قضية فدك في ضوء الظروف الموضوعية

 

 

- فدك في التاريخ - السيد محمد باقر الصدر ص 71 : -

 ( قضية فدك في ضوء الظروف الموضوعية )
 

 وإذا أردنا أن نفهم المنازعة في أشكالها وأسبابها في ضوء الظروف المحيطة بها ، وتأثيرها ، كان لزاما علينا أن نعرض تلك الظروف عرضا مستعجلا ونسجل صورة واضحة الألوان للعهد الانقلابي بالمقدار الذي يتصل بغرضنا .


ولا أعني بالانقلاب حين أصف عهد الخليفة الأول بذلك إلا مفهومه الحقيقي المنطبق على تلون السلطة الحاكمة بشكل جمهوري يتقوم بالثورة ويكتسب صلاحياته من الجماعات المنتخبة ، ونزعها لشكلها الأول الذي يستمد قوته وسلطته من السماء .

- فدك في التاريخ - السيد محمد باقر الصدر ص 71 : -

فقد كانت تلك اللحظة التي ضرب بها بشيرين سعد  ( 1 ) على يد الخليفة نقطة التحول في تاريخ الأسلام التي وضعت حدا لأفضل العهود وأعلنت عهد آخر نترك تقريضه للتاريخ .


( مسألة موت الرسول القائد صلى الله عليه وآله وسلم )


وقد كان ذلك في اليوم الذي حانت فيه الساعة الأخيرة في تاريخ النبوات التي قطعت أقدس أداة وصل بين السماء والأرض وأبركها وأفيضها خيرا ونعمة وأجودها صقلا للأنسانية إذ لفظ سيد البشر نفسه الأخير وطارت روحه إلى الرفيق الأعلى

فكان قاب قوسين أو أدنى ، فهرع الناس إلى بيت النبوة الذي كان يشرق بأضوائه لتوديع العهد المحمدي السعيد وتشييع النبوة التي كانت مفتاح مجد الامة ، وسر عظمتها ، واجتمعوا حوله تتقاذفهم شتى الخواطر وترتسم في أفكارهم ذكريات ممن روعة النبوة وجلال النبي العظيم .


وقد خيل إليهم أن هذه السنوات العشر التي نعموا فيها برعاية خير الأنبياء ، وأبر الاباء كانت حلما لذيذا تمتعوا به لحظة من زمان وازدهرت به الأنسانية برهة من حياتها ، وهاهم قد أفاقوا على أسوأ ما يستيقظ عليه نائم .


وبينما كان المسلمون في هذه الغمرة الطاغية ، والصمت الرهيب لا ينطق منهم أحد بكلمة ، وقد اكتفوا في تأبين الراحل العظيم بالدموع والحسرات والشخوع والذكريات ، إذ يفاجؤون بصوت يجلجل في الفضاء ويقطع خيط الصمت الذي لف

المجتمعين وهو يعلن أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يمت ولا يموت حتى يظهر دينه على الدين كله وليرجعن فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم ممن أرجف بموته : ( لا أسمع رجلا يقول مات رسول الله
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) راجع : تاريخ الطبري 2 : 243 ، وفيه إشارة إلى سبق بشير بن سعد إلى مبايعة الخليفة الأول . ( * )

 

 

- فدك في التاريخ - السيد محمد باقر الصدر ص 72 : -

 إلا ضربته بسيفي ) ( 1 ) .

والتفت الأنظار إلى مصدر الصوت ليعرفوا القائل ، فوجدوا عمر بن الخطاب قد وقف خطيبا بين الناس وهو يجلجل برنيه في شدة لا تقبل نزاعا وشاعت الحياة في الناس من جديد فتكلموا وتحدثوا في كلام عمر والتف بعضهم حوله .


وأكبر الظن أن قوله وقع من أكثرهم موقع الاستغراب والتكذيب ، وحاول جماعة منهم أن يجادلوه في رأيه ولكنه بقي شديدا في قوله ثابتا عليه والناس يتكاثرون حوله ويتكلممون في شأنه ويعجبون لحاله حتى جاء أبو بكر ، وكان حين توفي النبي في منزله بالسنح ، والتفت إلى الناس وقال : ( من كان يعبد محمدا فإنه قد مات ، ومن كان يعبد الله فإنه حي لا يموت .

قال الله تعالى : ( إنك ميت وإنهم ميتون ) ( 2 ) وقال : ( أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ) ( 3 ) ، ولما سمع عمر ذلك أذعن واعترف بموت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقال : ( كأني سمعتها - يعني الاية - ( الان ) ( 4 ) .


ونحن لا نرى في هذه القصة ما يراه كثير من الباحثين من أن الخليفة كان بطل ذلك ا لظرف العجيب ، والرجل الذي تهيأت له معدات الخلافة بحكم موقفه من رأي عمر ، لأن المسألة ليست والأهمية بهذ ا الحد ولم
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) تاريخ الطبري 2 : 232 - 233 ، وفيه : وكان عمر يتوعد الناس بالقتل ،
      الملل والنحل
/ الشهرستاني 1 : 29 . . . قال عمر بن الخطاب : من قال : ( إن محمدا قد مات قتلته بسيفي هذا . . . ) .
( 2 )
الزمر / 30 ، 31 .
( 3 )
آل عمران / 144 .
( 4 )
تاريخ الطبري 2 : 232 - 233 . ( * )

 

 

- فدك في التاريخ - السيد محمد باقر الصدر ص 73 : -

يحدثنا التاريخ عن شخص واخذ انتصر لعمر في رأيه ، فلم يكن إلا رأيا شخصيا لا خطر له ولا شأن للقضاء عليه . وقد يكون من حق البحث أن الاحظ أن شرح الخليفة لحقيقة الحال في خطابه الذي وجهه إلى الناس كان شرحا باهتا في غير حد

لا يبدو عليه من مشاعر المسلمين المتحرقة في ذلك اليوم شئ ، بل لم يزد في بيان الفاجعة الكبرى على أن قال : ( إن من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات ) .


وقد كان الموقف يتطلب من أبي بكر إذا كان يريد أن يقدم في نفسه زعيما لتلك الساعة تأبينا للفقيد الأعظم يتفق مع العواطف المتدفقة بالذكريات الحسرات يومئذ .

ومن الذي كان يعبد سيد الموحدين حتى يقول من كان يعبد محمدا فإنه قد مات ؟
وهل كان في كلام عمر معنى يدل على أنه كان يعبد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟


أو كانت قد سرت موجة من الارتداد والألحاد في ذلك المجتمع المؤمن الذي كان يعتصر دموعه من ذكرياته ، وصبره ، وتماسكه من عقيدته حتى يعلن لهم أن الدين ليس محدودا بحياة رسول الله لأنه ليس بالأله المعبود .

إذن فلم يكن لكلام أبي بكر الذي خاطب به الناس صلة بموقفهم ولا علاقة برأي عمر ، ولا انسجام مع عواطف المسلمين في ذلك اليم وشؤونهم ، وقد سبقه به غيره ممن حاول مناقشة الفاروق كما سيأتي .


 

 

الصفحة الرئيسية

 

مكتبة الشبكة

 

فهرس الكتاب