المواجهة السلمية

 

 

- فدك في التاريخ - السيد محمد باقر الصدر ص 112 : -

( المواجهة السلمية )

انتهى الإمام إلى قرار حاسم ، وهو ترك الثورة وعدم التسلح بالنصوص في وجه الحاكمين جهارا وعلانية إلا إذا اطمأن إلى قدرته على تجنيد الرأي العام ضد أبي بكر وصاحبيه ، وهذا ما أخذ يحاوله علي في محنته آنذاك .
 

- فدك في التاريخ - السيد محمد باقر الصدر ص 113 : -

فبدأ يطوف ( 1 ) سرا على زعماء المسلمين ورجالات المدينة ، يعظهم ويذكرهم ببراهين الحق وآياته ، وإلى جانبه قرينته تعزز موقفه وتشاركه في جهاده السري ، ولم يكن يقصد بذلك التطو اف إنشاء حزب يتهيأ له القتال به لأننا نعرف أن عليا كان له حزب من الأنصار هتف باسمه ، وحاول الالتفاف حوله وإنما أراد أن يمهد بتلك المقابلات لاجماع الناس عليه .


وهنا تجئ مسألة فدك لتحتل الصدارة في السياسة العلوية الجديدة ، فإن الدور الفاطمي الذي رسم هارون النبوة خطوطه بإتقان ، كان متفقا مع ذلك التطواف الليلي في فلسفته وجديرا بأن يقلب الموقف على الخليفة وينهي خلافة الصديق كما تنتهي القصة التمثيلية لا كما يقوض حكم مركز على القوة والعدة .


وكان الدور الفاطمي يتلخص في أن تطالب الصديقة الصديق بما انتزعه منها من أموا ل ، وتجعل هذه المطالبة وسيلة للمناقشة في المسألة الأساسية وأعني بها مسألة الخلافة وإفهام الناس بأن ا للحظة التي عدلوا فيها عن علي عليه السلام إلى أبي بكر كانت لحظة هوس وشذوذ ( 2 ) ، وأنهم بذلك أخطأوا وخالفوا كتاب ربهم ووردوا غير شربهم ( 3 ) .
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) راجع شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 6 : 13 ، الطبعة المحققة ، أخرج عن أبي جعفر محمد بن علي عليهما السلام أن عليا حمل فاطمة على حمار وسار بها ليلا إلى بيوت الأنصار ، يسألهم النصر ة ، وتسألهم فاطمة الانتصار له ) .

( 2 ) راجع : بلاغات النساء : 25 : قالت في هذا المعنى من خطبة لها عليها السلام : ( وأطلع الشيطان رأسه من مغرزه ، صارخا بكم ، فوجدكم لدعائه مستجيبين ، وللغرة فيه ملاحظين ، فاستنهضكم فوجدكم خفافا . . . فوسمتم غير إبلكم ) .

( 3 ) جاء في شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 6 : 12 : قال علي عليه السلام في محاورة مع القوم : ( يا معشر المهاجرين الله الله ، لا تخرجوا سلطان محمد عن داره وبيته إلى بيوتكم ودوركم ، ولا تدفعوا أ هله عن مقامه في الناس وحقه ، فوالله يا معشر المهاجرين لنحن أهل البيت أحق بهذا الأمر منكم . . ) . ( * )

 

 

- فدك في التاريخ - السيد محمد باقر الصدر ص 114 : -

ولما اختمرت الفكرة في ذهن فاطمة اندفعت لتصحح أوضاع الساعة وتمسح عن الحكم الأسلامي الذي وضعت قاعدته الاولى في السقيفة الوحل الذي تلطخ به ، عن طريق اتهام الخليفة الحاكم بالخيانة السافرة ، والعبث بكرامة القانون ، واتهام نتائج المعركة الانتخابية التي خرج منها أبو بكر خليفة بمخالفة ا لكتاب والصواب ( 1 ) .


وقد توفرت في المقابلة الفاطمية ناحيتان لا تتهيئان للأمام فيما لو وقف موقف قرينته .

( إحداهما ) إن الزهراء أقدر منه بظروف فجيعتها الخاصة ومكانتها من أبيها ، على استثارة العواطف ، وإيصال المسلمين بسلك من كهرباء الروح بأبيها العظيم صلوات الله عليه وأيامه الغراء وتجنيد مشاعرهم لقضايا أهل البيت .

( والاخرى ) إنها مهما تتخذ لمنازعتها من أشكال فلن تكتسب لون الحرب المسلحة التي تتطلب زعيما يهيمن عليها ما دامت امرأة وما دام هارون النبوة في بيته محتفظا بالهدنة التي أعلنها حتى تجتمع الناس عليه ومراقبا للموقف ليتدخل فيه متى شاء ، متزعما للثورة إذا بلغت حدها الأعلى أو مهدثا للفتنة إذا لم يتهيأ له الظرف الذي يريده . فالحوراء
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) راجع الصواعق المحرقة : 36 ، طبعة مكتبة القاهرة ، قال الخليفة الثاني : ( كانت بيعة أبي بكر فلتة وقى الله شرها فمن عاد لمثلها فاقتلوه . . . ) . ( * )

 

 

- فدك في التاريخ - السيد محمد باقر الصدر ص 115 : -

بمقاومتها إما أن تحقق انتقاضا إجماعيا على الخليفة وإما أن لا تخرج عن دائرة الجدال والنزاع ولا تجر إلى فتنة وانشقاق .

وإذن فقد أراد الأمام صلوات الله عليه أن يسمع الناس يومئذ صوته من فم الزهراء ويبقى هو بعيدا عن ميدان المعركة ينتظر اللحظة المناسبة للاستفادة منها ، والفرصة التي تجعل منه رجل الموقف .

وأراد أيضا أن يقدم لامة القرآن كلها في المقابلة الفاطمية برهانا على بطلان الخلافة القائمة . وقد تم للأمام ما أراد حيث عبرت الزهراء صلوات الله عليها عن الحق العلوي تعبيرا واضحا فيه ألوان من الجمال والنضال .


وتتلخص المعارضة الفاطمية في عدة مظاهر : -

( الأول ) إرسالها لرسول ( 1 ) ينازع أبا بكر في مسائل الميراث ويطالب بحقوقها وهذه هي الخطوة الاولى التي انتهجتها الزهراء صلوات الله عليها تمهيدا لمباشرتها للعمل بنفسها .

( الثاني ) مواجهتها بنفسها له في اجتماع خاص ( 2 ) وقد أرادت بتلك المقابلة أن تشتد في طلب حقوقها من الخمس وفدك وغير هما لتعرف مدى استعداد الخليفة للمقاومة . ولا ضرورة في ترتيب خطوات المطالبة على اسلوب تتقدم فيه دعوى النحلة على دعوى الميراث كما ذهب إلى ذلك أصحابنا ، بل قد
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 16 : 218 - 219 عن أبي الطفيل قال : ( أرسلت فاطمة إلى أبي بكر : أنت ورثت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أم أهله ؟ قال : بل أهله . . . ) .
( 2 )
المصدر السابق 16 : 230 . ( * )

 

 

- فدك في التاريخ - السيد محمد باقر الصدر ص 116 : -

يغلب على ظني تقدم المطالبة بالأرث ، لأن الرواية تصرح بأن رسول الزهراء إنما كان يطالب بالميراث ، والأقرب في شأن هذه الرسالة أن تكون اولى الخطوات كما يقضي به التدرج الطبيعي للمنازعة ، وأ يضا فإن دعوى الأرث أقرب الطريقين

إلى استخلاص الحق لثبوت التوارث ( 1 ) في التشرى الأسلامي بالضرورة فلا جناح على الزهراء في أن تطلب ابتداء ميراثها من أبيها الذي يشمل في معتقد الخليفة لعدم اطلاعه على النحلة ( 2 ) وليس في هذه المطالبة مناقضة لدعوى نحلة فدك إطلاقا ، لأن المطالبة بالميراث لم تتجه إلى فدك خاصة وإنما تعلقت بتركة النبي صلى الله عليه وآله وسلم عامة .


( الثالث ) خطبتها في المسجد بعد عشرة أيام من وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما في شرح النهج ( 3 ) لابن أبي الحديد .

( الرابع ) حديثها مع أبي بكر وعمر حينما زاراها بقصد الاعتذار منها وإعلانها غضبها عليهما وأنهما أغضبا الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم بذلك ( 4 ) .
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) ثبوت التوارث في التشريع الأسلامي من ضروريات الأسلام للنصوص الصريحة القطعية ، منها ( للرجال نصيب مما ترك الولدان والأقربون وللنساء نصيب ) النساء / 7 وقال تعالى : ( يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين . . . ) . النساء / 11 .

( 2 ) ادعى الخليفة الأول عدم اطلاعه على النحلة - شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 16 : 225 .

( 3 ) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 16 : 211 أخرج عن جماعة قال : ( قالوا : لما بلغ فاطمة عليها السلام إجماع أبي بكر على منعها فدك ، لاثت خمارها وأقلبت في لمة من حفدتها ونساء قومها . . . حتى دخلت على أبي بكر وقد حشد الناس من المهاجرين والأنصار . . . ) .

( 4 ) راجع : الأمامة والسياسة / ابن قتيبة : 14 . ( الشهيد ) ، شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 16 : 281 ، 264 . وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ( فاطمة بضعة مني من أغضبها أغضبني ) صحيح البخاري 5 : 83 باب 43 - فضائل الصحابة ،
أعلام النساء
4 : 123 . ( الشهيد )

 

 

- فدك في التاريخ - السيد محمد باقر الصدر ص 117 : -

( الخامس ) خطابها الذي ألقته على نساء المهاجرين والأنصار حين اجتماعهن عندها ( 1 ) .

( السادس ) وصيتها بأن لا يحضر تجهيزها ودفنها ( 2 ) أحد من خصومها وكانت هذه الوصية الأعلان الأخير من الزهراء عن نقمتها على الخلافة القائمة . وقد فشلت الحركة الفاطمية بمعنى ونجحت بمعنى آخر . فشلت لأنها لم تطوح بحكومة الخليفة رضى عنه الله في زحفها الأخير الخطير الذي قا مت به في اليوم العاشر من وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم .


ولا نستطيع أن نتبين الامور التي جعلت الزهراء تخسر المعركة ، غير أن الأمر الذي لا ريب فيه أن شخصية الخليفة رضى
عنه الله من أهم الأسباب التي أدت إلى فشلها ، لأنه من أصحاب الموا هب السياسية ، وقد عالج الموقف بلباقة ملحوظة نجد لها مثالا فيما أجاب به الزهراء من كلام وجهه إلى الأنصار من خطاب بعد انتهائها من خطبتها في المسجد .


فبينما هو يذوب رقة في جوابه للزهراء وإذا به يطوي نفسه على نار متأججة تندلع بعد خروج فاطمة من المسجد ، في أكبر الظن ، فيقول : ما هذه الرعة إلى كل قالة إنما هو ثعالة شهيده ذنبه ( 3 ) - وقد نقلنا الخطاب كاملا فيما سبق - فإن هذا الانقلاب من اللين والهدوء إلى الغضب الفائر يدلنا على مقدار ما ا وتي من
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 16 : 233 .
( 2 )
المصدر السابق 6 : 281 ، حلية الأولياء 2 : 42 . مستدرك الحاكم 3 : 178 طبعة دار الكتب العلمية .
( 3 )
راجع الخطبة في شرح نهج البلاغة 16 : 214 - 215 . ( * )

 

 

- فدك في التاريخ - السيد محمد باقر الصدر ص 118 : -

سيطرة على مشاعره وقدرته على مسايرة الظرف وتمثيل الدور المناسب في كل حين . ونجحت معارضة الزهراء لأنها جهزت الحق بقوة قاهرة ، وأضافت إلى طاقته على الخلود في ميدان النضال المذهبي طاقة جديدة .


وقد سجلت هذا النجاح في حركتها كلها وفي محاورتها مع الصد يق والفاروق عند زيارتهما لها بصورة خاصة إذ قالت لهما أرأيتكما إن حدثتكما حديثا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تعرفانه وتفعلان به ؟ فقالا : نعم ، فقالت : نشدتكما الله ألم

تسمعا من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : ( رضا فاطمة من رضاي وسخط فاطمة من سخطي ، فمن أحب
فاطمة فقد أحبني ومن أرضى فاطمة فقد أرضاني ومن أسخط فاطمة فقد أسخطني )
( 1 ) قالا : نعم سمعناه من رسول الله

صلى الله عليه وآله وسلم قالت : ( فإني اشهد الله وملائكته أنكما أسخطتماني وما أرضيتماني ولئن لقيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأشكونكما عنده ) ( 2 ) .
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) صحت عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عبائر متعدده بهذا المعنى فقد جاء عنه في الصحيح أنه قال لفاطمة ( رضي الله عنها ) : ( إن الله يغضب لغضبك ، ويرضى لرضاك . . ) وقال : ( فاطمة بضعة مني يريبني ما رابها ويؤذيني ما آذاها ) . .

راجع : صحيح البخاري 5 : 83 باب 43 حديث رقم 232 ،
صحيح مسلم
4 : 1902 حديث رقم 93 / 2449 ،
مستدرك الحاكم
3 : 167 حديث رقم 4730 / 328 ، دار الكتب العلمية . ( الشهيد ) ،
ذخائر العقبى
: 39 ،
مسند الأمام أحمد بن حنبل
4 : 328 ،
جامع الترمذي
5 : 699 ، دار إحياء التراث العربي - بيروت ،
الصواعق المحرقة
/ ابن حجر : 190 - طبعة القاهرة ،
كفاية الطالب
: 365 ، دار احياء تراث أهل البيت - طهران .

( 2 ) تجد غضب فاطمة عليها السلام على أبي بكر في صحيح البخاري 5 : 5 وصحيح مسلم 2 : 72 ومسند الأمام أحمد 6 : 1 ،
تاريخ الطبري
2 : 236 ، كفاية الطالب : 266 ، سنن البيهقي 6 : 300 . ( الشهيد ) ( * )

 

 

- فدك في التاريخ - السيد محمد باقر الصدر ص 119 : -

ويصور لنا هذا الحديث مدى اهتمامها بتركيز الاعتراض على خصميها ومجاهرتهما بغضبها ونقمتها لتخرج من المنازعة بنتيجة لا نريد درسها والانتهاء فيها إلى رأي معين لأن ذلك خارج عن دائر ة عنوان هذا البحث ولأننا نجل الخليفة عن أن

ندخل معه في مثل هذه المناشات وإنما نسجلها لتوضيح أفكار الزهراء صلوات الله عليها ووجهة نظرها ، فقط ، فإنها كانت تعتقد أن النتيجة التي حصلت عليها هي الفوز المؤكد في حساب العقيدة والدين وأعني بها أن الصديق قد استحق غضب الله

ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم بإغضابها ، وآذاهما بأذاها لأنهما يغضبان لغضبها و 55 يسخطان لسخطها بنص الحديث النبوي الصحيح ، فلا يجوز أن يكون خليفة لله ورسوله .

وقد قال الله تبارك وتعالى : ( وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا تنكحوا أزواجه من بعده أبدا إن ذلكم كان عند الله عظيما ) ( 1 ) .

( إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والاخرة وأعد لهم عذابا مهينا ) ( 2 ) .

( والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم ) ( 3 ) .

( يا أيها الذين آمنوا لا تتولوا قوما غضب الله عليهم ) ( 4 ) .

( ومن يحل عليه غضبي فقد هوى ) ( 5 ) .
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) الأحزاب / 53 . ( 2 ) الأحزاب / 57 . ( 3 ) التوبة / 61 . ( 4 ) الممتحنة / 13 . ( 5 ) طه / 81 . ( * )

 

 

 

الصفحة الرئيسية

 

مكتبة الشبكة

 

فهرس الكتاب