|
مع العقاد في دراسته |
|
|
( مع العقاد في دراسته )
وتصويبها على كل تقدير قد انتهت ، وأن الزمان الذي يتحاشى فيه عن التعمق في شئ من مسائل الفكر الأنساني دينا كانت ، أو مذهبا أو تاريخا أو أي شئ آخر قد مضى مع ما مضى من تاريخ الأسلام بعد أ ن طال قرونا . ولعل الخليفة الأول كان هو أول من أعلن ذلك المذهب عندما صرخ في وجه من سأله عن مسألة الحرية الأنسانية والقدر وهدده وتوعده ( 1 ) ولكن أليس قد أراحنا الله تعالى من هذا المذهب الذي يسئ إلى روح الأسلام ؟
عليك ، فقد قال : ( والحديث في مسألة فدك هو كذلك من الأحاديث التي لا تنتهي إلى مقطع للقول متفق عليه ، غير أن الصدق فيه : لا مراء أن الزهراء أجل من أن تطلب ما ليس لها بحق وأن الصديق أجل من أن يسلبها حقها الذي تقوم به البينة عليه ، ومن أسخف ما قيل أنه إنما منعها فدك مخافة أن ينفق علي من غلتها على الدعوة إليه ، فقد ولي الخلافة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ولم يسمع أن أحدا بايعهم لمال أخذه منهم ولم يرد ذكر شئ من هذا في إشاعة ولا في خبر يقين ، وما نعلم تزكية لذمة الحكم من عهد الخليفة الأول أوضح بينة من
حكمه في مسألة فدك ، فقد كان يكسب برضى فاطمة ويرضى الصحابة برضاها وما أخذ من
فدك شيئا لنفسه فيما ادعاه عليه مدع ،
وإنما هو الحرج في ذمة الحكم بلغ أقصاه بهذه القضية بين هؤلاء الخصوم الصادقين المصدقين رضوان الله عليهم أجمعين انتهى ) ( 1 ) .
جوابا عن هذا ، ونلاحظ أيضا أنه بعد أن جعل مسألة فدك من الأحاديث التي لا تنتهي إلى مقطع للقول متفق عليه ، رأى أن فيها حقيقتين لا مراء فيهما ولا جدال : ( أحدهما ) أن الصديقة أرفع من أن تنالها تهمة بكذب . و ( الاخرى ) أن الصديق أجل من أن يسلبها حقها الذي تثبته البينة . فإذا لم يكن في صحة موقف الخليفة واتفاقه مع القانون جدال ، ففيم الجدال الذي لا قرار له ؟ ! ولم لا تنتهي مسألة فدك إلى مقطع للقول متفق عليه ؟ ! وأنا أفهم أن للكاتب الحرية في أن يسجل رأيه في الموضوع أي موضوع كما يشاء وكما يشاء له تفكيره بعد أن يرسم للقارئ مدارك ( 2 ) ذلك الرأي وبعد أن يدخل تقديرات المسألة كلها في الحساب ليخرج منها بتقدير معين ، ولكني لا أفهم أن يقول أن المسألة موضوع لبحث الباحثين ثم لا يأتي إلا برأي مجرد عن المدارك يحتاج إلى كثير من الشرح والتويح وإلى كثير من البحث والنظر ، فإذا كانت
الزهراء أرفع من كل تهمة فما
حاجتها إلى البينة ؟ وهل تمنع التشريعات القضائية في الأسلام عن أن يحكم العالم استنادا إلى علمه ( 1 ) ؟ وإذا كانت تمنع عن ذلك فهل معنى هذا أن يجوز في عرف الدين سلب الشئ من المالك ؟ هذه أسئلة ، ومعها أسئلة اخرى أيضا في المسألة تتطلب جوابا علميا ، وبحثا في ضوء أساليب الاستناط في الأسلام .
بواسطته لها بما تدعيه ، وانتهاء المطالبة إلى هذا الحد ، لو سعنا أن نقول إن الزهراء طلبت حقها في نفس الأمر والواقع ، وإن الخليفة لما امتنع عن تسليمه لها لعدم تهيؤ المدرك الشرعي الذي تثبت به الدعوى تركت مطالبتها ، لأنها عرفت أنها لا تستحق فدك بحسب النظام القضائي وسنن الشرع ، ولكننا نعلم أن
الخصومة بينهما أخذت أشكالا مختلفة حتى بلغت مبلغ الاتهام الصريح من الزهراء
وأقسمت على المقاطعة ( 2 )
.
وإذن فنحن بين اثنتين : إحداهما أن نعترف بأن الزهراء قد ادعت بإصرار ما ليس لها بحق في عرف القضاء الأسلامي والنظام الشرعي وإن كان ملكها في واقع الأمر ، والاخرى أن نلقي التبعة على الخليفة ونقول إنه قد منعها حقها الذي كان يجب عليه أن يعطيها إياه أو يحكم لها بذلك على فرق علمي بين
التعبيرين يتضح في بعض الفصول الاتية ، فتزيه الزهراء ولنترك هذا إلى مناقشة اخرى ، فقد اعتبر الاستاذ حكم الخليفة في مسألة فدك أوضح بينة ودليل على تزكيته وثباته على الحق وعدم تعديه عن حدود الشريعة لأنه لو أعطى فدك لفاطمة لأرضاها بذ لك وأرضى الصحابة برضاها .
أكان هذا محرمات في عرف الدين أيضا ؟ أو أن أمرا ما أوحى إليه بأن لا يفعل ذلك ، بل ماذا كان يمنعه عن تسليم فدك للزهراء بعد أن أعطته وعدا قاطعا بأن تصرف حاصلاتها في وجوه الخير والمصالح العامة ؟ وأما ما استسخفه الكاتب من تعليل لحكم الخليفة فسوف نعرف في هذا الفصل ما إذا كان سخيفا حقا . إذا عرفنا أن مرتكزت الناس ليست وحيا من السماء فلا تقبل شكا
ولا جدالا ، وأن درس مسائل السالفين ليس كفرا ، ولا زندقة ، ولا تشكيكا في
أعلام النبوة كما كانوا يقولون ، فلنا أن نتساءل عما بعث الصديقة إلى البدء
بمنازعتها حول فدك على ذلك الوجه العنيف الذي لم يعرف أو لم يشأ أن يعرف هيبة للسلطة المهيمنة ، أو جلالا للقوة المتصرفة ، يعصم الحاكمين من لهيبها المتصاعد ، وشررها المتطاير ، وبقي الحكم من إ شعاعة نور متألقة تلقي ضوءا عليه ، فتظهر للتاريخ حقيقته مجردة عن كل ستار ، بل كانت بداية المنازعة ومراحلها نذير ثورة مكتسحة أو ثورة بالفعل عندما اكتملت في شكلها الأخير ، ويومها الأخير ، تحمل كل ما لهذا المفهوم من مقدمات ونتائج ، ولا تتعرض لضعف أو تردد .
البيت ؟ ! فهل كان راضيا بأوليته هذه مخلصا لها حتى يستبسل في امتناعه ، وموقفه السلبي ، بل الأيجابي المعاكس ؟ أو أنه كان منقاد للقانون ، وملتزما بحرفيته في موقفه هذا كما يقولون ، فلم يشأ أ ن يتعد حدود الله تبارك وتعالى في كثير أو قليل ، وإن لموقفه الغريب نجاه الزهراء صلة بموقفه في السقيفة ،
وأعني بهذه ا لصلة الاتحاد في الغرض ، أو اجتماع الغرضين على نقطة واحدة
( 1 ) . وبالأحرى أن تقوم على دائرة واحدة متسعة
اتساع دولة النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيها آمال بواسم ، وموجات من الأحلام ضحك لها الخليفة كثيرا وسعى في سبيلها كثيرا أيضا .
|
|