|
على مسرح الثورة |
|
|
الفصل الأول على مسرح الثورة
*
فدونكها مخطومة مرحولة تلقاك يوم حشرك ، فنعم الحكم الله ، والزعيم محمد ،
والموعد القيامة ، وعند الساعة يخسر المبطلون . الزهراء عليها السلام
تمهيد وقفت لا يخالجها شك فيما تقدم عليه ، ولا يطفح عليها موقفها الرهيب بصبابة من خوف أو ذعر ، ولا يمر على خيالها الذي كان جديا كلم الجد ، تردد في تصميمها ، ولا تساورها هاجسة من هواجس القلق والارتباك ، وها هي الان في أعلى القمة من استعدادها النبيل ، وثباتها الشجاع على خطتها الطموح ، واسلوبها الدفاعي ، فقد كانت بين بابين لا يتسعان لتردد طويل ، ودرس عريض ، فلا بد لها من اختيار أحدهما وقد اختارت الطريق المتعب من الطريقين الذي يشق سلوكه على المرأة بطبيعتها الضعيفة لما يكتنفه من شدائد ومصاعب تتطلب جرأة أدبية ، وملكة بيانية مؤثرة ، وقدرة على صب معاني الثورة كلها في كلمات وبراعة وفنية في تصوير النقمة ، ونقد الأوضاع القائمة تصويرا ونقدا يجعلان في الألفاظ معنى من حياة ، وحظا من خلود ، لتكون الحروف جنود الثورة الخيرة ، وسندها
الخالد في تاريخ العقيدة ، ولكنه الأيمان والاستبسال في
وكانت حولها نسوة متعددات من حفدتها ونساء قومها كالنجوم المتناثرة يلتففن بها بغير انتظام ، وهن جميعا سواسية في هذا الاندفاع والاتياع ، وقائد تهن بينهن تستعرض ما ستقدم عليه من وثبة كريمة تهيئ لها العدة والذخيرة ، وهي كلما استرسلت في استعراضها ازدادت رباطة جأش ، وقوة جنان ، وتضاعفت قوة الحق التي تعمل في نفسها ، واشتدت صلابة في الحركة ، وانبعاثا نحو الدفاع عن الحقوق المسلوبة ، ونشاطا في الاندفاع ، وبسالة في الموقف الرهيب ، كأنها قد استعارت في لحظتها هذه قلب رجلها العظيم ، لتواجه به ظروفها ا لقاسية وما حاكت لها يد القدر . أستغفر الله بل ما قدر لها المقدر الحكيم من مأساة مروعة تهد الجبل وتزلزل الصعب الشامخ .
وعميق فكرها ، المتأملة إشعاعة بهجة ، وإثارة طمأنينة ، وليس هذا ولا ذاك استعذابا لأمل باسم ، أو سكونا إلى حلم لذيذ ، أو استقبالا لنتيجة حسنة مترقبة ، بل كانت الأشعاعة إشعاعة رضا بالفكرة ، والاستبشار بالثورة ، وكانت الطمأنينة ثقة بنجاح ، لا هذا الذي نفيناه بل على وجه آخر ، وإن في بعض الفشل
الاجل إيجابا لنجاج عظيم وكذلك وقع ، فقد قامت امة برمتها تقدس هذه الثورة
النائرة بل تستمد منها ثباتها واستبسالها في هذا الثبات . ودفعتها أفكارها في
وقفتها تلك إلى الماضي القريب يوم كانت
موجهات السعادة تلعب بحياتها السعيدة ، ويوم كان نفس أبيها يصعد ، ونسمه يهبط . وكان بيتها قطب الدولة العتيد ، ودعامة المجد الراسخة المهيمنة على الزمن الخاشع المطيع . ولعل أفكارها هذه ساقتها إلى تصور أبيها صلى الله عليه وآله وسلم وهو يضمها إلى صدره الرحيب ، ويحوطها بحنانه العبقري ، ويطبع على فمها الطاهر قبلاته التي اعتادتها منه ، وكانت غذاءها صباحا ومساء . ثم وصلت إلى حيث بلغت سلسلة الزمن ، فيواجهها الواقع العابس
وإذا بالزمان غير الزمان وها هو بيتها مشكاة النور ورمز النبوة والأشعاعة
المتألقة المحلقة بالسماء ، مهدد بين الفينة والفينة ، وما هو ابن عمها الرجل
الثاني في دنيا الأسلام باب علم النبوة ( 1 ) ،
ووزيرها المخلص ( 2 ) ، وهارونها
( 3 ) المرجى ، الذي لم يكن لينفصل ببدايته
( 4 ) الطاهرة عن بداية
النبوة المباركة ، فهو ناصرها في البداية ، وأملها الكبير في النهاية ، يخسر أخيرا خلافة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وتقوض معنوياته النورية التي شهدت لها السماء والأرض جميعا ، وتسقط سوا بقه الفذة عن الاعتبار ببعض المقاييس التي تم اصطلاحها في تلك الأحايين . وهنا بكت بكاء شقيا ما شاء الله لها أن تبكي ، ولم يكن بكاء بمعناه الذي يظهر على الأسارير ، ويخيم على المظاهر ، ت بل كان لوعة الضمير ، وارتباع النفس ، وانتفاضة الحسرات في أعماق القلب ، وختمت طوافها الأليم هذا بعبرتين ندتا من مقلتيها . ثم لم تطل
وقفتها ، بل اندفعت كالشرارة الملتهبة وحولها صويحباتها حتى وصلت إلى ميان
الصراح ، فوقفت وقفتها الخالدة ، وأثارث حربها التي استعملت فيها ما يمكن
مباشرته للمرأة في الأسلام ، وكادت ثورتها البكر أن تلتهم الخلافة لولا أن
عاكسها شذوذ الظرف ، وتناثرت أمامها العقبات .
|
|