تقويم تاريخ صدر الأسلام

 

 

- فدك في التاريخ - السيد محمد باقر الصدر ص 47 : -

( تقويم تاريخ صدر الإسلام : ) كلنا نود أن يكون التاريخ الإسلامي في عصره الأول الزاهر طاهرا كل الطهر ، بريئا مما يخالط الحاية الأنسانية من مضاعفات الشر ومزالق الهوى ، فقد كان عصرا مشعا بالمثاليات الرفيعة ، إذ قام على إنشائه أكبر

المنشئين للعصور الأنسانية في تاريخ هذا الكوكب على الأطلاق ، وارتقت فيه العقيدة الألهية إلى حيث لم ترتق إليه الفكرة الألهية في دنيا الفلسفة والعلم ، فقد عكس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم روحه في روح ذلك العصر ، فتأثر بها وطبع

بطابعها الألهي العظيم ، بل فنى الصفوة من المحمديين في هذا الطابع فلم يكن لهم اتجاه إلا نحو المبدع الأعظم الذي ظهرت وتألقت منه أنوار الوجود وإليه تسير ، كما كان استاذهم الأكبر الذي فنى الوجود المنبسط كله بين عينيه ساعة هبوط الرسالة

السماوية عليه . فلم يكن يرى شيئا ولا يسمع صوتا سوى الصوت الألهي المنبعث من كل صوب وحدب ، وفي كل جهة من جهات الوجود ، وناحية من نواحي الكون يعلن تقليده الشارة الكبرى .
 

- فدك في التاريخ - السيد محمد باقر الصدر ص 48 : -

إن عصرا تلغى فيه قيمة الفوارق المادية على الأطلاق ، ويستوي فيه الحاكم والمحكوم في نظر القانون ( 1 ) ، ومجالات تنفيذه ، ويجعل مدار القيمة المعنوية ، والكرامة المحترمة فيه تقوى الله ( 2 ) التي هي تطهير روحي ، وصانية للضمير ،

وارتفاع بالنفس إلى آفاق من المثالية الرفيعة ، ويحرم في عرفه احترام الغني لأنه غني ، وإهانة الفقير لأنه فقير ، ولا يفرق فيه بين الأشخاص إلا بمقدار الطاقة الانتاجية ( لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ) ( 3 ) .

ويتسارع فيه إلى لجهاد لصالح النوعى الأنساني الذي معناه إلغاء مذهب السعادة الشخصية في هذه ا لدنيا ، وإخراجها عن حساب الأعمال ( 4 ) .


( أقول ) إن العصر الذي تجتمع له كل هذه المفاخر لهو خليق بالتقديس والتبجيل والأعجاب والتقدير ، ولكن ماذا أراني دفعت إلى التوسع في أمر لم أكن اريد أن اطيل فيه ؟ وليس لي أن افرط في جنب الموضوع الذي احاوله بالتوسع في أمر آخر ، ولكنها الحماسة لذلك العصر هي التي دفعتني إلى ذلك ، فهو بلا ريب زين العصور في الروحانية والاستقامة . أنا أفهم هذا
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) راجع الحادثة التاريخية المشهورة في موقف الأمام علي عليه السلام في مجالس القضاء ، وكذلك ما جرى عليه الأمر في تاريخ القضاء الأسلامي . لاحظ الأشارة إلى ذلك في شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 16 : 269 .
( 2 )
إشارة إلى قوله تعالى : ( إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) الحجرات / 13 .
( 3 )
البقرة / 286 .
( 4 )
إشارة إلى الاستعداد للتضحية بالغالي والنفيس من أجل الأسلام ورفع الظلم ونصرة المستضعفين كما في قوله تعالى : ( قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره . . . ) التوبة / 24 . ( * )

 

 

- فدك في التاريخ - السيد محمد باقر الصدر ص 49 : -

جيدا ، واوافق عليه متحمسا ( 1 ) ، ولكني لا أفهم أن يمنع عن التعمق في الدرس العلمي ، أو التمحيص التاريخي لموضوع
كموضوعات الساعة التي نتكلم عنها من مراحل ذلك الزمن ، أو يحظر علينا أن نبدأ البحث في مسألة فدك على أساس أن

أحد الخصمين كان مخطئا في موقفه بحسب موازين الشريعة ومقاييسها ، أو أن نلاحظ أن قصد الخلافة وفكرة السقيفة لم تكن مرتجلة ولا وليدة يومها إذا دلنا على ذ لك سير الحوادث حينذاك ، وطبيعة الظروف المحيطة بها .


وأكبر الظن أن كثيرا منا ذهب في تعليل مناقب ذلك العصر ومآثره مذهبا جعله يعتقد أن رجالات الزمن الخالي ، وبتعبير أوضح تحديدا أن أبا بكر وعمر وأضرابهما الذين هم من موجهي الحياة العامة يومئذ لا يمكن أن يتعرضوا لنقد أو محاكمة ،

لأنهم بناة ذلك العصر ، والواضعون لحياته خطوطها الذهبية ، فتاريخهم تاريخ ذلك العصر ، وتجريدهم عن شئ من مناقبهم تجريد لذلك العصر عن مثاليته التي يعتقدها فيه كل مسلم .
 

واريد أن أترك لي كلمة مختصرة في هذا الموضوع فيها مادة لبحث طويل ، ولمحة من دراسة مهمة قد أعرض لها في فرضة اخرى من فرص التأليف ، وأكتفي الان أن أتساءل عن نصيب هذا الرأي من الو اقع .
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) لاحظ التقويم الدقيق للحالة الأسلامية في صدر الأسلام ، وزمن الخلفاء الراشدين ، ومدى التقدير العالي 19 لمناقبية ذلك العصر ، ومع ذلك فإن الأمام الشهيد رضوان الله عليه لا يريد أن يقع تحت جاذبية الانبهار والأعجاب بذلك العصر ويغمض النظر عما وقع فيه من مفارقات ، تدعو إلى الدراسة والبحث والتحليل والتحقيق وصولا إلى الرأي الأقرب إلى الصواب . ( * )

 

 

- فدك في التاريخ - السيد محمد باقر الصدر ص 50 : -

صحيح أن الأسلام في أيام الخليفتين كان مهيمنا ، والفتوحات متصلة والحياة متدفقة بمعاني الخير ، وجميع نواحيها مزدهرة بالانبعاث الروحي الشامل ، واللون القرآني المشع ، ولكن هل يمكن أن نقبل أن التفسير الوحيد لهذا وجود الصديق أو الفاروق على كرسي الحكم ؟ ( 1 )


والجواب المفصل عن هذا السؤال نخرج ببيانه عن حدود الموضوع ، ولكنا نعلم أن المسلمين في أيام الخليفتين كانوا في أوج تحمسهم لدينهم ، والاستبسال في سبيل عقيدتهم ، حتى إن التاريخ سجل لنا ( إن شخصا أجاب عمر حينما صعد يوما على

المنبر وسأل الناس : لو صرفناكم عما تعرفون إلى ما تنكرون ما كنتم صانعين ؟ - إذن كنا نستتيبك فإن تبت فبلناك ، فقال عمر : وإن لم ؟ - قال نضرب عنقك الذي فيه عيناك . فقال عمر : الحمد لله الذي جعل في هذه الامة من إذا اعوججنا أقام أودنا ) ( 2 ) .


ونعلم أيضا أن رجالات الحزب المعارض - وأعني به أصحاب علي - كانوا بالمرصاد للخلافة الحاكمة ، وكان أي زلل وانحراف مشوة للون الحكم حينذاك كفيلا بأن يقلبوا الدنيا رأسا على عقب ، كما قلبوها على عثمان - يوم اشترى قصرا ، ويوم ولى أقاربه ، ويوم عدل عن السيرة النبوية المثلى ( 3 ) - مع أن الناس في أيام عثمان كانوا أقرب إلى الميوعة ( 4 ) في الدين
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) طرح مثل هذا الافتراض يعد منطقيا ومتسقا مع المنهج العلمي في صدد تقديم تفسير دقيق للمرحلة التاريخية .
( 2 )
القضية مشهورة في سيرة الخليفة الثاني عمر بن الخطاب .
( 3 )
راجع : تاريخ الطبري 2 : 651 ، فقد نقل المحاورة بين الخليفة عثمان والوفود التي قدمت من مصر وغيرها للتفاوض معه ، وفيها
       تصريح بهذه الامور .
( 4 )
المجموعة الكاملة لمؤلفات الدكتور طه حسين ، المجلد الرابع : 268 - دار الكتاب اللبناني - بيروت . ( * )

 

 

- فدك في التاريخ - السيد محمد باقر الصدر ص 51 : -

واللين والدلة منهم في أيام صاحبيه . ونفهم من هذا أن الحاكمين كانوا في ظرف دقيق لا يتسع للتغيير والتبديل في اسس السياسة ونقاطها الحساسة لو أرادوا إلى ذلك سبيلا ، لأنهم تحت مراقبة النظر الأسلامي العام الذي كان مخلصا كل

الأخلاص لمبادئه ، وجاعلا لنفسه حق الأشراف على الحكم والحاكمين ، ولأنهم يتعرضون لو فعلوا شيئا من ذلك لمعارضة خطرة من الحزب الذي ما يزال يؤمن بأن الحكم الأسلامي لا بد أن يكون مطبوعا بطابع محمدي خالص ، وأن الشخص الوحيد الذي يستطيع أن يطبعه بهذا الطابع المقدس هو علي - وارث رسول الله ووصيه وولي المؤمنين من بعده ( 1 ) .


وأما الفتوحات الأسلامية فكان لها الصدارة في حوادث تلك الأيام ولكننا جميعا نعلم أيضا أن ذلك لا يسجل للحكومة القائمة في أيام الخليفتين بلونها المعروف مجدا في حساب التاريخ ما دام كل شأن من شؤون الحرب ومعداته وأساليبه يتهيأ بعمل

أشبه ما يكون بالعمل الأجماعي من الامة الذي تعبر به عن شخصيتها الكاملة تعبيرا عمليا خالدا ، ولا يعبر عن شخصية الحاكم الذي لم يصل إليه من لهيب الحرب شرر ، ولم يستقل فيه برأي ، ولم يتهيأ له إلا بأمر ليس له فيه أدنى نصيب ،

فإن خليفة الوقت سواء أكان وقت فتح الشام أو العر اق ومصر لم يعلن بكلمة الحرب عن 20 قوة حكومته ومقدرة شخصه على أن يأخذ لهذه الكلمة اهبتها ، بل أعلن عن قوة
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) تاريخ الطبري 3 : 218 - 219 حديث الدار - طبعة المطبعة الحسينية بمصر ،
      تفسير الخازن
3 : 371 - طبعة دار المعرفة ، الخصائص / النسائي : 86 - 87 ، المستدرك 3 : 126 . ( * )

 

 

- فدك في التاريخ - السيد محمد باقر الصدر ص 52 : -

الكلمة النبوية التي كانت وعدا قاطعا بفتح بلاد كسرى وقيصر ( 1 ) اهتزت له قلوب المسلمين حماسة وأملا بل إيمانا ويقينا ، ويحدثنا التاريخ أن كثيرا ممن اعتزل الحياة العملية بعد رسول الله لم يخرج عن عزلته إلى مجالات العمل إلا حين ذكر هذا الحديث النبوي ، فقد كان هو والأيمان المتركز في القلوب القوة هيأت للحرب كل ظروفه وكل رجاله وإمكانياته .


وأمر آخر هيأ للمسلمين أسباب الفوز ، وأنالهم ا لنصر في معارك الجهاد لا يتصل بحكومة الشورى عن قرب أو بعد ، وهو الصيت الحسن الذي نشره رسول الله للأسلام في آفاق الدنيا ، وأطراف المعمورة ، فلم يكن يتوجه المسلمون إلى فتح بلد من البلاد إلا كان أمامهم جيش آخر من الدعايات والترويجات لدعوتهم ومبادئهم ( 2 ) .


وفي أمر الفتوحات شئ آخر هو الوحيد الذي كان من وظيفة الحاكمين وحدهم القيام به دون سائر المسلمين الذين هيئوا بقية الامور وهو ما يتلو الفتح من بث الروح الأسلامية ، وتركيز مثاليات القرآن في البلاد المفتوحة ، وتعميق الشعور الوجداني

والديني في الناس الذي هو معنى وراء الشهادتين ، ولا أدري هل يمكننا أن نسجل للخليفتين شيئا من البراعة في هذه الناحية ، أو نشك في ذلك كل الشك كما صار إليه بعض الباحثين ، وكما يدل عليه تاريخ البلاد المفتوحة في الحياة الأسلامية .

لقد كانت الظروف كلها تشارك الخليفتين في تكوين الحياة العسكرية المنتجة التي قامت على عهدهما ، وفي بناء الحياة السياسية الخاصة التي اتخذاها .
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) راجع : تاريخ الطبري 2 : 92 .
( 2 )
راجع : فتوح البلدان : 44 ، شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 16 : 210 . ( * )

 

 

- فدك في التاريخ - السيد محمد باقر الصدر ص 53 : -

ولا أدري ماذا كان موقفهما لو قدر لهما ولعلي أن يتبادلوا ظروفهم فيقف الصديق والفاروق موقف الأمام ويسود في تلك الظروف التي كانت كلها تشجع على بناء سياسة ، ومنهج لحكم جديد ، وإنشاء حياة لها من ألوان الترف ، وضروب النعيم

حظ عظيم ، فهل كانا يعاكسان تلك الظروف كما عاكسها أمير المؤمنين ؟ . . . فضرب بنفسه مثلا في الأخلاص للمبدأ والنزاهة في الحكم .


وأنا لا أقصد بهذا أن أقول إن الخليفتين كانا مضطرين اضطرارا إلى سيرة رشيدة في الحكم ، واعتدال في السياسة والحياة ، ومرغمين على ذلك ، وإنما أعني أن الظروف المحيطة بهما كانت تفرض عليهما ذلك سواء أكانا راغبين فيه أو مكرهين عليه

كما أني لا اريد أن اجردهما عن كل أثر في التاريخ ، وكيف يسعني شئ من ذلك ، وهما اللذان كتبا يوم السقيفة سطور التاريخ الأسلامي كله ، وإنما عنيت أنهما كانا ضعيفي الأثر في بناء تاريخ أيامهما خاصة ، وما ازدهرتت به من حياة مكافحة وحياة فاضلة .


 

 

الصفحة الرئيسية

 

مكتبة الشبكة

 

فهرس الكتاب