|
تقويم تاريخ صدر
الأسلام |
|
|
( تقويم تاريخ صدر الإسلام : ) كلنا نود أن يكون التاريخ الإسلامي في عصره الأول الزاهر طاهرا كل الطهر ، بريئا مما يخالط الحاية الأنسانية من مضاعفات الشر ومزالق الهوى ، فقد كان عصرا مشعا بالمثاليات الرفيعة ، إذ قام على إنشائه أكبر المنشئين للعصور الأنسانية في تاريخ هذا الكوكب على الأطلاق ، وارتقت فيه العقيدة الألهية إلى حيث لم ترتق إليه الفكرة الألهية في دنيا الفلسفة والعلم ، فقد عكس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم روحه في روح ذلك العصر ، فتأثر بها وطبع بطابعها الألهي العظيم ، بل فنى الصفوة من المحمديين في هذا الطابع فلم يكن لهم اتجاه إلا نحو المبدع الأعظم الذي ظهرت وتألقت منه أنوار الوجود وإليه تسير ، كما كان استاذهم الأكبر الذي فنى الوجود المنبسط كله بين عينيه ساعة هبوط الرسالة السماوية عليه . فلم يكن يرى شيئا ولا يسمع صوتا سوى الصوت
الألهي المنبعث من كل صوب وحدب ، وفي كل جهة من جهات الوجود ، وناحية من نواحي
الكون يعلن تقليده الشارة الكبرى .
إن عصرا تلغى فيه قيمة الفوارق المادية على الأطلاق ، ويستوي فيه الحاكم والمحكوم في نظر القانون ( 1 ) ، ومجالات تنفيذه ، ويجعل مدار القيمة المعنوية ، والكرامة المحترمة فيه تقوى الله ( 2 ) التي هي تطهير روحي ، وصانية للضمير ، وارتفاع بالنفس إلى آفاق من المثالية الرفيعة ، ويحرم في عرفه احترام الغني لأنه غني ، وإهانة الفقير لأنه فقير ، ولا يفرق فيه بين الأشخاص إلا بمقدار الطاقة الانتاجية ( لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ) ( 3 ) . ويتسارع فيه إلى لجهاد لصالح النوعى الأنساني الذي معناه إلغاء مذهب السعادة الشخصية في هذه ا لدنيا ، وإخراجها عن حساب الأعمال ( 4 ) .
جيدا ، واوافق عليه متحمسا ( 1 )
، ولكني لا أفهم أن يمنع عن التعمق في الدرس العلمي ، أو التمحيص
التاريخي لموضوع أحد الخصمين كان مخطئا في موقفه بحسب موازين الشريعة ومقاييسها ، أو أن نلاحظ أن قصد الخلافة وفكرة السقيفة لم تكن مرتجلة ولا وليدة يومها إذا دلنا على ذ لك سير الحوادث حينذاك ، وطبيعة الظروف المحيطة بها .
لأنهم بناة ذلك العصر ، والواضعون لحياته خطوطها الذهبية ،
فتاريخهم تاريخ ذلك العصر ، وتجريدهم عن شئ من مناقبهم تجريد لذلك العصر عن
مثاليته التي يعتقدها فيه كل مسلم . واريد أن أترك لي كلمة مختصرة في هذا الموضوع فيها مادة لبحث
طويل ، ولمحة من دراسة مهمة قد أعرض لها في فرضة اخرى من فرص التأليف ، وأكتفي
الان أن أتساءل عن نصيب هذا الرأي من الو اقع .
صحيح أن الأسلام في أيام الخليفتين كان مهيمنا ، والفتوحات متصلة والحياة متدفقة بمعاني الخير ، وجميع نواحيها مزدهرة بالانبعاث الروحي الشامل ، واللون القرآني المشع ، ولكن هل يمكن أن نقبل أن التفسير الوحيد لهذا وجود الصديق أو الفاروق على كرسي الحكم ؟ ( 1 )
المنبر وسأل الناس : لو صرفناكم عما تعرفون إلى ما تنكرون ما كنتم صانعين ؟ - إذن كنا نستتيبك فإن تبت فبلناك ، فقال عمر : وإن لم ؟ - قال نضرب عنقك الذي فيه عيناك . فقال عمر : الحمد لله الذي جعل في هذه الامة من إذا اعوججنا أقام أودنا ) ( 2 ) .
واللين والدلة منهم في أيام صاحبيه . ونفهم من هذا أن الحاكمين كانوا في ظرف دقيق لا يتسع للتغيير والتبديل في اسس السياسة ونقاطها الحساسة لو أرادوا إلى ذلك سبيلا ، لأنهم تحت مراقبة النظر الأسلامي العام الذي كان مخلصا كل الأخلاص لمبادئه ، وجاعلا لنفسه حق الأشراف على الحكم والحاكمين ، ولأنهم يتعرضون لو فعلوا شيئا من ذلك لمعارضة خطرة من الحزب الذي ما يزال يؤمن بأن الحكم الأسلامي لا بد أن يكون مطبوعا بطابع محمدي خالص ، وأن الشخص الوحيد الذي يستطيع أن يطبعه بهذا الطابع المقدس هو علي - وارث رسول الله ووصيه وولي المؤمنين من بعده ( 1 ) .
أشبه ما يكون بالعمل الأجماعي من الامة الذي تعبر به عن شخصيتها الكاملة تعبيرا عمليا خالدا ، ولا يعبر عن شخصية الحاكم الذي لم يصل إليه من لهيب الحرب شرر ، ولم يستقل فيه برأي ، ولم يتهيأ له إلا بأمر ليس له فيه أدنى نصيب ، فإن خليفة الوقت سواء أكان وقت فتح الشام أو العر اق ومصر لم
يعلن بكلمة الحرب عن 20 قوة حكومته ومقدرة شخصه على أن يأخذ لهذه الكلمة اهبتها
، بل أعلن عن قوة
الكلمة النبوية التي كانت وعدا قاطعا بفتح بلاد كسرى وقيصر ( 1 ) اهتزت له قلوب المسلمين حماسة وأملا بل إيمانا ويقينا ، ويحدثنا التاريخ أن كثيرا ممن اعتزل الحياة العملية بعد رسول الله لم يخرج عن عزلته إلى مجالات العمل إلا حين ذكر هذا الحديث النبوي ، فقد كان هو والأيمان المتركز في القلوب القوة هيأت للحرب كل ظروفه وكل رجاله وإمكانياته .
والديني في الناس الذي هو معنى وراء الشهادتين ، ولا أدري هل يمكننا أن نسجل للخليفتين شيئا من البراعة في هذه الناحية ، أو نشك في ذلك كل الشك كما صار إليه بعض الباحثين ، وكما يدل عليه تاريخ البلاد المفتوحة في الحياة الأسلامية . لقد كانت الظروف كلها تشارك الخليفتين في تكوين الحياة
العسكرية المنتجة التي قامت على عهدهما ، وفي بناء الحياة السياسية الخاصة التي
اتخذاها .
ولا أدري ماذا كان موقفهما لو قدر لهما ولعلي أن يتبادلوا ظروفهم فيقف الصديق والفاروق موقف الأمام ويسود في تلك الظروف التي كانت كلها تشجع على بناء سياسة ، ومنهج لحكم جديد ، وإنشاء حياة لها من ألوان الترف ، وضروب النعيم حظ عظيم ، فهل كانا يعاكسان تلك الظروف كما عاكسها أمير المؤمنين ؟ . . . فضرب بنفسه مثلا في الأخلاص للمبدأ والنزاهة في الحكم .
كما أني لا اريد أن اجردهما عن كل أثر في التاريخ ، وكيف يسعني شئ من ذلك ، وهما اللذان كتبا يوم السقيفة سطور التاريخ الأسلامي كله ، وإنما عنيت أنهما كانا ضعيفي الأثر في بناء تاريخ أيامهما خاصة ، وما ازدهرتت به من حياة مكافحة وحياة فاضلة .
|
|