|
مسألة السقيفة وموقف
الإمام علي عليه السلام |
|
|
( مسألة السقيفة وموقف الإمام علي عليه السلام ) وكان يعاصر هذا الاجتماع الذي تكلمنا عنه اجتماع آخر للأنصار
عقدوه في سقيفة بني ساعدة برئاسة سعد بن عبادة زعيم الخزرج ودعاهم فيه إلى
إعطائه
الرئاسة والخلافة فأجابوه ( 1 ) . ثم ترادوا الكلام فقالوا : ( فإن أبى المهاجرون وقالوا : نحن أولياؤه وعترته ، فقال قوم من الأنصار نقول : منا أمير ومنكم أمير ، فقال سعد : فهذا أومل الوهن ، وسمع عمر الخبر ، فأتى منزل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وفيه أبو بكر فأرسل إليه أن اخرج إلي ، فأرسل إني مشغول ، فأرسل إليه عمر أن اخرج فقد حدث أمر لا بد أن تحضره ، فخرج فأعلمه الخبر ، فمضيا مسرعين نحوهم ومعهما أبو عبيدة ، وفتكلم أبو بكر فذكر قرب المهاجرين من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنهم أولياؤه وعتره ، ثم قال : نحن الامراء وأنتم الوزراء لا نفتات عليكم بمشورة ، ولا نقضي دونكم الامور ، فقام الحباب بن المنذر بن الجموح فقال : يا معشر الأنصار املكوا عليكم أمركم فإن الناس في ظلكم ولن يجترئ مجترئ على خلافكم ولا يصدر أحد إلا عن رأيكم ، أنتم أهل العزة والمنعة واولو العدد والكثرة وذوو البأس والنجدة وإنما ينظر الناس ما تصنعون فلا تختلفوا فتفسد عليكم اموركم فإن أبى هؤلاء إلا ما سمعتم فمنا أمير ومنهم أمير ، فقال عمر : هيهات لا يجتمع سيفان في غمد ، والله لا ترضى العرب أن تؤمركم ونبيها من غيركم ولا تمتنع العرب أن تولي أمرها من كانت النبوة منهم ، من ينازعنا سلطان محمد ونحن أولياؤه وعشيرته . فقال الحباب بن منذر : يا معشر الأنصار املكوا أيديكم ولا تسمعوا مقالة هذا وأصحابه فيذهبوا بنصيبكم من هذا الأمر فإن أبوا عليكم
فاجلوهم من هذه البلاد وأنتم أحق بهذا الأمر منهم فإنه بأسيافكم دان الناس بهذا
الدين أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب أنا أبو شبل في عرينة الأسد ، والله إن
شئتم لنعيدها
جذعة ، فقال عمر : إذن يقتلك الله ، قال : بل إياك يقتل . فقال أبو عبيدة : يا معشر الأنصار إنكم أول من نصر فلا تكونوا أول من بدل وغير ، فقام بشير ابن سعد والد النعمان بن بشير فقال : يا معشر الأنصار ألا إن محمدا من قريش وقومه أولى به وايم الله لا يراني الله انازعهم هذا الأمر . فقال أبو بكر : هذا عمر وأبو عبيدة بايعوا أيهما شئتم ، فقالا : والله لا نتولى هذا ، الأمر عليك وأنت أفضل المهاجرين وخليفة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الصلاة وهي أفضل الدين ، ابسط يدك . فلما بسط يده ليبايعاه سبقهما بشير بن سعد فبايعه ، فناداه الحباب ابن المنذر يا بشير غفتك غفاق ، أنفست على ابن عمك الأمارة ؟ فقال اسيد ابن خضير رئيس الأوس لأصحابه : والله لئن لم تبايعوا ليكونن للخزرج عليكم الفضيلة أبدا ، وبايعوا أبا بكر وأقبل الناس يبايعونه من كل جانب ( 1 )
ولماذا اختص أبا بكر بنبأ السقيفة ؟ إلى كثير من هذه النقاط التي لا نجد لها تفسيرا معقولا أولى من أن يكون في الأمر اتفاق سابق بين أبي بكر وعمر وأبي عبيدة على خطة معينة في موضوع الخلافة ، وهذا التقدير التاريخي قد نجد له شواهد عديدة تجيز لنا افتراضه .
مسرعا وذهبا على عجل إلى السقيفة ( 1 ) ، وكان من الممكن أن يطلب غيره من أعلام المهاجرين بعد اعتذاره عن المجي ، فهذا الحرص لا يمكن أن نفسره بالصداقة التي كانت بينهما ، لأن المسألة لم تكن مسألة صداقة ، ولم يكن أمر منازعة الأنصار يتوقف على أن يجد عمر صديقا له بل على أن يستعين بمن يوافقه في أحقية المهاجرين أيا كان .
ونحن لا نرى حضور أبي بكر لازما في ذلك الموضوع إلا إذا كانت المسألة مسألة خاصة وكان الهدف تنفيذ خطة متفق عليها سابقا ( 2 ) .
فالذي تؤثر المصيبة عليه إلى حد تفقده صوابه لا يقف بعدها بساعة يحاجج ويجادل ويقاوم ويناضل ( 1 ) . ونحن نعلم أيضا أن عمر لم يكن يرى ذلك الرأي الذي أعلنه في تلك الساعة الحرجة قبل ذلك بأيام أو بساعات حينما اشتد برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المرض وأراد أن يكتب كتابا لا يضل الناس بعده ، فعارضه عمر وقال : إن كتاب الله يكفينا وأن النبي يهجر ( 2 ) ، أو قد غلب عليه الوجع كما في صحاح السنة .
به ( 3 ) فما يكون تفسير هذا
كله إذا لم يكن تفسيره إن عمر شاء أن يشيع الاضطراب بمقالته بين الناس لينصرفوا
إليها - على حد تعبيره - وبعد أن أقبل أبو بكر اطمأن باله ، وأمن من
تمام البيعة للبيت ا لهاشمي ما دام للمعارضة صوت في الميدان ، وانصرف إلى تلقط
الأخبار حادسا بما سيقع ، فظفر بخبر ما كان يتوقعه .
( الثالث ) شكل الحكومة التي تمخضت عنها السقيفة ، فقد تولى أبو بكر الخلافة ، وأبو عبيدة المال ، وعمر القضاء ( 1 ) . وفي مصطلحنا اليوم أن الأول تولى السياسة العليا ، والثاني تولى السياسة الاقتصادية ، والثالث تولى السلطات القضائية ، وهي الوظائف الرئيسية في مناهج الحكم الأسلامي . وتقسيم المراكز الحيوية في الحكومة الأسلامية يومئذ بهذا الاسلوب على الثلاثة الذين قاموا بدورهم المعروف في سقيفة بني ساعدة لا يأتي بالصدفة على الأكثر ولا يكون مرتجلا .
وليست أمانة أبي عبيدة التي شهد له النبي صلى الله عليه وآله
وسلم بها - بزعم الفاروق - هي السبب في ذلك ، لأن النبي صلى الله عليه وآله
وسلم لم يخصه بالأطراء ، بل كان في رجالات المسلمين يو مئذ من ظفر بأكثر من ذلك
من ألوان الثناء النبوي ( 4 )
كما تقرر ذلك صحاح السنة والشيعة . ( الخامس ) اتهام الزهراء للحاكمين بالحزبية السياسية ، كما سنرى في الفصل الاتي . ( السادس ) قول أمير المؤمنين - صلوات الله عليه - للفاروق رضى عنه الله : احلب يا عمر حلبا لك شطره اشدد له اليوم أمره ليرد عليك غدا ( 1 ) . ومن الواضح أنه يلمح إلى تفاهم بين الشخصين على المعونة المتبادلة واتفاق سابق على خطة معينة ، وإلا فلم يكن يوم السقيفة نفسه ليتسع لتلك المحاسبات السياسية التي تجعل لعمر شطرا من الحلب .
أبي طالب وحقه لازما لنا مبرورا علينا ، فلما اختار الله
لنبيه ( عليه الصلاة والسلام ) ما عنده وأتم وعده وأظهر دعوته فابلج حجته وقبضه
إليه ( صلوات الله عليه ) كان أبوك والفاروق أول من ابتزه حقه وخالفه على أمره
، على ذلك اتفقا واتسقا ، ثم إنهما دعواه إلى بيعتهما فأبطأ عنهما وتلكأ عليهما
فهما به الهموم وأراد به العظيم ( 2 ) .
ونحن نلاحظ بوضوح عطفه طلب أبي بكر وعمر رضى عنه الله للبيعة من الأمام ب ( ثم ) على كلمتي اتفقا واتسقا وهو قد يشعر بأن الحركة انت منظمة بتنظيم سابق ، وأن الاتفاق على الظفر بالخلافة كا ن سابقا على الأيجابيات السياسية التي قاما بها في ذلك اليوم .
السقيفة دليلا على تطلعه للأمر ، فإنه بعد أن أعلن الشروط الأساسية للخليفة شاء أن يحصر المسألة فيه فتوصل إلى ذلك بأن ردد الأمر بين صاحبيه ( 1 ) اللذين لن يتقدما عليه ، وكانت النتيجة الطبيعية لهذا الترديد أن يتعين وحده للأمر . فهذا الأسراع الملحوظ من الخليفة إلى تطبيق تلك الصورة التي فدمها للخليفة الشرعي في رأيه على صاحبيه خاصة الذي لم يكن يؤدي إلا إليه ، كان معناه أنه أراد أن يسلب الخلافة من الأنصار ، ويقر ها في شخصه في آن واحد ، ولذا لم يبد ترددا أو ما يشبه التردد لما عرض الأمر عليه صاحباه . وعمر نفسه
يشهد لأبي بكر بأنه كان مداورا سياسيا بارعا في يوم السقيفة في حديث طويل له
يصفه فيه بأنه أحسد قريش ( 2 ) .
ونجد فيما يروى عن الخليفتين في أيام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما يدل على هوى سياسي في نفسيتهما ، وأنهما كانا يفكران في شئ على أقل تقدير . فقد ورد في طرق العامة أن ر سول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : ( إن منكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله ، فقال أبو بكر : أنا هو يا رسول الله ، قال : لا ، قال عمر : أنا هو يا رسول الله ، قال : لا ولكن خاصف النعل - يعني عليا ) ( 1 ) . والمقاتلة على التأويل إنما تكون بد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، والمقاتل لا بد أن يكون أمير الناس ، فتلهف كل من أبي بكر وعمر على أن يكون المقاتل على التأويل مع أن القتال على التنزيل كان متيسرا لهما في أيام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم يشاركا فيه بنصيب قد يدل على ذلك الجانب الذي نحاول أن نستكشفه في شخصيتهما .
أسرعتا باستدعاء والديهما عندما طلب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حبيبه في لحظاته الأخيرة ( 1 ) التي كانت تجمع دلائل الظروف على أنها الظرف الطبيعي للوصية ولا بد أنهما هما اللتان عنتهما الرواية التي تقول إن بعض نساء النبي أرسلن رسولا إلى اسامة لتأخيره عن السفر ( 2 ) .
ونحن إن شككنا في هذا فلا نشك في أن النبي صلى الله عليه وآله
وسلم قد جعل أبا بكر وعليا في كفتي الميزان مرارا أمام المسلمين جميعا ليروا
بأعينهم أنهما لا يستويان في الميزان العادل . وإ لا فهل ترى إعفاء أبي بكر
( 4 ) من قراءة التوبة
على الكافرين بعد أن كلف بذلك أمرا طبيعيا ؟ ولماذا انتظر الوحي وصول الصديق إلى منتصف الطريق لينزل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويأمره باسترجاعه وإرسال علي للقيام بالمهمة ؟ أفكان عبثا أو غفلة أو أمرا ثالثا ؟ وهو أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أحس بأن المنافس المتحفز لمعارضة ابن عمه ووصيه هو أبو بكر ، فشاء وشاء له ربه تعالى أن يرسل أبا بكر ثم يرجعه بعد أن يتسامع الناس جميعا بإرساله ليرسل عليا الذي هو كنفسه ( 1 ) ليوضح للمسلمين مدى الفرق بين الشخصين وقيمة هذا المنافس الذي لم يأتمنه الله على تبليغ سورة إلى جماعة ، فكيف بالخلافة والسلطنة المطلقة ؟ !
( الأولى ) أن الخليفة كان يفكر في الخلافة ويهواها وقد أقبل عليها بشغف ولهفة . ( الثانية ) أن الصديق والفاروق وأبا عبيدة كانوا يشكلون حزبا سياسيا مهما لا نستطيع أن نضع له صورة واضحة الخطوط ، ولكنا نستطيع أن نؤكد وجوده بدلائل متعددة ، ولا أرى في ذلك ما ينقص من شأنهم أو يحط من مقامهم ، ولا بأس عليهم أن يفكروا في امور الخلافة ويتفقوا فيها على سياسة موحدة إذا لم
يكن لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نص في الموضوع ، ولا يبرؤهم
إذا كان النص ثابتا بعدهم عن الهوى السياسي وارتجال فكرة
الخلافة في ساعة السقيفة ( 1 ) من المسؤولية أمام
الله وفي حكم الضمير .
|
|