|
الخليفة لم يصدق
روايته في بعض الأحايين |
|
|
( نتائج المناقشة )
1 - قد لا يكون من العسير تصفية الحساب مع
الخليفة بعد أن اتضح
موقفه ، وتقررت الملاحظات التي لا حظناها في الحديثين اللذين رواهما عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم . وتتلخص المؤاخذة التي آخذناه بها حتى الان في عدة امور نشير إليها لنجمع نتائج ما سبق : ( الأول ) أن الخليفة لم يصدق روايته في بعض الأحايين كما المعنا في مستهل هذا الفصل . . . ( الثاني ) أن من الأسراف في الاحتمال أن نجوز إسرار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى الخليفة بحكم تركته 78 وإخفاءه عن بضعته وسائر ورثته . وكيف اختص بالخليفة دون غيره بمعرفة الحكم المذكور ؟ ( 1 ) مع أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن من عادته الاجتماع بأبي بكر وحده إلا
بأن يكون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اخبره بالخبر في خلوة متعمدة ليبقى
الأمر مجهولا لدى ورثته وبضعته ويضيف بذلك إلى آلامها من ورائه محنة جديدة .
( الثالث ) أن عليا هو وصي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بلا ريب ، للحديث الدال على ذلك الذي ارتفع به رواته إلى درجة التواتر واليقين حتى شاع في شعر أكابر الصحابة فضلا عن رواياتهم كعبد الله بن عباس وخزيمة بن ثابت الأنصاري وحجر بن عدي وأبي الهيثم بن التيهان وعبد الله بن
أبي سفيان بن الحرث بن عبد المطلب وحسان بن ثابت وأمير المؤمنين علي بن أبي
طالب ( 2 ) . وإذن فالوصاية من الأوسمة الأسلامية
الرفيعة التي اختص بها
الأمام بلا ريب ( 1 ) . وقد اختلف شيعة علي وشيعة أبي بكر في معنى هذه الوصاية فذهب السابقون الأولون إلى أنها بمعنى النص عليه بالخلافة ، وتأولها الاخرون فقالوا : إن عليا وصي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على علمه أو شريعته أو مختصاته . ولا نريد الان الاعتراض على هؤلاء أو تأييد اولئك ، وإنما نتكلم على الحد يث بمقدار ما يتطلبه اتصاله بموضوع هذا البحث ونقرر النتيجة التي يقضي بها على كل من تلك التفاسير . فنفترض أولا : إن الوصاية بمعنى الخلافة ، ثم نتبين الصديق على هدى الحديث . فإنا سوف نراه شخصا سارقا لأنفس المعنويات الأسلامية ، ومتصرفا في مقدرات الامة بلا سلطان شرعي . ولا مجال لهذا الشخص حينئذ أن يحكم بين الناس ، ولا يسعنا أن نؤمن له بحديث . ولنترك هذا التفسير ما دام شديد
القسوة على صاحبنا ونقول : إن عليا وصي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على
علمه وشريعته ، فهل يسعنا مع الاعتراف بهذه الوصاية المقدسة أن نؤمن بحديث
ينكره الوصي ؟ ! وما دام هو العين الساهرة على شريعة السماء
( 2 ) ، فلا بد أن يؤخذ رأيه في كل مسألة نصا لا
مناقشة فيه ،
لأنه أدرى بما أوصاه به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وائتمنه عليه . وخذ إليك بعد ذلك الاسلوب الثالث ، فإنه ينتهي إلى النتيجة السابقة عينها لأن عليا إذا كان وصيا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على تركته ومختصاته ، فلا معنى لسطو الخليفة على التركة النبوية ووصي النبي صلى الله عليه وآله وسلم عليها موجود وهو أعرف بحكمها ومصيرها الشرعي . ( الرابع ) أن تأميم التركة النبوية من أوليات الخليفة في التاريخ ، ولم يؤثر في تواريخ الامم السابقة ذلك ، ولو كان قاعدة متبعة قد جرى عليها الخلفاء بالنسبة إلى تركة سائر الأنبياء لاشتهر الأمر ، وعرفته امم الأنبياء جميعا . كما أن إنكار الخليفة لملكية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لفدك - كما تدل عليه بعض المحاورات السابقة - كان فيه من التسرع شئ كثير ، لأن فددك مما لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب ، بل استسلم أهلها خوفا ورعبا باتفاق أعلام المؤرخين ( 1 ) من السنة والشيعة . وكل أرض يستسلم أهلها على هذا الاسلوب فهي للنبي صلى الله عليه وآله وسلم خالصة ( 2 ) . وقد أشار الله تعالى في الكتاب الكريم إلى أن فدك للنبي صلى الله عليه وآله وسلم بقوله : ( وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ) ( 3 ) . ولم يثبت تصدق النبي بها ووقفه لها . ( الخامس ) إن الحديثين اللذين
استدل بهما في الموضوع لا يقوم منهما
دليل على ما أراد ، وقد خرجنا من دراستهما قريبا بمعنى لكل منهما لا يتصل بمذهب ا لخليفة عن قرب أو بعد . وإن أبيت فلتكن المعاني الانفة الذكر متكافئة ، ولتكن العبارة ذات تقادير متساوية ، ولا يجوز حينئذ ترجيح معنى لها والاستدلال بها عليه .
صدقة ) من المعنى ما ينفع الخليفة ، ونلغي تفسيرها بأن الصدقة المتروكة لا تورث ، ثم ندرس المسألة على ضوء هذه التقادير . وهذا الاعتراض الجديد هو أن اللازم - في العرف العلمي - متى صحت هذه الفروض تأويل الخبر ، ولم يجز الركون إلى أوضح معانيه ، لأنه يقرر حينئذ عدم توريث سائر الأنبياء لتركاتهم ، لما جاء في بعضها من التصريح بالتعميم نحو إنا معاشر الأنبياء لا نورث ، ولما يدل عليه بالنون في قوله : لا نورث ما تركناه صدقة ، من تعليق الحكم على جماعة . وحيث يتضح أن الحكم في الحديث عدم توريث التركة ، يتجلى أن المراد بالجماعة جماعة الأ نبياء ، إذ لا توجد جماعة اخرى نحتمل عدم انتقال تركاتها إلى الورثة . وقد دل صريح القرآن الكريم على توريث بعض الأنبياء ، إذ قال الله تبارك وتعالى في كتابه الكريم مخبرا عن زكريا عليه السلام : ( وإني خفت الموالي من ورائي وكانت امرأتي عاقرا فهب لي من لدنك وليا * يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا ) ( 1 ) . والأرث في الاية بمعنى إرث المال ، لأنه هو الذي ينتقل
حقيقة من الموروث إلى الوارث ، وأما العلم والنبوة فلا
ينتقلان انتقالا حقيقيا
( 1 ) ، وامتناع انتقال العلم على نظرية اتحاد
العاقل والمعقول
( 2 ) واضح كل الوضوح . وأما إذا اعترفنا
بالمغايرة الوجودية بينهما ، فلا ريب في تجرد الصور العلمية
( 3 ) وأنها قائمة بالنفس قياما صدوريا
( 4 ) ، بمعنى
أنها معلولة للنفس والمعلول الواحد بحسب الذات - لا بمجرد الاتصال فقط - متقوم بعلته ومرتبط الهوية بها ، فيستحيل انتقاله إلى علة اخرى . ولو افترضنا أن الصور المدركة أعراض وكيفيات قائمة بالمدرك قياما حلوليا ، فيستحيل انتقالها لاستحالة انتقال العرض من موضوع إلى موضوع كما برهن عليه في الفلسفة سواء أقلنا بتجردها أو بماديتها بأن اعترافنا باشتمال الصور المدركة على الخصائص العامة للمادة من قابلية الانقسام ونحوها . وإذن فالعلم يستحيل انتقاله في حكم المذاهب الفلسفية الدائرة حول الصور العلمية جميعا . وإذا لاحظنا النبوة وجدنا أنها هي الاخرى أيضا مما لا يجوز في عرف العقل انتقالها سواء أذهبنا في تفسيرها مذهب بعض الفلاسفة وقلنا أنها مرتبة من مراتب الكمال النفسي ، ودرجة من درجات الوجو د الأنساني الفاضل الذي ترتفع إليه المهية الأنسانية في ارتقاءاتها الجوهرية وتصاعداتها نحو الكمال
المطلق ، أو أخذنا بالمعنى المفهوم للناس من الكلمة واعتبرنا النبوة منصبا
إلهيا مجعولا لا كمنصب الملك والوزير ، ويكون ذلك التكامل النفسي شرطا له ،
فالمفهوم الأول يمتنع انتقاله بالضرورة لأنه
نفس وجود النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكمالاته الذاتية ، والنبوة بالمعنى الاخر يستحيل انتقالها أيضا لأنها حينئذ أمر اعتباري متشخص الأطراف ولا يعقل تبدل طرف من أطرافه إلا بتبدل نفسه وانقلابه إلى فرد آخر . فنبوة زكريا مثلا هي هذه التي اختص بها زكريا ولن يعقل ثبوتها
لشخص آخر لأنها لا تكون حينئذ تلك النبوة الثابتة لزكريا
وإذن فالنتيجة التي يقررها العقل في شوطه الفكري القصير الذي لا يعسر على الخليفة مسايرته فيه هي أن المال وحده الذي ينتقلت دون العلم والنبوة .
ولكن هذا الاعتراض لا يختص بتفسير دون تفسير ، لأن يحيى عليه السلام كما أنه لم يرث مال أبيه كذلك لم يخلفه في نبوته . وما ثبت له من النبوة لم يكن وراثيا وليس هو مطلوب زكريا وإنما سأل زكريا ربه وا رثا يرثه بعد موته ولذا قال :
(
وإني خفت الموالي من ورائي
) ( 1 ) أي بعد موتي ، فإن كلامه يدل بوضوح على
أنه أراد وارثا يخلفه ولم يرد نبيا يعاصره ، وإلا لكان خوفه من الموالي بعد
وفاته باقيا . فلا بد - على كل تقدير - أن نوضح الاية على اسلوب يسلم عن
الاعتراض ، وهو أن تكون جملة (
يرثني ويرث من آل
يعقوب ) ، جوابا للدعاء بمعنى إن رزقتني ولدا يرث ، لا صفة ليكون زكريا قد سأل ربه وليا وارثا . فما طلبه النبي من ربه تحقق وهو الولد وتوريثه المال أو النبوة لم يكن داخلا في جملة ما سأل ربه وإنما كان لازما لما رجاه في معتقد زكريا عليه السلام . ويختلف تقدير العبارة صفة عن تقديرها جوابا من النواحي اللفظية في الاعراب ، لأن الفعل إذا كان صفة فهو مرفوع ، وإذا كان جوابا يتعين جزمه . وقد ورد في قراءته ( 1 ) كلا الوجهين . وإذا لا حظنا قصة زكريا في موضعها القرآني الاخر وجدنا أنه لم يسأل ربه إلا ذرية طيبة ، فقد قال تبارك وتعالى في سورة آل عمران : ( هنالك دعا زكريا ربه قال رب هبب لي من لدنك ذرية طيبة ) ( 2 ) . وأفضل الأساليب في فهم القرآن ما كان منه مركزا على القرآن ( 3 ) نفسه ، وعلى هذا فنفهم من هذه الاية أن زكريا كان مقتصدا في دعائه ولم يطلب من
ربه إلا ذرية طيبة ، وقد جمع القرآن الكريم دعاء زكريا في جملة واحدة تارة وجعل
لكل من الذرية ووصفها دعوة مستقلة في موضع آخر فكانت جملة هب لي من لدنك وليا
طلبا للذرية ، وجملة واجعله ربي رضيا دعوة بأن تكون الذرية طيبة . وإذا جمعنا
هاتين الجملتين أدت نفس المعنى
الذي تفيده عبارة هب لي من لدنك ذرية طيبة وتخرج كلمة ( يرثني ) بعد عملية المطابقة ابقة بين الصيغتين القرآنيتين عن حدود الدعاء ، ولا بد حينئذ أن تكون جوابا له .
ووراثة النبوة ليست ملازمة لوجود الذرية إطلاقا ، بل قد لا تتفق في مئات الملايين من الأشخاص لما يلزم في هذا المقام من كفاءة فذة وكمال عظيم ، فلا يجوز أن توضع النبوة بجلالها الفريد جوابا لسؤال الله تعالى ذرية طيبة ، لأن النسبة بين الذرية الأنسانية وبين الجديرين بتحمل أعباء الرسالة السماوية هي النسبة بين الاحاد والملايين .
( الأول ) أن زكريا عليه السلام لو كان قد طلب من
ربه ولدا وارثا لنبوته لما طلب بعد ذلك أن يكون رضيا ، لأنه دخل في دعوته
الاولى ما هو أرفع
من الرضا . ( الثاني ) أن إغفال الأرث بالمرة في قصة زكريا الواردة في سورة آل عمران إن لم يد ل على أن الأرث خارج عن حدود الدعاء ، فهو في الأقل يوضح أن معنى الأرث في الموضع القرآني الاخر للقصة إرث المال لا إرث النبوة ، لأن زكريا لو كان قد سأل ربه أمرين : أحدهما أن يكون ولده طيبا رضيا ، والاخر أن يرث نبوته ، لما اقتصر القرآن الكريم على ذلك الوصف الأول الذي طلبه زكريا عليه السلام فإنه ليس شيئا مذكورا بالأضافة إلى النبوة . ولكي تتفق معي على هذا لاحظ نفسك فيما إذا سألك سائل بستانا ودرهما فأعطيته الأمرين معا . ثم أردت أن تنقل القصة وتخص الدرهم بالذكر ، لا أراك تفعل ذلك إلا إذا كنت كثير التواضع . ورجحان البستان على الدراهم في حساب القيم الما دية هو دون امتياز النبوة على طيب الذرية في موازين المعنويات الروحية . وإذن فقصة زكريا
التي جاءت في سورة آل عمران ، ولم يذكر فيها عن
( الاولى ) قول زكريا عاطفا على كلمة ( يرثني ) : - ( ويرث من آل يعقوب ) - فإن يحيى لا يرث أموال آل يعقوب ، وإنما يرث منهم
النبوة والحكمة . ( الثانية ) ما قدمه النبي تمهيدا لدعائه من قوله : وإني خفت الموالي من روائي ، حيث أن خوفه إنما كان سبب الأشفاق على معالم الدين ، والرغبة في بقائها باستمرار النبوة ، لأن هذا هو اللائق بمقام الأنبياء دون الحرص على الأموال ، والخوف من وصولها إلى بعض الورثة . واعترض أصحابنا على النقطة الاولى ، بأن زكريا عليه السلام لم يسأل ربه أن يرث ولده أموال آل يعقوب جميعا ، وإنما أراد أن يرث منها ، فلا يكون دليلا على التفسير المزعوم . وأما النقطة الثانية فهي من القرائن على التفسير الذي اخترناه ، لأن الخوف على ا لدين والعلم من أبناء العم لا معنى له ، لأن اللطف الألهي لا يترك الناس سدى بلا حجة بالغة . فمعالم الدين ، وكلمة السماء محفوظة بالرعاية الألهية ، والنبوة مخوصة أبدا بالأقلين من نوابغ البشر لا يخشى عليها من السطو والنهب . وإذ ن فماذا كان يحسب زكريا ربه صانعا لو لم يمن عليه بيحيى ؟ أكان يحتمل أن يكلف برسالته مواليه ؟ أعني بني عمومته مع عدم كفاءتهم للقيام بواجب الرسالة الألهية وعدم جدارتهم بهذا الشرف ؟ ! أو كان يرى أن الله تعالى يهمل أمر خلقه ليكون لهم الحجة عليه ؟ ليس هذا ولا ذاك مما يجوزه نبي ، وإنما خاف زكريا من بني أعمامه على أمواله فطلب من الله ولدا رضيا يرثها . ولا جناح عليه في ذلك ، إذ يحتمل أن تكون رغبته في صرف أمواله عن بني عمومته بسبب أنها
لو آلت إليهم لوضعوها في غير مواضعها ، وأنفقوها في المعاصي وألوان الفساد لما
كان يلوح عليهم من علامات الشر وإمارات السوء حتى قيل أنهم شرار
بني إسرائيل . وقد حاول ابن أبي الحديد أن يصور وجها لخوف زكريا من الموالي على الدين من ناحيتين : - ( الاولى ) عن طريق اصول الشيعة ، فذكر أن دعوى امتناع مثل هذا الخوف على النبي غير مستقيم على مذهب الشيعة لأن المكلفين قد حرموا بغيبة الأمام عندهم ألطافا كثيرة الوصلة بالشرعيات كالحدود وصلاة الجمعة والأعياد ، وهم يقولون في ذلك أن اللوم على الملكلفين لأنهم قد حرموا أنفسهم اللطف ، فهلا جاز أن يخاف زكريا عليه السلام من تبديل لدين وتغييره وإفساد الأحكام الشرعية لأنه إنما يجب على الله التبليغ بالرسول إلى المكلفين ، فإذا أفسدوا هم الأديان وبدلوها لم يجب عليه أن يحفظها عليهم لأنهم هم الذين حرموا أنفسهم اللطف ( 1 ) . ولاسجل ملاحظتي على هذا الكلام ثم ننتقل بك إلى الناحية الثانية . فأقول : إن الخوف من انقطاع النبوة إنما يصح على اصول الشيعة إذا نشأ عن احتمال إفساد الناس لدينهم على نحو لا يستحقون معه ذلك ، كما هو الحال في زمان غيبة الأمام المنتظر صلوات الله عليه ، لا فيما إذا كان سببه الاطلاع على عدم لياقة جماعة خاصة للنبوة مع استحقاق الناس لها . فإن إرسال الرسول ، أو نصب من يقوم مقامه واجب في هذه الصورة على الله تعالى لما أوجبه على نفسه من اللطف بعباده .
وإذن فقصور أبناء العمومة عن نيل المنصب الألهي لا يجوز أن ينتهي بزكريا إلى
احتمال انقطاع النبوة
وانطماس معالم الدين إذا كان الناس مستحقين للألطاف الألهية
. وإذا لم يكونوا جديرين بها فمن الممكن انقطاع الاتصال بين السماء والأرض سواء
أكان بنو العمومة صالحين أو لا ، وسواء من الله عليه بذرية أو بقى عقيما .
والاية الكريمة تدل على أن الباعث إلى الخوف في نفس زكريا إنما هو فساد الموالي
لا فسا د الناس . ( الثانية ) عن طريق تفسير الموالي بالامراء ، بمعنى أن زكريا خاف أن يلي بعد موته ا مراء ورؤساء يفسدون شيئا من الدين ، فطلب من الله ولدا ينعم عليه بالنبوة والعلم ليبقى الدين محفوظا ( 1 ) . ولنا أن نتساءل عما إذا كان هؤلاء الرؤساء الذين اشفق على الدين منهم ، هم الأنبياء الذين يخلفونه أو أنهم أصحاب السلطان الزمني والحكم المنفصل عن السماء ؟ ولا خوف منهم على التقدير الأول إطلاقا لأنهم أنبياء معصومون . وأما إذا كانوا ملوكا فقد يخشى منهم على الدين . ولكن ينبغي أن نلاحظ أن وجود النبي حينئذ هل يمنعهم عن التلاعب في الشريعة والاستخفاف بالدستور الألهي أو لا ؟ فإن كان كافيا لو قاية الشريعة وصون كرامتها فلماذا خاف زكريا من اولئك الامراء ما دامت الألطاف الألهية قد ضمنت للنبوة الامتداد في
تاريخ الأنسانية الواعية وخلود الاتصال بين الأرض والسماء
بوجود ولد لزكريا يرث عنه النبوة ما دام النبي قاصرا عن
مقاومة القو ة الحاكمة ، وما دام الامراء من الطراز المغشوش ، مع أن الاية تدل
على أن زكريا كان
يرى أن خوفه يرتفع فيما إذا من الله عليه بولد رضي يرثه . ونتيجة هذا البحث أن الأرث في الاية هو إرث المال بلا ريب . وإذن فبعض الأنبياء يورثون وحديث الخليفة يقضي بأن الجميع لا يورثون . فالاية والرواية متعاكستان وكل ما عارض ( 1 ) الكتاب الكريم فهو ساقط . ولا يجوز أن تستثني زكريا خاصد من سائر الأنبياء ، لأن حديث الخليفة لا يقبل هذا ا لاستثناء وهذا التفريق بين زكريا عليه السلام وغيره . والنبوة إن اقتضت عدم التوريث فالأنبياء كلهم لا يورثو ن . ولا نحتمل أن يكون لنبوة زكريا عليه السلام خاصية جعلته يورث دون سائر الأنبياء . وما هو ذنب زكريا عليه السلام ، أو ما هو فضله الذي يسجل له هذا الامتياز ؟ أضف إلى ذلك أن تخصيص كلمة الانبياء الواردة في الحديث والخروج بها عما تستحقه من وضع لا ضرورة له بعد أن كان الحديث كما أوضحناه سابقا ، فهو تفسير على كل حال ، فلماذا نفسر الحديث بأن تركة النبي لا تورث لنضطر إلى أن نقول بأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يعني بالأنبياء
غير زكريا عليه السلام ؟ بل لنأخذ بالتفسير الاخر ونفهم من الحديث أن الأ نبياء
ليس لهم من نفائس الدنيا ما يورثونه ونحفظ للفظ العام حقيقته ( 2 )
.
ونعرف مما سبق أن صيغة الحديث لو كانت صريحة في ما أراده الخليفة لها من المعاني ، لنا قضت القرآن الكريم ، ومصيرها الاهمال حينئذ . وليس في المسألة سبيل إلى اعتبار الحديث مدركا قانونيا في موضوع التوريث ، ولذا لم يتفطن الصديق إلى جواى يدفع به اعتراض خصمه عليه بالاية الانفة الذكر ، ولم يوفق اوحد من أصحابه إلى الدفاع عن موقفه . وليس ذلك إلا لأنهم أحسوا بوضوح أن الحديث يناقض الاية بمعناه الذي يبرر موقف الحاكمين . ولا يمكن أن نعتذر عن الخليفة بأنه يجوز اختيار أحد النصين المتناقين وتنفيذه كما
يرتئيه جماعة من علماء الأسلام ، وقد اختار أن ينفذ مدلول الحديث ، وذلك لأن
المعارض للقرآن باطل بلا ر يب لأنه الحق ، وهل بعد الحق إلا الضلال ؟ ؟
ولم يكتف بشاهديها ، وطالبها بينة كاملة وهي رجلان أو رجل وامرأتان .
|
|