مسألة عدم الاحتجاج بالنص

 

 

- فدك في التاريخ - السيد محمد باقر الصدر ص 106 : -

 ( مسألة عدم الاحتجاج بالنص )

ونحن نتبين من الصورة المشوشة التي عرفناها عن تلك الظروف والأوضاع
 

- فدك في التاريخ - السيد محمد باقر الصدر ص 107 : -

أن الاعتراض بتلك النصوص المقدسة والاحتجاج بها في ساعة ارتفع فيها المقياس الزئبقي للأفكار المحمومة والأهواء الملتهبة التي سيطرت على الحزب الحاكم إلى الدرجة العالية ، كان من التقدير المعقول افتراض النتائج السيئة له ، لأن أكثر

النصوص ( 1 ) التي صدرت من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في شأن الخلافة لم يكن قد سمعها إلا مواطنوه في المدينة من مهاجرين وأنصار فكانت تلك النصوص إذن الأمانة الغالية عند هذه الطائفة التي لابد أن تصل عن طريقهم إلى سائر الناس في دنيا الاسلام يومئذ وإلى الأجيال المتعاقبة والعصور المتتالية .


ولو احتج الأمام على جماعة أهل المدينة بالكلمات التي سمعوها من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في شأنه وأقام منها دليلا على دإمامته وخلافته كان الصدى الطبيعي لذلك أن يكذب الحزب الحاكم صديق الامة ( 2 ) في دعواه وينكر تلك النصوص التي تمحو من خلافة الشورى لونها الشرعي وتعطل منها معنى الدين .
 

وقد لا يجد الحق صوتا قويا يرتفع به في قبال ذلك الأنكار ، لأن كثيرا من قريش وفي مقدمتهم الامويون كانوا طامحين إلى مجد السلطان ونعيم الملك ، وهم يرون في تقديم الخليفة على أساس من النص النبوي تسجيلا لمذهب الأمامة الألهية . ومتى تقررت هذه النظرية في عرف الحكم
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) النصوص التي صدرت عن الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم بحق الأمام علي عليه السلام في الخلافة والأمامة والولاية لا تحصى كثرة ، راجع على سبيل المثال : كتاب الغدير / العلامة الأ ميني ، مختصر تاريخ ابن عساكر 17 : 356 وما بعدها ،
التاج الجامع للاصول في أحاديث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم
3 : 333 وما بعدها ،
الصواعق المحرقة
: 122 قال : روى حديث الغدير ثلاثون صحابيا .

( 2 ) راجع : الصواعق المحرقة : قال أمير المؤمنين : ( أنا الصديق الأكبر لا يقولها غيري إلا كذاب ) . ( * )

 

 

- فدك في التاريخ - السيد محمد باقر الصدر ص 108 : -

الأسلامي كان معناها حصر الخلافة في بني هاشم آل محمد الأكرمين وخروج غيرهم من المعركة خاسرا .

وقد نلمح هذا اللون من التفكير في قول عمر لابن عباس معللا إقصاء علي عن الأمر : ( إن قومكم كرهوا أن يجمعوا لكم الخلافة والنبوة ) * ( 1 ) فقد يدلنا هذا على أن إسناد الأمر إلى علي في بداية الأمر كان معناه في الذهنية العامة حصر

الخلافة في الهاشميين ، وليس لذلك تفسير أولي من أن المفهوم لجمهرة من الناس يومئذ من الخلافة العلوية تقرير شكل
ثابت للخلافة يستمد شرعيته من نصوص السماء لا من انتخاب المنتخبين .


فعلي إن وجد نصيرا من علية قريش يشجعه على مقاومة الحاكمين ، فإنه لا يجد منهم عضدا في مسألة النص إذا تقدم إلى الناس يحدثهم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد سجل الخلافة لأهل بيته حين قال : إني مخلف فيكم الثقلين : كتاب الله ، وعترتي أهل بيتي الخ ( 2 ) .


وأما الأنصار فقد سبقوا جميع المسلمين إلى الاستخفاف بتلك النصوص ، والاستهانة بها ، إذ حدت بهم الشراهة إلى الحكم إلى عقد مؤتمر في سقيفة بني ساعدة ليصفقوا على يد واحد ( 3 ) منهم . فلن يجد علي فيهم إذا استدل بالنصوص النبوية

جنودا للقضية العادلة وشهودا عليها ، لأنهم إذا شهدوا على ذلك يسجلون على أنفسهم تناقضا فاضحا في يوم واحد وهذا ما يأبونه على أنفسهم بطبيعة الحال .
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) راجع : تاريخ ابن الأثير 3 : 24 . ( الشهيد ) ، تاريخ الطبري 2 : 577 ، محاورة الخليفة عمر مع ابن عباس .
( 2 )
راجع الرواية في صحيح مسلم 4 : 1874 ، مسند الأمام أحمد 4 : 281 طبعة دار صادر .
( 3 )
راجع تاريخ الطبري 2 : 242 في اتفاقهم على سعد بن عيادة . ( * )

 

 

- فدك في التاريخ - السيد محمد باقر الصدر ص 109 : -

وليس في مبايعة الأوس لأبي بكر أو قول من قال : لا نبايع إلا عليا ( 1 ) مناقضة كتلك المناقضة ، لأن المفهوم البديهي من تشكيل مؤتمر السقيفة أن مسألة الخلافة مسألة انتخاب لا نص ، فليس إلى التراجع عن هذا الرأي في يوم إعلانه من سبيل .

وأما اعتراف المهاجرين بالأمر فلا حرج فيه لأن الأنصار لم يجتمعوا على رأي واحد في السقيفة وإنما كانوا يتذاكرون ويتشاورون ، ولذا نرى الحباب بن المنذر ( 2 ) يحاول بث الحماسة في نفوسهم والاستمالة بهم إلى رأيه بما جلجل به في

ذلك الاجتماع من كلام وهو يوضح أنهم جمعوا لتأييد فكرة لم يكن يؤمن بها إلا بعضهم . وإذن فقد كان الأمام يقدر أنه سوف يدفع الحزب الحاكم إلى إنكار النصوص والاستبسال في هذا الأنكار إذا جاهر بها ولا يقف إلى جانبه حينئذ صف ينتصر له

في دعواه ، لأن الناس بين من قادهم الهوى السياسي إلى إنكار عملي للنص يسد عليهم مجال التراجع بعد ساعات ، وبين من يرى أن فكرة النص تجعل من الخلافة وقفا على بني هاشم لا ينازعهم فيها منازع .


وإذا سجلت الجماعة الحاكمة وأنصارها إنكارا للنص واكتفى الباقون بالسكوت في الأقل فمعنى هذا أن النص يفقد قيمته الواقعية وتضيع بذلك مستمسكات الأمامة العلوية كلها ويومن ا لعالم الأسلامي الذي كان بعيدا عن مدينة النبي صلى الله عليه وآله وسلم على إنكار المنكرين لأنه منطق القوة الغالب في ذلك الزمان .
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) تاريخ الطبري 2 : 233 . ( 2 ) المصدر نفسه 2 : 243 . ( * )

 

 

- فدك في التاريخ - السيد محمد باقر الصدر ص 110 : -

لنلاحظ ناحية اخرى فإن عليا لو ظفر بجماعة توافقه على دعواه ، وتشهد له بالنصوص النبوية المقدسة ، وتعارض إنكار الفئة الحاكمة ، كان معنى ذلك أن ترفض هذه الجماعة خلافة أبي بكر وتتعرض لهجوم شديد من الحاكمين ينتهي بها إلى

الاشتراك في حرب مع الحزب الحاكم المتحمس لكيانه السياسي إلى حد بعيد ، فإنه لا يسكت عن هذا اللون من المعارضة الخطرة . فمجاهرة علي بالنص كانت تجره إلى المقابلة العملية ، وقد عرفنا سابقا أنه لم يكن مستعدة لأعلان الثورة على الوضع القائم والاشتراك مع السلطات المهيمنة في قتال .
 

ولم يكن للاحتجاج بالنص أثر واضح من أن تتخذ السياسة الحاكمة احتياطاتها وأساليبها الدقيقة لمحو تلك الأحاديث النبوية من الذهنية الأسلامية ، لأنها تعرف حينئذ أن فيها قوة خطر على ا لخلافة القائمة ومادة خصبة لثورة المعارضين في كل حين .
 

وإني أعتقد أن عمر لو التفت إلى ما تنبه إليه الامويون بعد أن احتج الأمام بالنصوص في أيام خلافته ( 1 ) ، واشتهرت بين شيعته ، من خطرها لاستطاع أن يقطعها من اصولها ، ويقوم بما لم يقدر الامويون عليه من إطفاء نورها .

وكان اعتراض الأمام بالنص في تلك الساعة ينبهه إلى ما يجب أن ينتهجه من اسلوب فأشفق على النصوص المقدسة أن تلعب بها السياسة
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) أشهد الأمام علي عليه السلام جماعة المسلمين على نص حديث الغدير في زمن خلافته ،
راجع : البداية والنهاية / ابن كثير 7 : 360 ، وقد أشهد علي جمعا من الناس فشهد له ثلاثون أنهم سمعوا هذا الحديث من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ،
الصواعق المحرقة
: 122 قال : رواه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثلاثون صحابيا ، وأن كثيرا من طرقه صحيح أو حسن . . . ) . ( * )

 

 

- فدك في التاريخ - السيد محمد باقر الصدر ص 111 : -

وسكت عنها على مضض ، واستغفل بذلك خصومه ، حتى إن عمر ( رضي الله تعالى عنه ) نفسه صرح بأن عليا هو ولي كل مؤمن ومؤمنة بنص النبي ( 1 ) صلى الله عليه وآله وسلم .
 

ثم ألم يكن من المعقول أن يخشى الأمام على كرامة حبيبه وأخيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن تنتقض وهي أغلى عنده من كل نفيس - إذا جاهر بنصوص النبي صلى الله عليه وآله وسلم - وهو لم ينس موقف الفاروق من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين طلب دواة ليكتب كتابا لا يضل الناس بعده أبدا ، فقال عمر : ( إن النبي ليهجر أو قد غلب عليه الوجع ) ( 2 ) .


وقد اعترف فيما بعد لابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يريد أن يعين عليا للخلافة وقد صده عن ذلك خوفا من الفتنة ( 3 ) .

وسواء أكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يريد أن يحرر حق علي في الخلافة أو لا ، فإن المهم أن نتأمل موقف عمر من طلبه ، فهو إذا كان مستعدا لاتهام النبي صلى الله عليه وآله وسلم وجها لوجه بما ينزهه عنه نص القرآن 51 ( 4 ) ،

وضرورة الأسلام ، خوفا من الفتنة ، فما الذي يمنعه عن اتهام آخر له بعد وفاته مهما تلطفنا في تقديره فلا يقل عن دعوى أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يصدر عن أمر الله في موضوع الخلافة ، وإنما استخلف عليا بوحي من عاطفته ، بل

كان هذا أولى من تلك المعارضة لأن الفتنة التي تقوم بدعوى على النص أشد مما كان يترقبه عمر من اضطراب فيما إذا كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد خلف نصت تحريريا
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) ذخائر العقبى : 67 ، والحديث يدلنا على أن الفاروق كان يميل أحيانا إلى تغيير الطريقة التي سار عليها الحزب في بداية الأمر مع الهاشميين ، غير أن الطابع السياسي الأول غلب عليه أخيرا . ( الشهيد ) ، مسند الأمام أحمد بن حنبل 4 : 281 .
( 2 )
راجع الرواية في صحيح البخاري 1 : 37 باب كتابة العلم .
( 3 )
شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 3 : 97 ، طبعة دار الكتب العربية الكبرى بمصر .
( 4 )
القرآن يقول : ( وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى ) سورة النجم / 3 و 4 . ( * )

 

 

- فدك في التاريخ - السيد محمد باقر الصدر ص 112 : -

بإمامة علي يعلمه الجميع . وإذا كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد ترك التصريح بخلافة علي في ساعته الأخيرة لقول قاله عمر ، فإن المفهوم أن يترك الوصي الاحتجاج بالنصوص خوفا من قول قد يقوله .


ونتيجة هذا البحث أن سكوت أمير المؤمنين عن النص إلى حين ، كان يفرضه عليه :

 1 - إنه لم يكن يجد في رجالات تلك الساعة من يطمئن إلى شهادته بذلك .

 2 - إن الاعتراض بالنصوص كان من الحري به أن يلفت أنظار الحاكمين إلى قيمتها المادية ، فيستعملون شتى الأساليب لخنقها .

 3 - إن معنى الاعتراض بها التهيؤ للثورة بأوسع معانيها ، وهذا ما لم يكن يريده الأمام .

 4 - إن اتهام عمر للنبي صلى الله عليه وآله وسلم في آخر ساعاته عرف عليا بمقدار تفاني الحاكمين في سبيل مراكزهم ، ومدى استعدادهم لتأييدها والمدافعة عنها وجعله يخاف من تكرر شئ من ذلك فيما إذا أعلن عن نصوص إمامته .

 

 

الصفحة الرئيسية

 

مكتبة الشبكة

 

فهرس الكتاب