على مسرح الثورة

 

 

- فدك في التاريخ - السيد محمد باقر الصدر ص 17 : -

الفصل الأول على مسرح الثورة 
 

* فدونكها مخطومة مرحولة تلقاك يوم حشرك ، فنعم الحكم الله ، والزعيم محمد ، والموعد القيامة ، وعند الساعة يخسر المبطلون . الزهراء عليها السلام
 

- فدك في التاريخ - السيد محمد باقر الصدر ص 19 : -

تمهيد

وقفت لا يخالجها شك فيما تقدم عليه ، ولا يطفح عليها موقفها الرهيب بصبابة من خوف أو ذعر ، ولا يمر على خيالها الذي كان جديا كلم الجد ، تردد في تصميمها ، ولا تساورها هاجسة من هواجس القلق والارتباك ، وها هي الان في أعلى القمة

من استعدادها النبيل ، وثباتها الشجاع على خطتها الطموح ، واسلوبها الدفاعي ، فقد كانت بين بابين لا يتسعان لتردد طويل ، ودرس عريض ، فلا بد لها من اختيار أحدهما وقد اختارت الطريق المتعب من الطريقين الذي يشق سلوكه على المرأة

بطبيعتها الضعيفة لما يكتنفه من شدائد ومصاعب تتطلب جرأة أدبية ، وملكة بيانية مؤثرة ، وقدرة على صب معاني الثورة كلها في كلمات وبراعة وفنية في تصوير النقمة ، ونقد الأوضاع القائمة تصويرا ونقدا يجعلان في الألفاظ معنى من حياة ،

وحظا من خلود ، لتكون الحروف جنود الثورة الخيرة ، وسندها الخالد في تاريخ العقيدة ، ولكنه الأيمان والاستبسال في
سبيل الحق الذي يبعث في النفوس الضعيفة نقائضها ، ويفجر في الطبائع المخذولة قوة لا تتعرض لضعف ولا تردد . ولذا كان اختيار الثاثرة لهذا الطريق مما يوافق طبعها ، ويلتئم مع شخصيتها المركزة على الانتصار للحق ، والاندفاع في سبيله .

 

- فدك في التاريخ - السيد محمد باقر الصدر ص 20 : -

وكانت حولها نسوة متعددات من حفدتها ونساء قومها كالنجوم المتناثرة يلتففن بها بغير انتظام ، وهن جميعا سواسية في هذا الاندفاع والاتياع ، وقائد تهن بينهن تستعرض ما ستقدم عليه من وثبة كريمة تهيئ لها العدة والذخيرة ، وهي كلما استرسلت

في استعراضها ازدادت رباطة جأش ، وقوة جنان ، وتضاعفت قوة الحق التي تعمل في نفسها ، واشتدت صلابة في الحركة ، وانبعاثا نحو الدفاع عن الحقوق المسلوبة ، ونشاطا في الاندفاع ، وبسالة في الموقف الرهيب ، كأنها قد استعارت في

لحظتها هذه قلب رجلها العظيم ، لتواجه به ظروفها ا لقاسية وما حاكت لها يد القدر . أستغفر الله بل ما قدر لها المقدر الحكيم من مأساة مروعة تهد الجبل وتزلزل الصعب الشامخ .


وكانت في لحظتها الرهيبة التي قامت فيها بدور الجندي المدافع شبحا قائما ترتسم عليه سحابة حزن مرير ، وهي شاحبة اللون ، عابسة الوجه ، مفجوعة القلب ، كاسفة البال ، منهدة العمد ، ضعيفة الجانب ، مائعة الجسم ، وفي صميم نفسها ،

وعميق فكرها ، المتأملة إشعاعة بهجة ، وإثارة طمأنينة ، وليس هذا ولا ذاك استعذابا لأمل باسم ، أو سكونا إلى حلم لذيذ ، أو استقبالا لنتيجة حسنة مترقبة ، بل كانت الأشعاعة إشعاعة رضا بالفكرة ، والاستبشار بالثورة ، وكانت الطمأنينة ثقة بنجاح

، لا هذا الذي نفيناه بل على وجه آخر ، وإن في بعض الفشل الاجل إيجابا لنجاج عظيم وكذلك وقع ، فقد قامت امة برمتها تقدس هذه الثورة النائرة بل تستمد منها ثباتها واستبسالها في هذا الثبات . ودفعتها أفكارها في وقفتها تلك إلى الماضي القريب يوم كانت
 

- فدك في التاريخ - السيد محمد باقر الصدر ص 21 : -

موجهات السعادة تلعب بحياتها السعيدة ، ويوم كان نفس أبيها يصعد ، ونسمه يهبط . وكان بيتها قطب الدولة العتيد ، ودعامة المجد الراسخة المهيمنة على الزمن الخاشع المطيع .

ولعل أفكارها هذه ساقتها إلى تصور أبيها صلى الله عليه وآله وسلم وهو يضمها إلى صدره الرحيب ، ويحوطها بحنانه العبقري ، ويطبع على فمها الطاهر قبلاته التي اعتادتها منه ، وكانت غذاءها صباحا ومساء .

ثم وصلت إلى حيث بلغت سلسلة الزمن ، فيواجهها الواقع العابس وإذا بالزمان غير الزمان وها هو بيتها مشكاة النور ورمز النبوة والأشعاعة المتألقة المحلقة بالسماء ، مهدد بين الفينة والفينة ، وما هو ابن عمها الرجل الثاني في دنيا الأسلام باب علم النبوة ( 1 ) ، ووزيرها المخلص ( 2 ) ، وهارونها ( 3 ) المرجى ، الذي لم يكن لينفصل ببدايته ( 4 ) الطاهرة عن بداية
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) إشارة إلى الحديث المشهور : ( أنا مدينة العلم وعلي بابها ) أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء 1 : 64 طبعة دار الفكر ، وصححه السيوطي في جمع الجوامع ، وأخرجه الترمذي في صحيحة بلفظ آخر ، وراجع : التاج الجامع للاصول في أحاديث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم / الشيخ منصور علي ناصب 3 : 337 ، قال : رواه الترمذي والطبراني وصححه الحاكم .

( 2 ) إشارة إلى قوله صلى الله عليه وآله وسلم - في حديث الدار أو الأنذار - المشهور : ( إن هذا - والأشارة إلى علي - أخي ووزيري وخليفتي فيكم . . . ) راجع الرواية الكاملة في تاريخ الطبري 3 : 218 - 219 طبعة المطبعة الحسينية بمصر ، وراجع تفسير الخازن 3 : 371 طبعة دار المعرفة .

( 3 ) إشارة إلى الحديث المتواتر : ( أما ترضى يا علي أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي ) راجع : صحيح البخاري 5 : 81 باب 39 ، صحيح مسلم 4 : 1873 ، التاج الجامع للاصول في أحاديث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم / الشيخ منصور علي ناصف 3 : 333 .

( 4 ) راجع : نهج البلاغة ، خطبة 192 ضبط الدكتور صبحي الصالح ص 300 - 301 قال الأمام علي عليه السلام : ( وقد علمتم موضعي من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالقرابة القريبة ، والمنزلة الخصيصة ، وضعني في حجره وأنا ولد . . . ولم يجمع بيت واحد يومئذ في الأسلام غير رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وخديجة وأنا ثالثهما ، أرى نور الوحي وأشم ريح النبوة . . . ) . ( * )

 

 

- فدك في التاريخ - السيد محمد باقر الصدر ص 22 : -

النبوة المباركة ، فهو ناصرها في البداية ، وأملها الكبير في النهاية ، يخسر أخيرا خلافة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وتقوض معنوياته النورية التي شهدت لها السماء والأرض جميعا ، وتسقط سوا بقه الفذة عن الاعتبار ببعض المقاييس

التي تم اصطلاحها في تلك الأحايين . وهنا بكت بكاء شقيا ما شاء الله لها أن تبكي ، ولم يكن بكاء بمعناه الذي يظهر على الأسارير ، ويخيم على المظاهر ، ت بل كان لوعة الضمير ، وارتباع النفس ، وانتفاضة الحسرات في أعماق القلب ،

وختمت طوافها الأليم هذا بعبرتين ندتا من مقلتيها . ثم لم تطل وقفتها ، بل اندفعت كالشرارة الملتهبة وحولها صويحباتها حتى وصلت إلى ميان الصراح ، فوقفت وقفتها الخالدة ، وأثارث حربها التي استعملت فيها ما يمكن مباشرته للمرأة في الأسلام ، وكادت ثورتها البكر أن تلتهم الخلافة لولا أن عاكسها شذوذ الظرف ، وتناثرت أمامها العقبات .

 

 

الصفحة الرئيسية

 

مكتبة الشبكة

 

فهرس الكتاب