|
الإمام علي عليه
السلام خصائصه وموقفه من الخلافة |
|
|
( الإمام علي عليه السلام خصائصه وموقفه من الخلافة ) لعل أعظم رقم قياسي ضربه أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام للتضحية في سبيل الإسلام والأخلاص للمبدأ إخلاصا جرده عن جميع الاعتبارات الشخصية وأقام منه حقيقة سامية سمو المبدأ ما بقي للمبد أ حياة هو الرقم الذي سجله بموقفه ( 1 ) من خلافة الشورى وقدم بذلك في نفسه مثلا أعلى للتفاني في المبدأ
الذي صار شيئا من طبيعته . إن كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد تمكن
من محو ضلال الوثنية ، فقد استطاع أن يجعل من علي بما أفاض عليه من حقائق نفسه
عينا ساهرة على القضية الألهية ، فنامت فيه الحياة الأنسانية بأهوائها ومشاعرها
وصار يحيا بحياة المبدأ والعقيدة ( 2 )
.
وإن كان للتضحية الأنسانية الفاضلة كتاب فاعمال علي عنوان ذلك الكتاب المشع بأضواء الخلود ( 1 ) . وإن كان لمبادئ السماء التي جاء بها محمد صلى الله عليه وآله وسلم تعبير عملي على وجه الأرض فعلي هو تعبيرها الحي على مدى الدهور والأجيال . وإن كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد خلف في امته عليا والقرآن ( 2 ) فإنما جمع بينهما ليكون القرآن تفسيرا لمعاني علي العظيم ، ولتكون معاني علي انموذجا لمثل القرآن الكريم . وإن كان الله تعالى قد جعل عليا نفس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في آية المباهلة ( 3 ) فلأجل أن يفهم المسلمون أنه امتداد طبيعي لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم وشعاع متألق من روحه العظيمة . وإن كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد خرج من مكة مهاجرا
خائفا على نفسه وخلف
عليا على فراشه
( 1 ) ليموت بدلا عنه ، فمعنى ذلك أن المبدأ
المقدس هو الذي كان يرسم للعظيمين خطوط حياتهما ، وإذا كان لا بد للقضية
الألهية من شخص تظهر به وآخر يموت في سبيلها ، فيلزم أن يبقى رجلها الأول
لتحيابه ، ويقدم رجلها الثاني نفسه قربانا لتحيابه أيضا .
وإن كان علي هو الذي أباحت له السماء خاصة النوم في المسجد
والدخول فيه جنبا
( 2 ) فمفهوم هذا الاختصاص أن في معانيه معنى
المسجد لأن المسجد رمز السماء الصامت في دنيا المادة وعلي هو الرمز الألهي الحي
في دنيا الروح والعقيدة . وإن كانت السماء قد امتدحت فتوة علي وأعلنت عن رضاها عليه إذ
قال المنادي : لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي
الصديق الذي لم يكن يمتاز عليه إلا بسنين قضاها كافرا مشركا . وأنا لا أدري كيف صار الازدواج بين الجاهلية والأسلام في حياة شخص واحد مجدا يمتاز به عمن خلصت حياته كلها لله ( 1 ) . ولئن ظهرت للناس في البحوث الجديدة القوم الطبيعية التي تجعل الاجسام الدائرة حول المحور تسير على خط معين ، فلقد ظهرت في علي قبل مئات السنين قوة مثلها ولكنها ليست من حقائق الفيزياء ، بل من قوى السماء وهي التي جعلت من علي مناعة طبيعية للأسلام حفظت له مقامه الأعلى ما دام الأمام حيا ، ومحورا تدور عليه الحياة الأسلامية لتستمد منه روحانيتها وثقافتها وروحها وجوهرها سواء أنكان على رأس الحكم أو لا .
ضرورة من ضرورات الأسلام ( 1 ) التي لا بد منها وشمسا يدور عليها الفلك الأسلامي بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم بحسب طبيعته التي لا يمكن أن تقاوم حتى التجأ الفاروق إلى مسيرتها كما عرفت . ويتجلي لدينا أيضا أن الانقلاب الفجائي في السياسة الحاكمة لم يكن ممكنا يومئذ لأنه - مع كونه طفرة - يناقض تلك القوة الطبيعية المركزة في شخصية الأمام ، فكان من الطبيعي أن تسير السياسة ا لحاكمة في خط منحن حتى تبلغ النقطة التي وصل إليها الحكم الاموي ، تفاديا من تأثير تلك القوة الساهرة
على الاعتدال والانتظام كما ينحني السائق بسيارته عندما ينحرف بها إلى نقطة
معاكسة تحذرا من القوة الطبيعية التي تفرض الا عتدال في السير . وهذا الفصل الرائع من عظمة الأمام يستحق دراسة وافية مستقلة قد نقوم بها في بعض الفرص لنكشف بها عن شخصية علي المعارض للحكم والساهر على قضية الأسلام والموفق بين حماية القوة الحاكمة من الانحراف وبين معارضتها في نفس الوقت . وإن كانت مواقف الأمام كلها رائعة ، فموقفه من
الخلافة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أكثرها روعة
( 2 ) . وإن كانت العقيدة الألهية تريد في كل
زمان بطلا يفتديها بنفسه ، فهي
تريد أيضا بطلا يتقبل القران ويعزز به المبدأ ، وهذا هوى الذي بعث بعلي إلى فراش الموت ( 1 ) وبالنبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى مدينة النجاة يوم الهجرة الأغر كما أشرنا إليه قريبا ، ولم يكن ليتهيأ للأمام في محنته بعد وفاة أخيه أن يقدم لها كلا البطلين ، لأنه ضحى بنفسه في سبيل توجيه الخلافة إلى مجراها الشرعي في رأيه لما بقي بعده من يمسك الخيط من طرفيه ، وولدا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم طفلان لا يتهيأ لهما من الأمر ما يريد .
هذا ما نريد أن نتبينه على ضوء الظروف التاريخية لتلك الساعة العصيبة . إن الحاكمين لم يكونوا ينزلون عن مراكزهم بأدنى معارضة وهم من عرفناهم حماسة وشدة في أمر الخلافة . ومعنى هذا أنهم سيقابلون ويدافعون عن سلطانهم الجديد ، ومن
المعقول جدا حينئذ أن يغتنم سعد بن عبادة الفرصة ليعلنها حربا اخرى في سبيل
أهوائه السياسية ، لأننا نعلم أنه هدد الحزب المنتصر بالثورة عندما طلب منه
البيعة وقال : ( لا والله حتى
أرميكم بما في كنانتي وأخضب سنان رمحي وأضرب بسيفي واقاتلكم بأهل بيتي ومن أطاعني ولو اجتمع معكم الأنس والجن ما بايعتكم ) ( 1 ) . وأكبر الظن أنه تهيب الأقدام على الثورة ولم يجرأ على أن يكون أول شاهر للسيف ضد الخلافة القائمة ، وإنما اكتفى بالتهديد الشديد الذي كان بمثابة إعلان الحرب ، وأخذ يترقب تضعضع الأوضاع ليشهر سيفه بين السيوف ، فكان حريا به أن تثور حماسته ويزول تهيبه ويضعف الحزب القائم في نظره إذا رأى صوتا
قويا يجهر بالثورة فيعيدها جذعة ويحاول إجلاء المهاجرين من المدينة بالسيف
( 2 ) كما أعلن ذلك المتكلم عن لسانه في مجلس
السقيفة .
ولا ننسى بعد ذلك الامويين وتكتلهم السياسي في سبيل الجاه والسلطان ، وما كان لهم من نفوذ في مكة في سنواتها الجاهلية الأخيرة ، فقد كان أبو سفيان زعيمها في مقاومة الأسلام والحكومة النبوية ، وكان عتاب ابن اسيد بن أبي العاص بن امية أميرها المطاع في تلك الساعة .
مرد ذلك التراجع إلى أنهم رأوا في فوز أبي بكر فوزهم وانتصارهم على أهل المدينة كما ذهب إليه بعض الباحثين ، لأن خلافة أبي بكر كانت في اليوم الذي توفي فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأكبر الظن أن خبر الخلافة جاءهم مع خبر الوفاة ، بل تعليل القضية في رأيي أن الأمير الاموي عتاب
بن اسيد شاء أن يعرف اللون السياسي الذي اتخذته اسرته
إلى نتائج في صالح البيت الاموي ( 1 ) ظهر مرة اخرى للناس وأعاد الامور إلى مجاريها . وعليه فالصلة السياسية بين رجالات الامويين كانت قائمة في ذلك الحين .
فالامويون قد كانوا متأهبين للثورة والانقلاب ، وقد عرف علي منهم ذلك بوضوح حينما عرضوا عليه أن يتزعم المعارضة ولكنه عرف أنهم ليسوا من الناس الذين يعتمد على تأييدهم ، وإنما يريدون الوصول إلى أغراضهم عن طريقه ، فرفض طلبهم ، وكان من المنتظر حينئذ أن يشقوا عصا الطاعة رأوا الأحزاب
المسلحة تتناحر ، ولم يطمئنوا إلى قدرة الحاكمين على ضمان مصالحهم ، ومعنى
انشقاقهم حينئذ إظهارهم للخروج عن الدين وفصل مكة عن المدينة .
وإذن فقد كانت الثورة العلوية في تلك الظروف إعلانا لمعارضة دموية تتبعها معار ضات دموية ذات أهواء شتى ، وكان فيها تهيئة لظرف قد يغتنمه المشاغبون ثم المنافقون . ولم تكن ظروف المحنة تسمح لعلي بأن يرفع صوته وحده في وجه الحكم القائم ، بل لتناحرت ثورات شتى ، وتقاتلت مذاهب متعددة الأهداف والأغراض ، ويضيع بذلك الكيان الأسلامي في اللحظة الحرجة التي يجب أن يلتف فيها المسلمون حول قيادة موحدة ، ويركزوا قواهم لصد ما كان يترقب أن تتمخض عنه الظروف الدقيقة من فتن وثورات .
وعن إمامة أخيه بقوله :
( إن هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم فاسمعوا له وأطيعوا )
( 2 ) ومعنى ذلك أن إمامة علي تكملة طبيعية لنبوة
محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأن الرسالة السماوية قد أعلنت عن نبوة محمد الكبير صلى الله عليه وآله وسلم وإمامة محمد الصغير في وقت واحد . إن عليا الذي رباه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وربى الأسلاام معه - فكانا ولديه العزيزين - كان يشعر بإخوته لهذا الأسلام . وقد دفعه هذا الشعور إلى افتداء أخيه بكل شئ حتى أنژ اشترك في حروب الردة التي أعلنها المسلمون يو مذاك ( 1 ) ، ولم يمنعه تزعم غيره لها عن القيام بالواجب المقدس ، لأن أبا بكر إن كان قد ابتزه حقه ونهب تراثه ، فالاسلام قد رفعه إلى القمة وعرف له أخوته الصادقة وسجلها بأحرف من نور على صفحات الكتاب الكريم . وصمد الأمام على ترك الثورة ولكن ماذا يفعل ؟ وأي اسلوب يتخذه لموقفه ؟ هل يحتج على الفئة الحاكمة بنصوص النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكلماته التي أعلنت أن عليا هو القطب المعد لأن يدور عليه الفلك الأسلامي والزعيم الذي قدمته السماء إلى أهل الأرض
( 2 ) ؟ ؟ تردد هذا السؤال في نفسه كثيرا ثم وضع
له الجواب الذي تعينه ظروف محنته وتلزمه به طبيعة الأوضاع القائمة ، فسكت عن
النص إلى حين .
|
|