|
موقف أبي بكر من تركة
النبي |
|
|
الفصل الخامس محكمة الكتاب ( إن
الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا
بالعدل إن الله
( موقف الخليفة الأول من تركة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ) ( تمهيد ) إذا أردنا أن نرتفع بمستوى دراستنا إلى مصاف الدراسات الدقيقة ، فلا بد أن نأخذ أ نفسنا بمناهج البحث العلمي في درس ناحيتين : الناحية الاولى : موقف الخليفة تجاه ميراث الزهراء الذي كان يستند فيه إلى ما روا ه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في موضوع الميراث بأساليب متعددة وصور مختلفة لتعددد مواجهات الخصمين ، فجاءت الأحاديث التي تنقل روايته وهي لا تتفق ( 1 ) على حد تعبير واحد ، ولا تجمع على لفظ معين ، لاختلاف المشاهد التي ترويها ، واختصاص كل منها بصيغة خاصة للحديث على حسب ما كان يحضر الخليفة من عبائر أو تعدد الروايات التي رواها في المسألة . 1 - وقبل كل شئ نريد أن
نلاحظ مقدار تأكد الخليفة من صحة
الحديث الذي رآه دالا على نفي توريث التركة النبوية واطمئنانه إلى سماع ذلك من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ثباته عليه . ويمكننا فهم ذلك مما تحدثنا به الروايات ( 1 ) من أن الخليفة سلم فدك للحوراء وكاد الأمر أن يتم لولا أن دخل عمر وقال له : ( ما هذا ؟ فقال له : كتاب كتبته لفاطمة ميثراثها من أبيها ، فقال : ماذا تنفق على المسلمين وقد حاربتك العرب كما ترى ثم أخذ الكتاب فشقه ) ( 2 ) .
الأرث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، لأن حروب الردة التي أشار إليها عمر في كلامه ابتدأت بعد يوم السقيفة بعشرة أيام ( 3 ) ، وخطبة الزهراء قد كانت في اليوم العاشر أيضا كما سبق ( 4 ) .
وندرك من هذا أن الخليفة كان يطوي نفسه على قلق عظيم عظيم
مرده إلى الشعور بنقص مادي في حكمه على فاطمة وضعف في المدرك الذي استند
إليه ، ويثور به ضميره أحيانا فلا يجد في مستنداته ما يهدئ نفسه المضطربة وقد ضاق بهذه الحالة المريرة ، فطفحت نفسه في الساعة الأخيرة بكلام يندم فيه على موقفه من الزهراء ، تلك الساعة الحرجة التي يتمثل فيها للأنسان ما مثله على مسرح الحياة من فصل أو شك الستار أن يسدل عليها ، وتجتمع في ذاكرته خيوط حيا ته بألوانها المختلفة التي آن لها أن تنقطع ، فلا يبقى منها إلا التبعات .
للزوجة نصيب في الأرض ، وكان نصيب عائشة يسع ذلك - ولو كان يرى أن تركة النبي صلى الله عليه وآله وسلم صدقة مشتركة بين المسلمين عامة ، للزمه الاستئذان منهم . وهب أن البالغين أجازوا ذلك فكيف بالأطفال والقاصرين ممن كانوا في ذلك الحين ؟ !
وإبقاء بيوت نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم لهن يتصرفن
فيها كما يتصرف المالك في ماله حتى تستأذن عائشة في الدفن في حجرتها
؟ أكان الحكم بعدم التوريث مختصا ببضعة النبي صلى
الله عليه وآله وسلم ؟ ! أو أن بيوت الزوجات كانت
نحلة لهن ؟ فلنا أن نستفهم عما أثبت ذلك عند الخليفة ولم قتم بينة ، عليه ولا ادعته واحدة منهن ، وليست حيازتهن للبيوت في زمان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شاهدا على ملكيتهن لها ، لأنها ليست حيازة استقلالية ، بل من شؤون حيازة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ككل زوجة بالنسبة إلى زوجها ؟كما أن نسبة البيوت إليهن في الاية الكريمة : ( وقرن في بيوتكن ) ( 1 ) ، لا يدل على ذلك ، لأن الأضافة يكفي في صحتها أدنى ملابسة ، وقد نسبت إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم في القرآن الكريم بعد تلك الاية بمقدا ر قليل إذ قال الله تبارك وتعالى : ( يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم ) ( 2 ) . فإذا كان الترتيب ا لقرآني حجة ، لزم الأخذ بما تدل عليه هذه الاية . وورد في صحاح السنة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إسناد البيت إليه في قوله : ( إن ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة ) ( 3 ) .
أو أن الرسل السابقين قد أهملوا تبليغه وتعريف خلفائهم وورثتهم به طمعا بالمادة الزائفة ، واستبقاء لها في أولادهم وآلهم ؟ أو أنهم كانوا قد انتهجوا هذا الطريق ونفذوا الحكم بعدم التور يث ، ومع ذلك لم يؤثر في التواريخ جميعا ؟ أو أن السياسة السائدة يو مذاك هي التي أشأت هذا الحكم
؟
6 - ومن جهة اخرى هل يمكننا أن نقبل أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يجر على أحب الناس إليه وأقربهم منه البلايا والشدائد وهي التي يغضب لغضبها ويسر لسرورها وينقبض لانقباضها ( 1 ) ، ولم يكن ليكلفه دفع هذه لمحن عنها أكثر من إعلامها بحقيقة الأمر لئلا تطلب ما ليس لها بحق ،
وكأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لذ له أن ترزى ابنته ، ثم تتسع هذه
الرزية فتكون أداة اختلاف وصخب بين المسلمين عامة ، وهو الذي ارسل رحمة
للعالمين ، فبقي مصرا على كتمان الخبر عنها مع الأسرار به إلى أبي بكر .
|
|