مع العقاد في دراسته

 

 

- فدك في التاريخ - السيد محمد باقر الصدر ص 53 : -

( مع العقاد في دراسته )


أكتب هذا كله وبين يدي كتاب ( فاطمة والفاطميون ) للاستاذ عباس محمود العقاد ، وقد جئته بشوق بالغ لأرى ما يكتب في موضوع الخصومة بين الخليفة والزهراء ، وأنا على يقين من أن أيام التعبد ( 1 ) بأعمال السالفين
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) يعني أن التقليد والمتابعة في الدراسة والتقويم سواء ما يتعلق بالشخصيات أم بالأحداث التاريخية من دون تحقيق وتدقيق علمي ، ما عاد لها وزن ، ولا اعتبار في نظر العلم ، بالأخص ونحن نعيش في عصر اخضع كل شئ فيه إلى المحاكمة العلمية ، والتحقيق العلمي . ( * )

 

 

- فدك في التاريخ - السيد محمد باقر الصدر ص 54 : -

وتصويبها على كل تقدير قد انتهت ، وأن الزمان الذي يتحاشى فيه عن التعمق في شئ من مسائل الفكر الأنساني دينا كانت ، أو مذهبا أو تاريخا أو أي شئ آخر قد مضى مع ما مضى من تاريخ الأسلام بعد أ ن طال قرونا . ولعل الخليفة الأول كان

هو أول من أعلن ذلك المذهب عندما صرخ في وجه من سأله عن مسألة الحرية الأنسانية والقدر وهدده وتوعده ( 1 ) ولكن أليس قد أراحنا الله تعالى من هذا المذهب الذي يسئ إلى روح الأسلام ؟


وإذن فكان لي أن أتوقع بحثا لذيذا يتحفنا به الاستاذ في موضوع الخصومة من شتى نواحيها ، ولكن الواقع كان على عكس ذلك ، فإذا بكلمة الكتاب حول الموضوع قصيرة وقصيرة جدا وإلى حد أستبيح لنفسي أن أنقلها وأعرضها عليك دون أن اطيل

عليك ، فقد قال : ( والحديث في مسألة فدك هو كذلك من الأحاديث التي لا تنتهي إلى مقطع للقول متفق عليه ، غير أن الصدق فيه : لا مراء أن الزهراء أجل من أن تطلب ما ليس لها بحق وأن الصديق أجل من أن يسلبها حقها الذي تقوم به

البينة عليه ، ومن أسخف ما قيل أنه إنما منعها فدك مخافة أن ينفق علي من غلتها على الدعوة إليه ، فقد ولي الخلافة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ولم يسمع أن أحدا بايعهم لمال أخذه منهم ولم يرد ذكر شئ من هذا في إشاعة ولا في خبر يقين ، وما

نعلم تزكية لذمة الحكم من عهد الخليفة الأول أوضح بينة من حكمه في مسألة فدك ، فقد كان يكسب برضى فاطمة ويرضى الصحابة برضاها وما أخذ من فدك شيئا لنفسه فيما ادعاه عليه مدع ،
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) سنن الدارمي : 53 - 54 - دار إحياء السنة النبوية . ( * )

 

 

- فدك في التاريخ - السيد محمد باقر الصدر ص 55 : -

وإنما هو الحرج في ذمة الحكم بلغ أقصاه بهذه القضية بين هؤلاء الخصوم الصادقين المصدقين رضوان الله عليهم أجمعين انتهى ) ( 1 ) .


ونلاحظ قبل كل شئ أن الاستاذ شاء أن يعتبر البحث في مسألة فدك لونا من ألوان النزاع التي ليس لها قرار ، ولا يصل الحديث فيه إلى نتيجة فاصلة ليقدم بذلك عذره عن التوفر على دراستها ، واعتقد أن في محاكمات هذا الكتاب التي سترد عليك

جوابا عن هذا ، ونلاحظ أيضا أنه بعد أن جعل مسألة فدك من الأحاديث التي لا تنتهي إلى مقطع للقول متفق عليه ، رأى أن فيها حقيقتين لا مراء فيهما ولا جدال :

( أحدهما ) أن الصديقة أرفع من أن تنالها تهمة بكذب . و ( الاخرى ) أن الصديق أجل من أن يسلبها حقها الذي تثبته البينة .

فإذا لم يكن في صحة موقف الخليفة واتفاقه مع القانون جدال ، ففيم الجدال الذي لا قرار له ؟ ! ولم لا تنتهي مسألة فدك إلى مقطع للقول متفق عليه ؟ ! وأنا أفهم أن للكاتب الحرية في أن يسجل رأيه في الموضوع أي موضوع كما يشاء وكما يشاء له

تفكيره بعد أن يرسم للقارئ مدارك ( 2 ) ذلك الرأي وبعد أن يدخل تقديرات المسألة كلها في الحساب ليخرج منها بتقدير معين ، ولكني لا أفهم أن يقول أن المسألة موضوع لبحث الباحثين ثم لا يأتي إلا برأي مجرد عن المدارك يحتاج إلى كثير

من الشرح والتويح وإلى كثير من البحث والنظر ، فإذا كانت الزهراء أرفع من كل تهمة فما
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) فاطمة الزهراء والفاطميون / عباس محمود العقاد - سلسلة الهلال .
( 2 )
المدارك جمع مدرك ، والمدرك في لغة الفقه وفي مصطلح الفقهاء هو : الدليل .
       راجع : المصباح المنير 1 : 192 - نشر دار الهجرة - قم المقدسة . ( * )

 

 

- فدك في التاريخ - السيد محمد باقر الصدر ص 56 : -

حاجتها إلى البينة ؟ وهل تمنع التشريعات القضائية في الأسلام عن أن يحكم العالم استنادا إلى علمه ( 1 ) ؟ وإذا كانت تمنع عن ذلك فهل معنى هذا أن يجوز في عرف الدين سلب الشئ من المالك ؟ هذه أسئلة ، ومعها أسئلة اخرى أيضا في المسألة تتطلب جوابا علميا ، وبحثا في ضوء أساليب الاستناط في الأسلام .


واريد أن أكون حرا ، وإذن فإني أستميح الاستاذ أن الاحظ أن تزكية موقف الخليفة والصديقة معا أمر غير ممكن ، لأن الأمر في منازعتهما لو كان مقتصرا على مطالببة الزهراء بفدك وامتناع الخليفة عن تسليمها له لعدم وجود مستمسك شرعي يحكم

بواسطته لها بما تدعيه ، وانتهاء المطالبة إلى هذا الحد ، لو سعنا أن نقول إن الزهراء طلبت حقها في نفس الأمر والواقع ، وإن الخليفة لما امتنع عن تسليمه لها لعدم تهيؤ المدرك الشرعي الذي تثبت به الدعوى تركت مطالبتها ، لأنها عرفت أنها لا

تستحق فدك بحسب النظام القضائي وسنن الشرع ، ولكننا نعلم أن الخصومة بينهما أخذت أشكالا مختلفة حتى بلغت مبلغ الاتهام الصريح من الزهراء وأقسمت على المقاطعة ( 2 ) .
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) راجع في جواز حكم الحاكم أو القاضي بعلمه / سنن البيهقي 10 : 142 ، تنقيح الأدلة في بيان حكم الحاكم بعلمه / السيد محمد رضا الحسيني / الأعرجي - المطبعة العلمية - قم ، فهو بحث تفصيلي استدلالي في المسألة .

( 2 ) راجع الرواية في صحيح البخاري ، عن عروة عائشة 3 : 1374 ، شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 16 : 281 ، وقال ابن أبي الحديد تعقيبا في ص 286 : ( وأما إخفاء القبر وكتمان الموت - موت الزهراء عليها السلام - وعدم الصلاة وكل ما ذكره المرتضى - أي الشريف - فيه فهو الذي يظهر ويقوى عندي ، لأن الروايات به أكثر وأصح من غيرها ، وكذلك القول في موجدتها وغضبها . . . ) ، أعلام النساء 4 : 123 - 124 . ( * )

 

 

- فدك في التاريخ - السيد محمد باقر الصدر ص 57 : -

وإذن فنحن بين اثنتين : إحداهما أن نعترف بأن الزهراء قد ادعت بإصرار ما ليس لها بحق في عرف القضاء الأسلامي والنظام الشرعي وإن كان ملكها في واقع الأمر ، والاخرى أن نلقي التبعة على الخليفة ونقول إنه قد منعها حقها الذي كان

يجب عليه أن يعطيها إياه أو يحكم لها بذلك على فرق علمي بين التعبيرين يتضح في بعض الفصول الاتية ، فتزيه الزهراء
عن أن تطلب طلبا لا ترضى به حدود الشرع ، والارتفاع بالخليفة عن أن يمنعها حقها الذي تسخو به عليها تلك الحدود لا يجتمعان إلا إذا توافق النقيضان .
 

ولنترك هذا إلى مناقشة اخرى ، فقد اعتبر الاستاذ حكم الخليفة في مسألة فدك أوضح بينة ودليل على تزكيته وثباته على الحق وعدم تعديه عن حدود الشريعة لأنه لو أعطى فدك لفاطمة لأرضاها بذ لك وأرضى الصحابة برضاها .


ولنفترض معه أن حدود القانون الأسلامي هي التي كانت تفرض عليه أن يحكم بأن فدك صدقة ، ولكن ماذا كان يمنعه عن أن ينزل للزهراء عن نصيبه ونصيب سائر الصحابة الذين صرح الاستاذ بأنهم يرضون بذلك ؟ . . .

أكان هذا محرمات في عرف الدين أيضا ؟ أو أن أمرا ما أوحى إليه بأن لا يفعل ذلك ، بل ماذا كان يمنعه عن تسليم فدك للزهراء بعد أن أعطته وعدا قاطعا بأن تصرف حاصلاتها في وجوه الخير والمصالح العامة ؟

وأما ما استسخفه الكاتب من تعليل لحكم الخليفة فسوف نعرف في هذا الفصل ما إذا كان سخيفا حقا .

إذا عرفنا أن مرتكزت الناس ليست وحيا من السماء فلا تقبل شكا ولا جدالا ، وأن درس مسائل السالفين ليس كفرا ، ولا زندقة ، ولا تشكيكا في أعلام النبوة كما كانوا يقولون ، فلنا أن نتساءل عما بعث الصديقة إلى البدء
 

- فدك في التاريخ - السيد محمد باقر الصدر ص 58 : -

بمنازعتها حول فدك على ذلك الوجه العنيف الذي لم يعرف أو لم يشأ أن يعرف هيبة للسلطة المهيمنة ، أو جلالا للقوة المتصرفة ، يعصم الحاكمين من لهيبها المتصاعد ، وشررها المتطاير ، وبقي الحكم من إ شعاعة نور متألقة تلقي ضوءا عليه

، فتظهر للتاريخ حقيقته مجردة عن كل ستار ، بل كانت بداية المنازعة ومراحلها نذير ثورة مكتسحة أو ثورة بالفعل عندما اكتملت في شكلها الأخير ، ويومها الأخير ، تحمل كل ما لهذا المفهوم من مقدمات ونتائج ، ولا تتعرض لضعف أو تردد .


وما عساه أن يكون هدف السلطة الحاكمة ، أو بالأحرى هدف الخليفة رضى عنه الله نفسه في أن يقف مع الحوراء على طرفي الخط ، أولم يكن يخطر بباله أن خطته هذه تفتح له بابا في التاريخ في تعدا د أولياته ، ثم يذكر بينها خصومة أهل

البيت ؟ ! فهل كان راضيا بأوليته هذه مخلصا لها حتى يستبسل في امتناعه ، وموقفه السلبي ، بل الأيجابي المعاكس ؟ أو أنه كان منقاد للقانون ، وملتزما بحرفيته في موقفه هذا كما يقولون ، فلم يشأ أ ن يتعد حدود الله تبارك وتعالى في كثير أو قليل ،

وإن لموقفه الغريب نجاه الزهراء صلة بموقفه في السقيفة ، وأعني بهذه ا لصلة الاتحاد في الغرض ، أو اجتماع الغرضين على نقطة واحدة ( 1 ) . وبالأحرى أن تقوم على دائرة واحدة متسعة
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) ينقل ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة 16 : 284 قال : ( وسألت علي بن الفارقي مدرس المدرسة الغربية ببغداد ، فقلت له : أكانت فاطمة صادقة ؟ قال : نعم ، قلت : فلم لم يدفع إليها أبو بكر فدك وهي عنده صادقة ؟ فتبسم ، ثم قال كلاما لطيفا مستحسنا مع ناموسه

وحرمته وقلة دعايته ، قال : لو أعطاها اليوم فد ك بمجرد دعواها لجاءت إليه غدا ، وادعت لزوجها الخلافة ، وزحزحته عن مقامه ، ولم يكن يمكنه الاعتذار والموافقة بشئ ، لأنه يكون قد أسجل على نفسه أنها صادقة فيما تدعي كاثنا ما كان من غير حاجة إلى بينة ولا شهود ) . قال ابن أبي الحديد : وهذا كلام صحيح . ( * )

 

 

- فدك في التاريخ - السيد محمد باقر الصدر ص 59 : -

اتساع دولة النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيها آمال بواسم ، وموجات من الأحلام ضحك لها الخليفة كثيرا وسعى في سبيلها كثيرا أيضا .


 

 

الصفحة الرئيسية

 

مكتبة الشبكة

 

فهرس الكتاب