بواعث الثورة

 

 

- فدك في التاريخ - السيد محمد باقر الصدر ص 59 : -

( بواعث الثورة )

إننا ندرك بوضوح ، ونحن نلاحظ الظرف التاريخي الذي حف بالحركة الفاطمية ، أن البيت الهاشمي المفجوع بعميده الأكبر قد توفرت له كل بواعث الثورة على الأوضاع القائمة ، والانبعاث نحو وتغييرها وإنشائها إنشاء جديدا ، وأن الزهراء قد

اجتمعت لها كل إمكانيات الثورة ومؤهلات المعارضة التي قرر المعارضو ن أن تكون منازعة سلمية ( 1 ) مهما كلف الأمر . وإننا نحس أيضا إذا درسنا الواقع التاريخي لمشكلة فدك ومنازعاتها بأنها مطبوعة بطابع تلك الثورة ، ونتبين بجلاء أن

هذه المنازعات كانت في واقعها ودوافعها ثورة على السياسة العليا وألوانها التي بدت للزهراء بعيدة عما تألفه من ضروب الحكم ، ولم تكن حقا منازعة في شئ من شؤون السياسة المالية ، والمناهج الاقتصادية التي سارت عليها خلافة الشورى ، وإن بدت على هذا الشكل في بعض الأحايين
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) كان هناك إصرار عجيب من الأمام علي عليه السلام على أن تكون المعارضة سلمية لا تتعدى حدود الاحتجاج وقطع الأعذار ، ولو كلف ذلك أن يجر ابن أبي طالب ويسحب من بيته سحبا للمبايعة ، أو أن يتعرض البيت الطاهر إلى التهديد بالأحراق .

ويلاحظ هنا أن الأمام عليا عليه السلام عندما جاء ، أبو سفيان ، وقال له : لو شئت لأملأنها عليهم خيلا ورجالا ، نهره الأمام عليه السلام ورفض مبادرته .

راجع : شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 6 : 47 - 49 وص 11 في احتجاج الأمام علي عليه السلام بالحجة البالغة ، وص 17 - 18 في موقف أبي سفيان ، تاريخ الطبري 2 : 233 و 237 . ( * )

 

 

- فدك في التاريخ - السيد محمد باقر الصدر ص 60 : -

وإذا أردنا أن نمسك بخيوط الثورة الفاطمية من اصولها ، أو ما يصح أن يعتبر من اصولها ، فعلينا أن ننظر نظره شاملة عميقة لنتبين حادثتين متقاربتين في تاريخ الأسلام ، كان أحدهما صدى للاخر وانعكاسا طبيعيا له ، وكانا معا يمتدان بجذورهما

وخيوطهما الاولى إلى حيث قد يلتقي أحد هما بالاخر أو بتعبير أصح إلى النقطة المستعدة في طبيعتها إلى أن تمتد منها خيوط الحادثتين .

أحدهما : الثورة الفاطمية على الخليفة الأول التي كادت أن تزعزع كيانه السياسي ، وترمي بخلافته بين مهملات التاريخ .

والاخر : موقف ينعكس فيه الأمر فتقف عائشة ام المؤمنين ( 1 ) بنت الخليفة الموتور في وجه علي زوج الصديقة الثائرة على أبيها . وقد شاء القدر لكلتا الثائرتين أن تفشلا مع فارق بينهما مرده إلى نصيب كل منهما من الرضا بثورتها ،

والاطمئنان الضميري إلى صوابها وحظ كل منهما من الانتصار في حساب الحق الذي لا التواء فيه وهو أن الزهراء فشلت بعد أن جعلت الخليفة يبكي ويقول : أقيلوني ( 2 ) بيعتي ، والسيدة عائشة فشلت فصارت تتمنى أنها لم تخرج إلى حرب
( 3 )
ولم تشق عصا طاعة .
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) إشارة إلى يوم الجمل المشهور ، وكان أبطاله الزبير وطلحة وعائشة ام المؤمنين وذلك سنة 36 ه‍ ، وكان موقع المواجهة في البصرة
       راجع : تاريخ الطبري 3 : 476 حوادث سنة 36 ه‍ ، مطبعة الاستقامة - القاهرة .

( 2 ) راجع : أعلام النساء 4 : 124 ، قال أبو بكر بعد المحاورة مع الزهراء : أقيلوني .
      تاريخ الطبري
3 : 353 ، وفيه : قال أبو بكر رضى عنه الله أجل ، إني لا آسى على شئ من الدنيا إلا على ثلاث فعلتهن ، وودت
      أني تركتهن . . . وذكر منها : فوددت أني لم أكشف بيت فاطمة عن شئ ) ،
      شرح نهج البلاغة
/ ابن أبي الحديد 6 : 41 في حبه للأمارة .

( 3 ) راجع : تاريخ ابن الأثير 3 : 111 ،
       تذكرة الخواص
/ سبط ابن الجوزي : 80 - 81 ، إصدار مكتبة نينوى الحديثة - طهران . ( * )

 

 

- فدك في التاريخ - السيد محمد باقر الصدر ص 61 : -

هاتان الثورتان متقاربتان في الموضوع والأشخاص فلماذا لا تنتهيان إلى أسباب متقاربة وبواعث متشابهة .

ونحن نعلم جيدا سر الانقلاب الذي طرأ على السيدة عائشة حين إخبارها بأن عليا ولي الخلافة يرجع إلى الأيام الالى في حياة علي وعائشة حينما كانت المنافسة على قلب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين زوجته وبضعته .


ومن شأن هذه المنافسة أن تتسع في آثارها فتثبت مشاعر مختلفة من الغيظ والتنافر بين الشخصين المتنافسين وتلف بخيوطها من حولهما من الأنصار والأصدقاء ، وقد اتسعت بالفعل في أحد الطرفين فكان ما كان بين السيدة عائشة وعلي ، فلا بد أن تتسع في الطرف الاخر فتعم من كانت تعمل ام المؤمنين على حسابه في بيت النبي .


نعم إن انقلاب ام المؤمنين إنما هو من وحي ذكريات تلك الأيام التي نصح فيها علي لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يطلقها في قصة الأفك المعروفة ( 1 ) .


وهذا النصح إن دل على شئ فإنه يدل على انزعاجه منها ومن منافستها لقرينته ، وعلى أن الصراع بين زوج الرسول وبضعته كان قد اتسع في معناه وشمل عليا وغير علي ممن كان يهتم بنتائج تلك المنافسة وأطوارها .
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) راجع تفصيل الحادثة في صحيح البخاري 3 : 24 طبعة الميمنية - مصر 1312 ه‍ ،
       تاريخ الطبري
2 : 113 حوادث سنة 6 ه‍ . ( * )

 


 

 

الصفحة الرئيسية

 

مكتبة الشبكة

 

فهرس الكتاب