا ت فكرية وجهادية بما لم ينهض بمثله إلا القائل في تاريخ الأسلام المجيد ، إذ كان في جهاد متواصل ، وسعي دائب من أجل تحرير وعي الامة المسلمة من اطروحة الغرب الكافر ، وتحرير مستقبلها من هيمنة الاستكبار العالمي وعملائه ، حتى توجت حياته الشريفة بالشهادة في سبيل الله وفي سبيل إعلاء كلمة الأسلام .
عن المرتكزات ) ، والتتبع والاستقصاء والتأمل ( الأناة في الحكم ) ثم ( الحرية في التفكير ) . ويعتبر الشهيد الصدر هذه الامور شروطا أساسية لأقامة بناء تاريخي محكم لقضايا الأسلاف ، ترتسم فيه خطوط حياتهم التي عرفوها في أنفسهم ، أو عرفها الناس عنهم يومئذ . . . ثم يرى قدس سره ( أن ذلك للبناء ينبغي أن يتسع لتأملا ت شاملة لكل موضوع من موضوعات ذلك الزمن المنصرم يتعرف على لونه التاريخي والاجتماعي ، ووزنه في حساب الحياة العامة أو في حساب الحياة الخاصة التي يعنى بها الباحث ، وتكون مدارا لبحثه
كالحياة الدينية والأخلاقية والاجتماعية والسياسية ) ( *
) . وإذا كان هذا هو الهدف من مثل هذه الدراسات التاريخية ، وذاك هو
إطارها العام ، فإن الشهيد ينبه هنا إلى ضرورة ( أن تستمد هذه التأملات كيانها النظري من عالم الناس المنظور ، لا من عالم تبتدعه العواطف والمرتكزات ، وينشئه التعبد والتقليد ) . ثم يضع قيدا على مثل تلك التأملات وهو أن لا تستند إلى خيال مجنح يرتفع بالسفاسف إلى الذروة ، وتبنى عليها نتائج غير سليمة . وأخيرا يؤ كد السيد الشهيد ضرورة الالتزام بمنطق البحث العلمي لا بما نستلهمه من عواطفنا ومورو ثاتنا . ثم ينبه إلى حقيقة خطيرة في حقل الدراسات هي تحول المؤرخ إلى روائي يستوحي من دنيا ذهنه ، لا من الوقائه التاريخية . إن معالم هذا المنهج يكشف عن وعي مبكر وعميق باصول البحث العلمي وشروطه الأساسية . وقد رأيت السيد الشهيد وهو يخوض غمار هذا البحث متسلحا بمنطق العلم ، متحمسا لمنطق الحق ، مستمسكا بما يهديه إليه منطق الأحداث . وهو في كل ذلك يستند إلى ما نقله المؤرخون ، وما نطقت به الوثيقة التاريخية ، ويستنتج وفق الضوابط والاصول المعتبرة .
ما اعتمل في ذهن الزهراء ( سلام الله عليها ) من أفكار ، وما
دار في خلدها من ذكريات عظيمة في حياة أبيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
، ثم ها هي تصحو على واقع مؤلم مرير يموج بالمحنة وبالفتنة التي لا تقف عند
حدود ، فيحفزها ذلك إلى أن تطلق صرختها ، وتعلن عن الشروع بالمجابهة ، ثم ينتقل
السيد الشهيد إلى الفصل الثاني ( فد ك في معناها
الحقيقي ومعناها الرمزي ) فيعرف بها ، ثم ينتقل معها عبر مراحل التاريخ المتعاقبة منذ أن انتزعت من يد الزهراء عليها السلام ، إلى آخر ما استقر عليه أمرها في أواخر زمن العباسيين . ثم يتحول إلى الفصل الثالث الذي عنونه ب ( تاريخ الثورة ) فيتحدث عن الثورة ممهدا لها بالكلام على شروط البحث واسلوب كتابة تاريخ الفرد والامة مشيدا بعصر صدر الأسلام وما تحقق فيه من إنجازات . يعرج بعد ذلك إلى كتاب العقاد ( فاطمة والفاطميون ) فينعى عليه المعالجة المبتسرة لمثل تلك القضية الخطيرة ومحاولته - أي العقاد - حصرها في نطاق ضيق متابعا في مناقشته لها منطق التعبد والتقليد للمتوارث من غير روية أو إعمال فكر . ثم ينطلق بعد ذلك ليحدد أبعاد ( فدك ) ، بأنها ليست منازعة في أمر محدود وحق مغصوب ، بل هو يراها أكبر من ذلك بكثير ، قال : ( إننا نحس إذا درسنا الواقع التار يخي لمشكلة فدك ومنازعاتها أنها مطبوعا بطابع الثورة التي توفرت بواعثها ، ونتبين أن هذه المنازعات كانت في وا قعها ودوافعها ثورة على السياسة العليا . . . ) . ثم يقدم تبريرا منطقيا لتناوله القضية بكل تلك الأبعاد فيقول : ( ادرس ما شئت من المستندات التاريخية الثابتة للمسألة ، فهل ترى نزاعا ماديا ؟ أو ترى اختلافا حول ( فدك ) بمعناها المحدود ، وواقعها الضيق ؟ أو ترى تسابقاا على غلات أرض . . . كلا ، بل هي الثورة على اسس الحكم ، والصرخة التي أرادت الزهراء عليها السلام أن تقتلع بها الحجر الأساس الذي بني عليه التاريخ بعد يوم السقيفة . . . ) . ومن هنا يبدأ السيد الشهيد في رصد الأحداث قبل يوم السقيفة ثم يلاحقها مناقشا ، مسلطا الضوء على الزوايا والخفايا سواء فيما يتعلق بالمواقف
أو بالشخصيات ، مبرزا مواقف الأمام على عليه السلام التي أملتها
المصلحة الأسلامية العليا . . . ينتقل السيد الشهيد في فصل آخر إلى ( الخطاب الفاطمي ) فيحلل ، ويدين المقاصد والأغراض ، وينطلق خلال ذلك ليكشف عن خصائص ومواقف أمير المؤمنين عليه السلام ، تلك الخصائص والميزات التي تؤهله دون غيره لاحتلال المركز القيادي الأول والمرجعية الكفرية والسياسية لامة الأسلام . ثم يختم الكتاب بفصل عنونه ب ( محكمة الكتاب ) ناقش فيه ( قضية فدك ) مبينا ملا بساتها وحيثياتها ، مثيرا الأشكالات العميقة على مباني القوم في حرمان الزهراء ( سلام الله عليها ) من حقها الثابت ، مستندا في كل ذلك إلى النصوص الثابتة قرآنا وسنة ، وإلى ما يقتضيه قانون الشرع ومنطق الحق والأنصاف . ذلك باختصار لمحات عن فصول الكتاب الذي سيجد فيه القارئ العزيز تحليلا عميقا ، ومناقشات رصينة ، باسلوب بليغ ، مع التزام بشرائط البحث ومقتضاته . كلمة في المقام : إن قضية فدك في منظور الزهراء ( سلام الله عليها ) إذن ليست مسألة ( نحلة ) انتزعت من يدها ، لأسباب اختلقتها السلطة أو بررتها ، بل إن القضية أخطر من ذلك بكثير ، إنها تشكل بادرة خطيرة في حياة الدولة الأسلامية وفي حياة التجربة الأسلامية الوليدة ، تلك التجربة وهذه الدولة التي ناضى النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم نضالا مريرا في سبيل إقامتها على شرعة الحق وميزان العدل ، وأراد لها أن تمتد في أقطار الأرض وآماد الزمان . إن الخطورة
تلك تكمن في استعجال ( النخبة ) التي يفترض أنها المسؤولة عن حماية التجربة ،
استعجالها للحصول على ( المكاسب
الانية ) ، ومحاولة الاستحواذ على المراكز القيادية بغض النظر عن الاصول المقررة ، والنصوص المعتبرة . وذلك يعني أول ما يعني فتح الباب واسعا أمام أصحاب المطامع والنهازين ، أو على حد تعبير ا م المؤمنين عائشة : إن الخلافة - حينئذ سينالها البر والفاجر ( * ) . ولذلك فإن تصدي الزهراء ( سلام الله عليها ) لمثل تلك الحالة ، إنما كان للحيلولة دون تحقق النتائج الخطيرة والمتوقعة . ومن هنا كان الهدف في ( إثارة فدك ) بأبعادها الشمولية وتبصير الامة قيادات وأفرادا وجماهير بتلك المخاطر الرهيبة التي تنتظرهم في حال الاندفاع بهذا الاتجاه ، وقد صرحت الزهراء ( سلام الله عليها ) بذلك قائلة : ( أما لعمر الله لقحت فنظرة ريثما تنتج ، ثم احتلبوها طلاع العقب دما عبيطا . . . هنا ك يخسر المبطلون ، ويعرف التالون غب ما أسسه الأولون ثم طيبوا من أفسكم نفسا ، واطمئنوا للفتنة جأشا وأبشروا بسيف صارم ، وهرج شامل . واستبداد من الظالمين يدع فيئكم زهيدا ، وجمعكم حصيدا . . . ) ( * * ) . في ضوء ذل كله يمكن فهم الحماس الذي يبديه السيد الشهيد ، والتأثير البالغ الذي يعتمل في داخله ، إذ هو يحلل ويناقش ويستنتج ( بالمنظور الفاطمي ) وبدافع الحرص على نقاء الأسلام . لقد كان السيد الشهيد في طول البحث ( يترضى ) على الصحابة
ويقدر مآثرهم في دنيا ا لأسلام ، ولكنه لا يغمض النظر عن موارد الخلل ، ومواطن
الزلل في مسيرة القوم . ولا نرى أن هناك تقاطعا ، إ ذ أن الأكثر أهمية ،
والأولى
بالمراعاة هو سلامة التجربة الأسلامية وأصالتها ونقاؤها . ثم لو أراد البعض أن يتأول - ولا مانع من التأويل - إلا أنه غير ملزم لنا فضلا عن كونه خلاف الواقع ، ولنتذكر على سبيل المثال هنا قولة الخليفة الثاني بشأن خالد بن الوليد في قضية مالك بن نويرة ، قال الخليفة عمر بن الخطاب لأبي بكر : ( إن خالدا قتل امرءا مسلما ونزا على امرأته . . . ) ( * ) على حد تعبير الطبري فتأول الخليفة الأول لخالد ذلك الفعل ، إلا أن ذلك التأويل لم يحقق القناعة عند الخليفة عمر ، وأضمرها في نفسه ثم تصرف لا حقا استنادا إلى ( الواقعة ) ، نفسها فعزل خالدا حالما تسلم الحكم . إذن نحن غير ملزمين بقبول كل تأويل على أن تأشير الخطأ ، وتسجيل الوقائع ، واستنطاقها لا شك أمر يجنبنا النتائج الوخيمة ، وهو بالتالي يصب في صالح خدمة مسيرة الامة الأسلامية وأصالة الأسلام . وهذا ما كان يهدف إليه الأمام الشهيد من دراسته القيمة ، وذلك هو الذي حفزنا إلى القيام بالتحقيق العلمي لهذه الدراسة ، وقد ظهر لنا أن كل إشارة وردت ، أو قول أو تحليل أو استنتاج ، إنما يستند إلى منطق الأحدات ، وإلى المصادر الموثوقة ، والوقائع المشهورد ، وسيرة
القوم . وسوف يظهر للقارئ الكريم من خلال هذا ( التحقيق ) أنه ليس هناك مجازفة
في قول ، ولا تحامل في رأي ، ولا استنتاج من غير دليل . عملي في التحقيق : ظهر
كتاب ( فدك في التاريخ ) في طبعتين ، اولا هما طبعة المطبعة الحيدرية في
النجف الأشرف لصاحبها الفاضل الشيخ محمد كاظم الكتبي ، وذلك سنة 1374 ه / 1955 / م وهذه الطبعة - في الواقع - جيدة وقليلة الأخطاء . . . ثم ظهرت الطبعة الثانية بعد ذلك بسنوات ، وهي طبعة دا ر التعارف البيروتية التي أشرت إليها ، ولم أعثر على طبعات اخرى . ولما كانت الطبعة الحيدرية أدق ولأن السيد الشهيد اطلع عليها بنفسه ، فقد اعتمدتها أصلا . ولقد قمت بتخريج الايات والروايات من مظانها كما وثقت الأحالات التي أوردها السيد الشهيد ووضعت إزاءها كلمة ( الشهيد ) تمييزا لها من التخريجات والتعليقات والأضافات التي اقتضاها التحقيق ، ورأيت من المناسب ذكرها . وقد رجعت في كل ذلك إلى الكتب والمصادر المعتمدة عند إخواننا أهل السنة ليتضح جليا أن المطالب التي حققت تعتمد وتستند على هاتيك المصادر . ثم يبقى بعد ذلك أصالة التحليل ، والتزام المنهج العلمي في العرض والمناقشة والاستدلال من ميزات السيد الشهيد في هذه الدراسة . وأخيرا فإني في الوقت الذي أحمد الله تعالى على توفيقه وتسديده في إنجاز هذا العمل أرجوه تعالى أن يجعله خالصا لوجهه ، كما أسأله تعالى أن يوفق العاملين في
مركز الغدير للدراسات الأسلامية لخدمة الأسلام العزيز ومذهب أهل البيت عليهم
السلام . ولهم الشكر والثناء . والحمد لله أولا وآخرا د . عبد الجبار شرارة
دكتوراه في الدراسات الأسلامية والدينية ( استاذ مساعد )
|
|