روايات الخليفة الأول ومناقشتها

 

 

- فدك في التاريخ - السيد محمد باقر الصدر ص 151 : -

( روايات الخليفة الأول ومناقشتها )

 1 - لأجل أن نلقي نظرة على الحديث من الناحية المعنوية بعد الملاحظات التي أسلفنا ها ، نقسم الصيغة التي جاءت في رواية الموضوع إلى قسمين : -

( الأول ) ما جاء في بعضها من أن أبا بكر بكى لما كلمته فاطمة ثم قال : يا بنت رسول الله ، والله ما ورث أبوك دينارا ولا درهما ، وإنه قال : إن الأنبياء لا يورثون ( 2 ) .

وما ورد في الخطبة من قوله : ( إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : إنا معاشر الأنبياء لا نورث ذهبا ولا فضة ولا أرضا ولا عقارا ولا دارا لكنما نورث الأيمان والحكمة والعلم والسنة ) ( 3 ) . 69
 

 

* ( هامش ) *
( 2 ) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 16 : 316 ، سنن البيهقي 6 : 301 .
( 3 )
شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 16 : 252 ، 214 ، سنن البيهقي 6 : 300 . ( * )

 

 

- فدك في التاريخ - السيد محمد باقر الصدر ص 152 : -

( الثاني ) التعبير الذي تنقله عدة أخبار عن الخليفة وهو ما رواه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من ( إنا لا نورث ما تركناه صدقة ) ( 1 ) .

 2 - والنقطة المهمة في هدا البحث هي معرفة ما إذا كانت هذه الصيغ تدل بوضوح لا يقبل تشكيكا ولا تأويلا - وهو النص
( 2 ) في العرف العلمي - على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا تورث تر كته ، أو ما إذا كانت تصلح للتعبير بها عن

معنى آخر وإن كانت للتعبير بها عن الحكم بعدم التوريث أصلح - وهو الظاهر في الاصطلاح - وللمسألة تقدير ثالث وهو أن لا يرجح المعنى الذي هو في صالح الخليفة على ما قد يؤدي باللفظ من معان اخر - وهو المجمل ( 3 ) .


 3 - إذا لا حظنا القسم الأول من صيغ الحديث وجدنا رواياته تقبل أن تكون بيانا لعدم تشريع توريث الأنبياء كما فهمه الخليفة ، ويمكن أن تكون كناية عن معنى أن يقع في نقس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيانه ، وهو تعظيم مقام النبوة وتجليل الأنبياء ، وليس من مظهر للجلالة الروحية والعظمة الألهية
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 16 : 224 ، 218 ، سنن البيهقي 6 : 301 .
( 2 )
النص : قال الرازي : إذا كان اللفظ موضوعا لمعنى ، ولا يكون محتملا لغيره فهذا هو النص . وأما المجمل فيظهر من كلامه أنه ما دل على معنيين على التساوي . راجع التفسير الكبير / الرازي 7 : 18 .
وجاء في معارج الاصول / المحقق الحلي : 105 : النص : ( هو الكلام الذي يظهر إفادته لمعناه ، ولا يتناول أكثر مما هو مقول فيه . أما المجمل : فهو ما أفاد جملة من الأشياء . . . واللفظ لا يعينه . . . ) . وراجع بيان النصوص التشريعة / بدران أبو العينين : 5 .
( 3 )
المصباح المنير / 2 : 654 ، نشر دار الهجرة - قم المقدسة . ( * )

 

 

- فدك في التاريخ - السيد محمد باقر الصدر ص 153 : -

أجلى دلالة وأكثر مادية من الزهد في الدنيا ، ولذائذها الزائفة ، ومتعها الفانية .

فماذا لا يجوز لنا افتراض أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أراد أن يشير إلى أن الأنبياء اناس ملائكيون وبشر من الطراز الأسمى الذي لا تشوبه الأنانيات الأرضية والأهواء البشرية ؟ لأن طبيعتهم قد اشتقت من عناصر السماء - بمعناها الرمزي -

المتدفقة بالخير لا من مواد هذا العالم الأرضي ، فهم أبدا ودائما منابع الخير ، والطالعون بالنور ، والمورثون للأيمان والحكمة ، والمركزون للسلطان الألهي في الأرض . وليسوا مصادر للثروة بمعناها المصطلح عليه في عرف الناس ، ولا بالساعين وراء نفائسها .

ولماذا لا يكون قوله : ( إنا معاشر الأنبياء لا نورث ذهبا ولا فضة ولا أرضا ولا عقارا ولا دار ا ) كناية عن هذا المعنى ؟ لأن توريثهم لهذه الأشياء إنما يكون بحيازتهم لها ، وتركهم إياها بعد موتهم وهم منصرفون عنها ، لا يحسبون لها حسابا ولا يقيمون لها وزنا ليحصلوا على شئ منها .

فما هو تحت اللفظ نفي التوريث لعدم وجود التركة كما إذا قلنا : إن الفقراء لا يورثون ، لا أنهم يختصون عن سائر الناس بحكم يقتضي بعدم جريان أحكام الأرث على تركاتهم .

والهدف الأصلي من الكلام بيان جلال الأنبياء . وهذا الاسلوب من البيان مما يتفق مع الأساليب النبوية الرائعة التي تطفح بالمعاني الكبار وتزخر بأسماها في موجاتها اللفظية القصيرة .


 4 - ولكي تتفق معي على تفسير معين للحديث ، يلزم أن نعرف معنى التوريث لنفهم الجملة النافية له كما يلزم . و 70 معنى التوريث جعل شئ ميراثا ، فالمورث من يكون سببا لانتقال المال من الميت إلى قريبه ( 1 ) وهذا
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) المصباح المنير 2 : 654 نشر دار الهجرة - قم المقدسة . ( * )

 

 

- فدك في التاريخ - السيد محمد باقر الصدر ص 152 : -

الأنتقال يتوقف على أمرين : - ( أحدهما ) وجود التركة . ( والاخر ) القانون الذي يجعل للوارث حصة من مال الميت .

ويحصل الأول بسبب نفس الميت ، والثان بسبب المشرع الذي وضع قانون الوراثة سواء أكان فردا أسندت إليه الناس الصلاحيات التشريعية أو هيئة تقوم على ذلك ، أو نبيا يشرع بوحي من السماء ، فكل من الميت والمشرع له نصيب من

إيجاد التوارث ، ولكن المورث الحقيقي الذي يستحق التعبير عنه بهذا اللفظ بحق هو الميت الذي أوجد مادة الأرث ، لأنه هو الذي هيا للأرث شرطه الأخير بما خلفه من ثروة ، وأما المشرع فليس مورثا من ذلك اطراز لأنه لم يجعل بوضعه للقانون ،

ميراثا معينا بالفعل ، بل شرع نظاما يقتضي بأن الميت إذا كان قد ملك شيئا وخلفه بعد موته فهو لأقاربه . وهذا وحده لا يكفي لأيجاد مال موروث في الخارج ، بل يتوقف على أن يكون الميت قد أصاب شيئا من المال وخلفه بعده .


فالواضع التشريعي نظير من يضيف عنصرا خاصا إلى طبيعة من الطبائع ، فيجعلها قابلة لأحراق ما يلاقيها . فإذا ألقيت إليها بورقد فاحترقت كنت أنت الذي أحرقتها لا من أضاف ذلك العنصر المحرق إلى الطبيعة ، والقاعدة التي ذلك ، أن كل شئ

يسند بحسب اصول التعبير إلى المؤثر الأخير فيه . وفي ضوء هذه القاعدة نعر ف أن نسبة التوريث إلى شخص تدل على أنه المؤثر الأخير في الأرث ، وهو الموروث ( 1 ) الذي
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) المصدر السابق . ( * )

 

 

- فدك في التاريخ - السيد محمد باقر الصدر ص 155 : -

أوجد التركة .
فالمفهوم من جملة : أن الأنبياء يورثون ، أنهم يحصلون على الأموال ويجعلونها تركة من بعدهم ، وإذا نفي التوريث عنهم ، كان مدلول هذا النفي أنهم لا يهيؤون للأرث شرطه الأخير ، ولا يسعون وراء الأموال ليتركوها بعد وفاتهم لورثتهم .

وإذن فليس معنى : أن الأنبياء لا يورثون ، عدم التوريث التشريعي ، ونفي الحكم بالأرث ، لأن الحكم بالأرث ليس توريثا حقيقيا ، بل التوريث الحقيقي تهيئة نفس التركة وهذا هو المنفي في الحديث .

وعلى طراز آخر من البيان أن التوريث الذي نفاه خاتم النبيين عن الأنبياء ، إن كا ن هو التوريث التشريعي ، كان مفاد النفي إلغاء قانون الأرث من شرائع السماء ، لأن توريثهم التشريعي لا يختص بورثتهم حتى يكون المنفي توريثهم خاصة .

وإن كان هو التوريث الحقيقي ، بمعنى تهيئة الجو المناسب للأرث ، سقطت العبارة عما أراد لها الصديق من معنى وكان معناها أن الأنبياء لا تركة لهم لتورث .


 5 - وفي الرواية الاولى مهد الخليفة للحديث بقوله : ( والله ما ورث أبوك دينارا ولا درهما ) ( 1 ) ، وهذا التعبير واضح كل الوضوح في نفي التركة وعدم ترك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شيئا من المال . فإذا صح للخليفة أن يستعمل تلك الجملة في هذا المعنى ، فليصح أن تدل صيغة الحديث عليه أيضا ويكون هو المقصود منها .


 6 - وإذا لاحظنا الأمثلة التي ذكرت في الرواية الثانية نجد فيها ما يعزز
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 16 : 216 . ( * )

 

 

- فدك في التاريخ - السيد محمد باقر الصدر ص 156 : -

قيمة هذا التفسير ، لأن ذكر الذهب والفضة والعقار والدار - مع أنها من مهمات التركة - لا يتفق مع تفسير الحديث بأن لا تورث ، لأن اللازم ذكر أتفه الأشياء لبيان عموم الحكم بعدم الأرث لسائر مصاديق التركة .

كما إنا إذا أردنا أن نوضح عدم إرث الكافر لشئ من تركة أبيه لم نقل : إن الكافر لا يرث ذهبا ولا فضة ولا دارا وإنما نقول : إنه لا يرث تمرة واحدة من تركة الميت .

وبتعبير واضح أن الاهتمام بتوضيح عموم الحكم لكل أقسام التركة يقتضي التصريح ببعض أقسام المال الذي قد يتوهم متوهم عدم اندراجه في التركة التي لا تورث .

وقولنا : الأنبياء لا يورثون أو أن الكفار لا نصيب لهم من تركة آبائهم ، يدل أول ما يدل على عدم انتقال الدار والعقار و الذهب والفضة وغيرها من نفيس التركة ومهمها . فذكر هذه الامور في الحديث يرجح أن المقصود بنفي توريث الأنبياء ،

بيان زهدهم وعدم اهتمامهم بالحصول على نفائس الحياة المحدودة التي يتنافس فيها المتنافسون ، لأن المناسب لهذا الغرض ذكر الأموال المهمة التي تكون حيازتها وتوريثها منافيا للزهد والمقامات الروحية العليا . وأما الأخبار عن عدم التوريث في الشر يعة فاللائق به ذكر التوافه من التركة دون أقسامها الواضحة المهمة .


 7 - وأمر آخر يشهد لما ذركناه من التفسير وهو الجملة الثانية الأيجابية في الحديث أي جملة : ( ولكنا نورث الأيمان والحكمة والعلم والسنة ) ( 1 ) ، فإنها لا تدل على تشريع وراثة هذه الامور ، بل على توفرها في الأنبياء إلى
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 16 : 214 . ( * )

 

 

- فدك في التاريخ - السيد محمد باقر الصدر ص 157 : -

حد يؤهلهم لنشرها وإشاعتها بين الناس . فقد نفهم حينئذ أن المراد بالجملة الاولى التي نفت التوريث ، بيان أن الأنبياء لا يسعون للحصول على الذهب والعقار ونحو هما ، ولا يكون لهم من ذلك شئ ليرثه آلهم .


 8 - ولا يجوز لنا أن نقيس عبارة الحديث المروية عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقوله : ( إن الناس لا يورثون الكافر من أقاربهم ( 1 ) ، بل يلزمنا أن نفرق بين التعبيرين لأن المشرع إذا تكلم عمن يشرع لهم أحكامهم كان الظاهر من كلامه أنه يلقي بذلك عليهم حكما من الأحكام .

فإخبار النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن عدم توريث الناس للكافر من أقاربهم لا يصح تفسيره بأنه إخبار فقط ، بل يدل فوق هذا على أن الكافر لا يرث في شريعته .

وتختلف عن ذلك العبارة التي نقلها الخليفة ، لأن موضوع الحديث فيها هو الأنبياء لا جماعة ممن تشملهم تشريعات النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأحكامه ، فليس في الأمر ما يدل على حكم وراء الأخبار عن عدم توريثهم .


 9 - وليس لك أن تعترض بأن الأنبياء كثيرا ما يحوزون على شئ مما ذكر في الحديث ، فيلزم على ما ذكرت من التفسير أن يكون الحديث كاذبا ، لأنك قد تتذكر أن الذي نفي عن الأنبياء هو التور يث خاصة ، وهو ينطوي على معنى خاص ، وأعني به إسناد الأرث إلى المورث .

وهذا الأسناد بتوقف على أن يكون المورث قد سعى في سبيل الحصول على المال الذي تركه ميراثا بعده ، كما يتوقف معنى المهذب على استعمال وسائل التهذيب .
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) ورد الحديث بألفاظ وعبارات اخرى مفادها ما تقدم ، فعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : لا يرث المسلم الكافر ولا الكفار المسلم ، راجع سنن ابن ماجة 2 : 164 ، صحيح سنن المصطفى / أبي داود 2 : 19 - باب هل يرث المسلم الكافر . ( * )

 

 

- فدك في التاريخ - السيد محمد باقر الصدر ص 158 : -

فإذا استطاع شخص أن يقرأ أفكار عالم من علماء الأخلاق ، ويهذب نفسه على هدى تلك الأفكار ، لم يصح تسمية ذلك العالم مهذبا ، لأن إيجاد أي شئ سواء أكان تهذيبا أو توريثا أو تعليما أو نحو ذلك لا يستقيم إسناده إلى شخص إلا إذا كان للشخص عمل إيجابي ، وتأثير ملحوظ في تحقق ذلك الشئ الموجود .

والأنبياء وإن حازوا شيئا من العقارات والدور ، ولكن ذلك لم يكن بسعي منهم وراء المال كما هو شأن الناس جميعا . ونقرر علاوة على هذا أن المقصود من الكلام ليس هو بيان أن الأنبياء لا يورثون ولا يتركون مالا ، بل ما يدل عليه ذلك من مقامهم واميتازهم .

وما دامت الجملة كذلك ولم يكن الهدف الحقيقي منها بيان معناها الحرفي ، فلا يمنع حيازة الأنبياء لبعض تلك الأموال عن صواب التفسير الذي قدمناه ، كما أن من كنى قديما عن الكريم بأنه كثير الرماد ( 1 ) لم يكن كاذبا سواء أكان في بيت الكريم رماد ، أو لا ، لأنه لم يرد نعته بهذا الوصف حقا وإنما أشار به إلى كرمه ، لان أظهر لوازم الكرم يومذاك كثرة المطابخ الموجبة لكثرة الرماد .

وعدم التوريث من أوضح آثار الزهد والورع ، فيجوز أن يكون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد أشار إلى ورع الأنبياء بقوله : إن الأنبياء لا يورثون .


 10 - ولأجل أن نتبيم معنى القسم الثاني من صيغ الحديث يلزمنا أن نميز بين معان ثلاثة - :
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) الكناية عن الكريم بكثير الرماد ، مما شاع على ألسنة البلغاء والشعراء . راجع : جواهر البلاغة / أحمد الهاشمي : 363 . لاحظ بيت الخنساء المشهور في أخيها صخر : رفيع العماد طويل النجاد كثير الرماد . . . ( * )

 

 

- فدك في التاريخ - السيد محمد باقر الصدر ص 159 : -

( الأول ) أن تركة الميت لا تورث ، ومعنى هذا إن ما كان يملكه إلى حين وفاته ، وتر كه بعده لا ينتقل إلى آله بل يصبح صدقة حين موته .

( الثاني ) أن ما تصدق به الميت في حياته ، أو أقفه على جهات معينة لا يورث بل يبقى صدقة ووقفا ، والورثة إنما يورثون غير الصدقات من الأموال التي كان يملكها الميت إلى حين وفاته .

( الثالث ) أن الشخص ليس لديه أموال مملوكة له لتورث ، وكل ما سوف يتكره من أموال إنما هو من الصدقات والأوقاف .

ومتى عرفنا الفارق بين هذه المعاني يظهر أن صيغة الحديث ليست واضحة كل الوضوح ولا غنية عن البحث والتمحيص ، بل في طاقتها التعبيرية إمكانيات التفسير بالمعاني الانفة الذكر جميعا ، فإن النصف الثاني من الحديث وهو - ما تركناه صدقة

- يجوز أن يكون مستقلا في كيانه المعنوي ، مركبا من مبتدأ وخبر ، ويمكن أن يكون تكملة لجملة لا نورث . ففي الحالة الاولى يقبل الحديث التفسير بالمعنى الأول والثالث من المعاني السابقة لأن جملة - ما تركناه صدقة - قد يراد بها أن التركة

لا تنقل من ملك الميت إلى آله وإنما تصبح صدقة بعد موته ، وقد يقصد بها بيان المعنى الثالث وهو أن جميع التركة صدقة ولم يكن يملك منها الميت شيئا ليورث كما إذا أشار الأ نشان إلى أمواله وقال : إن هذه الأموال ليست ملكا لي وإنما هي صدقات أتولاها .

والحديث على تقدير أن تكون له وحدة معنو ية ، يدل على المعنى الثاني ، أي أن الصدقات التي تصدق بها الميت في حياته لا تورث دون سائر تركته ، ويكون الموصول مفعولا لا مبتدأ . ويتضح من الصيغة على هذا التقدير نفس ما يفهم منها إذا انعكس الترتيب فيها وجاءت
 

- فدك في التاريخ - السيد محمد باقر الصدر ص 160 : -

هكذا : - ما تركناه صدقة لا نورثه - فكما يؤتى بهذه الجملة لبيان أن الصدقات لا تور ث ، لا أن كل أقسام التركة صدقة ، كذلك يصح أن يقصد نفس ذلك المعنى من صيغة الحديث بترتيبها المأثور .

فتكون دليلا على عدم انتقال الصدقات إلى الورثة على على عدم تشريع الأرث إطلاقا . وقد يكون من حق سيبويه علينا أن نشير إلى أن قواعد النحو ترفع كلمة صدقة على تقدير استقلال - ما تركناه صدقة - معنويا وتنصبها على التقدير الاخر .

ومن الواضح أن الحركات الاعرابية لا تلحظ في التكلم عادة بالنسبة إلى الحرف الأخير من حروف الجملة للوقوف عليه المجوز لتسكينه .


 11 - وإذن فقد وضعنا بين يدي الحديث عدة من المعاني في سبيل البحث عن مدلوله . وليس من الأسراف في القول أن نقرر أن تفسير الحديث بما يدل على أن أموال النبي صلى الله عليه وآله وسلم تكون صدقة بعد موته ، لا يرجح على المعنيين

الاخرين ، بل قد نتبين لونا من الرجحان للمعنى الثاني - وهو أن المتروك صدقة لا يورث - دون سائر التركة إذا تأملنا ضمير الجمع في الحديث ، وهو النون ، وهضمنا دلالته كما يجب لأن استعماله في شصخه الكريم خاصة لا يصح إلا على

سبيل المجاز ، ثم هو بعد ذلك بعيد كل البعد عن تواضع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في قوله وفعله . فالظواهر تجمع على أن النون قد استعملت في جماعة ، وإن الحكم الذي تقرره العبارة ثابت لها وليس مختصا بالنبي صلى الله عليه

وآله وسلم ، والأوفق باصول التعبير أن تكون الجماعة جماعة المسلمين لا الأنبياء ، لأن 73 الحديث مجرد عن قرينة تعين هؤلاء ، ولم يسبق بعهد يدل عليهم . وليس لك أن تعترض بأن صيغة الحديث يجوز أنها كانت مقترنة حال صدورها من النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقرينة أو مسبوقة بعهد يدل على أن
 

- فدك في التاريخ - السيد محمد باقر الصدر ص 161 : -

مراده من الضمير جماعة الأنبياء ، لأن اللازم أن تعتبر عدم ذكر الخليفة لشئ من ذلك - مع أن الراوي لحديث لا بد له من نقل سائر ما يتصل به مما يصلح لتفسيره - دليلا على سقوط هذا الاعتراض .

وأضف إلى هذا أن إغفال ذلك لم يكن من صالحه ، وإذن فليكن الواقع اللفظي للحديث هو الواقع المأثور عن الخليفة بحدوده الخاصة بلا زيادة ولا نقيضة .

والمفهوم من الضمير حينئذ جماعة المسلمين لحضورهم ذاتا عند صدور العبارة من النبي صلى الله عليه وآله وسلم . وقد جرت عادة المتكلمين على أنهم إذا أوردوا جملة في مجتمع من الناس ، وأ درجوا فيها ضمير المتكلم الموضوع للجماعة ،

أن يريدوا بالضمير الجماعة الحاضرة . فلو أن شخصا من العلماء اجتمع عنده جماعة من أصدقائه ، وأخذ يحدثهم وهو يعبر بضمير المتكلم الموضوع للجمع بلا سبق ذكر العلماء ، لفهم من الضمير أن المتكلم يعني بالجماعة نفسه مع أصدقائه الحاضرين لا معشر العلماء الذين يندرج فيهم ، ولو أراد جماعة غير اولئك الحاضرين لم يكن مبينا بل ملغزا .

وتعليقا على هذا التقدير ماذا تراه يكون هذا الحكم الذي أثبته الحديث للمسلمين - الذين قد عرفنا أن الضمير يدل عليهم - هل يجوز أن يكون عبارة عن عدم توريث المسلم لتركته ؟ أو أن الأموال التي عند كل مسلم ليست ملكا له وإنما هي من

الصدقات ؟ كلا ! فإن هذا لا يتفق مع الضروري من تشريع الأسلام ، لأن المسلم في عرف القرآن يملك بألوان متعددة من أسباب الملك عند الناس ، ويورث ما يتركه من أموال ( بعد وصية يوصي بها أو دين ) ( 1 ) . وأنت ترى
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) إشارة إلى قوله تعالى : ( يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة فلها النصف ولاءبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلاءمه االثلث فإن كان له إخوة فلاءمه السدس من بعد وصية يوصي بها أو دين ) النساء / 11 . ( * )

 

 

- فدك في التاريخ - السيد محمد باقر الصدر ص 162 : -

معي الان بوضوح أن الحكم ليس إلا أن الصدقة لا تورث ، فإن هذا أمر عام لا يختص بصدقة دون صدقة بل يطرد في سائر صدقات المسلمين .

ولا غرابة في بيان الحكم بعدم توريث الصدقات في صدر زمان التشريع مع وضوحه الان ، لأن قواعد الشريعة وأحكامها لم تكن قد تقررت واشتهرت بين المسلمين فكان لاحتمال انفساخ الصدقات والأوقاف بموت المالك ورجوعها إلى الورثة متسع ، ولا يضعضع قيمة هذا التفسير عدم ذكر الز هراء له واعتراضها به على الخليفة .

أما أولا : فلأن الموقف الحرج الذي وقفته الزهرء في ساعتها الشديدة لم يكن ليتسع لمثل تلك المناقشات الدقيقة ، حيث أن السلطة الحاكمة التي كانت تريد تنفيذ قراراتها بصورة حاسمة قد سيطرت على الموقف بصرامة وعزم لا يقبلان جدالا ،

ولذا نرى الخليفة لا يزيد في جواب استدلال خصمه بآيات ميراث الأنبياء على الدعوى الصارمة إذ يقول : ( هكذا هو ) - كما في طبقات ابن سعد * ( 1 ) - فلم يكن مصير هذه المناقشات لو قدر لها أن تساهم في ا لثورة بنصيب إلا الرد والفشل .


وأما ثانيا : فلأن هذه المناقشات لم تكن تتصل بهدف الزهراء وغرضها الذي كان يتلخص في القضاء على جهاز الخلافة الجديدة كلها ، فمن الطبيعي أن تقتصر على الأساليب التي هي أقرب إلى تحقيق ذلك الغرض ،
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) طبقات ابن سعد 2 : 315 ، طبعة دار صادر ، قول الخليفة الأول في الجواب : هكذا هو . ( * )

 

 

- فدك في التاريخ - السيد محمد باقر الصدر ص 163 : -

فتراها مثلا في خطابها الخالد خاطبت عقول الناس وقلوبهم معا ، ولكنها لم تتجاوز في احتجاجها الوجوه البديهية التي كان من القريب أن يستنكر اغضاء الخليفة عنها كل أحد ، ويجر ذلك الاستنكار إلى معارضة حامية . فقد نفت وجود سند لحكم

الخليفة من الكتاب الكريم ، ثم ذكرت ما يخالفه من الايات العامة المشرعة للتوارث بين سائر المسلمين ( 1 ) ، والايات الخاصة الدالة على توريث بعض الأنبياء كيحيى وداود عليهما السلام ، ثم عرضت المسألة على وجه آخر وهو : إن ما حكم

به الخليفة لو كان حقا للزم أن يكون أعلم من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ووصيه ، لأنهما لم يخبراها بالخبر مع أنهما لو كانا على علم به لأخبر اها به ، ومن الواضح أن الصديق لا يمكن أن يكون أعلم بحكم التركة النبوية من النبي صلى

الله عليه وآله وسلم أو علي الذي ثبتت وصايته ( 2 ) لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وذلك في قولها : ( يا ابن أبي قحافة أفي كتاب الله أن ترث أباك ولا أرث أبي ؟ لقد جئت شيئا فريا ! أفعلى عمد تركتم كتاب الله ونبذتموه وراء ظهوركم ؟ إذ يقول : ( وورث سليمان داود ) ( 3 ) وقال فيما اقتص من خبر يحيى بن زكريا :
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) من الواضحات العلمية أخيرا : أن الخبر الواحد المعتبر يصلح لتخصيص الكتاب ، لأنه حاكم أو وارد كما هو الصحيح على أصالة العموم وأصالة الأطلاق . وإنما احتجت الزهراء بالايات العامة ، لأنها لم تكن تعترف بوثاقة الصديق وعدالته . ( الشهيد )

( 2 ) وصاية الأمام علي عليه السلام ثابتة على كل حال : أما عند الأمامية ، فعليها الأجماع ، وعلى أنها بالمعنى الأعم أي الخلافة أيضا ، وأما عند غيرهم فثابتة ولكن بالمعنى الأخص . راجع حديث الدار ا لمشهور تاريخ الطبري 2 وقد تقدم ، مسألة الوصية والاستدلال عليها تفصيلا ، المراجعات / العلامة عبد الحسين شرف ا لدين : 236 .
( 3 )
النمل / 16 . ( * )

 

 

- فدك في التاريخ - السيد محمد باقر الصدر ص 165 : -

أحدثتم ، وعجلان ما أتيتم ، ألأن مات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمتم دينه ؟ ! ها إن موته لعمري خطب جليل ، استوسع وهنه ، واستبهم فتقه ، وفقد راتقه ، وأظلمت الأرض له ، خشعت الجبا ل ، وأكدت الامال .

اضيع بعده الحريم ، وهتكت الحرمة ، واذيلت المصونة ، وتلك نازلة أعلن بها كتاب الله قبل موته ، وأنبأكم بها قيل وفاته ، فقال : ( وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر

الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين ) ( 1 ) إيها بني قيلة ! هتضم تراث أبي وأنتم بمرأى ومسمع تبلغكم الدعوة ، ويشملكم الصوت ، وفيكم العدة والعدد ، ولكم الدار والجنن ، وأنتم نخبة الله التي انتخب وخيرته التي اختار . . . الخ ) ( 2 ) .


وإذن فلم تكن المناقشات في تفسير الحديث وتأويله مما تهضمها السلطات الحاكمة ، ولا هي على علاقة بالغرض الرئيسي للثائرة من ثورتها . وهذا يفسر لنا عدم تعرضها للنحلة في خطابها أيضا . 
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) آل عمران / 144 . ( 2 ) خطبة الزهراء / شرح النهج 16 : 212 - 213 . ( * )

 

 

 

الصفحة الرئيسية

 

مكتبة الشبكة

 

فهرس الكتاب