|
منهج دراسة التاريخ |
|
|
الفصل الثالث تاريخ الثورة
صبت علي مصائب لو أنها * صبت على الأيام صرن لياليا
( منهج دراسة التاريخ ) إذا كان التجرد عن المرتكزات ، والأناة في الحكم ، والحرية في التفكير شروطا للحياة الفكرية المنتجة ، وللبراعة الفنية في كل دراسة عقلية مهما يكن نوعها ، ومهما يكن موضوعها ، فهي أهم الشروط الأساسية لأقامة بناء تاريخي محكم لقضايا أسلافنا ترتسم فيه خطوط حياتهم التي صارت ملكا للتاريخ ، ويصور عناصر شخصياتهم التي عرفوها في أنفسهم أو عرفها الناس يومئذ فيهم ، ويتسع لتأملات شاملة لكل موضوع من موضوعات ذلك الزمن المنصرم يتعرف بها على لونه التاريخي والاجتماعي ووزنه في حساب الحياة العامة ، أو في حساب الحياة الخاصة التي يعني بها الباحث ، وتكون مدارا لبحثه ، كالحياة الدينية ، والأخلاقية ، والسياسية إلى غير ذلك من النواحي التي يأتلف منها المجتمع الأنساني على شرط أن تستمد هذه التأملات كيانها النظري من
عالم الناس المنظور لا من عالم تبتدعه العواطف والمرتكزات ، وينشئه التعبد
والتقليد ، ولا من خيال مجنج يرتفع بالتوافه والسفاسف إلى الذروة ، ويبني عليها
ما شاء من تحقيق ونتائج ، ولا من قيود لم يستطع الكاتب أن يتحرر عنها ليتأ مل
ويفكر كما تشاء له أساليب البحث العلمي النزيه .
وأما إذا جئنا للتاريخ لا لنسجل واقع الأمر خيرا كان أو شرا ،
ولا لنجس دراستنا في حدود من مناهج البحث العلمي بالتقدير والملاحظة ، بل لنستلهم عواطفنا وموروثاتنا ونستمد
من وحيها الأخاذ تاريخ أجيالنا السابقة ، فليس ذلك تاريخا والأحساس ، وتختلج في ضمائرهم ألوان مختلفة من نوازع الخير ونزعات الشر ، بل هو ترجمة لأشخاص عاشوا في ذهننا وطارت بهم نفوسنا إلى الافاق العالية من الخيال .
ملكك بعد أن اضطلعت بمسؤولية التاريخ وأخذت على نفسك أن تكون
أمينا ليأتي البحث مستوفيا لشروطه قائما على اسس صحيحة من التفكير والاستنتاج
( 1 ) . كثيرة جدا هذه الأسباب التي تحول بين
نقاد التاريخ وبين حريتهم فيما ينقدون ، وقد اعتاد المؤرخون أو أكثر المؤرخين
بتعبير أصح ، أن
يقتصروا على ضروب معينة من هندسة الحياة التى يؤرخونها ، وأن يصوغوا التاريخ صياغة قد يظهر فيها الجمال الفني أحيانا حينما يتوسع الباحث في انطباعاته عن الموضوع ، ولكنها صورة باهتة في أكثر الأحايين ليس فيها ما في دنيا الناس التي تصورهم من معاني الحياة وشؤونها المتدفقة بألوان من
النشاط ، والحركة ، والعلمل ، وسوف تجد فيما يأتي أمثلة وآله وسلم وتقررت فيه المسألة الأساسية في تاريخ الأسلام على شكل لا يتغير ، وهي نوع السلطة التي ينبغي أن تتولى امور المسلمين .
|
|