|
مسألة عدم الاحتجاج
بالنص |
|
|
( مسألة عدم الاحتجاج بالنص ) ونحن نتبين من الصورة المشوشة التي عرفناها عن تلك الظروف
والأوضاع
أن الاعتراض بتلك النصوص المقدسة والاحتجاج بها في ساعة ارتفع فيها المقياس الزئبقي للأفكار المحمومة والأهواء الملتهبة التي سيطرت على الحزب الحاكم إلى الدرجة العالية ، كان من التقدير المعقول افتراض النتائج السيئة له ، لأن أكثر النصوص ( 1 ) التي صدرت من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في شأن الخلافة لم يكن قد سمعها إلا مواطنوه في المدينة من مهاجرين وأنصار فكانت تلك النصوص إذن الأمانة الغالية عند هذه الطائفة التي لابد أن تصل عن طريقهم إلى سائر الناس في دنيا الاسلام يومئذ وإلى الأجيال المتعاقبة والعصور المتتالية .
وقد لا يجد الحق صوتا قويا يرتفع به في قبال ذلك الأنكار ،
لأن كثيرا من قريش وفي مقدمتهم الامويون كانوا طامحين إلى مجد السلطان ونعيم
الملك ، وهم يرون في تقديم الخليفة على أساس من النص النبوي تسجيلا لمذهب
الأمامة الألهية . ومتى تقررت هذه النظرية في عرف الحكم
الأسلامي كان معناها حصر الخلافة في بني هاشم آل محمد الأكرمين وخروج غيرهم من المعركة خاسرا . وقد نلمح هذا اللون من التفكير في قول عمر لابن عباس معللا إقصاء علي عن الأمر : ( إن قومكم كرهوا أن يجمعوا لكم الخلافة والنبوة ) * ( 1 ) فقد يدلنا هذا على أن إسناد الأمر إلى علي في بداية الأمر كان معناه في الذهنية العامة حصر الخلافة في الهاشميين ، وليس لذلك تفسير أولي من أن المفهوم
لجمهرة من الناس يومئذ من الخلافة العلوية تقرير شكل
جنودا للقضية العادلة وشهودا عليها ، لأنهم إذا شهدوا على ذلك
يسجلون على أنفسهم تناقضا فاضحا في يوم واحد وهذا ما يأبونه على أنفسهم بطبيعة
الحال .
وليس في مبايعة الأوس لأبي بكر أو قول من قال : لا نبايع إلا عليا ( 1 ) مناقضة كتلك المناقضة ، لأن المفهوم البديهي من تشكيل مؤتمر السقيفة أن مسألة الخلافة مسألة انتخاب لا نص ، فليس إلى التراجع عن هذا الرأي في يوم إعلانه من سبيل . وأما اعتراف المهاجرين بالأمر فلا حرج فيه لأن الأنصار لم يجتمعوا على رأي واحد في السقيفة وإنما كانوا يتذاكرون ويتشاورون ، ولذا نرى الحباب بن المنذر ( 2 ) يحاول بث الحماسة في نفوسهم والاستمالة بهم إلى رأيه بما جلجل به في ذلك الاجتماع من كلام وهو يوضح أنهم جمعوا لتأييد فكرة لم يكن يؤمن بها إلا بعضهم . وإذن فقد كان الأمام يقدر أنه سوف يدفع الحزب الحاكم إلى إنكار النصوص والاستبسال في هذا الأنكار إذا جاهر بها ولا يقف إلى جانبه حينئذ صف ينتصر له في دعواه ، لأن الناس بين من قادهم الهوى السياسي إلى إنكار عملي للنص يسد عليهم مجال التراجع بعد ساعات ، وبين من يرى أن فكرة النص تجعل من الخلافة وقفا على بني هاشم لا ينازعهم فيها منازع .
لنلاحظ ناحية اخرى فإن عليا لو ظفر بجماعة توافقه على دعواه ، وتشهد له بالنصوص النبوية المقدسة ، وتعارض إنكار الفئة الحاكمة ، كان معنى ذلك أن ترفض هذه الجماعة خلافة أبي بكر وتتعرض لهجوم شديد من الحاكمين ينتهي بها إلى الاشتراك في حرب مع الحزب الحاكم المتحمس لكيانه السياسي إلى
حد بعيد ، فإنه لا يسكت عن هذا اللون من المعارضة الخطرة . فمجاهرة علي بالنص
كانت تجره إلى المقابلة العملية ، وقد عرفنا سابقا أنه لم يكن مستعدة لأعلان
الثورة على الوضع القائم والاشتراك مع السلطات المهيمنة في قتال .
ولم يكن للاحتجاج بالنص أثر واضح من أن تتخذ السياسة الحاكمة
احتياطاتها وأساليبها الدقيقة لمحو تلك الأحاديث النبوية من الذهنية الأسلامية
، لأنها تعرف حينئذ أن فيها قوة خطر على ا لخلافة القائمة ومادة خصبة لثورة
المعارضين في كل حين . وإني أعتقد أن عمر لو التفت إلى ما تنبه إليه الامويون بعد أن احتج الأمام بالنصوص في أيام خلافته ( 1 ) ، واشتهرت بين شيعته ، من خطرها لاستطاع أن يقطعها من اصولها ، ويقوم بما لم يقدر الامويون عليه من إطفاء نورها . وكان اعتراض الأمام بالنص في تلك الساعة ينبهه إلى ما يجب أن
ينتهجه من اسلوب فأشفق على النصوص المقدسة أن تلعب بها السياسة
وسكت عنها على مضض ، واستغفل بذلك خصومه ، حتى إن عمر ( رضي
الله تعالى عنه ) نفسه صرح بأن عليا هو ولي كل مؤمن ومؤمنة بنص النبي
( 1 ) صلى الله عليه وآله وسلم .
ثم ألم يكن من المعقول أن يخشى الأمام على كرامة حبيبه وأخيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن تنتقض وهي أغلى عنده من كل نفيس - إذا جاهر بنصوص النبي صلى الله عليه وآله وسلم - وهو لم ينس موقف الفاروق من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين طلب دواة ليكتب كتابا لا يضل الناس بعده أبدا ، فقال عمر : ( إن النبي ليهجر أو قد غلب عليه الوجع ) ( 2 ) .
وسواء أكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يريد أن يحرر حق علي في الخلافة أو لا ، فإن المهم أن نتأمل موقف عمر من طلبه ، فهو إذا كان مستعدا لاتهام النبي صلى الله عليه وآله وسلم وجها لوجه بما ينزهه عنه نص القرآن 51 ( 4 ) ، وضرورة الأسلام ، خوفا من الفتنة ، فما الذي يمنعه عن اتهام آخر له بعد وفاته مهما تلطفنا في تقديره فلا يقل عن دعوى أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يصدر عن أمر الله في موضوع الخلافة ، وإنما استخلف عليا بوحي من عاطفته ، بل كان هذا أولى من تلك المعارضة لأن الفتنة التي تقوم بدعوى على
النص أشد مما كان يترقبه عمر من اضطراب فيما إذا كان النبي صلى الله عليه وآله
وسلم قد خلف نصت تحريريا
بإمامة علي يعلمه الجميع . وإذا كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد ترك التصريح بخلافة علي في ساعته الأخيرة لقول قاله عمر ، فإن المفهوم أن يترك الوصي الاحتجاج بالنصوص خوفا من قول قد يقوله .
1 - إنه لم يكن يجد في رجالات تلك الساعة من يطمئن إلى شهادته بذلك . 2 - إن الاعتراض بالنصوص كان من الحري به أن يلفت أنظار الحاكمين إلى قيمتها المادية ، فيستعملون شتى الأساليب لخنقها . 3 - إن معنى الاعتراض بها التهيؤ للثورة بأوسع معانيها ، وهذا ما لم يكن يريده الأمام . 4 - إن اتهام عمر للنبي صلى الله عليه وآله وسلم في آخر ساعاته عرف عليا بمقدار تفاني الحاكمين في سبيل مراكزهم ، ومدى استعدادهم لتأييدها والمدافعة عنها وجعله يخاف من تكرر شئ من ذلك فيما إذا أعلن عن نصوص إمامته .
|
|